4.25.2018

كلمة السيد الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة حول “القانون رقم 17-73 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 95-15 المتعلق بمدونة التجارية فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة

كلمة السيد الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة حول “القانون رقم 17-73 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 95-15 المتعلق بمدونة التجارية فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة







كلمة السيد الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة حول “القانون رقم 17-73 القاضي بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من القانون رقم 95-15 المتعلق بمدونة التجارية فيما يخص مساطر صعوبات المقاولة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه
حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته؛
لابد في البداية من تقديم الشكر للسيد وزير العدل، على مبادرته لتنظيم هذه الندوة، التي تأتي في الإبان المناسب، وتؤكد على وعي وإحساس عميق من الوزارة بأهمية التكوين المستمر في تنمية القدرات المهنية لأطر العدل والقضاء. كما تستجيب لراهنية الموضوع لجعل القضاء التجاري قادراً على مواكبة التعديلات التشريعية، ومسايرة المستجدات والتحولات الاقتصادية والتجارية، بما يخدم استمرارية المقاولة وحفظ مناصب الشغل.
وكما لا يخفى على حضراتكم فإن المقاولة تعد عاملَ إنتاجٍ حيوي، وركيزةً هامة داخل المنظومة الاقتصادية للدول. لذا فإن ضمان استقرار نشاطها ونجاح معاملاتها، وتطوير قدراتها التنافسية، يندرج ضمن العوامل المؤسسة لأي نمو اقتصادي، ويعتبر أساساً لازماً لربح رهان منافسة عالمية متزايدة، لا بقاء فيها إلا للمقاولات القوية بتنظيمها الإداري والمالي، المحكم والشفاف، والمحصنة باحترامها التام لالتزاماتها التعاقدية، والحريصة على إبراء ذمتها من الديون ولاسيما الديون العمومية المستحقة لمؤسسات الدولة، وكذلك للحقوق الاجتماعية المخولة لمستخدميها وعمالها.
ومن جهة أخرى فإن نجاح المقاولة الوطنية يعد محفزاً على استقطاب استثمارات أجنبية، والإسهام في تنشيط الدورة الاقتصادية بما يخدم المنافسة بين المقاولات، ويدفع بها إلى تنويع مجالات الاستثمار وتوجيهها نحو أنشطة إنتاجية جديدة ومفيدة، وكذا نحو تحسين المنتوج وإجادة الخدمات بما يشكله كل ذلك من فوائد للمستهلكين. وبطبيعة الحالة فإن استقطاب مقاولات ورؤوس أموال أجنبية يتطلب تحقيق الشروط المثلى لتشجيع الاستثمار وفي مقدمتها قوانين جيدة توفر الأمن القانوني، ومحاكم عادلة تحقق الأمن القضائي.
وفي هذا السياق، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين، في خطاب جلالته السامي الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد بتاريخ 30 يوليوز 2016 على أنه :
“… ورغم الإكراهات المرتبطة أحيانا بالسياق الدولي، وأحيانا أخرى بالاقتصاد الوطني، فإن المغرب، والحمد لله، في تقدم مستمر، دون نفط ولا غاز، وإنما بسواعد وعمل أبنائه.
وخير دليل على ذلك، تزايد عدد الشركات الدولية … هذه الشركات لا يمكن أن تخاطر بأموالها دون أن تتأكد أنها تضعها في المكان الصحيح. بل إنها تعرف وتقدر الأمن والاستقرار، الذي ينعم به المغرب، والآفاق المفتوحة أمام استثماراتها… ” انتهى النطق الملكي الكريم.
ومن هذا المنطلق يجدر بنا التأكيد، على أن الصيرورة المتغيرة والمتسارعة للمعاملات التجارية، التي يفصل فيها أساسا بمقتضى قوانين وعادات وأعراف التجارة وفقا للمادة الثانية من مدونة التجارة، قد فرضت وستفرض على نحو دائم ومستمر مواكبة ما يتولد عنها من مستجدات، وتأطيرها وفق تشريعات ناجعة ومتطورة، تسد من زاوية أولى باب الفراغ القانوني من خلال تكريس ما استقر عليه الاجتهاد القضائي الوطني من قرارات متواترة وقيمة، وتحقق من زاوية أخرى أعلى درجات الحماية المتطلبة لحقوق مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ولاريب، أن مناقشتنا اليوم للقانون رقم 17-73، لمؤشر كبير على أهميته القصوى داخل المنظومة القانونية المؤطرة لعالم التجارة والأعمال، ودليل حي على درجة الاهتمام والتتبع التي يحظى بها من طرف كافة المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين في بلادنا، وذلك نظرا للأهداف التي يروم تحقيقها والمتجلية أساسا في تحيين الإطار القانوني المرتبط بالمبادرة والاستثمار، وتوفير مناخ قانوني سليم للمستثمرين والمتقاضين، يضمن الفعالية والشفافية، ويمكن القضاء التجاري من تجسيد إرادة المشرع على أرض الواقع ومسايرة التنافسية، وتشجيع الدائنين والمقاولين على الانخراط الفعلي في مساطر صعوبات المقاولة.
يأتي هذا القانون الجديد رقم 33.17 بعد مرور أكثر من عقدين على وضع أحكام الكتاب الخامس من مدونة التجارة في فاتح أغسطس 1996، والذي أبانت الممارسة العملية بشأنه على مجموعة من الثغرات القانونية والواقعية، التي لا ترتبط كما يعلم الجميع بعمل القضاة، وإنما باختلالات في النصوص القانونية تتمثل إما في غموض النص
أو غيابه أو عدم مسايرته للأوضاع الاقتصادية والتجارية المستجدة.
ولئن كان القضاء التجاري ببلادنا قد حرص على تجاوز مختلف المعيقات القانونية، من خلال مجموعة من الاجتهادات القضائية المتواترة، راكمها على مدى عدة سنوات من التطبيق المتدرج لأحكام صعوبات المقاولة، في محاولة منه لإنقاذ المقاولات والحفاظ عليها داخل النسيج الاقتصادي الوطني والدولي، بالموازاة مع ضمان وأداء حقوق دائني المقاولة من مستخدمين ومؤسسات مالية وبنكية ومؤسسات عمومية واجتماعية. والحفاظ على مناصب الشغل إعمالا للبعد الاجتماعي لنظام صعوبات المقاولة. فإن المشرع كان لابد أن يتدخل لوضع نصوص تساير العصر وتستجيب للتحديات الاقتصادية التي تواجه المقاولات.
وفي هذا الإطار تم اعتماد القانون رقم 33.17 المتعلق بتعديل مقتضيات الباب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بصعوبة المقاولة. الذي اعتمد في العديد من أحكامه على ما بلوره الاجتهاد القضائي المغربي من قرارات قيمة، وهو اعتراف بالجهود التي بذلها القضاء التجاري في هذا الإطار، لأكثر من عقدين من الزمن، تميزت بالتطبيق الجاد والمسؤول للأحكام الخاصة بصعوبات المقاولة، ومن بين الاجتهادات المؤسسة التي كرسها القضاء التجاري في هذا الإطار نذكر بعض الأحكام المتعلقة بمجال تدخل النيابة العامة ومنها تأكيد محكمة النقض على قيام صفة ومصلحة النيابة العامة للطعن في الأحكام والأوامر الصادرة في إطار مساطر صعوبات المقاولة، باعتبارها الجهة الساهرة على حماية النظام العام الاقتصادي حتى ولو لم تكن قد طالبت بفتح المسطرة القضائية.
فخلافا لما كان عليه الوضع في إطار القانون الذي تم تعديله، حددت المادة 762 من القانون الجديد المقررات القابلة للطعن بالاستئناف من طرف النيابة العامة، بل اعتبرت أن المقررات الصادرة بشأن تعيين أو استبدال السنديك أو تغيير سلطاته أو تجديد أجل إعداد تقرير الموازنة المالية والاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليه في المادة 595 من مدونة التجارة، يعد حقا حصريا مخولاً للنيابة العامة فقط دون باقي أطراف وأجهزة المسطرة؛
كما أصبح للنيابة العامة بموجب المادة 742 التي عَدَّلَت المادة 708، حق مطالبة المحكمة بتطبيق العقوبات المالية في الحالات المنصوص عليها في المواد من 738 إلى 740.
إن راهنية موضوع هذا اليوم الدراسي المرتبط بمقومات الأمن الاقتصادي الذي تسهر النيابة العامة على حمايته، تفرض علينا الخوض في تفاصيل القانون الجديد انطلاقا من عدة زوايا مترابطة ومتكاملة فيما بينها، وذلك على النحو الاتي:
1 – البحث فيما أحدثه من اليات قانونية ترمي أساسا إلى تمكين المقاولة قبل توقفها عن الدفع من تجاوز صعوباتها في إطار ما أطلق عليه “بمسطرة الإنقاذ” أو معالجة وضعيتها بعد ثبوت توقفها عن الدفع، وتقويم اختلالاتها المالية والاقتصادية والاجتماعية؛
2- محاولة إبراز قدرة القانون الجديد على تحقيق التوازن بين حقوق المقاولة وحقوق مختلف دائنيها عبر تعزيز الضمانات الممنوحة لهم منذ فتح المسطرة القضائية إلى غاية قفلها؛
3- الأخذ بعين الاعتبار أهمية تحسيس المقاولات التجارية بالقيمة القانونية لمساطر صعوبات المقاولة وصبغتها الآمرة، وما يترتب عن تفعيلها في الوقت المناسب وداخل الآجال المحددة قانونا لذلك، من نتائج إيجابية، لا تنحصر أثارها على وضعية المقاولات محل المسطرة القضائية بل تمتد إلى الوضعية الاقتصادية لكافة الفاعلين الاقتصاديين ومختلف المؤسسات العمومية ببلادنا.
والسلام عليكم ورحمة الله. تعالى وبركاته