5.29.2018

تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية الإدارية بين قوة القانون و قانون القوة الأستاذ : محمد الزكراوي

تنفيذ الأحكام  و القرارات القضائية الإدارية بين   قوة القانون و قانون القوة الأستاذ : محمد الزكراوي







تنفيذ الأحكام  و القرارات القضائية الإدارية
بين   قوة القانون و قانون القوة
الأستاذ : محمد الزكراوي






ذ/ الزكراوي محمد                                                                                    
باحث في الشؤون الإدارية و القانونية
إطار هيئات مشتركة بين الوزارات


تنفيذ الأحكام  و القرارات القضائية الإدارية
بين
قوة القانون و قانون القوة

التصميم :
مقدمة
المبحث الأول : تنفيذ الأحكام القضائية في ظل التشريع المغربي بين متطلبات الأمن القانوني و اكراهات الواقع
المطلب الأول: النظام القانوني لتنفيذ الأحكام القضائية في التشريع المغربي
المطلب الثاني: تنزيل الأحكام القضائية بين متطلبات الآمن القانوني و اكراهات الواقع
المبحث الثاني: تنفيذ الأحكام القضائية بين قوة القانون و قانون القوة
المطلب الأول:  الأصل في تنفيذ الأحكام القضائية انه منظم بقوة القانون( سيادة القانون)
المطلب الثاني: الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية خروج عن القانون و (سيادة لقانون القوة)
الخاتمة

توطئة
يقول الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المعنى : أن من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كالإدارة، فلابد من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه اوتنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام.





مقدمة :
إذا كانت الأحكام و القرارات القضائية  تجسد عنوانا للحقيقة وترجمة لمظاهر العدالة و الإنصاف . فان حجيتها هي نوع من الحرمة و المصداقية التي تعكس تنزيل قواعد ومبادئ القضاء العادل. و إذا كان النظام القانوني  في أي دولة من دول المعمور  سعيه الأمثل  في اقتفاء و سلوك  خريطة طريق لأجل تحقيق امن قانوني مطلوبا ومؤكدا، فإن التعسف يجد ملاذه في التنفيذ، فالإخلال بمبدأ ضرورة احترام الأحكام يصير بمبدأ المشروعية إلى العدم . ذلك انه لا يليق بحكومة في بلد تقوم ركائزه على صرح الديمقراطية و حقوق الإنسان أن تمتنع عن تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية بغير وجه قانوني لما يترتب على هذه المخالفة الخطيرة من إشاعة للفوضى و فقدان الثقة في سيادة القانون.
إن من أبرز مظاهر دولة الحق و القانون أن يحتكم المتنازعون إلى القضاء سواء العادي أو الإداري. وإذا صدر الحكم وصارم شمولا بالنفاذ، تعين الامتثال لمضمونه من قبل الأفراد والهيئات. فلا وجود لجهة او فرد مكانتها  فوق القانون وكل ملزم بالخضوع لأحكام القضاء. فدولة القانون تقاس بمدى تنفيذ و احترام القرارات القضائية وان إصلاح المنظومة القضائية وتكريس علوية المؤسسات يتجسد فعليا بضمان نفاذ الأحكام القضائية فاحترام القانون لا يقتصر على الإقرار بالحقوق وإنما يتجاوز أروقة المحاكم من خلال الحرص على إيصال تلك الحقوق إلى المتقاضين.ذالك انه من المقرر فقها و قضاء أن حجية الأوامر و الأحكام و القرارات القضائية فيما قضت فيه و كما صورها المشرع تقوم على قرينة قانونية قاطعة. وان الأحكام التي حازت درجة من القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق و لا يجوز قبول دليل ينقض تلك القرينة.فالحكم او القرار متى فصل في خصومة كان لابد من الوقوف عنده ووضع حد لهذه الخصومة و المنازعة .فلا يجوز للخصم المحكوم ضده أن يعيد طرح النزاع من جديد او الامتناع عن تنفيذه .فلو سمح القانون بذالك لما أمكن أن يقف عند حد .ولجاز لكل من الخصم الذي صدر القرار القضائي ضده أن يحصل على حكم يتعارض مع الذي قضي فيه سابقا الشيء الذي يجعل من المتعذر تنفيذ الأحكام القضائية.
وبما إن بحثنا يقتصر على دراسة القوة الإلزامية للأحكام القضائية الإدارية الصادرة في مواجهة الإدارة و مدى ترجمتها غلى أرضية الواقع .
ومن اجل إبراز مدى أهمية الالتزام بتنفيذ قوة الشيء المقضي فيه.لما فيه من إجلالا لحرمة و قداسة القضاء   ، وحماية للشرعية وسيادة القانون ، نتساءل هل فعلا تنزيل الأحكام و القرارات القضائية و تفنيدها في مواجهة الإدارة  العمومية يخضع لقوة القانون أم لقانون القوة ،،

المبحث الأول : تنفيذ الأحكام القضائية في ظل التشريع المغربي بين متطلبات الأمن القانوني و اكراهات الواقع

لا يمكن لنا الاقتصار في تحقيق متطلبات الأمن القانوني و القضائي فقط بضمان استقلالية وحرية القاضي في   البت و إصدار القرار القضائي. و إنما يمتد إلى  وجوب احترام الأحكام القضائية وضمان تنفيذها وفقا للمبدأ القانوني القاضي بحتمية تتقيد الأحكام و القرارات القضائية.فالقاعدة القانونية تولد جامدة وتضل كذالك إلى أن يحرك القضاء سكونها عبر آليات تنفيذها بموجب أحكام و قرارات صادرة عنه يستوجب الالتزام بها على قدر من المساواة أمام أحكام القانون .

المطلب الأول: النظام القانوني لتنفيذ الأحكام القضائية في التشريع المغربي
 شكل موضوع تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية ، الصادرة عن القضاء  و في كثير من المناسبات وعاء للنقاش الجاد خصوصا و في الآونة الأخيرة التي تزامنت و مشروع إصلاح منظومة العدالة في بلادنا ، و لا شك أن الخطاب الملكي بمناسبة ترؤسه لافتتاح أشغال دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 شكل منعطفا هاما في إحقاق الأمن القانوني و النجاعة القضائية حيث أكد أنه: "من البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا إذا ضمنّا لهيئته الحرمة اللازمة والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة باسمنا تستهدف الإنصاف وفورية البت والتنفيذ، وجريان مفعولها على من يعنيهم الأمر"
ومع الدستور الجديد أعطى المشرع المغربي مزيدا من الأهمية لمكانة القضاء و خصص لها بابا كاملا باعتبار المكانة التي يوليها صاحب الجلالة لضرورة بياء صرح دولة الحق و القانون وإحقاق العدل بين المواطنين جماعة كانوا او أفراد .
إلا انه و بالرغم من جميع المحاولان و الجهود المبذولة في الارتقاء بالعمل القضائي و تجويد خدماته فانه مزال تشوبه مجموعة من النقائص التي تقف عقبة في التنزيل الصريح لمقتضيات الدستور في مجال حكامة القضاء ، و لعل أهم ما يعتريه من إشكاليات عملية وقائع عدم الاعتداد بإلزامية الأحكام و تنفيذها سواء بين الأشخاص في ما بينهم او تلك المتعلقة بمنازعات الأفراد قي مواجهة الإدارات العمومية .و لعل ما يبرر قولنا ذالك هو استياء جلالته و عدم رضاه فيما يخص التدبير ألعملياتي  للإدارة و القضاء معا .و هو ما عبر عنه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 14 أكتوبر 2016  بقوله:
أن المواطن يشتكي بكثرة، من طول و تعقيد المسا طر القضائية، ومن عدم تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة.
فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟
كما أنه من غير المعقول، أن لا تقوم الإدارة حتى بتسديد ما بذمتها من ديون للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بدل دعمها وتشجيعها ، اعتبارا لدورها الهام في التنمية والتشغيل.
كما أن المواطنين يشتكون أيضا من الشطط في استعمال السلطة والنفوذ ، على مستوى مختلف الإدارات ، ومن تعقيد المساطر ، وطول آجال منح بعض الوثائق الإدارية.
فمصلحة الأفراد والجماعات لا تكمن فقط في سن القوانين أو النصوص التنظيمية للقول بوجوب الانصياع لها وفرض تطبيقها بتبرير وجود دولة الحق والقانون، بل إن الأمر يتعدى ذلك ويتطلب بالإضافة إلى النصوص التشريعية والتنظيمية المحكمة والمستجيبة للمصالح الاجتماعية والاقتصادية تحقيق ما يسمى بالأمن القضائي .
هذا الأخير يتجلى في توفير الاطمئنان للمتقاضين لدى المؤسسة القضائية، وهذا لا يتأتى إلا بالرقي بمستوى الخدمات التي يؤديها من خلال جودة الأداء واستقرار الاجتهاد والعمل القضائيين بما يتوازن وروح التشريع وتحقيق العدل بين مكونات المجتمع، ولا يختلف لديه في ذلك الأفراد أو الجماعات والأشخاص المعنوية أو الإدارة والمؤسسات العمومية، إذ أن الأمن القضائي يعتبر حقيقة ملاذا للكل لدرء تعسف البعض وطغيانه.ذالك أن جودة و نجاعة القضاء مستوحاة من إرادة المشرع في تنزيلها فجودة الخدمات القضائية تنطلق من حاجة الفرد و الجماعات الضرورية و الملحة إلى الإحساس بحماية العدل و القضاء النزيه والمستقل الذي يؤمن معه على حقوقه و يطمئن لها .كما انه بتحقيق الجودة في القضاء و السهر على منظومة الأمن القانوني من شانه  الإسهام في الإقلاع الاقتصادي للدولة القانونية و المشاركة الفاعلة في ازدهار نظامها و نمو أفاقها نحو صرح مصاف الدول الديمقراطية . و التي لا يمكن أن نتصوره إلا بتحريك جمود القاعدة القانونية من حالة سكونها ببعث روح الحركية فيها الشيء الذي لن يتأتى إلا عبر ضمان تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية و ضمان صيرورتها والزاميتها على قدر من المساواة بين أفراد المجتمع أمام القانون . ذالك انه من العبث التسليم بإلزامية التشريع و إنكاره على تنفيذ الإحكام و القرارات القضائية باعتبارها هي الأخرى مصدرا للتشريع بما يقره الاجتهاد القضائي في هذا الباب .
ولأجل ضمان ذالك عمل المشرع المغربي على ضمان استقلالية السلطة القضائية عن باقي السلط الأخرى بأن نم تولية ذالك الضمان لأعلى سلطة بالبلاد .فجعل من الملك الضامن لاستقلا السلطة القضائية ، حرية القضاة في ممارسة أعمالهم دونما قيد او تأثير عليهم  حيث جعل من أمر عزلهم او نقلهم مستلزما بمقتضى القانون .و بغية تكريس الاستقلالية التامة لسلطة القضاء منع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وعدم تلفي القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، وعدم خضوعه  لأي ضغط. من أي  جهة كانت . فالقاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، وجب عليه أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية..  كما يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة. كما لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. ذالك أن  من مهام القضاة حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون.
ولما كان حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.فكذاك.له الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. فحقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.  ويحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة.
إن  أهمية تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة من صدرت ضدهم .مشمولة بحرمة الفصل 124 من الدستور المغربي الذي ينص على  انه تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون. فشرعية التنفيذ مستوحاة من القانون ويزكيها في ذالك ما جاء به الفصل 126 بتنصيصه على أن.الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع. و يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، في إشارة منه لأهمية ضمان آلية تنفيذ الأحكام.
ولم يقتصر المشرع المغربي في تقرير و جوبيه تنفيذ الإحكام و القرارات القضائية على المستوى الدستوري و إنما عمل على الحرص في تنزيلها في قوانين  وقرارات بالإضافة إلى مناشير و دوريات هي الأخرى تحث على التقيد بتنفيذ الأحكام و تنزيلها على ارض الواقع .
وفي هذا الصدد نشير إلى منشور رئيس الحكومة عدد 2015/12 الموجه إلى السادة الوزراء و المندوبين الساميين حول تنفيذ الأحكام القضائية ضد أشخاص القانون العام حيث جاء فيه انه ة بالرغم من صدور منشور الوزير الأول رقم 2008 بتاريخ 4 يناير 2008 المتعلق بإمكانية تنفيذ الأحكام القضائية و الأوامر القضائية بحجز ما للمدين لدى المحاسبين العموميين فقد لوحظ أن تنفيذ هذه الأحكام مازال يغرف العديد من الصعوبات التي تخول دون الإسراع في تنفيذها مما يتعين معه إيجاد الصيغ و الحلول الناجعة التي تضمن من جهة تنفيذ الأحكام القضائية صونا لحقوق المتقاضين وتكفل من جهة أخرى مصالح الدولة و حقوق المجتمع  برمته.
وعليه و تحقيقا للأهداف المنشودة وراء تيسير مساطر تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية أصبح لازما دعم أجهزة التفتيش العام بقصد الإشراف على تبليغ تلك الأحكام دون إغفال السعي إلى حل النزاعات المتعلقة بها بالتوافق مع أطراف النزاع بدل اللجوء إلى القضاء .
وفي إطار تكريس مبدأ السيادة القانون و صيانة حرمة القضاء و احتراما لحقوق المتقاضين و تعزيزا لمصداقية الإدارة لم تتردد  الحكومة في إعطاء توجيهاتها من اجل الإسراع في عملية تنفيذ الأحكام التي اكتسيت قوة الشيء المقضي به ، وفي هذا الصدد نذكر بما جاء منشور الوزير الأول عدد 98/37 بتاريخ 31 غشت 1998 موجه إلى السيد وزير الدولة و السادة الوزراء و كتاب الدولة حول تنفيذ الأحكام و القرارات النهائية. و مدى الصعوبات التي تعتري تنفيذها حيث جاء فيه ما يلي:
وبعد . يرد على الوزير الأول يوميا عدد كبير من المراسلات يشتكي أصحابها عن امتناع بعض الوزارات إما أصليا او بحكم الوصاية و كذا بعض المكاتب الوطنية و الجماعات المحلية و الوكالات المستقلة  من تنفيذ الأحكام و الأوامر و القرارات القضائية رغم اكتسابها لقوة الشيء المقضي به.
فتنفيذ الأحكام القضائية النهائية يعتبر أسمى تعبير من كل الأطراف المعنية عن تمجيد القضاء و تكريم السلطة القضائية و في ذات الوقت اعترافا بحقوق المواطنين و تكريسا لحقوق الإنسان و إرساء معالم الشرعية و المشروعية حيث يسود الاطمئنان في نفوس المتقاضين.
إن أهمية التنفيذ و ضرورة حتمية تنفيذ الأحكام لم تقف إلى حين ذالك بل تلته العديد من المناشير اللاحقة كان من بين أهمها المنشور الوزاري عدد 2002/4 بتاريخ 2002 حول مقاضاة الوزارات و الجماعات الترابية و المؤسسات العمومية فيما بينها أمام المحاكم  و الذي يوصي إلى العمل قدر المستطاع على حل النزاعات عن طريق التفاوض و التوافق للوصول إلى حلول رضائية مما يصبح معه اللجوء إلى المحاكم غير ذي موضوع طالما أن الأحكام القضائية لا يحترم تنفيذها .
و مما لاشك فيه أن الارتباط بين مبدأ المشروعية وتنفيذ أحكام القضاء وثيق. وأن العلاقة قائمة بينها. فمبدأ المشروعية يلقى احتراما وتطبيقا كلما بادرت جهة الإدارة إلى تنفيذ أحكام القضاء والتزمت بمضمون هذه الأحكام ونفذتها بمختلف جزئياتها. فالإدارة شخص من أشخاص القانون وليس لها أن تتطاول عليه, أو تحاول التقليل من شأن الأحكام القضائية   و التعدي على قداسة القضاء  وحرمته.
فالامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارات قد أدى إلى الإضرار ليس فقط بمصلحة و حقوق المتقاضين وإنما أيضا بممتلكاتها و قدراتها المادية نتيجة لتراكم المبالغ المحكوم بها ولصدور أحكام تتضمن غرامات تهديديه او أوامر بالحجز على أموالها و ممتلكاتها ،وهذا ما شارت إليه دوري وزير الداخلية رقم 21 /ق ت م /م بتاريخ 7 مارس 2006 حول ضبط المنازعات القضائية للجماعات المحلية و هيئاتها.
فإذا كان هذا الامتناع يجد مبرره في غالب الأحيان في مبدأ عدم جوار الحجز على الأموال العمومية فيجدر التنبيه إلى أن المحاكم المغربية لم تعد تأخذ بهذا المبدأ على إطلاقه ،إذ ذهبت في كثير من الحالات إلى إجازة الحجز على أموال الجماعة في حالة امتناعها بدون مبرر قانوني عن تنفيذ حكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به .







المطلب الثاني: تنفيذ الأحكام القضائية بين متطلبات الآمن القانوني و اكراهات الواقع
حظي موضوع إصلاح قطاع العدل بأهمية بالغة لدى المهتمين بقضايا العدل ، وهي الأهمية التي جسدتها خطب عديدة لجلالته في مناسبات كثيرة، وتم تضمينها في التصريح الحكومي، وتجسيدها في برنامج عمل الحكومة.
تلك الأهمية تستتبع بالضرورة تحولا جوهريا في دور القضاء حتى يرقى إلى الحماية القانونية الفعلية لحقوق الإنسان، وإحكام الرقابة على الالتزامات والمعاملات في جميع المجالات، وتصريف القضايا بالسرعة المطلوبة والفاعلية المنشودة لإشاعة العدل بين الناس بما فيها ضمانة تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة المحكوم عليهم..
حيث أصبح البث في القضايا المعروضة على المحاكم داخل أجال معقولة شرط أساسي من شروط المحاكمة العادلة باعتبار ما تم التنصيص عليه قي الفصل 120 من الدستور فلكل شخص الحق في محاكمة عادلة ، و في حكم يصدر داخل اجل معقول مشمول بجميع ضمانات التنفيذ باعتبارها المعايير التي تقاس بها نجاعة الأنظمة القضائية .لذالك كان لازما على كل المحاكم اتخاذ كافة التدابير للعمل على احترام اجل البت في الملفات ومعدل الجلسات لكل نوع من أنواع الملفات و المدد الفاصلة بين الجلسات ومدد طبع الأحكام لأهمية ذالك في تحقيق مزيدا من النجاعة و الأمن القضائي و القانوني لجميع المتقاضين .وهذا ما تمت الإشارة إليه مؤخرا بموجب أحكام المراسلة  الوزارية لوزير العدل عدد 22 س بتاريخ 23 فبراير 2017 حول البت في القضايا القديمة .ونلك المتعلقة بمعدل الجلسات اللازمة للبث في القضايا و عدد التأخيرات و مدة طبع الأحكام تحت رقم س1 بتاريخ 5 يناير 2017. الساعية إلى تحقيق مزيدا من الأمن القضائي و القانوني فتحقق الأمن القضائي رهبن بتوفير آليات تضْمن حسن سير القضاء، كاستقلاليته وجودة أحكامه وسهولة الولوج إليه ونجاعة إدارته، وهذه كلها مقومات تبعث الثقة في المؤسسة القضائية، وتضمن بالتالي ترسيخ الأمن القضائي . وذالك بترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية والاطمئنان إلى ما ينتج عنها أو ما تجتهد بشأنه من نوازل،
ولا شك أن أهمية تنفيذ الأحكام و الفرارات القضائية في تحقيق متطلبات الأمن القانوني و القضائي معا هي الأخرى مشروط بتفعيل مضامين الوثيقة الدستورية، التي ارتقت بالقضاء إلى سلطة مستقلة بضمانات وآليات متعددة مفلسفة جديدة تُلزِم القضاة بالتدخل الايجابي للدفاع عن استقلالهم وضمان حقوق المتقاضين.فلقد أصبح هذا التحول في طبيعة المهام القضائية في حاجة ملحة إلى ثقافة قضائية جديدة تستوعب كل القيم، وتعطي للأحكام الفاصلة في النزاعات المعروضة على المحاكم أبعادها المستمدة من مصدرين أساسيين، هما:
أولا:  الإطار الدستوري للمملكة الذي كرس مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء، وحدد المرجعية التشريعية والأرضية القانونية التي نعمل جاهدين على تطويرها حتى تنخرط بلادنا في منظومة أرقى التشريعات المقارنة
وثانيا: الإرادة الملكية السامية لإصلاح منظومة العدالة المضمنة في الخطب السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله أبرزها
إن عدم تنفيذ الأحكام القضائية من أي جهة او سلطة في الدولة يمثل إخلال جسيما لمبدأ فصل السلط و استقلالية القضاء و ضرب للأمن القانوني و القضائي .و هي مسؤولية تقع على رئيس الحكومة إذ يتوجب عليه بمقتضى الوثيقة الدستورية اتخاذ جميع الإجراءات الضامنة لتنفيذ الأحكام بما فيها الحرص على تتبع عمل الوزارات باعتباره حكما بين السلطات .له أن يأمر بتنفيذ الأحكام و لا يجوز له إن يتنصل من المسؤولية التي جملها على عاتقه  المشرع الدستوري آيا كانت المبررات .فواجبه يقتضي رعاية الحدود بين السلطات..ذالك أن من بين أهم الإشكالات التي تحيط بظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية ضعف الرقابة الذاتية داخل الجهاز الإداري نفسه .بالإضافة إلى غياب الرقابة القبلية على صحة و مشروعية هذه الأحكام و القرارات القضائية . فحجية الأمر المقضي فيه كما صورها المشرع تقوم على قرينة قانونية قاطعة مفادها أن الأحكام الني حازت على درجة قطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق و لا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة فالحكم متى فصل في خصومة كان و لا بد من الوقوف عنده ووضع حد لهذه الخصومة و المنازعات فلا يجوز للخصم المحكوم ضده أن  يعيد طرح النزاع من جديد. و لو سمح القانون بذالك، لما كان أن يقف عند حد ولجاز لكل من الخصوم أن يحصل على حكم يتعارض مع الحكم الذي حصل عليه الخصم الأخر  فهذا التعارض يجعل من المتعذر تنفيذ الأحكام القضائية . فحجية الشيء المقضي فيه تسمو  على قواعد النظام العام .
فالأمن القضائي ليس  الغاية منه إشعار العامة من الناس بالحماية المعنوية لحقوقهم فقط ،بل يجد ملاذه في تفعيل آلياته غبر ضمانة التنفيذ للأحكام القضائية ، ذالك أن القضاء الحائز لقوة الشيء المقضي فيه لا يجوز إثارته مرة أخرى فالأحكام التي تقرها العدالة كشفا او تقريرا صادرة عن قضاء تنظمه الدولة ولها ولايتها عليه ،فالأحكام تولد حائزة قوة الشيء المقضي مناط لزوميتها يستوحي من مبادئ العدالة الحقة . وقواعد القوانين الكونية و الطبيعية المتعارف عليها دوليا .
فالإدارة وهي بصدد تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية ،إنما تنفذ تلك الأحكام بموجب الالتزام الذي يقع على عاتقها وإذا كان هذا الالتزام يعتمد على حسن نية الإدارة في تطبيق الأحكام القضائية و تنفيذها ،فان هناك أساسا نظاميا يحتم على الإدارة الالتزام بتنفيذها و هذا الالتزام عام ،مضمونه احترام الإدارة لحرمة و قداسة القضاء .
فإذا كانت الإدارة ملزمة باحترام القوانين فان التزامها بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها أولى، لان الإدارة يجب أن تكون المنصف لنفسه و أن تحقق العدل و تتحراه و لو كان ضدها فالأحكام القضائية عنوان للحقيقة القانونية الملزمة ومتى أصبح الحكم نهائيا فانه حينئذ يعد قاعدة واجبة الإتباع فتنفيذ الأحكام يمثل التزاما بتنفيذ القانون ذاته وعدم التنفيذ للأحكام هو عدم تنفيذ القانون ايضا.
المبحث الثاني: تنفيذ الأحكام القضائية بين قوة القانون و قانون القوة
إن جهة الإدارة حين تمتنع عن تنفيذ الأحكام الإدارية، فإنها تتخذ في هذا الامتناع عددا من الصور التي تكون بمثابة الشكل الذي تتخذه الإدارة في سبيل تبرير امتناعها عن التنفيذ ، قد تكون صحيحة وقد تكون واهية مما يجعل من تنفيذ الأحكام القضائية تتجاذبه  تيارات قوة القانون في التنفيذ  وقانون القوة في عدم التنفيذ.

المطلب الأول:  الأصل في تنفيذ الأحكام القضائية  انه منظم بقوة القانون (سيادة القانون)

القاعدة المطبقة في جميع تشريعات العالم الحديثة تستوجب تدخل السلطة العامة لتولي عملية التنفيذ وتمكين الدائن من استفاء حقه قهرا على المدين بما لها من قوة عمومية ،وقد أحاط المشرع عملية التنفيذ بمجموعة من القواعد القانونية لتنظمه و التي تعتبر من النظام العام فيلزم القائم بالتنفيذ بإتباعها فهذه القواعد القانونية تحدد أركان التنفيذ المتمثلة في السند التنفيذي والسلطة التي تباشر التنفيذ وأطرافه و محله وتبين الشروط الخاصة بهذه الأركان.
لقد عمل المشرع المغربي و بموجب أحكام قانون رقم 90/41 المحدث بموجبه محاكم إدارية بجعل هده الأخيرة صاحبة الولاية والاختصاص بالبت في جميع المنازعات التي شملتها المادة 8 منه . ونطرأ لأهمية الدور الذي أصبح يلعبه  القضاء الإداري في إنصاف كل متظلم من شطط الإدارة بسبب تجاوزها لسلطاتها  . جعل من أحكام القرارات و الأوامر القضائية الإدارية عنوانا للحقيقة القضائية . وحث على التقيد بتنفيذها .فلكل خصم حائز على حكم له من قوة الشيء المقضي به ضد الإدارة  أحقيته في الجمع بين طلب تحديد و تصفية الغرامة التهديدية وطلب التعويض عن الأضرار الحاصلة له بسبب امتناع الإدارة عن القيام بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها .فمبدأ المشروعية يوجب خضوع الأفراد والدولة بجميع إداراتها وأجهزتها للقانون. ويعد القضاء الإداري أحد الضمانات لسيادة حكم القانون وحماية حقوق الأفراد ومصالحهم من أخطاء وتعسف الإدارات الحكومية, ويوجب مبدأ المشروعية أيضاَ إلزام الجهة الإدارية الحكومية بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها متى أصبحت نهائية واكتسبت حجية وقوة الشيء المقضي به، فتنفيذ الجهة الحكومية الأحكام الصادرة ضدها يعد امتثالاً للقانون وخضوعاً له.
 فإذا كان الفصل 124 من الدستور المغربي ينص على  انه تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون ، فان الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون، وللمحكوم له في هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة''.  و هذا ما أشارا لبه الفصل 257 من القانون الجنائي المغربي بقوله  أن( كل قاض أو موظف عمومي يكلف أو يأمر بحمل غيره على أن يكلف أو يأمر باستعمال القوة العمومية أو تدخلها ضد تنفيذ قانون أو تحصيل جباية مقررة بوجه قانوني أو ضد تنفيذ إما أوامر أو قرارات قضائية وإما أي أمر آخر صادر من سلطة شرعية، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات.)
ويجوز، علاوة على ذلك، أن يحكم على مرتكب الجريمة بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل40 من نفس القانون حيث يجوز عليه بالحرمان من مباشرة جميع الوظائف والخدمات العامة مدة لا تزيد على عشر سنوات. ذالك أننا نرى أي امتناع غير مبرر على سند قانوني وتحث رقابة سلطة القضاء إنما بعد من قبيل الشطط في استعمال الموظفين للسلطة ضد النظام العام.فمن المفترض أنّ الدولة تعتبر خصمًا شريفًا، ويتوجّب عليها أن تدفع حقوق دائنيها وتقوم بجميع واجباتها من دون تهرب أو تأخير أو تقصير. فأحكام القضاء و المحاكم الإدارية ملزمة للإدارة، وعلى السلطات الإدارية أن تتقيّد بالحالات القانونية كما وصفتها هذه الأحكام. ويجب تنفيذ هذه الأحكام في مهلة معقولة. وحيث إن الأحكام القضائية التي تتمتع بالقوة التنفيذية، تعتبر ملزمة للسلطة الإدارية، فعلى هذه السلطة احترام الأحكام القضائية بصورة دائمة، وتنفيذ الأمر المقضي به وفق منطوق تلك الأحكام، وإلّا اختل ميزان العدالة وفسدت مقاديره وتلاشت القيم القانونية، وأصبح مبدأ الشرعية بلا قيمة .بل إن جرم الامتناع عن تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية  يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عُهد بها إليه.
فمن البديهي أنه ليس لأحد في جهاز الدولة مهما علا شأنه تسفيه أحكام القضاء لتبرير امتناعه عن تنفيذها وتمرده عليها بل إن الواجب يقضي الالتزام بتنفيذها احتراماً للشرعية الدستورية والقانون، وعملاً بالصيغة التنفيذية التي تذيل بها تلك الأحكام، ولذلك تعتبر المخالفة القانونية في هذه المسألة جسمية ومارقة لما تنطوي عليه من خروج سافر على الدستور والقوانين. تستوجب المعاقبة و المساءلة القانونية عن فعل الامتناع ،بل الأكثر من ذالك أن المساءلة القانونية لا تقف عند حد معاقبة الموظف المرتكب جريمة الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء بل يستطيع المحكوم له أن يقيم دعوى تعويض ضد شخص أي موظف ساهم في الامتناع الإجرائي عن تنفيذ الحكم. فكل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، لأن امتناع الموظف عن تنفيذ حكم بات واجب النفاذ يعد خطأ جسيماً من ناحية كما أنه تترتب على هذا الخطأ أضرار جسيمة تصيب المحكوم له مصدرها عدم حصوله على الحق المحكوم به، والسبب المباشر لهذا الضرر هو مسلك الموظف الممتنع الخاطئ بالامتناع عن تنفيذ الحكم .
فإذا كان العمل القضائي بين جريمة تحقير مقرر قضائي كما هي موضحة عناصرها و شروط قيامها في المادة 266 من القانون الجنائي، و واقعة الامتناع عن التنفيذ، و اعتبر أن مجرد الامتناع عن التنفيذ لا ينهض مبررا كافيا للقول بقيام الجريمة، طالما لم يصدر عن المنفذ عليه أي سلوك، أو قول، أو فعل، من شأنه المساس بالاحترام الواجب للقضاء و سلطته.
حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى ما مفاده
إن مقتضيات الفصل 266 من القانون الجنائي لا يمكن تطبيقها إلا في نطاق ما نص عليه الفصل المذكور فيما يتعلق بتحقير مقررات قضائية أي المساس بالاحترام الواجب للقضاء و سلطته.
مجرد الامتناع عن التنفيذ لا يشكل عنصرا من عناصر جنحة تحقير مقررات قضائية». قرار عدد 979، صادر بتاريخ 21/04/98، ملف جنحي عدد 4102/97، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 55، ص 505.
فإننا نذهب إلى نقيض ذالك على اعتبار أن الامتناع واقعة مادية مؤثرة في مراكز المتقاضين الذين حازوا على أحكام نهائية و قرارات قطعية و أوامر مستعجلة مشمولة بالنفاد المعجل بقوة القانون .مما يجعل من تلك الواقعة فعل اعتداء مادي يوجب جبر الضرر لفائدة المحكوم لصالحهم ،ولهم الحق في التمسك بحجية الأحكام القطعية في مواجهة  الجهة الإدارية الممتنعة عن التنفيذ . في أي وقت يشاءون ذالك على أساس أن تنفيذ الأحكام الإدارية  من متعلقات النظام العام . وان عدم الالتزام بقواعد التنفيذ يمكن إثارته في أي وقت لكون الامتناع عن التنفيذ جريمة نعتبرها جرما مستمرا لا يخضع لقواعد التقادم.لكون الضرر الناجم عن فعل الاعتداء المادي الناجم عن واقعة الامتناع عن التنفيذ لا بمكن أن يسقط حيثما مازال قائما إلى حين حبره و التعويض عنه. جبرا لمن ولج دهاليز العدالة بحثا عن الحقيقة القانونية وأملا في أن يجد ملاذ العدالة ملجأ ودفئا له. فواقعة الامتناع عن تنفيذ الأحكام بدون أسباب واقعية و مقبولة لا يشكل فقط تحقيرا للحكام القضائية بل ضرب لمبدأ حجية الأمر المقضي به وإهانة لسلطة القضاء من خلال اهانة القرارات والأحكام التي تصدر باسم الملك وطبقا للقانون، كمان أنها تبيد احترام مبدأ المشروعية السلم الاجتماعي عن طريق التعايش بين الأفراد والإدارة تحديد مسئولية المسؤول عن عدم تنفيذ أحكام القضاء طبقا لما ينص عليه الفصلان 79 و 80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.ذالك أن المشرع المغربي قد حدد الحالة التي يمكن أن تكون سندا قانونيه قي إيقاف القرارات القضائية و هي المنظمة بموجب أحكام الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية بقوله (إذا أثار الأطراف صعوبة واقعية أو قانونية لإيقاف تنفيذ الحكم أو تأجيله أحيلت الصعوبة على الرئيس من لدن المنفذ له أو المحكوم عليه أو العون المكلف بتبليغ أو تنفيذ الحكم القضائي ويقدر الرئيس ما إذا كانت الادعاءات المتعلقة بالصعوبة مجرد وسيلة للمماطلة والتسويف ترمي إلى المساس بالشيء المقضي به حيث يأمر في هذه الحالة بصرف النظر عن ذلك. وإذا ظهر أن الصعوبة جدية أمكن له أن يأمر بإيقاف التنفيذ إلى أن يبت في الأمر.) وفيما غير ذالك لا يمكننا إلا اعتباره شططا في استعمال السلطة من طرف الإدارة الصادر ضدها الحكم .ونعده من أعمال العرقلة بسبب تجاوز سلطاتها في هذا الباب.
المطلب الثاني: الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية  خروج عن القانون و (سيادة لقانون القوة)
إن الأحكام و القرارات القضائية غير المنفذة تعرف تزايدا ملحوظا، وإن الإحصائيات حول نسبة تنفيذ الأحكام النهائية في مواجهة أشخاص القانون العام تفيد بأن هذه النسبة لم تتجاوز 45.3% سنتي 2012 و 2013 في وقت بلغت 47% عام 2014.وبلغت خسائر الدولة المغربية من التعويضات لصالح المواطنين، والتي قضت بها مختلف محاكم المملكة، ما بین 2006 و2013، حسب معطيات المحاكم المالية في المجلس الأعلى للحسابات، ما يفوق 4 مليارات درهم (400 مليون دولار) فيما بلغ العدد الإجمالي للقضایا المسجلة أمام المحاكم أكثر من 30 ألف قضیة سنویا.
والسبب في ذالك غياب لتصور عام و شمولي في احتواء ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة في مواجهة الإدارات العمومية و الجماعات الترابية. رغم أن الالتزام يقضي باحترام الإدارة للقانون. فإذا كانت الإدارة تسهر على تنفيذ القوانين فالأولى لها احترام مقتضيات الأحكام الإدارية باعتبارها هي الأخرى مصادر للقاعدة القانونية الملزمة و المجردة و العامة ،فإذا كان من المقرر انه لا يجوز عرقلة الأعمال الإدارية و بالتالي منع البث في كل ما يمكن أن يعيق أعمال الإدارة و الحول دون استمرارية خدماتها . فنشير أن من قصده المشرع من الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية بعمل الإدارة الذي لا يجوز تعطيله من طرف المحاكم هو العمل المؤسس على جد ادني من المشروعية ( قرار المجلس الأعلى الغرفة الإدارية عدد 452 بتاريخ 1999/4/22  . )
وبالنظر لما تتمتع به الإدارة من استقلال بسبب حظر طرق التنفيذ العادية ضدها قد تتما طل وتمتنع عن التنفيذ. وقد توصل القضاء الإداري إلى حملها على التنفيذ عن طريق وسيلة الضغط المالي بفرض الغرامة التهديدية ضدها أو بالحجز على أموالها الخاصة غير اللازمة لتسييرها في إطار ما يتمتع به من سلطة تقديرية لتمييز أموالها الخاصة عن العامة في إطار القواعد العامة. وقد تمتنع الإدارة عن التنفيذ أو تتما طل في ذلك، ويكون ذلك سندا لإقامة دعوى التعويض في مواجهتها عن الأضرار الناتجة من جراء الامتناع أو التماطل في التنفيذ. ذالك أن القضاء الإداري اعتبر إن وجود صعوبة للإدارة في تنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها ، يشكل ظروفا خاصة بها ولا علاقة لطالب التنفيذ بها ، وبالتالي فإنه من واجب الإدارة سلوك الإجراءات اللازمة من أجل تنفيذ هذا الحكم لا أن تعمل على خلق أعذار ومبررات لتعطل عملية التنفيذ مادام لا يوجد بالملف ما يفيد قيام الإدارة باتخاذ أي إجراء ايجابي يستشف منه عزمها على القيام بعملية التنفيذ، مما يجعل إثارتها للصعوبة في التنفيذ المبنية على ظروف تتعلق بها غير مبني على أساس وينم فقط عن وجود تماطل من جانبها لتنفيذ الحكم المستشكل في تنفيذه.

(قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 204 بتاريخ 23/04/2007
ملف عدد 20/07/2)
فإذا كان لا يجوز الحجز على أموال المؤسسة العمومية فلكونها مليئة الذمة   ولا يخشى إعسارها وليس لكون أموالها أموالا عمومية مادام لا يوجد أي نص قانوني يمنع حجزها ، ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر ، فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة العمومية نظرا لصبغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ مادام هذا الحجز لا تأثير له على السير العادي للمرفق.
( قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط  عدد 53 بتاريخ 12/2/2007
ملف عدد 103/06/2).

إلا أن الإدارة بوجه عام تمتنع أو تتراخى في تنفيذ الأحكام الصادرة عنها، على الرغم من أنها كانت طرفا في النزاع وقدمت للقضاء الإداري مختلف الدفوع الممكنة، فضلا عن إمكانية تقديمها مختلف الطعون المسموح بها قانونا، وهي في حالات كثيرة قد تتذرع بأسباب واهية، تتمثل إما في مناقشة تعليل الحكم، مع أنه قابل للتنفيذ وبإمكانها المطالبة بوقف تنفيذه عند الاقتضاء، أو إثارة صعوبات واقعية أو قانونية في تنفيذه، وحتى عند قيامها بكل ذلك من دون نتيجة، قد تختلق أسبابا أخرى غير قانونية وتمتنع عن التنفيذ مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، حتى أصبح عدم تنفيذ الأحكام الإدارية ظاهرة في مختلف دول العالم،
وفي هذا الإطار، دأب القضاء على اعتبار أن تجاهل السلطات الإدارية للأحكام نافذة المفعول والمذيلة بالصيغة التنفيذية يشكل، ماعدا في الظروف الاستثنائية، شططا في استعمال السلطة لما يترتب عن ذلك من خرق للقواعد الأساسية للتنظيم القضائي والإجراءات القضائية التي باحترامها يحترم النظام العام، كما اعتبر أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية ، من غير مسوغ قانوني ولفترة تتجاوز الأجل المعقول يؤثر سلبا على السير المنتظم لمرفق القضاء ويسهم في تعطيل استفادة المعنيين بالأمر من الحقوق المقررة لهم بواسطة هذه الأحكام، وهو ما من شأنه أن يشكل خطأ مرفقيا في حق الجهة المخاطبة بالتنفيذ، علما أن الامتناع الذي ينهض سببا لإثارة مسؤولية الدولة عن عدم التنفيذ، هو الامتناع الصريح أو الذي يمكن أن يستشف من وقائع ثابتة تفيد تعنت الإدارة وإحجامها عن الخضوع لقوة الشيء المقضي به.
إن وجود الإدارة طرفاً في العلاقة قانونية مع الأفراد، بما تتمتع به من سلطات وامتيازات كثيرة لاشك يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الإدارة بعض الأخطاء عندما تصدر قراراتها دون روية أو على عجل، وقد يحدث أن تتجاهل الإدارة بعض القواعد القانونية التي سنها المشرع حفاظاً على مصلحة الأفراد.
ولما كانت الإدارة في اتصال مستمر مع الأفراد فقد تؤدي هذه الأخطاء إلى الأضرار بهم، ومن مقتضيات العدالة ومقوماتها أن تخضع الإدارة لحكم القانون وأن تكون كلمة القانون هي العليا، ولابد لذلك من تنظيم رقابة قضائية على أعمال الإدارة تضمن سيادة حكم القانون .
يقول الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المعنى : " أن من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كالإدارة، فلابد من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه أو تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام " .
ذالك أن المقصود بالمشروعية أن تخضع الدولة بهيئاتها وأفرادها جميعهم لأحكام القانون وأن لا تخرج عن حدوده، ومن مقتضيات هذا المبدأ أن تحترم الإدارة في تصرفاتها أحكام القانون، و إلا عدت أعمالها غير مشروعة وتعرضت للبطلان. فحرية الإدارة غير مطلقة في هذا المجال فبالإضافة إلى أنها مقيدة باستهداف قراراتها المصلحة العامة تكون ملزمة بإتباع قواعد الاختصاص والشكلية المحددة قانوناً، بينما تنصرف سلطتها التقديرية إلى سبب القرار الإداري وهو الحالة الواقعية والقانونية التي تبرر اتخاذ القرار والمحل وهو الأثر القانوني المترتب عنه حالاً ومباشرة، وان وجود قضاء متخصص يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية يمثل ضمانة حقيقية لحقوق الأفراد وحرياتهم في مواجهة تعسف الإدارة، وتتجلى أهمية وجود قضاء إداري متخصص للفصل في المنازعات الإدارية في أن رقابة القضاء على أعمال الإدارة تعتبر الجزاء الأكبر لمبدأ الشرعية والضمانة الفعالة لسلامة تطبيق القانون والتزام حدوده وبه تكتمل عناصر الدولة القانونية وحماية حقوق وحريات الأفراد من جور وتعسف الإدارة.