8.15.2018

الرهن الرسمي الدكتور يونس الزهري

الرهن الرسمي الدكتور يونس الزهري








الرهن الرسمي
الدكتور يونس الزهري
مدير تكوين الملحقين القضائيين والقضاة
    مقدمة




القاعدة في مجال الضمانات أن أموال المدين ضمان عام لدائنيه ، وهو ما يوفر الحماية للدائن والمدين على السواء، لأنه إذ يوفر للدائن الطمأنينة والضمان، يوفر للمدين الثقة، ويمكنه من الحصول على ما هو في حاجة إليه من مال وأجل، وهو بذلك يشجع الائتمان ويدعمه، ويساهم في تحقيق إنماء المشاريع الاقتصادية التي تعتمد في تمويلها على القروض التي تحصل عليها من الغير .
وتقوم فكرة الضمان العام على أساس قاعدتين، أولهما، أن جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه، حيث يستطيع الدائن أن ينفذ على أي مال من أموال المدين ما لم يكن ثمة سبب يمنعه من التنفيذ عليه ، وثانيهما أن جميع الدائنين متساوون في هذا الضمان إلا من تمتع منهم بضمان خاص، و عليه فعند تزاحم الدائنين تقسم حصيلة التنفيذ بين الدائنين العاديين  قسمة غرماء، مع العلم أن هذه القاعدة لا تطبق في حق الدائنين الممتازين، إذ أن هؤلاء يتقدمون على جميع الدائنين العاديين عند التزاحم طبقا  الفصل 1241 من ق.ل.ع .
ويترتب على الأخذ بمبدأ الضمان العام أن المدين يستطيع التصرف في أي مال من أمواله، فإن فعل ذلك خرج هذا المال من سلطان الدائنين، ولم يكن لهم الحق في تتبعه في يد من انتقل إليه المال، والسبب في ذلك أن الضمان العام لا يربط حق الدائن بمال معين من أموال مدينه، ولا يزود الدائن بأية سلطة قانونية يستطيع بواسطتها منع المدين من التعامل مع دائن جديد، وهو ما يجعل الدائن مهدد بخطر مزاحمة دائنين آخرين من ناحية، وخطر إعسار المدين نتيجة تصرفاته من ناحية ثانية.
وقد وضعت التشريعات المقارنة تحت تصرف الدائن مجموعة من الوسائل لحماية الضمان العام لحقه، غير أن هذه الوسائل وإن كانت تؤمن الدائن من خطر عدم التصرف في مال المدين، فإنها لا تؤمنه من مزاحمة باقي الدائنين، ولذلك يختار بعض الدائنين ضمانا أقوى يؤمنهم من خطر المزاحمة والتفويت من خلال إلزام المدين بتقديم ضمان عقاري، وهو ما يسمى قانونا بالرهن.
  والرهن نوعان: رهن حيازي ورهن رسمي، والأول نظمه المشرع في المواد من 145 إلى 164 من مدونة الحقوق العينية، وقد عرفته المادة 145 من ذات القانون كما يلي: "الرهن الحيازي حق عيني يتقرر على ملك يعطيه المدين أو كفيله العيني إلى الدائن المرتهن لضمان الوفاء بدين ويخول الدائن المرتهن حق حيازة المرهون وحق حبسه إلى أن يستوفي دينه"، ومن خلال ما ذكر تكون ميزته الجوهرية هي حيازة الدائن المرتهن رهنا حيازيا لموضوع الرهن.
أما الرهن الرسمي فقد نظمته مدونة الحقوق العينية في المواد من 165 إلى 221 منها، و قد عرفته في مادتها 165 بما يلي: " الرهن الرسمي حق عيني تبعي يتقرر على ملك محفظ أو في طور التحفيظ ويخصص لضمان أداء دين،  و ينقسم من حيث نشأته إلى قسمين رهن رسمي اتفاقي و رهن جبري، و الأول ينقسم بدوره إلى نوعين رهن رسمي و رهن رسمي مؤجل .
ولبيان مجموع الأحكام المرتبطة بالرهن الرسمي، وما يثيره من إشكالات فإننا سنقسم الموضوع إلى مبحثين، نتناول في الأول إنشاء الرهن الرسمي وآثاره، وفي الثاني لمسطرة تحقيق الرهن الرسمي.
المبحث الأول: إنشاء الرهن الرسمي وآثاره
    تختلق طريقة إنشاء الرهن بحسب نوع الرهن، فهو ينشأ جبرا عن المدين في حالة الرهن الإجباري، وبالتالي يجد مصدره في الحكم القاضي بإنشائه، أما في الحالة الثانية فهو ينشأ باتفاق الأطراف، ومن تم تشترط فيه الشروط العامة اللازمة لصحة التعاقد، بالإضافة إلى شرط الشهر بالرسم العقاري، وهو شرط يرتبط بالقواعد المطبقة على العقار محفظ أو الذي في طور التحفيظ محل الرهن الرسمي (المطلب الأول).
فإذا احترم الرهن الرسمي مجموع الضوابط المقررة لصحته أنتج آثاره القانونية، بحيث يصبح للدائن المرتهن الحق في أولوية استيفاء دينه بالأسبقية على باقي الدائنين العاديين وكذا الدائنين المرتهنين اللاحقين له في الرتبة، كما يكون بإمكانه تتبع العقار في أي يد انتقل إليها والتنفيذ على العقار بين يدي المالك الجديد، ويمارس الدائن المرتهن حقي الأولوية والتتبع في مواجهة الكفيل العيني كذلك (الفقرة الثانية).
المطلب الأول: إنشاء الرهن الرسمي
     ينقسم الرهن الرسمي من حيث إرادة أطرافه في إنشائه إلى رهن إجباري و اتفاقي، فالإجباري يكون بدون رضى المدين أي جبرا عنه و ذلك في الحالات التي يقررها القانون، و من بين هذه الحالات التي حددها القانون ما خوله المشرع من مكنة للبائع أو للمعاوض أو للمتقاسم، الذي لم يضمن برهن اتفاقي الأداء الكامل للثمن أو المدرك في إيقاع رهنا إجباري على الأملاك محل البيع أو المعاوضة أو القسمة، و يتم ذلك بناء على حكم قضائي تصدره محكمة الموضوع المختصة طبقا للقواعد العامة .‏
أما الرهن الاتفاقي فكما يدل على ذلك اسمه فإنه لا ينعقد إلا برضا طرفيه من خلال توافق و تطابق الإيجاب و القبول بينهما، و يشترط لانعقاده أن يفرغ في محرر كتابي، علما أن الكتابة المشترطة هنا لا توجب بالضرورة أن ينجز المحرر من طرف موثق أو عدلين أو محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ، فمقتضيات المادة 4 من مدونة الحقوق العينية تعطل عن الإعمال في قيام عقود الرهن و ذلك بناء على الاستثناء الذي أقرته الفقرة الثانية من المادة 174 من مدونة الحقوق العينية التي جاء فيها :
"لا تسري أحكام المادة 4 أعلاه على إنشاء أو نقل أو تعديل أو إسقاط الرهن الاتفاقي المقرر لضمان أداء دين لا تتجاوز قيمته المبلغ المالي المحدد بنص تنظيمي".
وبالتالي فالمهم هنا هو تضمين عقد الرهن الرسمي البيانات المستوجبة بمقتضى المادة 175 من مدونة الحقوق العينية كما يلي:
    - هوية أطراف العقد، و هنا يجب في الراهن مالكا للملك المرهون وأهلا للتصرف فيه ، و عند انعدام أهلية الراهن ، فإنه لا يجوز للأب أو الأم أو الوصي أو المقدم رهن أموال القاصر أو المحجور عليها رهنا رسميا إلا بإذن من القاضي، وفي اشتراط إذن قاضي المحاجير في هذه الحالة خروج على القاعدة المنصوص عليها في مدونة الأسرة و التي لا تخضع تصرفات الأب و الأم في أموال القاصر للرقابة القبلية لقاضي شؤون القاصرين،  ويطبق مع ملاحظة أنه إذا كان الأب أو الأم سيقومان برهن عقار القاصر لضمان دين لهما فإن مصلحتهما هنا تتعارض و مصلحة القاصر، و بالتالي فالجهة المختصة هنا لمنح الإذن برهن عقار القاصر هي المحكمة و ليس قاضي القاصرين .
وتطبيقا للأحكام المضمنة في الفصول أعلاه، فقد أبطل القضاء عقد الرهن الذي يختل فيه أحد الأركان كإبرامه من طرف قاصر أو من طرف الولي دون الحصول على الإذن المستوجب قانونا ، ومما جاء في تعليل أحد القرارات: "حيث إنه فيما يخص باقي ما أثاره المستأنف فإنه بالرجوع لمقتضيات الفصلين 11 و12 من ق.ل.ع يتضح أنه لا يجوز مطلقا للولي الشرعي أو الوصي أو المقدم على القاصر أو ناقص الأهلية أن يجري تبرعات محضة بأموال القاصر أو ناقص الأهلية ولو أجريت مع الإذن الذي يتطلبه القانون، وأنه ما دام أن العمل الذي قامت به والدة المستأنف عليه وهو قاصر آنذاك والذي بمقتضاه تبرعت تبرعا محضا برهن حصته في عقاره ضمانا لدين مكفولها وبصفتها مجرد كفيلة هو عمل من أعمال التبرعات المحضة، فإنه يعتبر إعمالا للمقتضيات المذكورة عملا باطلا ومعدوما، ومن تم فإن الحكم المستأنف الذي قضى بتأكيد بطلان هذا التصرف وما نتج عنه يعتبر قد صدر في محله ويتعين تأييده" .



                                                                          
كما أنه يكون من المهم أن يشار إلى هوية الأطراف على اعتبار أن الرهن الرسمي قد يرد على عقار مملوك على الشياع ، و بالتالي يحدد هل الرهن انصب على كل الحصص المملوكة شياعا للملاك أم انصب على حصة شريك بعينها فقط ، و هو أمر يرتبط بآثار الرهن ، إذ إذا صدر من الملاك المشاعين ظلت آثاره سارية بالنسبة لكل العقار و لو وقعت قسمته ، أما في حالة رهن حصص بعض الشركاء فقط فإنه عند القسمة ينتقل الرهن إلى حصة الشريك الراهن دون باقي الحصص التي خرج بها شركائه ، بشرط أن يكون الدائن المرتهن قد وافق على القسمة أو كان طرفا في الدعوى ، علما أن دعاوى القسمة المرفوعة بعد دخول مدونة الحقوق العينية حيز التطبيق لا تقبل إلا إذ اختصم فيها الدائنون المقيدون بالرسم العقاري ، و نفس الحكم يطبق على كل قسمة رضائية لا يعتد بها إلا إذ وافق عليها الدائنون أصحاب الحقوق العينية .
- تعيين الملك المرهون ببيان اسمه وموقعه ومساحته ومشتملاته ورقم رسمه العقاري أو مطلب تحفيظه، وأهمية هذا البيان تتجلى في التعريف بمحل الرهن تعريفا نافيا للجهالة من جهة، ومن جهة ثانية حتى يمكن تقييد الرهن بالرسم العقاري أو تقييده بسجل الإيداع متى انصب الرهن الرسمي على عقار في طور التحفيظ.
ونشير إلى أن وعاء الرهن الرسمي يمتد إلى العقار المرهون ومجموع التحسينات المقامة عليه، وذلك بناء على مقتضيات المادة 167 من مدونة الحقوق العينية التي جاء فيها:
 "يشمل الرهن الرسمي العقار المرهون وملحقاته وكل ما يستحدث فيه من إنشاءات وتحسينات بعد العقد أو يضم إليه بالالتصاق".
- بيان مبلغ الدين المضمون بالرهن والمدة المحددة لأدائه، ووظيفة هذا البيان هي تحديد وعاء الرهن الرسمي، ذلك أنه من المعلوم أنه عند عدم الوفاء بمبلغ الدين فإنه يتم اقتضاء الدين من العقار موضوع الرهن على سبيل الأولوية، و هي أولوية تشمل الدين و فوائد السنة الجارية و السنة التي قبلها  .
و مادام الرهن الرسمي يرد فقط على العقار المحفظ أو الذي في طور التحفيظ فلينتج الرهن الرسمي أثره فإنه يلزم تقييده بالرسم العقاري ، أو إيداعه بسجل الإيداع متى كان موضوعه عقارا في طور التحفيظ ، و هو ما عنه المشرع من خلال تنصيصه في المقطع الأخير من الفقرة الأولى من المادة 174 من مدونة الحقوق العينية على أنه: "لا يكون صحيحا إلا إذا قيد بالرسم العقاري"، و بهذا الشرط يتطابق النص الخاص مع القاعدة العامة الواردة في الفصلين 65 و 67 من ظهير التحفيظ العقاري، و يستمر مفعوله  إلى أن يتم تحقيقه أو رفعه، فقد نصت المادة 169 من مدونة الحقوق العينية على ما يلي :
"كل رهن رسمي مقيد بكيفية منتظمة في الرسم العقاري يحتفظ برتبته وصلاحيته بدون أي إجراء جديد إلى أن يقيد الإبراء من الدين بكيفية منتظمة بالرسم المذكور".
و قد أقر المشرع استثناء لهذه القاعدة بمقتضاه يمكن تأجيل تقييد الرهن الرسمي  بالرسم العقاري لمدة لا تتعدى 90 يوما و ذلك في حالة الرهن الاتفاقي المتعلق بقرض قصير الأجل ، و ميزة هذا الاستثناء أن الدائن المرتهن يحتفظ برتبة حقه حتى في غياب تقييد الرهن الرسمي بالرسم العقاري و ذلك بشرط أن يكون قد أودع أصل العقد أو نسخة منه مع نظير الرسم العقاري بالمحافظة العقارية و طلب كتابة من المحافظ على الأملاك العقارية أن يقيد حقه تقييدا احتياطيا وأن يحتفظ لديه بنظير الرسم العقاري ويمتنع من إجراء أي تقييد آخر برضى المالك وذلك مدة تسعين يوما تسري من تاريخ التقييد المنجز، إذ في هذه الحالة يضمن هذا التقييد الاحتياطي بالرسم العقاري ولا يشار إليه في نظيره .
     وعليه فإذا قيد الرهن بالرسم العقاري ـ باستثناء الرهن الرسمي المؤجل أنتج آثاره القانونية في ضمان الدين، ويمكن تجميع هذه الآثار فيما يلي:
1 - تبعية الرهن الرسمي للالتزام الأصلي تجعله يتبعه في الحكم، إعمالا للقاعدة العامة التي تقضي بأن التابع تابع ولا يفرد بالحكم، وأن التابع يأخذ حكم المتبوع، وعليه فإذا قضي ببطلان الالتزام الأصلي أو إبطاله أو فسخه انتهى أثره، وتبعا لذلك انقضى الرهن الرسمي، فوجود الرهن الرسمي إذن وعدمه رهين بشكل تبعي لصحة ونفاذ التصرف الأصلي، وفي المقابل فإن بطلان الرهن أو إبطاله أو فسخه أو انقضائه بأي شكل من الأشكال لا يؤثر في صحة ونفاذ الالتزام.
2 - لا يؤدي الرهن الرسمي إلى حرمان المدين الراهن من حق استعمال و استغلال المرهون، بحيث  يبقى الملك المرهون تحت يد الراهن يستعمله ويستغله ويتصرف فيه دون المساس بحقوق الدائن المرتهن، كما يكون له حق إدارة الملك المرهون والحصول على غلته إلى أن يباع عليه، في حالة عدم وفاء الدين، و في مقابل هذه الحقوق المقررة للمدين الراهن ففإن المشرع ألزمه بالمحافظة على المال المرهون ، و من تم فإنه يضمن الملك المرهون وهو مسؤول عن سلامته كاملا حتى وفاء الدين، فإذا هلك الملك المرهون أو تعيب بخطأ من الراهن كان للمرتهن أن يطلب وفاء دينه فورا أو تقديم ضمان كاف لدينه، و للحفاظ على الميزة التي يقدمها الرهن من أولوية للدائن في استيفاء الدين فإن حق الدائن المرتهن ينتقل عند هلاك الملك المرهون أو تعييبه أو نزع ملكيته لأجل المنفعة العامة إلى المال الذي يحل محله كمبلغ التأمين أو التعويض أو مقابل نزع الملكية، وللمرتهن أن يستوفي حقه من هذه الأموال وفقا لمرتبته.
3 - المنع من سريان أجل التقادم، والسند التشريعي في ذلك هو القاعدة المسطرة في الفصل 377 من ق ل ع الذي جاء فيه حرفيا ما يلي:
"لا محل للتقادم إذا كان الالتزام مضمونا برهن حيازي على المنقول أو برهن رسمي".
وقد انقسم الفقه بشأن تفسير هذا النص بين من فسره تفسيرا حرفيا فقال بأن هذا الحكم يسري فقط على المنقول، وبين من ذهب إلى أن التقادم لا يسري على الدين المضمون سواء برهن حيازي على منقول أو على عقار بحجة أن العلة واحدة بينهما، كما أن المشرع بذكره للرهن الرسمي يكون قد أدخل بصفة ضمنية العقار.
ونرى أنه إذا كان التقادم مبنيا على قرينة الوفاء، فإن هذه القرينة تكون ساقطة حكما طالما أن الدائن بيده رهن، لا فرق في ذلك بين أن يكون المرهون منقولا أو عقارا، لأنه لو وقع الأداء لشطب على الرهن، ومن جهة أخرى فإن التقادم يقوم على افتراض كون الدائن مهملا، والحال أن المرتهن ليس كذلك، لأنه لا يطالب بالدين فقط لاطمئنانه إلى الضمانة العينية المقدمة إليه، وهو ما استقر عليه القضاء.
 4 - كل محل الرهن الرسمي يضمن جميع الدين، وكل جزيئة من الدين يضمنها كل المال المرهون،  و هو ما يعبر عنه في أدبيات الضمانات العينية بقاعدة "الكل بالكل و الكل بالجزء، " و ترتيبا على ذلك فإنه لا يمكن للمدين الراهن أن يطالب بتقليص الضمان لكونه أدى جزءا من الدين ، و بطبيعة الحال فإن هذا لا يمنع أطراف العلاقة من تجديد شروط الضمان و الاتفاق على تقليص وعاء الرهن باتفاق مستقل ، بل أكثر من ذلك فإنه عادة ما يتم الاتفاق بين طرفي العلاقة على تسليم إبراءات جزئية لاستخراج رسوم عقارية فرعية خالية من التحمل بالرهن .
والسند في تقرير هذه القاعدة هو مقتضيات المادة 166 من مدونة الحقوق العينية التي جاء فيها ما يلي:
"الرهن الرسمي لا يتجزأ ويبقى بأكمله على العقارات المرهونة، على كل واحد وكل جزء منها".
5 - عند عدم وفاء المدين الراهن بالدين عند حلول الأجل يتم بيع المرهون وفق المسطرة المبسطة المحددة تشريعا، و كل شرط بمقتضاه يتملك الدائن المرتهن المال المرهون في حالة عدم أداء الأقساط الحالة يقع باطلا، أما عقد الرهن فيظل صحيحا، و هو ما يصطلح عليه بالقاعدة التالية: "شرط الرهن يَبْطُل و لا يُبْطِل "، و نفس الحكم المتعلق بالبطلان يطبق على ما يسمى في فقه الضمانات العينية بالشرط الممهد الذي يعطي للدائن صلاحية بيع المرهون دون تدخل القضاء  .
و نشير إلى أن هذه القاعدة تطبق فقط عند إبرام عقد الرهن الرسمي، و من تم فإذا حل أجل الدين و وقع الاتفاق بين الطرفين على تملك الدائن الراهن لمحل الرهن فإن الاتفاق هنا يقع صحيحا لانتفاء مظنة استغلال الدائن للمدين، كما أن نفس العلة تبرر إقرار المدين للرط عند حلول أجل الاستحقاق  .
6 - يخول الرهن الرسمي للدائن المرتهن ميزة الأولوية في الاستيفاء، بحيث يقدم على باقي الدائنين العاديين ، أما الدائنون المرتهنون فإن أولويتهم تحدد بحسب ترتيب تقييدهم ،و ذلك طبقا للمادة 197 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على أنه :
"يستوفي الدائن المرتهن دينه من ثمن الملك حسب رتبة تقييده في الرسم العقاري، وذلك بالأولوية على باقي الدائنين المرتهنين التالين له في المرتبة وكذا على الدائنين العاديين".
ويجوز للدائن المرتهن التنازل عن رتبته لفائدة الدائن المرتهن الموالي له في المرتبة، ويأتي هذا التنازل صحيحا ومنتجا لآثاره بناء على مقتضيات المادة 198 من ذات القانون التي تنص على ما يلي:
"يمكن للدائن المرتهن الذي لم يستوف دينه أن يتنازل عن رتبة رهنه بمقدار دينه لدائن مرتهن آخر على نفس الملك المرهون دون المساس بحق الدائنين المرتهنين الموالين له في الرتبة".
و نطاق الأولوية ينحصر في منتوج بيع المال المرهون وحده، فإن لم يكف في سداد الدين، حق للدائن أن يرجع على مدينه في باقي أمواله الأخرى، و لا يكون له حق الأولوية فيها، بل يرجع كدائن عادي .





7 - يخول الرهن الرسمي للدائن المرتهن حق التتبع : و هو يعني المكنة المخولة للدائن المرتهن في تتبع العقار المرهون في أي يد انتقل إليها، و التنفيذ عليه، و استيفاء مبلغ الدين من منتوج البيع، و يجد هذا الحق أساسه التشريعي ضمن مقتضيات المادة 199 من مدونة الحقوق العينية التي تنص حرفيا على أنه :
" للدائن المرتهن رهنا رسميا حق تتبع الملك المرهون في يد أي حائز له لاستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به".
و يسمى الشخص الذي انتقل إليه العقار المرهون في لغة الضمانات العينية بالحائز ، ويشترط فيه لاعتبار شخص من الغير حائزا للعقار المرهون توافر الشروط الآتية:                   
أ- انتقال ملكية المرهون أو أي حق عيني عليه مما يجوز بيعه جبرا واستقلالا، وبالتالي فإذا كان الحق العيني الذي انتقل إلى الغير لا يجوز بيعه استقلالا كحق الاستعمال والسكنى فلا يعتبر الغير حائزا.
ب- قيام الغير بتقييد الحق الذي انتقل إليه في السجل العقاري، إذ لا يمكن الاحتجاج على الغير بالحقوق غير المسجلة عملا بمبدأ الأثر الإنشائي للقيد في السجل العقاري (الفصول 65-66-67 من ظهير التحفيظ العقاري).
ج-اكتساب الغير الحق على المرهون بعد تقييد الرهن وقبل تبليغ المحافظ العقاري بمحضر الحجز، ذلك أنه إذا كان الرهن سابقا على انتقال الملكية وغير مقيد فلا أثر له في مواجهة الحائز ما لم يكن سيء النية، وكذلك إذا اكتسب الحق بعد تبليغ الحجز إذ تكون عملية التفويت والحالة هذه غير نافدة في مواجهة المرتهن الحاجز (الفصل 475 من ق م م).
د-أن يكون الحائز غير ملتزم شخصيا بالدين، إذ لو كان ملتزما به لأجبر على التنفيذ بصفته مدينا.
وإذا تمسك الدائن المرتهن بحقه في التتبع فإن الحائز للعقار يمارس أحد الخيارات الثلاثة التي وضعها المشرع:
- الخيار الأول أن يؤدي الحائز مبلغ الدين وتوابعه بشرط ثبوت حقه في ممارسة الرجوع على البائع المدين الراهن، وهذا الخيار يجد مرجعيته التشريعية ضمن مقتضيات المادة 201 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على ما يلي:
"  للحائز أن يحل محل المدين في أداء الدين وتوابعه ويستفيد في ذلك من الآجال المخولة للمدين الأصلي، كما له قبل حلول أجل الوفاء أن يطهر الملك من الرهن المترتب عليه بأداء الدين وتوابعه.
يحل الحائز محل الدائن الذي استوفى دينه فيما له من حقوق تجاه المدين الأصلي".
  - الخيار الثاني هو المنصوص عليه في المادة 202 من ذات القانون وبمقتضاه يحق للحائز الذي لم يكن ملتزما شخصيا بالدين أن يتعرض على بيع الملك المرهون الذي بيده إذا بقيت في ملكية المدين الأصلي أملاك أخرى مرهونة من أجل نفس الدين، وفي هذه الحالة يؤجل بيع الملك الذي بيد الحائز أثناء إجراءات التجريد.
ـــــــ الخيار الثالث هو أن يتخلى الحائز عن العقار المرهون، ويشهد بالتخلي رئيس كتابة الضبط لدى المحكمة المختصة ويحرر محضرا بذلك يعرضه على رئيس المحكمة للمصادقة عليه، ويوجه نسخة منه إلى الدائنين المعنيين داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ المصادقة ، و في هذه الحالة يعين قيم تباشر ضده الإجراءات .
ومن بين أهم الإشكالات العملية التي تتفرع عن إعمال حق التتبع هي مدى جواز التصرف في العقار المرهون، أي هل يحق لمالك العقار المرهـون أن يتصرف فيه بنقل ملكيته إلى الغير؟ كما أنه من جهة ثانية فإنه يتبين من الاطلاع على مجموعة من عقود القرض أن الدائن عادة ما يدرج بمناسبة منحه لقرض مضمون برهن رسمي شرطا يمنع بمقتضاه المدين الراهن من التصرف في العقار المرهون بالبيع أو الرهن أو إدارته عن طريق إكرائه للغير، مما يطرح معه التساؤل حول مدى جواز الشرط العقدي المانع للتصرف في العقار المرهون؟        
فبالنسبة للتساؤل الأول، فإننا نعتقد أن المدين المرتهن يجوز له التصرف في المال المرهون، وأن هذا التصرف يقع صحيحا ونافذا من الناحية القانونية، ولا يمكن التصريح ببطلانه لمجرد شبهة صورية التصرف بهدف حرمان الدائن من التنفيذ على المال المرهون، ومؤيدنا في ذلك أربعة اعتبارات نجملها في النقط التالية:
أ القاعدة في المعاملات العقدية أن البطلان لا يمكن تقريره إلا بنص،وبالتالي فإنه في غياب أي نص قانوني يرتب جزاء البطلان على تفويت العقار المرهون، فإنه يجب إعمال المبدأ القائل بأن الأصل في التصرفات الجواز، وعليه فإن إنشاء المدين لرهن رسمي على عقاره المحفظ لا يحول دون قيام حقه في إجراء التصرفات عليه أو إنشاء أي حق عيني آخر يخضع لقواعد التقييد في المحافظة العقارية .
ب- وبالإضافة إلى ذلك، فإن ما يذهب إليه البعض من أن مناط جعل هذه التصرفات باطلة وعديمة الأثر هو حماية الدائنين المرتهنين من التصرفات التي يبرمها المدين الراهن بقصد الإضرار بهم وحرمانهم من الضمانات التشريعية المنظمة لعقد الرهن الرسمي فإنه تبرير غير سليم، على اعتبار أن الرهن يخول صاحبه حق التتبع، فتفويت العقار لا يحرم الدائن من التنفيذ عليه، ذلك أن حق التتبع هو ميزة تظهر عند التنفيذ على المرهون على نحو يجوز معه للدائن التنفيذ عليه بين من آلت إليه ملكيته،  ويجد مبدأ تتبع الدائن على للعقار المرهون سنده التشريعي ضمن مقتضيات المادة 199 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على ما يلي :
" للدائن المرتهن رهنا رسميا حق تتبع الملك المرهون في يد أي حائز له لاستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به ".
ج-إن المشرع نظم في الفصل 185 إلى 196 من ظهير 2 يونيه 1915 مسطرة التنفيذ بين يدي الحائز، ويقصد بهذا الأخير في لغة الضمانات العينية الشخص الذي انتقل إليه العقار المرهون، فلو لم يكن من الجائز تفويت المرهون لما نظم المشرع التنفيذ ضد الحائز.
د-إن حق الراهن في التصرف في العقار المرهون قد كفلته القوانين المقارنة، من ذلك مثلا المادة 1043 من القانون المدني المصري التي جاء فيها: " يجوز للراهن أن يتصرف في العقار المرهون، وأي تصرف يصدر منه لا يؤثر في حق الدائن المرتهن.                                                                         
و بناء على ما ذكر نخلص إلى أن مدونة الحقوق العينية أجازت التصرف في العقار المرهون لفائدة الغير ، و  ويسمى هذا الغير في لغة الضمانات العينية بالحائز ، و يشترط فيه ألا يكون ملتزما بصفة شخصية بالدين ، ويترتب على هذا التصرف ثبوت مسؤوليته العينية عن الدين المضمون بالرهن ، و هي مسؤولية  هي محدودة في ثمن العقار المرهون دون أن تتجاوزه إلى أمواله الأخرى، كما أنه يمكن لهذا الأخير أن يدرأ عنه التنفيذ على عقاره المثقل بالرهن إذا أدى مبلغ الدين  ، و في المقابل لا تثبت  المسؤولية الشخصية للحائز عن الدين إلا بوجود اتفاق خاص على ذلك أو في حالة تسببه في تعييب المرهون أو هلاكه  وكذا عن الثمار بعد توصله بإنذار رسمي .
وهذه الاعتبارات كلها بينتها محكمة الاستئناف بمراكش، التي جاء في أحد قراراتها:                           
"... إن المشرع أعطى الحق للمرتهن في تتبع العقار المرهون في أي يد انتقل إليها طبقا .....  ومن تم فإنه لا يمكن أن يكون لحق التتبع أي معنى إذا لم يكن من حق الراهن بيع الشيء المرهون.
وحيث إن هذا التأويل يزكيه القانون العام وهو قانون الإلتزامات والعقود الذي يعتبر نصا عاما يلجأ إلى تطبيقه عند عدم وجود النص الخاص في الظهير المذكور، الذي لم ينظم سوى الرهن الرسمي الذي يعتبر تسجيله وسيلة تقوم مقام قبض المرهون في الرهن الحيازي، فالغاية منهما واحدة وهي حفظ المرهون ضمانا للدائن وتأمينا لمصلحته" .
أما فيما يخص الإشكال الثاني المرتبط بمدى صحة الشرط العقدي الذي بمقتضاه يحظر الدائن المرتهن على مدينه الراهن بيع العقار المرهون أو رهنه أو كرائه ، فإن العمل القضائي انقسم بخصوص الحل المقرر لهذا الإشكال إلى توجهين ، توجه أول يعتبر أن الشرط  صحيح على اعتبار أن القواعد التي تنظم وضعية الحائز للعقار المرهون ليست من النظام العام ، و من تم فإن الأطراف يجوز لهم الاتفاق على ما يخالفها ، صحيح أن من شأن هذا الشرط أن يحد من استعمال الحقوق الممنوحة للأفراد، إلا أن أنه تحديد مقيد من حيث النطاق بحيث يمتد المنع إلى حين استيفاء الدائن الراهن لمبلغ الدين و الفوائد المضمونة، و بالتالي يكون الاتفاق خاضعا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 109 من ق ل ع التي تجيز هذا النوع من الاتفاقات ،  و توجه ثان  يقرر بطلان الشرط العقدي الذي يحظر بمقتضاه الدائن على مدينه تقويت العقار المرهون ، لأن من شأن هذا التصرف أن يحد من الصلاحيات المخولة له كمالك إعمالا لمقتضيات الفصل 110 من ق.ل.ع .
ويتفرع عن الإشكال أعلاه تساؤل حول مدى جواز إجراء قسمة في المال المرهون؟
 إن الجواب عن هذه الإشكالية بالإيجاب، ومؤيداتنا القانونية في ذلك تتحدد على أساس معطيين اثنين:
ــــ الاعتبار الأول موضوعي يتمثل في أن الدائن المرتهن بإمكانه تتبع العقار في أية يد انتقل إليها والتنفيذ عليه، وبالتالي فإن قسمته عينيا لن تحول دون إمكانية التنفيذ على كل الأجزاء المفرزة، كما أن قسمته قسمة تصفية توجب إيداع منتوج البيع في حدود مبلغ الدين والفائدة المضمونة بصندوق المحكمة، وهذا لا يضر بالدائن في شيء . بل إن الحل مقبول تشريعيا على ضوء الفقرة الثانية من المادة 182 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على ما يلي:
" إذا رهن أحد الشركاء حصته المشاعة فإن حق الدائن المرتهن ينتقل إلى الجزء المفرز الذي آل إلى الشريك بعد القسمة وإلى المدرك الذي حصل عليه الشريك لتعديل حصته وذلك إذا صادق الدائن المرتهن على عقد القسمة أو كان طرفا في الدعوى المتعلقة بها".
وهذا التوجه قال به المجلس الأعلى ـــ محكمة النقض حاليا ـــ والذي علل أحد قراراته بما يلي:
" إن القرار المطعون فيه حينما أيد الحكم الابتدائي يكون قد تبنى حيثياته والتي ورد فيها أن الرهن المقيد على العقار لفائدة مكتب التسجيل و التنبر قد قيد لضمان التزام المدعية بالقيام بأشغال البناء للمشروع السكني فوق المدعى فيه داخل أجل لا يفوق سبع سنوات، وأن هذا الرهن يخول للراهن حق تتبع تنفيذ ذلك الالتزام من طرف أي شخص تؤول إليه ملكية العقار بمقتضى القسمة    أو غيرها من الحقوق الناقلة للملكية، وهذا الرهن لا يحول دون إجراء القسمة، وبذلك فالقرار قد أجاب الطالبة عما أثارته في الوسيلة وحكم بما طلب وتبقى الوسيلة على غير أساس ..".
ــــ الاعتبار الثاني مسطري يتمثل في أن المشرع أوجب لقبول دعوى القسمة المنصبة على عقار موضوع رهن رسمي أن يختصم في الدعوى الدائن المرتهن وإلا كانت غير مقبولة طبقا للمادة 320 من مدونة الحقوق العينية، وتطبيقا لذلك جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش:
" وحيث إنه فيما يخص طلب القسمة فإن المشرع أوجب كشرط لقبولها وجوب توجيه الدعوى ضد أصحاب الحقوق العينية وذلك طبقا لمقتضيات المادة 320 من مدونة الحقوق العينية التي تنص حرفيا على ما يلي:    
" يجب على الشركاء أن يدخلوا في دعوى القسمة جميع أصحاب الحقوق العينية المترتبة على العقار "
و حيث إن المدعي لم يحترم هذه القاعدة ....، و بالتالي جاءت دعواه غير مقبولة" .
ونشير هنا إلى أنه في حالة قسمة العقار المرهون قسمة عينية فإن الرهن ينتقل إلى الحصة المملوكة للمدين الراهن، وتطهر حصص شركائه منه، غير أنه لا يعمل بهذا الحكم كيفما كانت نتيجة القسمة في الحالة التي يقدم فيها الرهن من طرف جميع الشركاء في الملك المشاع طبقا لما تقضي الفقرة الأولى من المادة 182 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على ما يلي :
" إن الرهن الذي يبرمه جميع الشركاء في ملك مشاع يحتفظ بأثره على كافة الملك كيفما كانت نتيجة القسمة" .




المطلب الثاني: آثار الرهن الرسمي في مواجهة الكفيل العيني
      إن الرهن الرسمي لا ينتج آثاره في مواجهة المدين وحده، بل يمكن أن تمتد لتسري في مواجهة الكفيل الشخصي أو العيني على السواء ، فالمشرع قرر إمكانية تقديم ضمانة رهنية من طرف غير المدين و ذلك تأسيسا على مقتضيات المادة 177 من مدونة الحقوق العينية التي تنص حرفيا على ما يلي:
"يجوز أن يكون الراهن هو المدين نفسه أو كفيلا عينيا يقدم الرهن لمصلحة المدين".
و عليه فمتى تقاعس المدين الأصلي عن الوفاء بمبلغ الدين، جاز للدائن جبر الكفيل بصفته مدينا تبعيا على تنفيذ الالتزام المكفول ، وذلك بجميع الوسائل بما فيها  إمكانية حجز عقاره تنفيذيا()، ولكن يشترط لإعمال هذه المكنة أن تكون الكفالة صحيحة و تامة الأركان والشروط()، مع ملاحظة أساسية و هو أنه في حالة الكفالة العينية فإن نطاق الضمان محدد فقط في العين المقدمة من الكفيل كرهن لضمان الدين ، و تطبيقا لذلك جاء في أمر صادر عن رئيس المحكمة التجارية بالرباط : "حيث إنه بعد اطلاعنا على العقد المذكور تبين لنا من فصله 15 أن المطلوب في الحجز قد عقد الرهن على عقاره عطاء الله موضوع الرسم العقاري عدد (-) لفائدة الدائن، وأنه بذلك يكون بمثابة كفيل عيني لا يلزم بالوفاء بالدين إلا من ثمن العقار المرهون وليس من أمواله الأخرى، فالضمان العيني حسب العقد المذكور مقصور على العين المذكورة ويعتبر ضامنا بالكفالة العينية التي قدمها.
وحيث إن الطلب يرمي إلى الحكم بإجراء حجز تحفظي على عقار آخر غير العقار المشمول بالضمان العيني، مما نصرح معه برفض الطلب" .
وتثير مسألة التنفيذ في مواجهة الكفيل إشكالات كبرى، أولها صلاحية الكفيل في إثارة الدفع بالتجريد، وثانيها ما هو الأجل الذي يجوز فيه للدائن أن يطالب فيه الكفيل بأداء الدين
(الفقرة الأولى)، وثالثها أثر تغيير وضعية المدين الأصلي بوفاته أو بوضعه تحت نظام التسوية أو التصفية القضائية على أجل مطالبة الكفيل، ورابعها حول أثر سقوط الدين في مواجهة المدين على التزام الكفيل (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الدفع بالتجريد وأجل استحقاق الدين
     سنعالج في هذه الفقرة الدفع بالتجريد وأجل مطالبة الكفيل بالدين وذلك من خلال نقطتين تباعا.
أولا: الدفع بالتجريد
من بين الدفوع التي يملكها الكفيل الدفع بالتجريد،الذي  يجد أساسه القانوني ضمن مقتضيات الفصل 1136 من ق.ل.ع الذي ينص في فقرته الأولى على ما يلي:
    " للكفيل الحق في أن يطلب من الدائن أن يقوم أولا بتجريد المدين من أمواله المنقولة والعقارية بشرط أن تكون قابلة للتنفيذ عليها ..."
 ومن تم فإن الدائن ليس له حق الرجوع على الكفيل إلا بعد مباشرة التنفيذ ضد المدين وبقائه بدون جدوى()، على أن ذلك لا يمس في شيء حق الدائن في مقاضاة الكفيل، إذ التمسك بهذا في مرحلة المطالبة القضائية لا يرتب وقف سير الدعوى المرفوعة ضد الكفيل، ولا يحول دون صدور الحكم عليه بأداء الدين، وهذا ما يستفاد من مقتضيات الفصل 1136 من ق.ل.ع المذكور الذي يبين أثر هذا الدفع إذ نص على ما يلي : "... وعندئذ تتوقف مطالبة الكفيل إلى أن تتجرد أموال المدين الأصلي بدون إخلال بحق الدائن في اتخاذ ما عساه أن يؤذن له به من الإجراءات التحفظية ضد الكفيل ".
ويترتب على دفع الكفيل بوجوب تجريد مدينه أولا من أمواله وقف إجراءات التنفيذ على أموال الكفيل()، وذلك ليس بمنع الاستمرار فيها فحسب، بل أيضا بتعطيل كل أثر لما تم منها، ويلزم الدائن آنذاك بالتنفيذ على أموال مدينه أولا، فإذا حصل منها حقه كاملا انقضى بالتبعية التزام الكفيل، أما إذا لم تف سوى بسداد جزء من الدين، فإنه تبرأ ذمة الكفيل في تلك الحدود، ويحق للدائن أن يباشر التنفيذ آنذاك على أموال الكفيل لاستيفاء باقي الدين.
على أنه متى وجد رهن رسمي مقدم من طرف الكفيل لم يكن من الجائز مطلقا أن يدفع بالتجريد، لوجود استثناء تشريعي يمنع على الكفيل العيني التمسك بهذا الدفع، فقد جاء في المادة 196 من مدونة الحقوق العينية ما يلي:
" إذا كان الراهن كفيلا عينيا فلا يجوز استيفاء الدين من غير ثمن الملك المرهون وليس للكفيل العيني أن يتمسك بحق تجريد المدين". (
ثانيا: أجل مطالبة الكفيل بأداء الدين
الأصل أن الدائن لا يحق له مطالبة الكفيل بأداء الدين المضمون إلا عند حلول الأجل الاتفاقي، ومبدئيا فإن هذا الأجل هو الأجل الممنوح للمدين الأصيل، وقد يكون
أجلا آخرا أقصر أو أبعد من الأجل المخول للمدين()، وفي الحالتين معا نحن أمام تطبيق من تطبيقات الالتزام الموصوف المضاف لأجل().
ففي الحالة الأولى التي يكون فيها الأجل الممنوح للكفيل أقصر من الأجل الذي التزم به الأصيل، فإنه لا يمكن للدائن أن يطالب الكفيل بأداء الدين قبل حلول الأجل الممنوح للمدين الأصلي إعمالا لمبدأ تبعية التزام الكفيل للالتزام المكفول. وإذا تنازل المدين عن الأجل فإن تنازله يلزمه وحده ولا يحتج به ضد الكفيل الذي لا يمكن مطالبته إلا عند حلول الأجل، أما إذا منح الدائن أو القاضي() للمدين أجلا فإن الكفيل يستفيد منه().
وأما في الحالة الثانية التي يكون فيها الأجل الممنوح للكفيل أبعد من الأجل الممنوح للمدين الأصيل، فإنه لا يجوز للدائن أن يمارس دعوى الأداء ضد الكفيل قبل حلول الأجل المتفق عليه ولو حل أجل مطالبة الأصيل، ذلك أن الكفالة يجوز أن تبرم بشروط أهون من شروط الالتزام الأصلي().
     على أن مجموع هذه الأحكام تصبح محل نظر في الحالة التي تتغير فيها وضعية الكفيل
أو المدين بالوفاة أو الإعسار أو الخضوع لنظام المساطر الجماعية المتعلقة بصعوبات المقاولة، وهكذا فمن جهة أولى كان المشرع المغربي واضحا فيما يخص عدم تأثر الأجل الممنوح للكفيل بوفاة المدين الأصلي، إذ قرر أنه يحل فقط أجل الدين بالنسبة لتركة الهالك، فقد نص الفصل 1135 على ما يلي:
 "... ثالثا: وفاة المدين تؤدي إلى حلول أجل الدين بالنسبة إلى تركته ولكن لا يسوغ للدائن مطالبة الكفيل قبل حلول الأجل المتفق عليه"().
وبالمقابل، فإن المشرع لم يبين حكم أثر وفاة الكفيل على حلول الدين، ونعتقد أنه في هذه الحالة تنتقل آثار الكفالة لتركة الكفيل دون أن تتعداها للأموال الشخصية للورثة()، فإذا لم يكن للتركة أموال جاز للدائن أن يطالب بضمانات تكميلية تحت طائلة فقدان مزية الأجل، وسندنا في ذلك هو مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 139 من ق.ل.ع.(
وإلى جانب حلول أجل الدين بوفاة المدين، فإن أجل الدين يحل بفتح مسطرة التصفية القضائية في مواجهة المدين، فقد نصت المادة 627 من مدونة التجارة على ما يلي:
"يترتب على الحكم القاضي بفتح التصفية القضائية حلول آجال الديون المؤجلة"().
ومن هنا نتساءل ما أثر حلول أجل دين الأصيل على الأجل الممنوح للكفيل، بمعنى هل يترتب لزوما وتباعا على سقوط أجل مطالبة المدين بالدين سقوط مزية الأجل المخول للكفيل؟
لقد ذهب الرأي الراجح فقها إلى أن سقوط أجل المدين في هذه الحالة لا يكون إلا بالنسبة للمدين، أما الكفيل فيجوز له أن يتمسك بالأجل، وبالتالي لا تجوز مطالبته قبل انقضاء الأجل الأصلي ولا يؤثر في مركزه تغيير وضعية المدين المالية سلبا، ذلك أن هذا الأجل كان موجودا وقت انعقاد الكفالة، وبالتالي فالتزام الكفيل يتحدد بهذا الأجل حتى لو سقط بعد ذلك أجل التزام المدين، إذ أنه لا يمكن جعل مركز الكفيل أسوأ بعد الكفالة، خصوصا أنه يمكن أن تعقد الكفالة بشروط أهون من شروط الدين المكفول(.
وبخلاف ذلك، يعتبر جميل الشرقاوي أن سقوط أجل التزام المدين الأصلي يرتب بالتبعية سقوط الأجل بالنسبة للكفيل، لأن جوهر التزام الكفيل يتلخص في ضمان الوفاء بالالتزام الأصلي إذا لم يتمكن المدين من الوفاء به، وبالتالي فالتزام الكفيل يصبح حالا().
وهذا الرأي الأخير، وإن كان يبدو غير عادل لأنه يحرم الكفيل من مزية الأجل المخول له اتفاقا، فإن مدونة التجارة تبنته صراحة بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة 662 التي جاء فيها: "يحتج على الكفلاء بسقوط الأجل"().




 الفقرة الثانية: أثر سقوط دين المدين الأصيل على التزام الكفيل
بمجرد فتح مسطرة الصعوبات في مواجهة المقاولة فإن الدائنين الذين يعود دينهم إلى ما قبل صدور حكم فتح المسطرة، باستثناء المأجورين، يلزمهم أن يصرحوا بديونهم إلى السنديك(داخل الآجال المحددة لذلك،) حيث يقوم القاضي المنتدب بإجراءات تحقيق الدين لقبوله أو رفضه ضمن قائمة الديون، فإذا قبل الدين اكتسب الأمر حجية تجاه الكفيل()، ويترتب على عدم تصريح الدائن بالدين داخل الأجل سقوط الدين ما لم يقض برفع أجل السقوط من طرف القاضي المنتدب().
فإذا انقضى التزام المدين الأصلي بسبب عدم تصريح الدائن به داخل الأجل القانوني، فهل ينقضي التزام الكفيل عن طريق التبعية للإلتزام الأصلي طبقا للقاعدة العامة المنصوص عليها في الفصل 1150 من ق.ل.ع.
جوابا عن هذه الإشكالية، ذهب بعض الفقه إلى القول إن الدائن المهمل يفقد حقه في الرجوع المحتمل ضد الكفلاء إن وجدوا()، وهذا الرأي هو الذي كان يسير عليه قضاء المجلس الأعلى ــ محكمة النقض حاليا ــ)، وكذا الشأن بالنسبة لمحاكم الموضوع، من ذلك قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 05/03/2002 الذي جاء ضـمن تعليله ما يلي  :
"... إنه طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 690 من مدونة التجارة تنقضي الديون التي لم يصرح بها ولم تكن موضوع دعوى رامية إلى رفع السقوط الأمر الذي يكون معه دين بنك الوفاء قد سقط في مواجهة شركة .... بسبب تقديمه لدعوى رفع السقوط خارج الأجل القانوني.
  وحيث إنه عملا بمقتضيات الفصل 1150 من ق.ل.ع فإن جميع الأسباب التي تؤدي إلى بطلان أو انقضاء الالتزام الأصلي تؤدي إلى انقضاء الكفالة.
وحيث إنه اعتبارا لذلك فإن ما يتمسك به البنك المستأنف عليه في مواصلة حقوقه في مواجهة الكفيل بعد أن انقضى دينه في مواجهة الأصيل، طلب لا يرتكز على أساس، ذلك أنه بانقضاء الدين في مواجهة المدين الأًصلي، فإنه ينقضي أيضا في مواجهة الكفيل، وتبعا لذلك فإن الدائن المهمل الذي فقد حق مقاضاة الأصيل يفقد حق الرجوع على الكفيل، لأن الكفالة التزام تبعي لا يمكن أن يستمر بعد انقضاء الالتزام الأصلي"().
وذهب اتجاه ثان إلى أن الكفلاء لا يستفيدون من الوضعية الناتجة عن سقوط دين الأصيل نتيجة عدم تصريح الدائن به داخل الأجل، إعمالا لمقتضى المادة 662 من مدونة التجارة التي تجعل الكفلاء لا يستفيدون من مقتضيات مخطط الاستمرارية. ويبدو أن هذا الاتجاه قد تأثر بفلسفة المشرع من خلال المساطر الجماعية الهادفة إلى الحماية الجماعية للدائنين وحدهم دون غيرهم()، كما يجد مبرراته في أن هذا الحل يتناسب مع جوهر التزام الكفيل عند ضمانه للدين(.
وقد تبنى المجلس الأعلى ـــ محكمة النقض حاليا ــــ هذا الموقف مـن خـلال قـراره الصـادر بتاريخ 08-12-2002، والذي جاء فيه :
 "... إن الطاعن يعتبر كفيلا للمدينة الأصلية وصفته هاته تحول دون استفادته من انقضاء الدين بسبب عدم تصريح الدائن به أمام السنديك، استنادا لمقتضيات المادة 662 من مدونة التجارة الناصة على أنه لا يمكن للكفلاء متضامنين كانوا أم لا أن يتمسكوا بمقتضيات مخطط التسوية، وهو ما اعتمدته وعن صواب محكمة الاستئناف التجارية مصدرة القرار بمقتضيات المادة 662 من مدونة التجارة، وأن الدين المحكوم به على الكفيل في حدود كفالته ثابت مما يجعل استدلال الطالب بمقتضيات الفصل 1150 من ق.ل.ع والمادة 690 بخصوص انقضاء دين المدينة الأصلية من عدم انقضائه وانقضاء كفالته بالتبعية في غير محله" ().
المبحث الثاني: مسطرة تحقيق الرهن الرسمي
       أوجد المشرع مسطرة سريعة ومبسطة بمقتضاها يتمكن الدائن المرتهن من اقتضاء مبلغ الدين وفوائد السنة الجارية والسنة التي قبلها من غير حاجة لسلوك مسطرة التقاضي العادية، إذ أن شهادة التقييد الخاصة تعتبر بمثابة سند تنفيذي تبرر للدائن سلوك مسطرة البيع الجبري للعقار المرهون (المطلب الأول).
   و تبتدأ مسطرة تحقيق الرهن الرسمي بإنذار يوجهه الدائن المرتهن للمدين الراهن، و يجب أن تضمن في الإنذار مجموعة من البيانات التي من شأنها التعريف بالدين و العقار موضوع الرهن تعريفا نافيا للجهالة ، فإذا أدى الدائن مبلغ الدين فإن الإجراءات تتوقف و ينقضي الرهن الرسمي بانقضاء الدين المضمون به ، أما إذا رفض المدين الراهن الأداء فإنه يسار إلى مسطرة البيع الجبري ، حيث يحجز العقار المرهون تنفيذيا  ، و يباع بالمزاد العلني أو بالتراضي، ويستوفي الدائن المرتهن دينه بالأولوية من ثمن بيع العقار، بل أكثر من ذلك فإنه يمكن في حالات خاصة للدائن أن يحوز العقار المرهون ينفرد بمداخيله في انتظار بيعه بالمزاد العلني  (المطلب الثاني ).
المطلب الأول: الشهادة الخاصة بالتقييد
تعتبر الشهادة الخاصة بتقييد الرهن التي يسلمها المحافظ على الأملاك العقارية بمثابة سند تنفيذي، إذ تخول صاحبها مباشرة إجراءات حجز العقار المرهون وبيعه من دون حاجة إلى مراجعة القضاء لاستصدار حكم مثبت للمديونية()، لأن هذه الأخيرة ثابتة أصلا بمقتضى عقد الرهن()، ويكفي لترتب آثارها التنفيذية الإشارة فيها إلى عبارة من أجل التنفيذ، من غير حاجة إلى تذييلها بالصيغة التنفيذية وفق الحكم المنصوص عليه في الفصل 433 من ق.م.م، لأن هذا الشرط خاص بالأحكام.




والسند القانوني في إعطاء الشهادة الخاصة بالتقييد صبغة السند التنفيذي هو مقتضيات المادة 214 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على ما يلي :
يمكن للدائن الحاصل على شهادة خاصة بتقييد الرهن لفائدته مسلمة له من طرف المحافظ على الأملاك العقارية طبقا للشروط المنصوص عليها في الفصل 58 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري أن يطلب بيع الملك المرهون بالمزاد العلني عند عدم الوفاء بدينه في الأجل.
تكون للشهادة الخاصة المذكورة قوة سند قابل للتنفيذ " .
وبالرجوع إلى الفصل 58 من ظهير 12 غشت 1913 المحال عليه بمقتضى المادة 214 أعلاه()، نجد أنه ميز بين نوعين من الشهادات، أولها شهادة الملكية وهي التي تسلم للمالك دون غيره، والشهادة الخاصة التي تسلم لكل من طلبها وكذلك لباقي المالكين على الشياع (). وهذا ما يدفعنا للقول إن الشهادة الخاصة المنصوص عليها تشريعيا ليست من نوع واحد، بحيث يلزم التمييز بين تلك المسلمة للدائن المرتهن والتي يشار فيها إلى أنها منحت لأجل التنفيذ، وبذلك فهي ذات قوة تنفيذية. وبين الشهادة المسلمة لغيره من الأشخاص بمن فيهم باقي المالكين على الشياع، وهي شهادة عادية تبين وصف العقار ومالكه والتحملات المقيدة عليه()، وهدفها إعطاء الجمهور بيانا عن وضعية العقار().
والشهادة الخاصة بالتقييد لا تعتبر قرارا إداريا كما هو الشأن بالنسبة للأوامر بتحصيل الدين العمومي، ولا عقدا جديدا إلى جانب عقد الرهن أو الكفالة العينية العقارية، بل هي أثر مباشر من الآثار المترتبة على عقد الرهن المسجل بالصك العقاري، وقد منحها المشرع قوة السند التنفيذي، وبالتالي لا يمكن الحد من قوتها التنفيذية إلا عن طريق الطعن بالبطلان في عقد الرهن أو إثبات انقضاء الدين المضمون بالرهن(). وهو ما تواثر عليه العمل القضائي لمختلف المحاكم، فقد جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش:
"إنه بمقتضى الفصل 204 من القانون العقاري فإن الدائن المحرز على شهادة تسجيل مسلمة له من طرف المحافظ على الأملاك العقارية يمكنه أن يطلب إجراء البيع عند عدم الأداء في إبانه عن طريق النزع الإجباري لملكية العقار الذي سجل الدائن حقه عليه، ومادام أن الدائن هنا بيده هذه الشهادة ومادام المستأنف لم يثبت أنه أدى الدين فإن كل ما اعتمده لتبرير الاستئناف يبقى غير مؤثر"().
وتبين الشهادة الخاصة ثلاثة أمور وهي:
أ-أطراف العقد: وهم عادة المالك للعقار الذي قد يكون مدينا أصيلا أو كفيلا عقاريا وقد يكون حائزا للعقار، وبالإضافة إليهم يوجد الدائن المرتهن الذي يباشر إجراءات التنفيذ سواء كان مستفيدا من رهن رسمي رضائي أو إجباري().
مع العلم أن الدائن المرتهن قد يفوت دينه في إطار مسطرة تسنيد الديون الرهنية() لفائدة صندوق التوظيف الجماعي للتسنيد متى كان في حاجة للسيولة، وفي هذه الحالة يحل المشتري محله في حق الرهن()، ومن مظاهر الجدة في هذا القانون أنه أحدث تغييرا في القواعد الكلاسيكية للقيد في السجل العقاري، إذ لين من بعض القواعد وخاصة ما يتعلق بالأثر الإنشائي للتقييد بالصك العقاري، وبالتالي أصبح قانون التحفيظ العقاري  أكثر تطابقا وانسجاما مع الطابع الخاص لعملية مالية كعملية تسنيد الديون الرهنية، و ملاءمة الوجه المدني للعملية المذكورة مع وجهها المالي()، بحيث إن الفصل 34 من قانون تسنيد الديون الرهنية نص على انتقال الرهون المدرجة في مختصر المستند بين الأطراف واتجاه الأغيار ابتداء من التاريخ الذي تضعه مؤسسة التدبير والإيداع على المستند المذكور، على ألا يكون ذلك التاريخ سابقا لتاريخ إيداع التقييد الاحتياطي، وذلك استثناء من أحكام الفصلين 66 و67 من ظهير التحفيظ العقاري.
ب - تحديد العقار: ويكفي في ذلك ذكر رقم الرسم العقاري أو رقم مطلب التحفيظ  لنفي الجهالة عن العقار،علما أن المشرع وسع من خلال مدونة الحقوق العينية محل الرهن الرسمي ليشمل العقار المحفظ و الذي في طور التحفيظ )، و في هذه الحالة الأخيرة  تسلم الشهادة المذكورة بناء على حق مودع فقط وليس بناء على حق مقيد(457).
غير أنه من الناحية العملية فإن البنوك تتلافى منح قروض على عقارات في طور التحفيظ، إلا في حالات ناذرة بعد تأكدها من عدم وجود تعرضات وأن مسطرة التحفيظ قد أشرفت على نهايتها().




ج- مبلغ الدين الواجب اقتضاؤه :
حددت المادة 168 من مدونة الحقوق العينية مبلغ الدين الجائز اقتضاؤه بمقتضى الشهادة الخاصة بالرهن، وهو أصل الدين مضافا إليه فوائد السنة الجارية وسنة واحدة(459)، في حين يحدد هذا المبلغ في مبلغ السلف الممنوح مع زيادة مبلغ خمسة عشر في المائة من مبلغ السلف الأصلي لأجل الفوائد والصوائر بالنسبة للديون الخاضعة للمرسوم الملكي المؤرخ في 17 دجنبر 1968). وعن طريق الاستبعاد، فإن باقي الفوائد المتخلدة في ذمة المدين الراهن لا تستوفى بواسطة الشهادة الخاصة، بل يلزم الدائن أن يدلي بحكم قضائي بشأنها().
فالشهادة المتضمنة لهذه البيانات، والمذيلة بعبارة من أجل التنفيذ، تعتبر بمثابة سند تنفيذي تخول للدائن صلاحية حجز عقار المدين أو كفيله العيني()، وذلك بعد توجيه إنذار له بالأداء وبقائه بدون جدوى خلال آجال محددة. وإذا ما ضاعت أو فقدت كان للدائن الحق في الحصول على شهادة ثانية طبقا لأحكام الفصول 101و 102  و103 من قانون التحفيظ العقاري،حيث يقدم طلب إلى المحافظ العقاري ، و يتم بعد ذلك نشر الإعلان بالجريدة الرسمية ، و إن لم يقدم أي تعرض خلال أجل خمسة عشر يوما الموالية لعملية النشر فإن المحافظ العقاري يسلم للدائن المرتهن نسخة ثانية من شهادة التقييد الخاصة بالرهن ، و إن اعترض من له مصلحة فإن الدائن المرتهن يصير ملزما بتقديم طلب لرئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات  لتسلم نسخة ثانية من شهادة التقيد الخاصة ، بحيث يطبق على طلبه هنا نفس المسطرة المنصوص عليها بالنسبة لتسليم النسخة التنفيذية الثانية للأحكام المنصوص عليها في الفصل  435 من ق.م.م و ذلك بناء على الإحالة الواردة في الفصل 103 من ظهير التحفيظ العقاري().
المطلب الثاني: خصوصية إجراءات التنفيذ في مسطرة تحقيق الرهن الرسمي
قدر المشرع أن الدائن الذي لا يقدم على منح قرض لمدينه إلا بعد تقديمه لضمانة عينية عقارية هو دائن حريص على استيفاء دينه المضمون بالرهن بمجرد عدم الوفاء به في تاريخ الاستحقاق، ولذلك خوله صلاحية استيفاء دينه عن طريق حجز عقار مدينه المرهون بإجراءات أكثر تبسيطا مقارنة بالإجراءات العادية، وذلك عن طريق إنذار عقاري طبقا لمقتضيات الفصل 215 من مدونة الحقوق العينية التي يجري سياقها الحرفي على ما يلي:
"للدائن المرتهن الذي لم يستوف دينه في أجل استحقاقه أن يحصل على بيع الملك المرهون وفق الإجراءات المنصوص عليها في القانون، وذلك بعد توجيه إنذار بواسطة المكلف بالتنفيذ للمدين الأصلي وللحائز، لأداء الدين أو التخلي عن الملك المرهون داخل خمسة عشر يوما من تاريخ التوصل به" (.
فالإنذار العقاري هو عبارة عن إشعار يوجهه الدائن المرتهن أو المؤسسة المالية إلى المدين بواسطة عون التبليغ يطلب فيه استرداد الدين المضمون من المدين تحت طائلة نزع ملكية العقار المرهون وبيعه قضائيا بالمزاد العلني لتسديد الدين وفوائده والضريبة على القيمة المضافة والمصاريف القضائية(.
والتساؤل المطروح هو هل يلزم الدائن المرتهن أن يسلك إجراءات تحقيق الرهن، أم أن له الخيار بين هذه الوسيلة والمسطرة العامة، أي استصدار حكم بالأداء، وحجز عقار المدين استنادا له؟
لقد أجاب المجلس الأعلى - محكمة النقض- عن هذه الإشكالية، في قراره الصادر بتاريخ 17 ماي 2006، مؤكدا أن الدائن المرتهن يحق له الجمع بين مسطرة تحقيق الرهن العقاري ودعوى الأداء وذلك لازدواجية صفته، فكونه دائنا يمنحه صفة استرجاع دينه في إطار القواعد العامة، وكونه مرتهنا يعطيه صلاحية سلوك مسطرة تحقيق الرهن، كل ماهنالك أنه لا يحق له اقتضاء دينه مرتين، وبالتالي فليس هناك أي مقتضى يحول دون الدائن المرتهن رهنا رسميا وإمكانية إقامة دعوى الأداء، مادام أن مآلها هو التنفيذ على المدين في حدود مبلغ الدين وليس اقتضاؤه مرتين(). 
ولصحة الإنذار من الناحية الشكلية، يجب أن يتضمن لزوما جميع البيانات المنصوص عليها في الفصل 215 من مدونة الحقوق العينية (تحت طائلة البطلان، وفي هذه الحالة يحق للدائن أن يصحح الإخلالات المسطرية بتبليغ المدين إنذارا جديدا من غير أن يواجه بسبقية البت، و في هذا الإطار جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء:
     "حيث إنه فيما يخص الدفع بسبقية البت في الإنذار العقاري فإنه لا يستند على أساس، إذ الحكم المستدل به لإثبات الدفع قضى ببطلان الإنذار العقاري لكون مسطرة تبليغه غير سليمة، واعتبارا لما ذكر فإنه يحق للبنك المستأنف ضده توجيه إنذار ثان لورثة الكفيل بعد تدارك الخلل الشكلي الذي شاب الإنذار السابق، دون إمكانية مواجهته بسبقية البت مادام أن المحكمة لم تفصل في صحة الإنذار المذكور من حيث الموضوع "  ().
والخاصية المشتركة بين مجموع هذه البيانات هو أنها تهدف إلى تحديد الدين المطالب به، وأطرافه، وسنده، وموضوع التنفيذ، وعليه فهذه البيانات تتحدد وفق ما تنص عليه المادة 215 أعلاه وما جرى به العمل القضائي كالتالي:




أولا -أسماء وهوية كافة الأطراف وعناوينهم:
وهؤلاء الأطراف هم الدائن والمدين والكفيل العيني أو الحائز إن وجد، كما يجب ذكر عناوينهم، والغاية من هذا البيان هو معرفة القائم بالإجراء والطرف المواجه به، مع إمكانية تبليغهما كل العمليات اللاحقة للحجز، كما أنه تسهيلا للإجراءات فإنه يتم ذكر اسم نائب طالب التنفيذ.
ثانيا - إعلان السند التنفيذي:
يجري تحقيق الرهن استنادا إلى شهادة التقييد الخاصة بالرهن.
ثالثا - بيان العقار المراد التنفيذ عليه:
نص الفصل 205 من ظهير 2 يونيه 1915 على أن الإنذار العقاري يجب أن ينص فيه لزوما على اسم العقار أو العقارات التي سيجري بيعها في حالة عدم الأداء ورقم رسمها العقاري وموقعهامتى كان القعار محفظا و رقم مطلب التحفيظ متى تعلق الأمر بعقار في طور التحفيظ ، والهدف من ذكر ذلك هو تحديد محل التنفيذ تحديدا نافيا للجهالة، وفي اعتقادنا فإن هذه البيانات كافية للتعريف بالعقار ولا حاجة لذكر حدوده كما ذهبت إلى ذلك الأستاذة كلثوم الناصري،( لأن الأمر يتعلق بعقار محفظ أو في طور التحفيظ وقد تم ضبط حدوده مسبقا أثناء عملية التحديد .
وقد تنبه المشرع المغربي وهو ينظم محل الحجز، إلى أنه في بعض الأحيان قد يكون المدين قدم عدة عقارات لضمان أداء نفس الدين، فتدخل من أجل حمايته لكونه طرفا ضعيفا في العلاقة التعاقدية، وقرر أنه لا يجوز إجراء بيع هذه العقارات جملة واحدة إلا بإذن خاص يصدره رئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات(، غير أن الملاحظ هو أن البعض يخلط بين البيع الذي لا يمكن أن يجري دفعة واحدة إلا بناء على إذن، وبين الإنذار العقاري الذي يجوز تضمينه جميع العقارات المرهونة بدون اشتراط الحصول على الإذن المذكور. ()رابعا - تحديد مبلغ الدين المطالب به :
يجب أن يشار في الإنذار العقاري إلى مبلغ الدين الذي يجري التنفيذ لاقتضائه، ذلك أن خطورة النزع الجبري لملكية العقار تفرض ألا يتم ذلك إلا بناء على دين ثابت ومعلوم ومحدد المقدار وحال الأداء، ومعلوم أن مجموع الدين يتضمن أصل الدين والفوائد المضمونة بالرهن طبقا للمادة 168 من مدونة الحقوق العينية ، أي فوائد السنة الجارية وسنو فوائد السنة التي قبلها ، كما يشمل المبلغ المذكور مصاريف التنفيذ، ومن تم فإن الإنذار الذي لم يحدد مبلغ الدين يعطي للقضاء صلاحية إيقافه إلى حين حصر المديونية (، لأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة كما جاء في تعليل أحد قرارات محكمة الاستئناف بمراكش(.
خامسا-إنذار المدين أو الكفيل أو الحائز بالوفاء:
     طبقا للفصل 215 المشار إليه أعلاه فإنه يلزم إنذار المدين بأنه إذا لم يؤد الدين فسيشرع في مسطرة النزع الإجباري لملكية العقار المرهون، وبيعه بالمزاد العلني، وأن يمنحه أجل خمسة عشر يوما للوفاء بالدين أو التخلي عن العقار ()، مع العلم أن المدين يمكنه الحصول على أجل إضافي للوفاء إما بأمر من رئيس المحكمة إذا طلب أجلا استرحاميا طبقا للفصل 440 من قانون المسطرة المدنية، وإما بقوة الواقع طالما أنه يملك مكنة تفادي البيع متى أدى مبلغ الدين قبل إجراء السمسرة ورسو المزاد.
فالإنذار المتضمن لهذه البيانات لا ينتج أثره إلا بإعلام المدين الراهن أو الغير الحائز به(إذا كانت ملكية العقار المرهون قد انتقلت إليه بعد الرهن وقبل توجيه الإنذار()، ويسمى هذا الإنذار "بالإنذار بالتخلي" ، لأنه يهدف إلى إعلام الحائز بضرورة تحديد موقفه من إجراءات نزع الملكية الجارية(.
وعموما، فإن كل إنذار يجب أن يكون مرفقا بطلب في الموضوع وكذا بالوثائق المؤيدة له والمتمثلة في شهادة التقييد الخاصة، ونسخ من الكمبيالات والسندات التي لم يتم تسديدها  أو كشف الحساب المبين للأقساط الباقية، ومن تم فإنه إذا حل أجل استحقاق الدين ولم يؤد المدين ما عليه( ، فإن الدائن المحرز على شهادة التقييد الخاصة يتقدم مباشرة إلى قسم التنفيذ بكتابة الضبط ويطلب منه توجيه إنذار عقاري للمدين وفق الأحكام العامة المقررة في الباب المتعلق بالتنفيذ الجبري، من غير حاجة إلى مراجعة السيد رئيس المحكمة في إطار الأوامر المبنية على طلب لاستصدار أمر بتوجيه إنذار عقاري. إذ القول بوجوب هذا الإجراء يشكل إفراغا لشهادة التقييد الخاصة من قيمتها وحجيتها كسند تنفيذي، لأن تنفيذ السندات التنفيذية كالحكم مثلا لا يحتاج إلى إذن أو أمر من الرئيس، لاسيما وأنه لا يتصور بالمرة أن يرفض الرئيس توجيه الإنذار المذكور().
وذهب بعض الفقه()(خلاف ذلك)مؤيدا في موقفه بالعمل القضائي(معتبرا أن توجيه الإنذار العقاري يكون بناء على أمر مبني على طلب يصدره رئيس المحكمة في إطار مقتضيات الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية، ولا يمكن تقديمه في إطار القضاء الاستعجالي(، وخاصية هذا الأمر أنه محصن ضد كل طعن أيا كانت النتيجة التي انتهى إليها، سواء بقبول توجيه الإنذار أو رفضه، وذلك تطبيقا لما جاء في الفقرة الثانية من نفس الفصل من أنه يكون الأمر في حالة الرفض قابلا للاستئناف داخل خمسة عشر يوما من يوم النطق به، عدا إذا تعلق الأمر بإثبات حال أو توجيه إنذار، ويرفع هذا الاستئناف أمام محكمة الاستئناف().
والتساؤل المطروح هو: ما هي طبيعة الإنذار العقاري، هل هو إجراء من إجراءات الحجز العقاري أم مقدمة من مقدمات التنفيذ)؟
الجواب أن الإنذار يعتبر بمثابة حجز عقاري بصريح المادة من مدونة الحقوق العينية التي جاء فيها، و بذلك حسم المشرع النقاش الكبير الذي كان مطروحا في الفقه و القضاء حول طبيعة الإنذار العقاري ، فقد جاء في المادة 216 من مدونة الحقوق العينية ما يلي:
"يتضمن الإنذار المشار إليه في المادة السابقة اسم المالك المقيد واسم الملك المرهون وموقعه ومساحته ومشتملاته ورقم رسمه العقاري.
يبلغ المكلف بالتنفيذ نسخة من الإنذار المذكور إلى المحافظ على الأملاك العقارية الذي يقيده بالرسم العقاري.
يعتبر الإنذار المذكور بمثابة حجز عقاري وينتج نفس آثاره".
و بهذا التوجه يكون المشرع قد سوى من حيث الطبيعة بين الإنذار العقاري الموجه في إطار مدونة الحقوق العينية و الإنذار الموجه في إطار مقتضيات المرسوم الملكي المؤرخ في 17 دجنبر 1968 و الذي كان يعتبر بمثابة حجز عقاري .
إذن يقيد الإنذار العقاري  في الرسم العقاري ، و يواصل الدائن المرتهن الإجراءات الموالية لبيع العقار بالمزاد العلني وفق المسطرة المحددة في قانون المسطرة المدنية للحجز التنفيذ على العقار، أخذا بعين الاعتبار أنه  بالإضافة إلى الإخطار المنصوص عليه في الفصل 473 من قانون المسطرة المدنية فإن المكلف بالتنفيذ يوجه إلى المحجوز عليه وشركائه وإلى جميع أصحاب الحقوق العينية الواردة على الملك إنذارا للإطلاع على دفتر التحملات والشروط وذلك داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ إيداع هذا الدفتر، ثم يجرى البيع بالمزاد العلني ، و يرسو المزاد على من قدم أعلى عرض ، لا تسلم كتابة ضبط المحكمة محضر إرساء المزايدة إلا بعد أداء الثمن المستحق أو إيداعه بصندوق المحكمة إيداعا صحيحا لفائدة من له الحق فيه، و يترتب على تقييد محضر إرساء المزايدة بالرسم العقاري انتقال الملك إلى من رسا عليه المزاد وتطهيره من جميع الامتيازات والرهون ولا يبقى للدائنين حق إلا على الثمن.
 و في الختام نشير إلى أنه إذا تراخى في ذلك أمكن للمحجوز عليه أن يتقدم بمقال إلى رئيس المحكمة المختصة بوصفه قاضيا للمستعجلات للمطالبة برفع اليد عن الحجز، ويكون الأمر الصادر برفع اليد عن الحجز نهائيا ونافذا على الفور .