3.18.2018

إثبات مخالفات و جنح مدونة السير بين القانون و الوسائل العلمية ذ عبد الحكيم الحكماوي

إثبات مخالفات و جنح مدونة السير بين القانون و الوسائل العلمية   ذ  عبد الحكيم الحكماوي










إثبات مخالفات و جنح مدونة السير
بين القانون و الوسائل العلمية
د.عبد الحكيم الحكماوي

كتبها عبد الحكيم الحكماوي
نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط
أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا
باحث قانوني






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة ألقيت ضمن ندوة محكمة الاستيناف بالرباط تحت عنوان: " مدونة السير على الطرق : الإشكالات القضائية المطروحة و التعديلات المقترحة " يوم 06 مارس 2013 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يجد النهج التشريعي الحديث للمغرب سنده في الالتزام الذي قطعه على عاتقه باعتباره عضوا فاعلا في المنتظم الدولي ، لذلك فقد كان لزاما عليه الانخراط في مسلسل تحديث المنظومة التشريعية التي تعبر عن الإرادة الحقيقية للدولة المغربية في الارتقاء بالنظام الاجتماعي و المناخ الاقتصادي و غيرهما .

و لقد كان من ثمرات التفاعل الإيجابي بين المغرب و المحيط الدولي أن سار في طريق التأقلم مع ما يشهده العالم من ثورة علمية و تكنولوجية جعلت المشرع المغربي ينهل من مجموعة من الطفرات التي قدمتها تلك المستجدات .     و إذا كانت الأمثلة على ذلك متنوعة فإن مدونة السير تعتبر إحدى الأمثلة البارزة التي تجسد هذا التطور في المنظور التشريعي للوسائل التكنولوجية و العلمية .

و مما هو معروف أن المشرع المغربي حرص من خلال مدونة السير على إبراز أمرين ؛ أولهما الاستجابة للنداءات المتكررة من قبل الفاعلين القانونيين من أجل جمع شتات المنظومة القانونية و التشريعية لمختلف الميادين حتى يتيسر الولوج إلى المعلومة القانونية . و ثانيهما تحديث تلك المنظومة و جعلها أكثر فاعلية في ضبط الأداء اليومي للمجتمع بأفراده و مؤسساته .

 و من هذا المنطلق فقد أدخل المشرع المغربي مجموعة من المقتضيات القانونية التي تروم الاستغلال الأمثل للمستجدات التكنولوجية و العلمية و استعمالها استعمالا إيجابيا من أجل البحث عن الحقيقة بغية إقامة نظام عقابي فعال و منتج خاصة في ميدان السير على الطرق ؛ و ما ينتج عنه من استهداف للأفراد سواء في أجسادهم أو أرواحهم .  و رغم ذلك يثور التساؤل حول ما إذا كان المشرع المغربي قد توفق في إيجاد بيئة تشريعية قادرة على الاستجابة للتحديات المتوالية و المتراكمة من أجل وضع حد للحرب اليومية التي تشهدها الطرق أم أن إرادة المشرع و إن عبرت عن حسن النية في الاستفادة مما أنتجته المختبرات العلمية و التكنولوجية فإنها لم تستطع رفع التحدي ؟ و في مقابل هذا التساؤل يجدر بنا طرح تساؤل آخر يدور حول ما إذا كان القضاء قادرا على استيعاب النص القانوني من أجل تنزيله التنزيل السليم الذي يجسد الأداء الوظيفي الحقيقي المنتظر من العدالة ، أم أن القطيعة التي قامت بين المشرع و الفاعل القضائي إبان صياغة النص التشريعي قد أرخت بظلالها على الحياة العملية عندما دخلت مدونة السير حيز التنفيذ ؟

و انطلاقا مما ذكر يمكن طرح الإشكال التالي : هل الفعل التشريعي و العمل القضائي استطاعا أن يجسدا فكرة تمثل الثورة التكنولوجية من أجل ضمان سلامة طرقية أم أن المنى لا يزال بعيد المنال ؟

إن هذا التساؤل يفرض علينا الانطلاق من فرضية قائمة على كون الإرادة التشريعية استطاعت من خلال مقتضيات مدونة السير أن توضح إلى أبعد الحدود النطاق التشريعي لاستغلال الوسائل العلمية في إثبات مخالفات و جنح مدونة  السير. و لذلك فإن الحديث يجب أن ينصب حول الأسس القانونية الرامية إلى إثبات تلك المخالفات و الجنح انطلاقا من اللجوء إلى تلك الوسائل .

و للجواب عن ذلك الإشكال و الوقوف على حقيقة تلك الفرضية يمكن اتباع خطة منهجية قائمة على محورين ؛ أولهما حدود اللجوء إلى الوسائل العلمية من أجل إثبات المخالفات و الجنح المرتكبة خرقا لمدونة السير ( المبحث الأول ) على أن نقف على الحجية القانونية لمستخرجات تلك الوسائل ( المبحث الثاني ) .


المبحث الأول
نطاق إلزامية الوسائل العلمية في إثبات مخالفات و جنح السير

إن الاستقراء الدقيق لمقتضيات مدونة السير يجعلنا أمام معطى علمي        و عملي قائم على معيار التفرقة بين المخالفات و الجنح التي تبقى في خانة " الصيغة التقليدية " و التي يمكن إثباتها بالطرق المعتادة ، و تلك التي يتعين فيها الاستعانة بالوسائل العلمية ( المطلب الأول) الأمر الذي يفرض علينا التعامل مع تلك المقتضيات بنوع من الذكاء الجامع بين التجربة في استنطاق  النص القانوني    و الحنكة في استجماع شتاته من بين مختلف النصوص المؤثثة للمنظومة القانونية المغربية حتى نقف عند حدود المقتضيات المتعلقة باللجوء إلى الوسائل العلمية في إثبات مخالفات و جنح السير ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول :
المعيار العلمي كأساس للتفرقة بين مخالفات و جنح مدونة السير

لقد عمل المشرع المغربي عند تنظيمه لمقتضيات مدونة السير على تمثل المستجدات التي طرأت على الساحة العلمية و التكنولوجية من أجل الاستعانة بها في التمييز بين المخالفات و الجنح التي يمكن الاكتفاء فيها بالطرق التقليدية في الإثبات و تلك التي تتطلب وسائل إثبات أكثر دقة و أقوى حجة .

و في هذا السياق فقد عمل المشرع على نهج طريقة قل نظيرها في التشريع المغربي ، تقوم على هندسة تشريعية مرتكزة على معيار اللجوء إلى الوسائل العلمية قصد التمييز بين المخالفات و الجنح التي يمكن تصنيفها بأنها تقليدية و لا تحتاج إلى وسائل إثبات من نوع خاص حتى يمكن معاقبة مرتكبيها ، و أخرى لابد فيها من اللجوء إلى ما وصل إليه العلم و أنتجته التكنولوجية من أجل الوقوف على حقيقة المخالفة .

إن الحديث عن اعتماد المعيار العلمي و التكنولوجي في تصنيف مخالفات    و جنح مدونة السير يجعلنا نميز بين ثلاث طوائف من المخالفات و الجنح التي نصت عليها مدونة السير :

الطائفة الأولى : و تتضمن فئة المخالفات و الجنح التي اكتفى فيها المشرع بالوسائل التقليدية عند افتراض إثباتها كتلك القائمة على أساس المعاينة              أو الاعتراف؛ و يمكن القول بأن أغلب المخالفات المنصوص عليها في المواد 148 و 151 و156 و161 و 162 و 167 و 184 و 185 و غيرها من مواد مدونة السير تندرج في خانة هذه الطائفة ، كما يمكن الجزم بكون هذه الطائفة تهيمن من حيث عدد المخالفات و الجنح على ما تم التنصيص عليه في مدونة السير .

و الطائفة الثانية : و تضم كل المخالفات و الجنح التي افترض المشرع في إثباتها ضرورة اللجوء إلى الوسائل العلمية دون غيرها ؛ و يندرج في هذه الطائفة مجموعة من المخالفات من بينها مخالفة تجاوز السرعة القصوى و مخالفة تجاوز مدة السياقة أو عدم احترام مدة الراحة و مخالفة تجاوز الوزن الإجمالي المأذون به و مخالفة انخفاض عمق النقوش المرسومة فوق الشريط الدارج للإطار المطاطي   و غيرها من المخالفات التي تمت الإشارة إليها في المرسوم 2.10.419 بمناسبة الحديث عن أحكام استعمال الوسائل العلمية المحددة في المادة 12 من المرسوم المذكور .

بينما الطائفة الثالثة ؛ فهي تلك التي تشمل المخالفات و الجنح التي أباح المشرع فيها إمكانية الاعتماد على الوسائل التقليدية و الوسائل العلمية على قدم المساواة مع إدخال اعتبارات أخرى خارجة عن الوسيلة ذاتها و ممتدة إلى الجهة المكلفة بإثبات المخالفة ، كما هو الأمر مثلا بالنسبة لمخالفة قطع خط متصل        و مخالفة التجاوز المعيب و مخالفة عدم احترام الوقوف المفروض بعلامة قف     أو بضوء التشوير الأحمر و عدم مطابقة صفائح التسجيل لخصائص و شروط التثبيت.

و إذا كان من المسلم به أن الطائفة الأولى لا تثير أي إشكال على القدر الكافي من الأهمية على اعتبار أن تراكم العمل القضائي قد ساهم في إزالة اللبس عن مجموعة من النقاط التي كانت تشكل مثار جدال ؛ فإن الطائفتين الثانية و الثالثة أثارتا و لا تزالا مجموعة من الإشكالات ذات البعد العملي و إن بدرجات متفاوتة .

و هكذا فبالنسبة للطائفة الثانية ؛ فإن المشرع أقام مجموعة من المقتضيات التشريعية على فرضية الاعتماد المطلق على الوسائل العلمية كأساس لإثباتها ،       و رتب على ذلك آثارا قانونية تفرض على القاضي و كل فاعل في حقل العدالة الامتثال لها . و في سبيل تبيان تلك المخالفات و الجنح عمد المشرع إلى تقنية الإحالة التشريعية و إسناد الحصر التشريعي إلى جهة أخرى غير المشرع ذاته ؛ هذه الجهة أشار إليها مشرع مدونة السير في مجموعة من المحطات و تفيد كلها في كون المعني بالأمر هو السلطة التنظيمية بما لها من إمكانيات تقنية . و لذلك فقد كان لزاما علينا أن نتصور النص التشريعي المنظم للتجريم في ميدان السير و الجولان على الطرق في كل ما تصدره الجهة التشريعية و يمتد إلى النصوص التي تتكلف السلطة التنفيذية و التنظيمية بوضعه ، و هو ما يدفع بنا إلى التأكيد على أن مشرع مدونة السير يحمل مفهومين أولهما واسع و يضم الجهتين المذكورتين ، و ثانيهما ضيق ويتلخص في الجهة التشريعية الحقيقية لا الصورية .

و في هذا السياق يمكن القول بأن المشرع بمفهومه الواسع اعتمد مجموعة من المعايير من أجل تحديد المخالفات و الجنح التي تتطلب وسائل علمية في الإثبات؛ و على رأسها معيار الطبيعة المادية لموضوع المخالفة ، تلك الطبيعة التي قد تكون كيميائية كما هو الحال بالنسبة لعمق النقوش على الشريط الدارج للإطار المطاطي للعجلات ، أو بيئية في حالة انبعاث دخان أو غاز من المحرك تتجاوز نسبته النسب المحددة في النصوص الجاري بها العمل أو مرتبطة بالإنسان          و ميكانيكية في ذات الآن كاستعمال مركبة تصدر ضجيجا يتجاوز النسب المسموح بها و غيرها من المعايير التي تشكل الأساس الواقعي لاستعمال تلك الوسائل العلمية دون غيرها مما ينتج عنه استحالة إثباتها سواء بالعين المجردة أو شهادة الجهات المكلفة بإثبات المخالفات و الجنح .

و من الآثار القانونية المترتبة عن استعمال هذا النوع من الوسائل أن المحكمة تكون ملزمة باعتماد النتائج المستخلصة من تلك الوسائل التقنية و العلمية و لا تملك أية سلطة تقديرية في تقييم ما تضمنته المحاضر المثبتة للمخالفات أو الجنح المعنية شريطة ألا يوجد بين يدها دليل أقوى من كل ذلك و في الحالات التي يتصورها العقل و يقبلها القانون ؛ إذ يبقى نطاق تقييمها منحصرا في شرعية الدليل المستمد من استعمال تلك الوسائل كما لو قام بها الشخص غير المؤهل أو خارج دائرة اختصاصه المكاني أو غيرها من المطاعن الشكلية ، إذ في هذه الحالات فإن المحكمة ستكون ملزمة بالنظر في الآثار القانونية المترتبة عن تلك الخروقات الإجرائية و الشكلية فقط دون النفاذ لموضوع النتيجة .

 و فيما يخص المخالفات و الجنح ذات نظام الإثبات المزدوج و التي تشكل الطائفة الثالثة ؛ فإنها تبقى الأكثر إثارة للنقاش على الساحة القضائية . إذ من المعلوم أن هذه الطائفة تقوم على أساس التنصيص التشريعي القائم على مجموعة من المبادئ المتعارف عليها في ميدان الإثبات فهي مخالفات و جنح قابلة للإثبات بالوسائل التقليدية كما يمكن أن تثبت في بعض الحالات بالوسائل العلمية .

و إذا كان النقاش القضائي القائم حاليا حول هذا النوع من المخالفات و الجنح يستند إلى الاعتماد على النص الوارد فقط بمدونة السير أم يمكن تجاوزه إلى النص الوارد بالمراسيم و القرارات الصادرة عن الإدارات المعنية كذلك ، فإن الاتجاهات القضائية أسست تلك المواقف على أساسين ؛ أولهما الاتجاه القائل بضرورة التقيد بالنص الوارد في المدونة فقط على أساس مبدأ الفصل بين السلط ، و بذلك فإن النص الواجب التطبيق هو ما يصدر عن الجهة التشريعية ذاتها ، و أن ما يصدر عن الجهة التنفيذية فلا قوة تنفيذية له في مواجهة القضاء الذي لا يمكن اعتباره مرفقا إداريا يمكن أن يمتثل للمراسيم و القرارات الإدارية . و إذا كان هذا الرأي مؤسس من الناحية الشكلية فإنه منتقد من الناحية الموضوعية على اعتبار أن القائلين بالاتجاه الثاني وجهوا انتقاداتهم للاتجاه الأول مستندين على كون مضمون القاعدة القانونية لا ينحصر في النص الصادر عن السلطة التشريعية اعتمادا على معيار الشكل ، و إنما يمتد مفهوم النص القانوني إلى كل نص صادر سواء عن الجهة التشريعية أو الجهة التنظيمية ، شريطة ألا تتصرف هذه الأخيرة بإصدار نصوص في معزل عن إرادة السلطة التشريعية التي تتولى تفويض السلطة التنظيمية من أجل صياغة بعض المقتضيات ذات المستوى العالي من التقنية و التي تتطلب صياغتها التوفر على معطيات دقيقة لا تتوفر لدى السلطة التشريعية ,       و وفق هذه الرؤية فإن أنصار الاتجاه الموضوعي يذهبون إلى القول بإمكانية الاعتماد على النص الوارد في المدونة و كذا ما تورده المراسيم و القرارات الإدارية ما دامت هذه الأخيرة مكملة للنص التشريعي بمفهومه الضيق و مستندة إليه و إلى مقتضياته .

و في هذا السياق يمكن أن نضرب لهذا النوع من المخالفات و الجنح التي قام حولها هذا النقاش مثالين ؛ أولهما الجنحة المتعلقة بالسياقة في حالة سكر أو تحت تأثير المواد المخدرة المنصوص عليها في المادة 183 من المدونة و كذا بعض المخالفات المشار إليها بالمادة 197 من ذات المدونة .

فالقاسم المشترك في إثبات هذا النوع من المخالفات و الجنح لمدونة السير يتجسد في تلك الإمكانية التي قررها المشرع نفسه من أجل الإثبات. و في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن المشرع اعتمد قاعدة " الأخذ بالأحوط " في إثبات مخالفة السياقة في حالة سكر مثلا،  و رتب عليها إمكانية الإثبات سواء بالمعاينة في حالة ما إذا كانت حالة السكر ظاهرة ، أو عن طريق استعمال الأدوات العلمية الحديثة في حالة عدم ظهور أية علامة سكر بين . و قد كان من اللازم في هذا الإطار أن نثير الانتباه إلى أن المشرع مثلا في المادة 183 من المدونة قد أقام نوعا من التمييز بين السياقة في حالة سكر و السياقة تحت تأثير الكحول الذي يثبت بوجود نسبة من الكحول  في الهواء المنبعث من فم السائق أو من وجودها في دمه .

فالقراءة المتأنية و السليمة للمقتضيات القانونية المتعلقة بالسكر تفيد أن إرادة المشرع اتجهت نحو زجر كل من تولى السياقة و هو في حالة سكر و لو كانت تلك الحالة غير ظاهرة ، واضعا نصب عينيه المصالح المراد حمايتها و المتمثلة أساسا في حماية أرواح و أجساد المواطنين و سلامتهم من الحوادث ، إذ وفق هذا المنظور لا يمكن اعتبار المشرع قد حافظ فقط على مصالح السائق الذي ظهر أنه يسوق مركبته تحت تأثير الكحول و بنسبة ضئيلة جدا ، في الحين الذي يرفع صفة  التجريم عن السياقة في حالة السكر البين . و من أجل ذلك فإن المشرع في هذا النوع من الجرائم أخذ بقاعدة " الأخذ باGp,' p,' p,' p,' أخذ بقاعدة " الأخذ بالأحوط " بل و أضحها نصا .

و في هذا السياق جاء في المادة 183 من مدونة السير أنه : " يعاقب من ستة أشهر إلى سنة واحدة و بغرامة من 5000.00 إلى 10000.00 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ، كل شخص يسوق مركبة ، و لو لم تكن تظهر عليه أية علامة سكر بين ، مع وجوده في حالة سكر ، أو تحت تأثير الكحول يثبت من وجود نسبة من الكحول ، تحددها الإدارة ، في الهواء المنبعث من فم السائق أو من وجودها في دمه ، أو يسوق مركبة مع وجوده تحت تأثير المواد المخدرة أو بعض الأدوية التي تحظر السياقة بعد تناولها "  إذ من خلال مقتضيات هذه المادة يتضح أن المشرع تحدث فقط عن حالة السكر غير البين من خلال استعماله لعبارة " و لو لم تكن تظهر عليه أية علامة سكر بين " ، إذ أنه أدرج زيادة على الجنحة التي كان معمولا بها و المتمثلة في السياقة في حالة سكر بين ، جنحة أخرى و هي السياقة في حالة سكر غير بين أو السياقة تحت تأثير الكحول أو تحت تأثير المواد المخدرة أو تحت تأثير الأدوية التي تحظر السياقة بعد تناولها . إلا أنه اشترط لقيام هذه الجنح الجديدة أن يتم إثباتها بواسل علمية تكون قادرة على أن تحدد نسبة الكحول في الهواء المنبعث من الفم أو نسبة تركزه في دم السائق . و كأن المشرع لما أضاف هذه الجنح الجديدة قيد حرية الإثبات فيها و حصرها في استعمال الوسائل العلمية المعمول بها في هذا الإطار ؛ و هي الوسائل التي تمت الإشارة إليها في المادة 207 من المدونة و التي نصت على استعمال الرائز الذي يمكننا من اكتشاف نسبة الكحول في الهواء المنبعث من فم السائق أو المادة 209 من نفس المدونة التي أشارت إلى استعمال الجهاز الذي يهدف إلى تحديد تركز الكحول من خلال تحليل الهواء المنبعث من الفم و كل ذلك في حالة معاينة حالة السياقة تحت تأثير  الكحول.

و في هذا السياق يمكن طرح التساؤل حول الجهة المخول لها استعمال هذه الأجهزة من أجل إثبات هذه الجنح هل كل الجهات المنصوص عليها بالمادة 190 من مدونة السير أم أن الأمر منحصر في فئة من تلك الفئات دون الأخريات ؟

إن الجواب عن هذا التساؤل يجد سنده في مقتضيات المادة 59 من المرسوم رقم 2.10.419 و التي تضمنت تعريفا بالجهازين المذكورين بالمادتين 207       و 209 من المدونة و هما " Alcotest "  أو " Ethylotest " و كذا "Éthylomètre " و أشارت في فقرتها الأخيرة بأنه : " يستعمل الجهازان المذكوران من قبل أعوان الأمن الوطني و الدرك الملكي المكلفين بشرطة السير على الطرق " . إذ مما يستفاد من هذه المقتضيات أن المشرع لما تبنى فكرة الأخذ بهذه الوسائل حصر استعمالها من طرف أعوان الأمن الوطني و الدرك الملكي دون غيرهما ، و هو ما يشير أن جنحة السياقة في حالة سكر غير بين أو في السياقة في تحت تأثير الكحول يمكن أن يتم إثباتها من طرف الأعوان المكلفين بشرطة السير على الطرق وفق مقتضيات المادة 59 من المرسوم المذكور .

و بناء على ما ذكر ؛ فإن المشرع المغربي حاول أن يحمي أكثر مستعملي الطريق بزجر مزيد من السلوكات التي يأتيها السائقون و هم يتولون سياقة مركباتهم، و لم تكن نيته إباحة السياقة في حالة السكر البين بدليل منطوق المادة 183 من المدونة نفسها ، التي افترضت الإبقاء على جنحة السياقة في حالة سكر   و أفردت لها نفس العقوبة المقررة لجنح السياقة تحت تأثير الكحول أو تحت تأثير المواد المخدرة أو تحت تأثير الأدوية التي تحظر السياقة بعد تناولها .

و انطلاق من كل ما ذكر ، يمكن القول بأن المشرع أوجد نوعا من المخالفات و الجنح التي يمكن إثباتها سواء بالمعاينة أو باستعمال الوسائل العلمية في حدود و ق الشروط الذي حددها المشرع بمفهومه الواسع .

و نفس ما قيل عن حالة السياقة في حالة سكر أو تحت تأثير الكحول أو تحت تأثير المواد المخدرة أو تحت تأثير الأدوية التي تحظر السياقة بعد تناولها ، يمكن أن  يقال عن بعض المخالفات و الجنح المشار إليها في المادة 197 من المدونة ، ذلك أن المشرع أتاح إمكانية اللجوء إلى الوسائل العلمية و التقنية من أجل إثبات تجاوز السرعة المعمول بها أو المخالفات و الجنح التي تتولى الإدارة تحديدها ؛ إذ جاء في المادة المذكورة أنه : " يمكن أن تتم معاينة و إثبات المخالفات لأحكام هذا القانون و النصوص الصادرة لتطبيقه المتعلقة بتجاوز السرعة المسموح بها و تلك المحددة قائمتها من لدن الإدارة ، باستعمال أجهزة تقنية ، تعمل بطريقة آلية ، حتى في حالة عدم وجود العون محرر المحضر بمكان المخالفة " .

إذ انطلاقا من هذه المقتضيات و غيرها ؛ يتضح أن المشرع أقام نظام إثبات قائم على المزاوجة بين الوسائل التقليدية و تلك العلمية و التقنية . و لعل ما يؤكد هذا الطرح هو ما ذهب إليه واضع المرسوم 2.10.419 في المادة 52 عندما حدد المخالفات التي يمكن إثباتها إما عن طرق المعاينة أو باستعمال أجهزة تقنية تعمل بطريقة آلية ، و هكذا فقد عدد المشرع المذكور تلك المخالفات و ذكر منها مخالفة قطع خط متصل و مخالفة التجاوز المعيب و مخالفة عدم احترام الوقوف المفروض بعلامة قف أو بضوء التشوير الأحمر و عدم مطابقة صفائح التسجيل لخصائص    و شروط التثبيت ؛ فهذه المخالفات مجملة يمكن ضبطها بالمعاينة الآلية ، كما يمكن إثباتها بالعين المجردة و لا يمكن القول بأن المشرع لما أتاح فرصة أو إمكانية ضبطها بواسطة الآلات العلمية فإنه لا يمكن إثباتها بغير ذلك .

 و كخلاصة في هذا الصدد يمكن القول بأن المشرع و إن انفتح على الثورة العلمية و التقنية من أجل إيجاد صيغ حديثة للإثبات ، فإنه انتهج نهجا وسطا عندما كان بصدد تنظيم أحكام بعض مخالفات و جنح مدونة السير ذات الخطورة البالغة على حياة و سلامة الأفراد و جعل نظام إثباتها نظاما مزدوجا حتى لا يتم الإفلات من العقاب . و قد واكب المشرع ذلك النهج بمجموعة من المقتضيات التي تضمنتها المدونة نفسها , و خاصة ما تعلق منها بالجهة الموكول إليها مهمة إثبات المخالفات و الجنح المعنية و هو الأمر الذي سوف نتطرق إليه في المطلب الموالي .






المطلب الثاني
الجهات المكلفة بإثبات مخالفات و جنح مدونة السير

لم يشأ مشرع مدونة السير أن ينظم وسائل إثبات مخالفات و جنح السير في معزل عن الجهات الموكول إليها أمر ضبط تلك المخالفات و الجنح . و لذلك فإن جزءا من مقتضيات المدونة المذكورة انصب على تنظيم تلك الجهات بالشكل الذي يفيد التطبيق السليم للمقتضيات التشريعية ذات الصلة .

و هكذا نجد أن المشرع المغربي و هو بصدد الحديث عن الجهات المكلفة بضبط و إثبات الأفعال المرتكبة مخالفة لمدونة السير ، نص في المادة 190 من هذه الأخيرة على أنه : " علاوة على ضباط و أعوان الشرطة القضائية ، يكلف بالبحث عن المخالفات لأحكام هذا القانون و النصوص الصادرة لتطبيقه و معاينتها؛ 
الضباط و الأعوان التابعون للدرك الملكي ؛
الضباط و الأعوان التابعون للأمن الوطني ؛
الأعوان المكلفون بمراقبة النقل و السير على الطرق التابعون للسلطة الحكومية المكلفة بالنقل ضمن حدود اختصاصهم ؛ ... "

إن ما يمكن أن يستشف من مقتضيات هذه المادة هو أن المشرع لم يحصر الجهات المكلفة بضبط مخالفات و جنح مدونة السير كما هو الحال مثلا بالنسبة لبعض النصوص الجنائية الخاصة ، و إنما عمد إلى التوسيع من دائرة تلك الجهات. و يمكن إيجاد تبرير هذا التوسع في الهدف المتوخى من المدونة نفسها ، و المتمثل في ضمان الحماية القصوى من الآثار السيئة لحرب الطرق .

و بناء على ذلك يمكن القول بأن المشرع لما تطرق للحديث عن الجهات الموكول لها أمر إثبات تلك المخالفات و الجنح وضع نصب أعينه أمرين في ما يتعلق بنظام إثبات مخالفات و جنح مدونة السير ؛

 أولهما الإبقاء على نظام الإثبات الحر كما هو معمول به كقاعدة عامة في الميدان الجنائي ؛

 و ثانيهما إحداث نظام إثبات مقيد و صارم.

و تكمن أهمية هذه الازدواجية في نظام الإثبات في وجوب التفرقة بين الفئات المذكورة بناء على الإطار القانوني الذي ينظم عملها .

ففي حين نجد أن ضباط الشرطة القضائية و أعوانهم يخضعون لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية في تأديتهم لوظائفهم و قيامهم بصلاحياتهم ، نجد أن المشرع أضاف للأشخاص المنصوص عليهم في المادتين 24 و 25 من قانون المسطرة الجنائية أشخاص آخرون بموجب المادة 190 المذكورة أعلاه ، أناط بهم مهمة ضبط و إثبات مخالفات و جنح مدونة السير .

و يمكن تأسيس هذه الازدواجية في الإطار القانوني المنظم لهاتين الفئتين من الأشخاص المكلفين بإثبات المخالفات و الجنح المعنية انطلاقا من العبارة التي استهل بها المشرع مقتضيات المادة 190 و المتمثلة في : " علاوة على ضباط      و أعوان الشرطة القضائية ... " . إذ أن هذه العبارة لا يمكن فهمها إلا على النحو التالي : " زيادة على ... " وهوما يعني أن المشرع المغربي أبقى الشرطة القضائية العادية مختصة فيما يتعلق بإثبات مخالفات و جنح مدونة السير و أضاف إليهم ما يمكن أن نصطلح عليه بالشرطة القضائية الخاصة بمدونة السير .

و تأسيسا على هذه التفرقة القائمة على معيار الإطار القانوني بالنسبة للجهات المكلفة بضبط و إثبات مخالفات و جنح السير ، يمكن القول بأن المعاينات التي يجريها ضباط الشرطة القضائية العاديون في حالة ارتكاب مخالفة لمقتضيات مدونة السير تبقى لها حجيتها القانونية الكاملة و لا يجوز للقضاء استبعادها كما يقوم بذلك في مجموعة من المناسبات ؛ إذ أن ضابط الشرطة القضائية يقوم بمجموع عملياته في نطاق مقتضيات المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية هذا من جهة ؛  و من جهة أخرى فإن استبعاد تلك المعاينات من طرف القضاء بصورة تلقائية يضرب مبدأ الشرعية الإجرائية في الصميم على اعتبار أن القواعد المنظمة لعمل ضابط الشرطة القضائية موجودة في قانون المسطرة الجنائية و ليس في قوانين أخرى ، لكن الجرائم التي أوكل له مهمة ضبطها و التثبت منها توجد في نصوص خاصة ، و أما من جهة ثالثة فإن لجوء القضاء لاستبعاد تلك المعاينات من تلقاء نفسه يعتبر جنوحا عن مبدأ الحياد ، إذ أن المخالف هو الجهة التي يمكن لها أن تطالب باستبعاد تلك المعاينات بعد سلوك الإجراءات القانونية من أجل ذلك ؛ كما أن محضر المعاينة المنجز من طرف ضابط الشرطة القضائية يعتبر من حيث طبيعته القانونية  ورقة رسمية لا يمكن الاستغناء عنها بصورة تلقائية في معرض النظر في مخالفات و جنح السير .

  و بناء على لا يجب فهم اختصاص ضابط الشرطة القضائية العادي بإثبات مخالفات و جنح مدونة السير على أنه إخراج له من دائرة قانون المسطرة الجنائية  و حصره في دائرة مدونة السير ، و يتعين بالتالي التعامل مع معايناته كما لو أن الأمر يتعلق بجرائم عادية ما دام المشرع أورد إمكانية إجراء المعاينة في إطار مدونة السير .

و عليه ، فإن الغرض من التنصيص على فئة ضباط الشرطة القضائية العادية في مدونة السير هو إسناد اختصاص جديد لهم زيادة على اختصاصاتهم المسندة إليهم في مجال القواعد الإجرائية الجنائية العامة .

و أما فيما يتعلق بباقي الأشخاص المنصوص عليهم في الفقرة الثانية من المادة 190 من مدونة السير فإن المشرع قد وضع القواعد الواجب عليهم التقيد بها من أجل ممارسة سلطاتهم و صلاحياتهم بمناسبة السهر على احترام تطبيق بنود المدونة . إذ أن الأصل في هؤلاء الأشخاص أنهم جهات أوكل لها المشرع مهمة التثبت من مخالفات و جنح مدونة السير ؛ لذلك فإن صفتهم الضبطية محددة بنطاق معين هو مدونة السير عكس ضباط الشرطة القضائية العادية ؛ و بالتالي فإن الإطار القانوني المؤطر لممارستهم لاختصاصهم هو مدونة السير و النصوص المتعلق بها و لا يمكن أن تكيف أعمالهم وفق مقتضيات قانون المسطرة الجنائية .

و في هذا المضمار ، يمكن التذكير بأن مشرع المدونة و هو بصدد تنظيم اختصاصات الأعوان المكلفين بإثبات مخالفات و جنح السير ركز على الأعوان    و الضباط  دون ضباط الشرطة القضائية العادية ، و يمكن رصد ذلك في مجموعة من مواد المدونة منها المادة 192 و 193 و 194 ... ، وعلى ذلك فإن إثبات مخالفات و جنح السير من طرف هذه الفئة لا يمكن أن يتم إلا في  إطار الوسائل    و الإمكانيات القانونية المتاحة لهم من خلال مدونة السير ، إذ أنه عكس ضباط الشرطة القضائية العاديون لا يمكن الاستناد إلى المعاينة التي يقوم بها الأعوان     و الضباط الذين أشير إليهم في المادة 190 إلا في حالة ارتكاب المخالفات و الجنح المدرجة في الطائفة الأولى أعلاه ، و في بعض حالات الطائفة الثالثة من المخالفات      و الجنح مع مراعاة بعض الخصوصيات التي يمكن إجمالها في الآتي :

1. أن المشرع حدد السلطات و الاختصاصات بدقة و لا يجوز تجاوزها تحت طائلة بطلان المحاضر التي يتم إنجازها من طرف جهة غير مختصة .
2. أن النصوص  التشريعية و التنظيمية ميزت بين المخالفات و الجنح التي يمكن فيها الاختيار بين المعاينة أو استعمال الوسائل العلمية من تلك التي لا يجوز فيها ذلك.
3. أن المشرع حدد بعض المخالفات و الجنح التي يمكن إثباتها إما معاينة أو باستعمال الوسائل التقنية ، لكن مع الاحتفاظ بالاختصاص الحصري للشرطة القضائية في المعاينة كما هو الحال بالنسبة للسياقة في حالة السكر العلني البين  و حصر استعمال الرائز بالنسبة لأعوان الشرطة و الدرك المكلفين بضبط نسبة الكحول في الهواء المنبعث من الفم وفق مقتضيات المادة 59 من المرسوم رقم 2.10.419 .



و على ذلك فإن الاستعانة بالوسائل التقنية و العلمية في إثبات مخالفات      و جنح مدونة السير لا يمكن أن تتم إلا بناء على المقتضيات المذكورة في ذات المدونة و في حدود و نطاق ما جاءت به مقتضيات المرسوم رقم 2.10.419 الصادر عن الوزير الأول بتاريخ 29 شتنبر 2010 ؛ و باقي النصوص ذات الصلة .

ومما يستنتج من كل ذلك أن المشرع المغربي عمد إلى قرن تنظيم وسائل الإثبات المعتمدة في مدونة السير بالجهات المخولة لسلطة التثبت من المخالفات     و الجنح المنصوص عليها في ذات المدونة . مع حفظ قواعد العمل بالنسبة لضباط الشرطة القضائية العاديون وفق ما تم تنظيمه في قانون المسطرة الجنائية و خاصة ما جاء بالمادة 18 منه و التي جاءت مقتضياتها عامة و مجردة . و من هذا الاختلاف في الإطار القانوني وما يستتبعه من تعدد وسائل الإثبات في المدونة يمكن التساؤل حول الحجية  القانونية للمحاضر المنجزة بمناسبة السهر على تطبيق مدونة السير و هو ما سوف نتطرق إليه في المبحث الموالي .