11.19.2017

الإثبات في المواد الجزائية

الإثبات في المواد الجزائية







اثبات في مواد جزاييه

proof in penal items - preuve en matiére pénale

 الإثبات في المواد الجزائية

الإثبات في المواد الجزائية

محمود طه جلال




يعدّ الإثبات proof من أكثر مواضيع فقه الإجراءات الجزائية أهمية. فالجريمة مجموعة من الوقائع المادية تؤلف أركانها وعناصرها وظروفها، ولكن الوجود الحسي لهذه الوقائع لا يكفي لإنزال العقاب ما لم يتم الربط بين هذه الوقائع وفاعل معيّن بعلاقة سببية، وهو ما يسمى الإسناد. ولا يقوم الإسناد إلا بدليل إثبات يتحمل عبأه الادعاء قاعدةً عامة، ولا يمكن افتراضه إعمالاً لقاعدة البينة على من ادعى وقرينة البراءة التي يستظل بها المتهم، والتي تعدّ إحدى القيود الواردة على مبدأ حرية القاضي الجزائي بالاقتناع في غالبية التشريعات الحديثة. ويترتب على ذلك أن القضاء ملزم بألا يحكم بالإدانة إلا إذا استند إلى دليل يقيني مستنبط من أحد طرق الإثبات.

أولاً: المبادئ العامة للإثبات

1- تعريف الإثبات: الإثبات لغة من التثبت أي الحجة أو البيّنة كقولك: لا أحكم بكذا إلا بثبت، وفي حديث صوم يوم الشك «ثم جاء الثبت أنه من رمضان».

أما الإثبات اصطلاحاً فهو إقامة الدليل على حقيقة واقعة ذات أهمية قانونية، وذلك بالطرق التي حددها القانون، أو إقامة الدليل على وقوع الجريمة بأركانها وظروفها المختلفة من جهة وعلى ارتكابها من المدعى عليه من جهة أخرى.

وهناك العديد من التعريفات للإثبات، بيد أنها لا تخرج عن النطاق المذكور لمفهوم الإثبات، وهو أنه نشاط استقرائي تقوم به السلطات المختصة قوامه إقامة البينة أو الحجة على واقعة أو مجموعة وقائع مادية تشكل الأركان القانونية للجريمة وظروفها وعناصرها، وإسناد هذه الوقائع لشخص ما بعلاقة سببية.

2- محل الإثبات: أي الأمور التي ينصب عليها دليل الإثبات في الدعوى الجزائية، وهذه مسألة محل خلاف، فيرى البعض أن الإثبات ينصب على الوقائع فقط دون القانون، وبالتالي ينحصر موضوع الإثبات في أمرين: وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم. ويمكن إضافة الوقائع المتصلة بفكرة الخطورة الإجرامية أساساً لإنزال التدبير الاحترازي وأحد الاعتبارات التي تحدد استعمال القاضي لسلطته التقديرية في التفريد العقابي. في حين يرى آخرون - بحق - أن الإثبات من حيث الموضوع لا ينحصر فقط في الوقائع، وإنما يشمل أيضاً العناصر التي تؤلف الركن المادي والمعنوي والقانوني؛ ذلك أن هدف الإثبات هو الوصول إلى الحقيقة المجردة للوقائع التي تتكون منها الجريمة، سواء ما اتصل منها بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها، أم تلك المتصلة بتحديد أركانها وعناصرها وظروفها ومفترضاتها، أم المتصلة بتحديد مقدار الخطورة الإجرامية لتحديد مقدار العقاب ونوعية التدبير الواجب فرضه.

3- غاية الإثبات: تمُر الدعوى العامة في الغالب بثلاث مراحل، وهي: مرحلة البحث الأولي، ومرحلة التحقيق الابتدائي ومرحلة المحاكمة؛ وفي جميع هذه المراحل لابد من تحقيق الدعوى بهدف إزالة الشكوك التي تكتنف الجريمة (موضوعها)، إما على نحو يقيني في مرحلة المحاكمة أي بدحض قرينة البراءة عن المتهم أو تأكيدها للبريء، وإما على نحو شبه يقيني أو نسبي في مرحلة التحقيق التي يكتفى بها برجحان أدلة الاتهام على أدلة البراءة. وللوصول إلى هذه الغاية لا بد من استخدام مجموعة من الوسائل أو الطرق، وهي التي يطلق عليها طرق الإثبات أو وسائله. وعلى هذا يمكن تحديد هدف الإثبات في تمحيص الشك وتحري الوقائع لنقلها إلى يقين تبنى عليه الإدانة؛ وذلك في إطار مبدأ التوازن والتناسب بين مصلحة المجتمع في الكشف عن الجريمة، واقتضاء حق الدولة في العقاب، والحق في حماية الحقوق والحريات الفردية. ويتم ذلك من خلال طرق أو وسائل نص عليها المشرع.

ثانياً: طرق الإثبات

يمكن تقسيم طرق الإثبات من خلال الأدلة التي تنتج منها إلى ثلاثة أنواع وهي:

1- طرق الإثبات المادية: وتنتج هذه الطرق أدلة مادية تؤثر في اقتناع القاضي بحكم العقل والمنطق، وأهم هذه الطرق التفتيش وضبط الأشياء والكشف والمعاينة والقرائن.

أ- التفتيش: هو إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي، يهدف إلى البحث أو التنقيب عن دليل يتصل بجريمة وقعت، ويفيد في كشف الحقيقة. والتفتيش إجراء خطير ينطوي على مساس واضح بأهم الحقوق الدستورية، وهو الحق في الحياة الخاصة لكونه ينصب على الأشخاص والمساكن؛ لذلك أحاطه المشرع بضمانات صارمة تكفل تحقيق التوازن بين حق الدولة في الملاحقة واقتضاء العقاب وحماية حقوق الأفراد في الحفاظ على الحياة الخاصة. ومن أهم هذه الضمانات إناطته بالسلطة القضائية، وأن يكون سببه وقوع جريمة، وأن تكون هذه الجريمة جنائية أو جنحية الوصف، وأن يهدف إلى جمع الأدلة.

ب- الضبط: الجريمة واقعة تنتمي إلى الماضي، ثم ليس في وسع المحكمة الناظرة في الجريمة معاينة الوقائع المكونة للجريمة أو فحصها على نحو مباشر، لذلك لابد من وسائل تحافظ على هذه الوقائع والحقائق، وتساعد على استحضارها في أثناء المحاكمة حتى تتمكن المحكمة من الفصل في الجريمة، ومن أهم هذه الوسائل الضبط.

فالضبط في جوهره وعاء أو حرز لفترة زمنية معيّنة تمت فيها وقائع أو حقائق تتعلق بجريمة ما، وتفيد في إثبات هذه الجريمة أو نفيها، أو بمعنى آخر هو تسجيل أو توثيق مادي لفترة زمنية، حدثت فيها وقائع أو حقائق منتجة أدلة تتعلق بجريمة ما، والحفاظ على هذا الدليل حتى تستطيع المحكمة استحضار الماضي أو اللحظة التي وقعت فيها الجريمة واستعراض وقائع هذه الجريمة وتحليلها ومن ثم استنتاج أدلة يمكن البناء عليها سواء لجهة البراءة أم الإدانة. ومثال الضبط مصادرة النقود المزيفة أو الوثائق المزورة من خزانة المدعى عليه أو كمية من المخدرات من جيبه أو المفاتيح المقلدة التي كان ينوي استخدامها في السرقة أو رفع البصمات عن المسدس المستخدم في الجريمة… إلخ.

وتتجلى أهمية الضبط في بعض الجرائم التي تكون المادة الجرمية أو جسم الجريمة ركناً فيها كجريمة حيازة المواد المخدرة بقصد التعاطي، حيث أوجب المشرع ضبط هذه المادة شرطاً لقيامها؛ وذلك حتى يتسنى إجراء الخبرة على هذه المادة للتأكد فيما إذا كانت تحتوي على النسب المحددة والكافية لقيام الجريمة، وهذا لا يتم إلا من خلال ضبط المادة وإحرازها.

 والضبط من حيث موضوعه يرد على أشياء أو أوراق أو مراسلات أو محادثات هاتفية، لذلك فهو لا يخلو من مساس خطير بحرمة الحياة الخاصة وحق الملكية التي صانها الدستور؛ لذلك أحاط المشرع الضبط ببعض الضمانات من حيث السلطة صاحبة الحق في اتخاذه، وهي النيابة العامة وقاضي التحقيق، ومن حيث السلطة التي تملك الاطلاع على المضبوطات، وهي قاضي التحقيق وفي حضور المدعى عليه أو وكيله، ومن حيث التصرف بالمضبوطات.




ج- المعاينة أو الكشف: هو إجراء قانوني يهدف إلى إثبات مادي لحالة شيء، أو شخص من خلال الرؤية أو الفحص المباشر. فقد تنصب المعاينة على شيء من الأشياء لإثبات حالته كالسلاح والعملة المزيفة والبناء المخالف؛ وقد تنصب على الشخص سواء كان المجني عليه كالكشف عن حالته البدنية لإثبات آثار الضرب الناجم عن الإيذاء، أم المدعى عليه للكشف عن آثار العنف الناجم عن التعذيب في أثناء التحقيق… إلخ. واللجوء إلى المعاينة إجراء تقوم به المحكمة بناء على طلب الخصوم أو من تلقاء نفسها، وذلك بعد تمكين الخصوم من الحضور وتبليغهم بموعدها، وإذا رفضت المحكمة طلب إجرائها كان عليها أن تسبب ذلك وإلا كان ذلك إخلالاً بحق الدفاع. ويمكن للمحكمة المختصة أن تقرر اللجوء إلى المعاينة في مراحل الدعوى كافة. كما يمكن إجراء المعاينة في مرحلة التحقيق الابتدائي، وفي حالة الجرم المشهود.

د- القرائن: وقد عرفها القانون المدني الفرنسي في المادة 1349 على أنها «النتائج التي يستخلصها القانون أو القاضي من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة». وعرفها على نحو قريب من ذلك الأستاذ «دونديو دي فابر» بأنها الصلة الضرورية التي ينشئها القانون بين وقائع معيّنة، أو هي نتيجة يتحتم على القاضي أن يستنتجها من واقعة معيّنة. فالقرائن استنتاج منطقي قوامه الربط بطريق اللزوم العقلي بين واقعة معلومة وثابتة يقيناً وواقعة مجهولة هي الجريمة أو أحد عناصرها.

والقرائن بوصفها طرقاً للإثبات قديمة جداً، إذ استخدمها العرب القدامى على نحو واسع فيما عرف بالفراسة والقيافة.

أما في الوقت الحالي فإن للقرائن أهمية بالغة في إثبات الركن المعنوي للجريمة (القصد والبواعث والدوافع)، وهي أمور نفسية باطنية لا سبيل لإدراكها بالحواس. وهنا تأتي أهمية القرائن في إثبات الركن المعنوي للجريمة مثلاً من العدد الكبير للطلقات النارية سواء المستقرة في الجثة أم النافذة منها وتعدد الطعنات، أو التمييز بين الإيذاء المفضي للوفاة والقتل القصد من خلال نوع السلاح المستخدم (سلاح بالطبيعة أم بالتخصيص) ومكان الإصابات… وهكذا. والقرائن من حيث المصدر نوعان: قانونية وهي التي وردت بمقتضى نص أو قاعدة قانونية، ومثالها قرينة عدم الإدراك والتمييز، وبالتالي عدم المسؤولية الجزائية للحدث غير المميز، والتي وردت في المادة الثانية من قانون الأحداث الجانحين رقم 18 لعام 1974 وتعديلاته، وقضائية وهذه لا تدخل تحت حصر ومتروكة لفطنة القاضي ودقة ملاحظته ونباهته وحسن استنتاجه.

  ومن حيث الحجية أو القوة الثبوتية يمكن التمييز بين نوعين من القرائن: قرائن مطلقة لا يجوز إثبات عكسها كقرينة عدم الإدراك والتمييز للحدث غير المميز، وقرائن نسبية يمكن إثبات عكسها كقرينة الدفاع الشرعي المقررة لمصلحة المدعى عليه في المادة 549 من قانون العقوبات والتي يمكن للنيابة إثبات عكسها.

2- طرق الإثبات التي تنتج أدلة قولية: وتنبعث هذه الطرق من عناصر شخصية تؤثر في اقتناع القاضي بطريق غير مباشر، وهي: الشهادة والاستجواب والاعتراف.

أ - الشهادة: هي تقرير شخص حقيقة أمر توصل إلى معرفته بالمشاهدة أو السماع، وهي من أقدم طرق الإثبات وأكثرها شيوعاً، وكانت عند القدماء ذات طابع ديني تخضع لطقوس شكلية تهدف إلى غرس الرهبة في نفس الشاهد لحمله على الصدق خوفاً من غضب الآلهة وانتقامها.

وللشهادة أهمية بالغة في النظم الإجرائية المعاصرة لكونها تنصب على وقائع مادية لا مجال لإثباتها إلا بالشهادة على الغالب؛ لذلك يجوز اللجوء إليها في جميع الجرائم إلا ما استثني منها بنص.

والأصل في الشهادة أن تكون مباشرة حين يقرر الشاهد ما رآه أو سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم، ولكن ثمة صورة أخرى للشهادة  تقل في قيمتها عن الشهادة المباشرة كالشهادة السماعية أو الشهادة غير المباشرة كمن يقرر حقيقة أمر وواقعة سمعها من شخص آخر شاهد تلك الواقعة أو سمعها.

ولأهمية الشهادة في الإثبات فقد أحاطها المشرع بتنظيم شامل يضمن موضوعيتها، فاستبعد في المادتين 292 و193 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بعض الأشخاص كأصول المدعى عليه وفروعه وزوجته وإخوته وذي القرابة الصهرية لوجود شبهة التعارض في المصالح ومظنة عدم الحياد، وأوجب في المواد 77 و192 و286 من القانون ذاته تحليف الشاهد اليمين القانونية بأن يشهد بالحقيقة دون زيادة أو نقصان؛ كما اشترط في المادة 81 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أهلية الشاهد للشهادة بأن يكون قد بلغ الخامسة عشرة من عمره وقت أدائها، وأن يكون سليم الإدراك وقت حدوث الواقعة مدار الشهادة ووقت الإدلاء بها؛ وألزم في المادة 82 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الشاهد بالامتثال والحضور أمام القضاء للإدلاء بالشهادة تحت طائلة الغرامة والإحضار عن طريق القوة العامة والحبس ثلاثة أشهر على الأكثر، والغرامة إذا أبدى عذراً كاذباً لتسويغ تخلفه عن الحضور وفق المادة 397 من قانون العقوبات؛ وعاقب المشرع في المادة 398 من قانون العقوبات بالحبس من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات شاهد الزور الذي يجزم بالباطل أو ينكر الحق أو يكتم بعض ما يعرفه من وقائع القضية أو كلّه، وتشدد العقوبة لتصبح الأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر إذا أديت شهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي أو محاكمة جنائية، وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبدة فلا تنقص عقوبة الشاهد زوراً عن الأشغال الشاقة عشر سنوات، ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة.

ب- الاستجواب: هو إجراء من إجراءات الإثبات، قوامه اطلاع المتهم على الاتهام المسند إليه ومجابهته بالأدلة القائمة ضده ومناقشته على نحو تفصيلي للوقوف على الحقيقة والوصول إلى ما يثبت الاتهام أو يدحضه.

وللاستجواب طبيعة مزدوجة فهو وسيلة تحقيق مع المدعى عليه تهدف إلى إثبات الاتهام، ووسيلة دفاع من ناحية ثانية تمنح المدعى عليه فرصة إثبات براءته أو تخفيف مسؤوليته إن كان هناك أعذار من شأنها تخفيف العقاب. لذلك أوجبت المادة 69 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على قاضي التحقيق أن يقوم باستجواب المدعى عليه بوصفه أول إجراء يشرع فيه فور وضع يده على الدعوى، لاستقصاء الحقيقة وصيانة حق الدفاع، واشترطت المادة 106 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاستجواب قبل إصدار مذكرة التوقيف ما لم يكن فاراً من وجه العدالة.

ولخطورة الاستجواب فقد أحاطه المشرع بضمانات عدة، كمباشرته من القضاء فقط سواء قضاء التحقيق أم قضاء الحكم، ووجوب اطلاع المتهم على الاتهام الموجه له وتمكينه من الدفاع عن نفسه ودعوة محاميه وإمهاله أربعاً وعشرين ساعة حتى يتمكن من ذلك ما لم يكن هناك ضرورات للتحقيق تقتضي السرعة أو خوف من ضياع الأدلة؛ عندها يمكن الاستجواب قبل دعوة المحامي، وعدم جواز الضغط على المدعى عليه أو التأثير فيه تحت طائلة البطلان.

ج- الاعتراف: هو شهادة المرء على نفسه أو إقرار المدعى عليه بصحة الاتهام المسند إليه كلياً أو جزئياً.

وقد تباينت القوة الإثباتية للاعتراف عبر التاريخ. ففي القديم كان الاعتراف هو الدليل الوحيد الذي يحسم الخصومة الجزائية، ومن دونه لا مجال للإدانة؛ وهذا ما جعل بعض الأنظمة الإجرائية القديمة تقنن التعذيب للحصول على الاعتراف بنصوص صريحة، كتلك التي وردت في الكارولينا الألماني سنة 1532 وقانون الجزاء الفرنسي لعام 1670. أما في التشريعات الحديثة فقد حظرت جميع الدساتير اللجوء للتعذيب، وعاقبت من يمارسه، كالمادة 28 من دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973، والمادة 391 من قانون العقوبات. وقد أكدت ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها الصادر في 7 كانون الأول/ديسمبر 1982  بشأن التعذيب والعقوبات الأخرى غير الإنسانية والمهينة. لذلك وإعمالاً للقواعد الدستورية وضع المشرع ضمانات للاعتراف تهدف إلى الوصول إلى اعتراف حقيقي، فحظرت هذه القواعد الضغط أو التأثير من أي نوع يهدف إلى حمل المتهم على الاعتراف؛ واشترطت حتى ينتج الاعتراف آثاره القانونية أن يكون صريحاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، وأن يكون صادراً عن المتهم نفسه دون ضغط أو تهديد، وأن يكون المتهم بالغاً عاقلاً، فإذا صدر الاعتراف عن قاصر أو مجنون أو معتوه فلا قيمة له. وهذا ما جعل قيمة الاعتراف في الإثبات تقل نوعاً ما عما كان في الماضي؛ فأصبح الاعتراف دليلاً من الأدلة المعروضة أمام القاضي يخضع لمطلق تقديره يأخذ به إذا كان متفقاً ومنسجماً مع باقي الأدلة، أما إذا كان غير منطقي، وهدفه تغيير الوقائع وطمس الحقائق؛ فليس ثمة ما يمنع من إهداره وطرحه خارج الأدلة، ولعل هذا ما يميز القضاء الجزائي من القضاء المدني. فالاعتراف أو الإقرار في قانون البيّنات مازال سيد الأدلة قاعدةً عامة، أما في القضاء الجزائي فليس له هذه القيمة، بل على الغالب ينظر إلى الاعتراف نظرة ريبة وشك لأنه خلاف الأصل، وهو الإنكار عند الاتهام ما دام من حق المتهم الإنكار، وعبء الإثبات لا يقع عليه؛ لذلك فقد يكون في هذا الاعتراف مصلحة غير مشروعة للمتهم أكبر من الإنكار كانفراده في تحمل المسؤولية وإبعاد شركائه من تبعات الجريمة مقابل مبلغ من المال، أو تخليص الفاعل الحقيقي للجريمة من المسؤولية والعقاب.

3- طرق الإثبات التي تنتج أدلة فنية (الخبرة):

والخبرة هي إبداء رأي فني من شخص مختص في شأن واقعة ذات أهمية في الدعوى، وهي دليل تلجأ إليه المحكمة في المسائل الفنية البحتة التي لا تستطيع الخوض فيها، وذلك من خلال فنيين مختصين، كالخبرة بمجال التزوير والتزييف، والخبرة الطبية بمعرفة أسباب الوفاة في جرائم القتل والإيذاء، أو الخبرة الهندسية بمعرفة أسباب سقوط البناء أو مدى غش مواد البناء أو سلامتها، أو الخبرة الحسابية.

والخبرة ترد على أمور فنية بحتة. أما المسائل القانونية فلا يجوز أن تكون محلاً للخبرة لأن القاضي خبير بها. واللجوء للخبرة قد يكون من المحكمة عفواً من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد أطراف الخصومة.

وترجع أهمية الخبرة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي الكبير الذي شمل المجالات كافة، والذي بات يستغل على نطاق واسع في ارتكاب الجرائم، فأصبح من المتعذر على القاضي مواكبة هذا التطور المتسارع دون الاستعانة بالمختصين من الفنيين، فضلاً عن أن الخبرة تنتمي إلى فئة الدليل المادي، وهو أقوى أنواع الأدلة.

على الرغم من أهمية الخبرة فإن اللجوء إليها يعود إلى تقدير المحكمة، فهي لا تلجأ إلى الخبرة إلا عند الضرورة، وذلك عندما يكون البت بالدعوى متوقفاً على الفصل بمسألة فنية لا تملك الفصل بها دون الاستعانة بالخبرة عندها يغدو اللجوء إلى الخبرة إلزامياً كالخبرة الطبية على المتهم للتأكد من صحة الدفع بإصابته بمرض البارانويا أو اعتلال النفس السيكوباتي، وهما من الأمراض التي تصيب طبع الإنسان، فتنقص قوة الوعي والإرادة لديه، فتكون مسؤوليته منقوصة، أما إذا كانت الواقعة مدار الإثبات واضحة، ولا تحتاج إلى خبرة، فلا تلجأ المحكمة إليها حتى لو طلبها الخصوم، فلها رد هذا الطلب بشرط التسبيب. كذلك فإن للمحكمة سلطة واسعة في تقدير قيمة الخبرة، فلها أن تأخذ بها كلياً أو جزئياً، ولها الترجيح بين خبرة وأخرى في حال وجود أكثر من خبرة، ولكنها لا تستطيع تفنيد الخبرة أو طرحها إلا بعد اللجوء إلى خبرة فنية أخرى.

ويلاحظ أن المشرع السوري لم يخصّ الخبرة في القضايا الجزائية بأحكام أو قانون خاص، وهذا معناه - وفق ما اتجهت إليه محكمة النقض السورية - العودة إلى أحكام الخبرة في قانون البيّنات رقم 359 لعام 1947 فيما لا يتعارض وقواعد قانون أصول المحاكمات الجزائية وأهدافه. وقد أجاز قانون البيّنات رد الخبراء للأسباب ذاتها التي تسوّغ رد القضاة، كما أوجب عليهم أن يقسموا اليمين قبل القيام بمهمتهم والعمل تحت إشراف المحكمة التي انتدبتهم وتقديم تقريرهم بنتيجة الخبرة في الموعد المحدد تحت طائلة الاستبدال، وأعطاهم حق تقاضي أتعاب تحددها المحكمة مقابل قيامهم بالخبرة.

مراجع للاستزادة:

- عوض محمد عوض، المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية (منشأة المعارف، الإسكندرية 2002).

- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، القاموس المحيط، المجلد الأول (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/2، 2000).

- محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية (دار النهضة العربية، القاهرة، ط/3، 1998).

- محمد الفاضل، الوجيز في أصول المحاكمات الجزائية، الجزء الأول (مطبعة جامعة دمشق، ط/2، 1963).

- حسن جوخدار، أصول المحكمات الجزائية- الجزء الثاني (منشورات جامعة دمشق، 1997- 1998).

- أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات (دار النهضة العربية، القاهرة، ط/6، 1996).

- علي عبد القادر القهوجي، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية- دراسة مقارنة (الكتاب الثاني)، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.

- عبد الفتاح الصيفي، تأصيل الإجراءات الجنائية (دون مكان نشر، 2003).

- رؤوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري (دار الجيل للطباعة، ط/16).

- توفيق أحمد الأسود، نبذة موجزة عملية في أصول المحاكمات الجزائية (1965- 1966).

- سليمان عبد المنعم، أصول الإجراءات الجنائية- دراسة مقارنة- الكتاب الثاني (منشورات دار الحلبي، بيروت 2006).

- عبد الوهاب حومد، أصول المحاكمات الجزائية (المطبعة الجديدة، دمشق 1987).

- إلياس أبو عيد، نظرية الإثبات في أصول المحاكمات المدنية والجزائية بين النص والاجتهاد والفقه - دراسة مقارنة- الجزء الثالث (منشورات زين الحقوقية، بيروت 2005).

- مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري- الجزء الثاني (دار النهضة العربية، القاهرة، 2002).
المصدر: http://arab-ency.com