12.23.2017

التحكيم الإداري

التحكيم الإداري







تحكيم اداري
administrative arbitration - arbitrage administratif
 التحكيم الإداري

التحكيم الإداري

أحمد حداد

التحكيم الإداري بين الحظر والإباحة في فرنسا 

التحكيم الإداري في مصر بين الحظر والإباحة

التحكيم الإداري وفقاً للقانون اللبناني

التحكيم الإداري في سورية

تساؤلات قانونية تفتقر إلى جواب





يعرف الفقهاء التحكيم الإداري بأنه: «الاتفاق الذي تكون بموجبه الدولة أو أحد أشخاص القانون العام طرفاً تلجأ بموجبه إلى إحالة منازعاتها ذات الطابع الإداري الحالية أو المستقبلية من اختصاص قضائها وقانونها الإداريين إلى محكم أو هيئة تحكيمية لحل النزاع بحكم نهائي ملزم»، وباعتبار أن دور الدولة قد تطور من كونها حامية للمجتمع ضامنةً لأمنه إلى ممارسة دور التدخل الاقتصادي في جميع أوجه النشاط الاجتماعي، وخاصة بعد ازدهار العلاقات الاقتصادية للدول ومؤسساتها ونموها، وامتداد ذلك إلى قيام علائق اقتصادية وتجارية مع عناصر دولية أخرى. كما أن بعض الدول قد دأبت - ولاسيما دول العالم الثالث - على انتهاج سياسات التحفيز وتشجيع الاستثمارات الأجنبية من أجل توفير المناخ المناسب الذي يضمن التطور الاقتصادي مع ضمان المخاطر السياسية والاقتصادية.

فقد أدت هذه العوامل جميعاً إلى اضطرار الدولة وأشخاصها الاعتبارية العامة لإبرام عقود تجارية واقتصادية مع أطراف دولية. وقامت بناءً على تلك العوامل المستجدة تساؤلات، كان من أهمها: أي قانون هو الواجب التطبيق على تلك العقود؟ وأية محاكم يمكن أن تتولى حسم المنازعات التي تثور بشأنها؟

ويمكن تقسيم العقود التي تبرمها الدولة بحسب طبيعتها إلى فئتين:

- الفئة الأولى: تلك العقود التي تتنازل فيها الدولة عن سلطتها العامة ومظاهرها، وتبرم عقوداً باعتبارها تاجراً لا يتمتع بمظاهر السلطة. وتعدّ هذه العقود عادية تخضع لقواعد القانون المدني أو التجاري.

- الفئة الثانية: العقود التي تبرمها الدولة بوصفها صاحبة السيادة والسلطان، وهي العقود الإدارية التي تخضع لأحكام القانون الإداري الوطني.

وقد عدّ اللجوء إلى التحكيم حديثاً ومن الناحية العملية ميداناً واسعاً لحل الخلافات التي يمكن أن تثور بين أشخاص القانون العام والشركات الوطنية أو الدولية تجنباً لإشكالات القانون واجب التطبيق والمحاكم المختصة، بيد أن العقبة التي قامت ولم تزل هي صعوبة تنازل الدولة عن حق اللجوء إلى إحدى سلطاتها؛ وهي السلطة القضائية، وهجر القضاء الوطني بمنظومته المتكونة عبر العصور، والاحتكام إلى شخص أو هيئة، والقبول بأي قرار يصدر.

ومع أن العالم قد تجاوز مراحل في تطوير هذه العقبة؛ فإن منبراً لم يزل معقوداً حتى الساعة تأرجحت فيه الآراء بين قبول فكرة التحكيم في المنازعات الإدارية ورفضها. ومرتكز هذا الحوار الأساسي يتجلى في مناقشة أهلية الدولة للجوء إلى التحكيم في المسائل ذات الطابع الإداري أو التي يمارس فيها الشخص المعنوي العام سلطاته بوصفه سلطة عامة. وما هو توصيف اتفاق التحكيم الذي يلجأ الأطراف إلى إبرامه؟ وهل هو عمل تصرفي أو عمل إداري؟ ليمكن تحديد أهلية الدولة في إبرام مثل هذه الاتفاقات.

وتحت مظلة هذه التحفظات نصت معظم القوانين صراحة على وجوب توافر أهلية التصرف بالحقوق كما في حالة الشخص الذي يرغب باللجوء إلى التحكيم، وعلى مثل هذا جاء نص المادة /2059/ مدني فرنسي المعدلة التي أعطت الحق للأشخاص باللجوء إلى التحكيم فيما يتعلق بالحقوق التي يملكون التصرف بها.

وظل السؤال الذي يشغل الفقه والقضاء الدوليين قائماً لزمن طويل، وهو هل تتوافر في الدولة وإداراتها ومؤسساتها العامة أهلية اللجوء إلى التحكيم؟ وهل تملك حق التصرف بالحقوق؟

وتتلخص الحجج المتعارضة بهذا الشأن بما يلي:

أولاً: الحجج المعارضة للتحكيم الإداري، وتستند إلى الأفكار التالية:

1- إن الدولة - بلجوئها إلى هذا الأسلوب - تتنازل عن سيادتها وسلطاتها لمصالح المحكم أو الهيئة التحكيمية دون قضائها الإداري صاحب الاختصاص الأصلي.

2- وهي تتخلى بمحض إرادتها عن الخضوع لقانونها الذي تطبقه محاكمها الإدارية في كل مرّة توافق فيها على اللجوء إلى التحكيم في منازعاتها.

3- من المفترض أنها - باختيارها أسلوب التحكيم سبيلاً لحل المنازعات - تستطيع المصالحة على الحقوق، وسلطة إدارة الحقوق الممنوحة للدولة تختلف عن سلطة المصالحة عليها، والدولة مؤتمنة على الحقوق تديرها وترعاها، لكنها لا تملك حق التصرف بها، ومن ضمن حقوق التصرف حق المصالحة عليها. فإن هي فعلت يكون في ذلك تجاوز لحقوق المواطنين وعبث بها.

4- إن أساس فكرة التحكيم قائم على حرية الأفراد في اللجوء إليه تطبيقاً لمبدأ سلطان الإرادة. وإذا كان لهذا المبدأ قبول في العقود المدنية؛ فإن الأمر يشق ويدق ويثير صعوبات في مجال العقود الإدارية؛ ذلك لأن الموظف العام الذي يبرم اتفاقاً للتحكيم إنما يتصرف في ما لا يملك؛ لأن هذا التصرف ملك للعامة.

ثانياً: الحجج المؤيدة لمبدأ التحكيم الإداري، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1- إن لجوء الدولة أو إحدى مؤسساتها العامة إلى التحكيم سبيلاً لحل النزاع لا يسلبها سيادتها؛ لأن هذا اللجوء لا يكون إلا بتشريع يسمح بذلك، ولا تستطيع إرادة الأطراف وحدها أن تصنع تحكيماً.

2- إذا كان المشرع قد منح القضاء الإداري سلطة النظر في منازعات العقود الإدارية؛ فإن ذلك لا يعني حجب إمكانية اللجوء إلى التحكيم لحل النزاع؛ لأن هذا المنح قد فرضته ضرورة تحديد الاختصاص الولائي والحدود بين القضاء الإداري والعادي.

3- لا يعدّ التحكيم منظومةً مستقلةً عن القضاء؛ باعتبار أن القوانين التي تجيز اللجوء إليه لحسم النزاع تحرص على منح القضاء سلطة التدخل في المسألة التحكيمية قبل بدئها وفي أثنائها بالمراقبة والمساعدة وبعدها بالرقابة والإشراف.

4- إن الدولة بأشخاصها العامة - بإدراجها شرط التحكيم في عقودها - قد تخضع التحكيم لتطبيق قانون أجنبي، فإذا ما حدث ذلك فإنه يكون بمحض إرادتها، ولا يمكن أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من سيادتها مادام قد تم بإرادتها.

ورغم ما ذكر من صعوبات ومزايا وحجج وحجج معارضة، ورغم الصراع الفقهي الممتد لعقود طويلة حول هذه المسألة؛ فإنه -مع أن المسألة لم تحسم تماماً- قد أصبح التحكيم حقيقة في منازعات العقود التجارية والاقتصادية التي تكتسي طابعاً إدارياً، ولكن بضوابط واستثناءات سيرد ذكرها.

وحيث إن طبيعة البحث فقهية أولاً وعالمية من حيث التشريعات التي تتناولها ثانياً؛ ولأن اعتماد المبدأ هو نتيجة طبيعية لتفاعلات تشريعية وتطبيقية عالمية، فقد يقتضي الأمر مقارنات واستعراض نظريات واجتهادات. وبما أن لفرنسا ريادة في هذا الشأن فيمكن البدء بها.

أولاً: التحكيم الإداري بين الحظر والإباحة في فرنسا

1- الحظر:

الأصل في التشريع الفرنسي حظر التحكيم الإداري عند غياب النص التشريعي الذي يجيز لأشخاص القانون العام اللجوء إليه؛ لأن الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية معقود للقضاء الإداري.

وتاريخ هذا الحظر يعود إلى نص المادتين (83، 1004) من قانون المرافعات الفرنسي القديم اللتين حظرتا التحكيم في المنازعات التي تتصل بالدولة أو بالأشخاص العامة، فالمادة /1004/ لا تجيز التحكيم في أي أمر يقتضي فيه تبليغ النيابة العامة. كما أن المادة /83/ وضعت لائحة بالمسائل والمواضيع التي يتوجب إبلاغ النيابة العامة بها، ومن جملتها (المواضيع الخاصة بالدولة أو المحافظات أو المقاطعات أو المؤسسات العامة).

وتأكد هذا الحظر بالمادة /2060/ من القانون المدني الفرنسي. كما أن مجلس الدولة الفرنسي قضى في أكثر من اجتهاد له بأن إدراج شرط التحكيم في العقود الإدارية يعدّ باطلاً بطلاناً مطلقاً متعلقاً بالنظام العام. في حين ذهبت محكمة النقض الفرنسية مذهباً مخالفاً معتبرة أن الواقع العملي يجيز للدولة وأشخاصها العامة إبرام عقود ولاسيما التجارية الدولية منها، وقد تتضمن هذه العقود بنداً تحكيمياً لابد من تطبيقه، ولذلك فقد اجتهدت - في حكم لها مؤرخ في 14/4/1964- أن الحظر الوارد في قانون المرافعات (المادتين 83، 1004) يتعلق بالحفاظ على النظام العام الداخلي، ولا يتعلق بعقود التجارة الدولية التي تلزم الدولة بشرط التحكيم الوارد فيها. وتأكد هذا الاجتهاد باجتهادات أخرى لاحقة.

بيد أن مجلس الدولة الفرنسي ظل على موقف الرفض، وعـــــــــــــــــــدّ هذا الأمــــــــــــر متعلقاً بالنظام العام، ولا تجوز مخالفته. وعزز رأيه هذا استناداً إلى القانون الصادر في 17/4/1906 والذي لم يسمح باللجوء إلى التحكيم في منازعات عقود الأشغال العامة وعقود التوريد إلا للدولة ومصالحها الحكومية والمؤسسات العامة وبشرطين هما:

1- أن يتم التحكيم عبر مشارطة تبرم بعد نشوء النزاع.

2- أن يتم الحصول على موافقة الجهة الإدارية المختصة.

2- الإباحة:

حيال هذا التناقض بين موقفي مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة النقض، وبسبب تطور الظروف الاقتصادية والتجارية الدولية، واشتراك الدولة بمؤسساتها العامة بمشاريع تجارية؛ وجد المشرع الفرنسي نفسه مضطراً للتخفيف من غلواء حظر التحكيم في المنازعات الإدارية؛ حيث طرأ تطور على نص المادة /2060/ مدني فرنسي بإضافة المشرع فقرة ثانية إليها بالقانون (رقم 75-596) تاريخ 9/7/1975 أجاز بموجبها للمؤسسات العامة الصناعية والتجارية اللجوء إلى التحكيم بموجب مرسوم.

كما خطا المشرع خطوات أخرى بفرض التحكيم الإلزامي فيما يتعلق ببعض المنازعات. ورغم ذلك ظل مجلس الدولة الفرنسي على رأيه، إذ ورد في توجه للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة ما يلي:

«… غير أن إرادة الخصوم لا تكفي وحدها لخلق نظام التحكيم، بل يجب أن يقر المشرع اتفاقهم، بحيث يمكن القول: إنه لولا إجازة المشرع الالتجاء إلى التحكيم ونصه على تنفيذ أحكام المحكمين ما كانت إرادة الخصوم وحدها كافية لخلقه».

وقد حدث في 6/3/1986 أن أعطى مجلس الدولة رأيه في قضية (Euro Disney) جواباً على طلب وزير التخطيط الفرنسي فيما يتعلق بـ:

أ- نطاق تطبيق الفقرة /2/ من المادة /2060/ مدني التي تجيز للمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري أو الصناعي اللجوء إلى التحكيم.

ب - مدى إمكانية اللجوء إلى التحكيم بالنسبة إلى الأشخاص العموميين. وكيفية تطبيق هذه المبادئ بخصوص العقد المتعلق بإنشاء حديقة الألعاب المذكورة.

وكان ملخص الرأي: أن الأشخاص المعنويين التابعين للقانون العام لا يمكنهم الإفلات من القواعد التي تحدد صلاحية القضاء الوطني؛ ما لم يوجد نص صريح أو نص في معاهدة دولية مندمجة في النظام القانوني الداخلي، وبالتالي فإن أي عقد تحكيمي يبرم خلافاً لهذه المبادئ يكون باطلاً لتعلقه بالنظام العام.

وإزاء هذا الموقف المتشدد من مجلس الدولة الفرنسي وإصرار شركة (Walt Disney) على وجوب تضمين العقد بنداً تحكيمياً؛ اضطرت الحكومة الفرنسية إلى تقديم مشروع للجمعية الوطنية يجيز للأشخاص العموميين اللجوء إلى التحكيم وفقاً لبعض الشروط.

وفعلاً صدر قانون 19 آب/أغسطس 1986 أجاز بموجبه وخلافاً لنص المادة /2060/ للدولة والهيئات الإقليمية والمؤسسات العامة تضمين العقود المبرمة من قبلها بنداً تحكيمياً (م9 منه). ومن مضمون النص يمكن توضيح النقاط التالية:

1- يشترط لتطبيق النص أن يكون العقد مبرماً مع شركة أجنبية.

2- ويشترط لإمكانية اللجوء إلى التحكيم أن يكون في سبيل تحقيق مصلحة وطنية.

من هذا يستدل أن المشرع الفرنسي أجاز أخيراً شرط التحكيم في المنازعات الإدارية، لكنه ربطها بالنفع القومي والمصلحة الوطنية. ومع وجود مثل هذا النص لم يزل شراح القانون يفسرونه في أضيق الحدود.

إذن! المشرع الفرنسي أيَّد أخيراً مبدأ الاحتكام في العقود الإدارية؛ ولكن على استحياء وتحفظ.

كما أن مجلس الدولة الفرنسي في تقريره السنوي لعام 1993، أبدى تأييده للاتجاه الذي يعترف بمشروعية التحكيم في العقود التي تبرمها الأشخاص المعنوية العامة والمؤسسات العامة الصناعية والتجارية خاصة

كان لابد من استعراض تاريخ هذه المسيرة؛ ليتبين الجدل الذي رافق المسألة والنتيجة التي انتهى إليها.

ثانياً: التحكيم الإداري في مصر بين الحظر والإباحة

1- في قانون مجلس الدولة والاجتهادات:

نصت المادة /58/ من قانون مجلس الدولة المصري (رقم 47) لعام 1972 على إجازة الأشخاص العامة اللجوء إلى التحكيم في منازعاتها الإدارية بشرط استفتاء الإدارة المختصة بمجلس الدولة في العقود التي تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه.

كما أفتت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بجواز التحكيم الإداري باعتبار أن المادة /501/ (مرافعات مصري) أجازت اللجوء إلى التحكيم دون التمييز بين العقدين المدني والإداري.

كما أضافت أنه إزاء عدم وجود نص خاص بشأن التحكيم الإداري؛ يتعين اللجوء إلى النصوص العامة الواردة في قانون المرافعات.

(فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع لمجلس الدولة المصري بتاريخ 17/5/1989 - ملف 54/1/265).

وعلى الرغم من هذه الإجازة دون قيد؛ فقد عادت الجمعية العمومية، وأصدرت فتوى ثانية تقيد فيها هذا الاتجاه، وتجيز التحكيم الإداري بشرط عدم استبعاد القواعد الموضوعية التي تطبق على منازعات العقود الإدارية. (جلسة 7/2/1993 ملف 54/1/307).

2- التحكيم الإداري في مصر بصدور قانون التحكيم (رقم 27) لعام 1994:

ألغى القانون المذكور مواد التحكيم من قانون المرافعات (المواد من 501-513) وكل حكم مخالف، ونص في مادته الأولى على ما يلي:

«مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أياً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع إذا كان هذا التحكيم يجري في مصر؛ أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجري في الخارج، واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون».

ورغم هذا النص فقد ذهب جانب من الفقه إلى أن هذه المادة لم تحسم الجدل حول التحكيم الإداري؛ لأن العقود الإدارية تحكمها قواعد خاصة في القانون الإداري، وبالتالي يصعب إخضاعها للتحكيم وفق القانون /27/ والذي لم ينص صراحة على خضوعها لأحكامه.

ولدى عرض الأمر على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع انتهت إلى عدم جواز التحكيم بداعي أن الأهلية لا تتوافر للأشخاص العامة إلا بوجود نص تشريعي صريح يجيز ذلك؛ لأن التحكيم هو طريق استثنائي غير مشمول بنص المادة /1/ من القانون (رقم 27/94).

تدخل المشرع المصري بسبب تعدد الآراء والفتاوى، وأصدر القانون (رقم 9) لعام 97 المعدِّل للقانون لعام 1994 الذي نص في مادته الأولى على إضافة فقرة جاء فيها:

«وبالنسبة إلى منازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة، ولا يجوز التفويض بذلك».

وبذا يكون القانون المصري قد أزال الغموض، وأجاز التحكيم في جميع منازعات العقود الإدارية ولكن بشرطين:

1- موافقة الوزير المختص أو من يقوم مقامه بالنسبة إلى الأشخاص الاعتبارية العامة.

2- عدم جواز التفويض بهذا الاختصاص نظراً لخصوصية التحكيم الإداري وإمكان استبعاد القانون الوطني واللجوء إلى هيئة تحكيمية خاصة بدلاً من مجلس الدولة، وللحيلولة دون إساءة استعمال الإذن في الإجازة.

وبهذا أمكن اعتبار توجه المشرع المصري بشأن التحكيم الإداري خطوة أكثر تطوراً ومرونة.

ثالثاً: التحكيم الإداري وفقاً للقانون اللبناني

تبنى القانون اللبناني موقفاً متشدداً محتذياً بالقانون الفرنسي فيما يتعلق بإجازة اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية. وقد جاء في فتوى لمجلس شورى الدولة في عام 1988 ما يلي:

«يمنع على الأشخاص العموميين التابعين للحق العام اللجوء إلى التحكيم بغياب النص التشريعي».

ويكاد يكون هذا ملخص وجهة نظر التشريع اللبناني بهذا الصدد.

وامتد هذا الموقف إلى الآراء والاستشارات التي تصدرها هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، التي أصدرت فتوى بتاريخ 24/4/1997 بصدد خلاف بين بلدية بيروت وشركة O.T.V. بعدم جواز لجوء الإدارة المحلية إلى التحكيم في المنازعات الداخلية، ورأت - في الفتوى المذكورة - عدم جواز التحكيم الإداري إلا في:

q التحكيم الدولي.

q حالة وجود نص خاص.

q حالة العقود العادية لا الإدارية.

واحتدم جدل فقهي؛ ولاسيما بعد صدور فتوى مجلس الدولة في موضوع شركة الهاتف الخلوي Liban Cell وشركة F.T.M.L، تلك الفتوى التي أبطلت الشرط التحكيمي في عقدي الشركتين المذكورتين.

فكان لابد من تدخل المشرع وصدور القانون (رقم 440) تاريخ 29/7/2002 الذي عدل بعض مواد قانون أصول المحاكمات التي أعطت الحق للدولة وأشخاص القانون العام باللجوء إلى التحكيم مهما كانت طبيعة العقد وسواء كان عقداً إدارياً أم عادياً؛ داخلياً أم دولياً ولكن بشرط الحصول على إجازة التحكيم بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير المختص بالنسبة إلى الدولة أو سلطة الوصاية بالنسبة إلى الأشخاص المعنوية العامة.

رابعاً: التحكيم الإداري في سورية

1- التحكيم الإداري وفق قانون مجلس الدولة:

نصت المادة (44) من قانون مجلس الدولة (رقم 55) لعام 1959 على ما يلي:

«لا يجوز لأية وزارة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على عشرة ملايين ليرة سورية بغير استفتاء الإدارة المختصة».

ومن هذا يتبيَّن أن المشرع السوري قد أجاز التحكيم في منازعات العقود الإدارية عبر شرط التحكيم الوارد في عقد أبرم بين الطرفين وبشروط محددة.

2- التحكيم الإداري وفق المرسوم التشريعي (رقم 228) لعام 1969:

خفَّ الجدل حول مسألة التحكيم الإداري منذ صدور المرسوم التشريعي (رقم 228) تاريخ 23/9/1969 المتعلق بنظام عقود الهيئات العامة ذات الطابع الإداري حيث نصت المادة (57) منه على:

«أ- يحق للإدارة الموافقة على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للأصول المتبعة في القضاء الإداري، وتشكل لجنة تحكيم برئاسة مستشار من مجلس الدولة يسميه رئيس مجلس الدولة أو قاضٍ يسميه وزير العدل وعضوية مندوب عن كل من الإدارة والمتعهد بقرار من الوزير يحدد فيه موضوع الخلاف وتعويضات اللجنة ضمن حدود الأحكام القانونية النافذة.

ب- يمكن أن ينص في العقود الخارجية على تحديد جهة تحكيمية خاصة خلافاً لأحكام البندين (أ، ب) السابقين».

كما أضاف المرسوم التشريعي رقم /21/ لعام 1994 (المادة 75 مكرر) إلى مواد المرسوم (رقم 228/1969) المعدل بالقرار الصادر عن رئيس مجلس الوزراء رقــــــــــــــــــــم /9/ لعام 2002 ما يلي:

«أ- لا تنفذ العقود الجارية وفقاً لأحكام هذا النظام والتي تتجاوز قيمتها خمسمئة ألف ليرة سورية؛ إلا بعد استفتاء الإدارة المختصة لدى مجلس الدولة.

ب- يجوز بقرار من مجلس الوزراء تعديل القيمة المحددة في الفقرة (أ) عند الاقتضاء» مع اعتبار المادة /44/ من قانون مجلس الدولة (رقم 55) لعام 59 معدلة حكماً.

كما جاء في بلاغ لرئيس مجلس الوزراء ما يلي:

«في العقود الخارجية التي لا يرتضي مبرمها الاحتكام إلى القضاء السوري، ولا يقبل إلا بالنص على التحكيم؛ فلا مانع من ذلك في العقود ذات الأهمية ضمن الشروط التالية:

1- أن يكون ممثل الجانب السوري ممن تختاره الإدارة المختصة.

2- أن يتم قبول التحكيم الخارجي بموافقة الوزير المختص بالذات». (بلاغ رئيس مجلس الوزراء (رقم 115/ب/2243/154) تاريخ25/7/1974).

وعلى الرغم من ذلك فإن المحكمة الإدارية العليا السورية أعلنت انعدام حكم تحكيمي صادر في نزاع بين شركة فرنسية وبلدية مدينة حلب بسبب عدم الحصول على الإجازة من الجهة المختصة في مجلس الدولة رغم تصديق العقد أصولاً. (قرار المحكمة الإدارية العليا (رقم 158/26) تاريخ 29/2/1988) منشور في مجلة «المحامون» لعام 1988 ص 459، ومثله قرار محكمة القضاء الإداري (رقم 2010/552) تاريخ 20/10/1983منشور في «المحامون» لعام 1984 ص452).

وهذا يعني أن قضاء مجلس الدولة السوري عدّ مسألة الإجازة لقبول التحكيم مسألة متعلقة بالنظام العام تحت طائلة انعدام الحكم سواء كان العقد داخلياً أم خارجياً، والمعدوم لا تلحقه الإجازة.

3- التحكيم وفق المرسوم التشريعي (رقم 195) لعام 1974 المتعلق بنظام عقود المؤسسات العامة والشركات العامة والمنشآت ذات الطابع الاقتصادي

إذا كان المشرع قد أوجب - لجواز التحكيم في عقود الجهات العامة الإدارية - استفتاء إدارة الفتوى في مجلس الدولة؛ فإنه في عقود الأشخاص العامة ذات الطابع الاقتصادي أجاز اللجوء إلى التحكيم الداخلي أو الخارجي دون الحاجة إلى استفتاء مجلس الدولة.

وقد أجازت المادة /46/ من المرسوم التشريعي (رقم 195 لعام 1974) اللجوء إلى التحكيم في المنازعات المتعلقة بالقوة القاهرة التي تلحق عقد المتعهد أو الحوادث الاستثنائية العامة التي تواجه المتعاقد مع الإدارة، وأجازت أن يكون المحكمون مفوضين بالصلح؛ وذلك في حالة التحكيم الداخلي ( الوطني ) فقط.

كما أن المادة /58/ من المرسوم ذاته نصت على ما يلي:

«يجوز النص في العقد على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للقواعد والشروط المحددة فيه».

وعلى الرغم من أن نص المادة (46) من المرسوم (195) والذي يجيز اللجوء إلى التحكيم جاء خالياً من أي نص يوجب الحصول على إجازة من مجلس الدولة لإبرام اتفاق التحكيم؛ فإن المحكمة الإدارية العليا اتجهت إلى بسط رقابتها على عقود المؤسسات واتفاقاتها ذات الطابع الاقتصادي، وألزمتها بضرورة الحصول على إجازة التحكيم أسوةً بالهيئات ذات الطابع الإداري.

4- التحكيم الإداري وفقاً للقانون رقم /51/ لعام 2004

صدر القانون رقم /51/ لعام 2004 بشأن نظام العقود الجديد الموحد في سورية والذي طبق على جميع الهيئات العامة في الدولة سواء كانت ذات طابع إداري أم اقتصادي أم إنشائي باستثناء وزارة الدفاع ومؤسساتها. وبذا فقد حل هذا القانون محل المرسوم (رقم 228) لعام 1969 والمرسوم (رقم 195) لعام 1974.

ونص في المادة /66/ منه على ما يلي:

«أ- القضاء الإداري في الجمهورية العربية السورية هو المرجع المختص للبت في كل نزاع ينشأ عن العقد.

ب- يجوز أن ينص في دفاتر الشروط الخاصة والعقد على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للأصول المتبعة أمام القضاء الإداري، وتشكل لجنة التحكيم برئاسة مستشار من مجلس الدولة يسميه رئيس مجلس الدولة وعضوين تختار أحدهما الجهة العامة، ويختار المتعهد العضو الآخر.

جـ- يمكن أن ينص في العقود الخارجية بموافقة الوزير المختص بالذات على جهة تحكيمية خاصة خلافاً لأحكام البندين السابقين».

وبهذا النص أصبحت رئاسة هيئة التحكيم حصراً لمستشار من مجلس الدولة، وهذا متوافق مع اختصاص قضاة مجلس الدولة وطبيعة المهمة التحكيمية الإدارية.

وإضافة إلى الأحكام السابقة تبقى جميع الهيئات الإدارية والاقتصادية ملزمة بموجب المادة /44/ من قانون مجلس الدولة بالحصول على إجازة من الجهة المختصة بمجلس الدولة في كل تحكيم تزيد قيمته على خمسمائة ألف ليرة سورية.

5- التحكيم الإداري بعد صدور القانون رقم /4/ لعام 2008:

صدر القانون رقم /4/ لعام 2008، وألغى في المادة /64/ منه مواد التحكيم (506-534) من قانون أصول المحاكمات المدنية.

ونصت المادة 2/2 منه على ما يلي:

«يبقى التحكيم في منازعات العقود الإدارية خاضعاً لأحكام المادة /66/ من نظام العقود الصادر بالقانون رقم /51/ تاريخ 9/12/2004».

وهذا يعني أن المشرع في قانون التحكيم رقم /4/ أخرج التحكيم الإداري من دائرة تطبيق أحكامه، وأخضعه لنص المادة /66/ من القانون رقم /51/. والحقيقة أن هذا الإخضاع لا يبتعد بمسيرة التحكيم كثيراً عن قانون التحكيم رقم /4/ ولاسيما أنه فتح نافذة للعقود الدولية؛ وذلك بالسماح للجهات العامة بالاحتكام أمام جهة تحكيمية خاصة يتفق عليها الطرفان.

خامساً: تساؤلات قانونية تفتقر إلى جواب

إن إخضاع المشرع التحكيم الإداري للأصول المتبعة أمام القضاء الإداري إنما يعني أن الحكم الصادر عن هيئة التحكيم يخضع للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا التي هي محكمة وقائع وقانون معاً. وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية العليا في الحكم (رقم 288/825) لعام 1984 والذي جاء فيه ما يلي:

«إن الأحكام الصادرة عن اللجان التحكيمية في العقود الإدارية تخضع للطعن أمام المحكمة الإدارية العليا طالما أن مشارطة التحكيم لا تضفي على حكم اللجنة التحكيمية الصفة القطعية». وهذا يتعارض - من دون شك - مع الحكمة من إجازة التحكيم في العقود الإدارية، وهي تسهيل الاستثمارات التجارية الأجنبية وتشجيعها والاستفادة من الخبرات الاقتصادية العالمية وتطوراتها. ويمكن لحظ النقاط التالية التي ستشغل بال الفقهاء ورجال القانون إلى أن توجد لها مخارج في القانون:

1- إن إجازة الطعن في الحكم التحكيمي الإداري تودي إلى تناقض في سبل التعامل بين الحكم التحكيمي الإداري والحكم التحكيمي الصادر في المواد المدنية والتجارية المنصوص عنه في القانون (رقم 4) لعام 2008؛ ولاسيما المادة /49/ منه التي تعطي الحكم التحكيمي صفة الإبرام.

2- كما أن إخضاع التحكيم الإداري للأصول المتبعة أمام القضاء الإداري تثير مشكلة أخرى تتعلق بإكساء أحكام التحكيم الأجنبية صيغة التنفيذ في سورية، فوفقاً للأصول المتبعة أمام القضاء الإداري تقوم محكمة القضاء الإداري بوصفها محكمة أمور مستعجلة بإكساء الحكم التحكيمي صيغة التنفيذ وفي قضاء خصومه في حين أنه استناداً إلى المادة /54/ من قانون التحكيم السوري رقم /4/ يعطى حكم التحكيم صيغة التنفيذ من قبل محكمة استئناف منطقة التحكيم وفي غرفة المذاكرة.

كما أن قرار رئيس محكمة القضاء الإداري بإكساء حكم المحكمين صيغة التنفيذ يقبل الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا، وقد عللت هذه المحكمة حكمها استناداً إلى نص المادة /227/ من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تجيز استئناف الأحكام الصادرة في المواد المستعجلة أياً كانت المحكمة التي أصدرتها. (قرار المحكمة الإدارية العليا رقم /71/ طعن رقم /99/ لعام 1969).

3- إن المادة /64 / من قانون التحكيم رقم /4/ عام 2008 ألغت المواد (506-534) المتعلقة بالتحكيم من قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر بالمرسوم التشريعي (رقم 84) لعام 1953 وتعديلاته.

وبما أن قانون مجلس الدولة قد نص في المادة /3/ منه على تطبيق أحكام قانون المرافعات وقانون أصول المحاكمات فيما لم يرد فيه نص؛ وذلك إلى أن يصدر قانون بالإجراءات الخاصة بالقسم القضائي. وهذا يعني أن مجلس الدولة بقسمه القضائي لم يعد لديه فرصة الرجوع إلى أحكام تتعلق بالتحكيم إلا إلى نص القانون رقـــــــــــــم /4/ لعام 2008، وبالتالي فإن من الواضح أن هناك ثغرة تشريعية يقتضي سدّها تبديد التردد حول هذه المسألة؛ بعد أن ألغيت نصوص المواد (506-534) أصول والتي كانت مرجعاً للتحكيم الإداري.

وجدير بالذكر أن المشرع المصري قد أخضع التحكيم الإداري للأصول المنصوص عليها في قانون التحكيم رقم /27/ لعام 1994 وتعديلاته (م1 منه).

بيد أن المشرع السوري عندما نص في القانون رقم /51/ لعام 2004 على تطبيق أحكام المادة /66/ منه؛ كان ذلك في ظل قيام المواد (506-534) من قانون أصول المحاكمات المدنية، وقبل صدور القانون رقم /4/ لعام 2008. فماذا بعد صدور القانون المذكور، وإلغاء المواد المذكورة من قانون أصول المحاكمات المدنية؟ ذلك هو السؤال الذي سيجد جواباً دون شك في قادم الأيام.

مراجع للاستزادة:



- جابر نصار، التحكيم في العقود الإدارية (دار النهضة العربية، القاهرة 1997).

- محمد محمود، «العقد الإداري وشرط التحكيم الدولي»، منشور في مجلة العلوم الإدارية، عدد 2 لعام 1993.

- عبد الحميد الأحدب، موسوعة التحكيم في البلدان العربية، ج1 (منشورات الحلبي الحقوقية).

- إياد محمود بردان، التحكيم والنظام العام - دراسة مقارنة (منشورات الحلبي الحقوقية).

- محمد وليد منصور، التحكيم في العقود الإدارية - دراسة مقارنة (منشورات فرع نقابة المحامين في دمشق 7002).

- محمد عبد المجيد إسماعيل، عقود الأشغال الدولية والتحكيم فيها (منشورات الحلبي الحقوقية).

- مصطفى محمد الجمال وعكاشة محمد عبد العال، التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والداخلية (منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 1998).

- سامية راشد، التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة (توزيع منشأة المعارف بالإسكندرية جلال حزي وشركاه).

- أحمد الشيخ قاسم، التحكيم التجاري الدولي - دراسة مقارنة (دار الجاحظ للطباعة والنشر، دمشق 1994).

- مجموعة الاجتهادات والفتاوى الصادرة عن مجلسي الدولة المصري والسوري.

 المصدر: http://arab-ency.com