11.20.2017

الاستيلاء كسبب من أسباب كسب الملكية

الاستيلاء كسبب من أسباب كسب الملكية







استيلاء

takeover - occupation

 الاستيلاء

الاستيلاء

محمد سامر القطان





الاستيلاء هو السبب الأول من أسباب كسب الملكية التي نص عليها المشرع السوري على التوالي في الفصل الثاني من الباب الأول (حق الملكية)، من الكتاب الثالث (الحقوق العينية الأصلية)، من القانون المدني، ونظم قواعده في المواد من 828 إلى 835.

أولاً: مفهوم الاستيلاء

1 - تعريف الاستيلاء

يُعدّ الاستيلاء Occupation وسيلة من الوسائل التي تكتسب بها ملكية الأشياء المباحة التي لا مالك لها وذلك بوضع اليد عليها بنية تملكها. ويسمى الاستيلاء في بعض التشريعات العربية بالإشغال.

2 - الطبيعة القانونية للاستيلاء

يدخل الاستيلاء - في الأصل - في نطاق الوقائع المادية باعتباره يتمثل بالدرجة الأولى في وضع اليد على الشيء أي إحرازه أو حيازته مادياً، وإن كان لابد من توافر نية التملك كي يصبح الاستيلاء سبباً من أسباب كسب الملكية.

وفي تحليل طبيعة الاستيلاء، قيل بحق: إنه «واقعة مختلطة mixte، اختلطت فيها الحيازة المادية - وهي عنصر مادي - بإرادة المستولي في أن يتملك في الحال، وهي عنصر إرادي. ولكن العنصر المادي هنا هو المتغلب، ومن ثم ألحق الاستيلاء بالوقائع المادية». 

3 - محل الاستيلاء

ويميّز المشرع السوري -كغيره من المشرعين- بين الاستيلاء الواقع على المنقول والاستيلاء الواقع على العقار؛ واضعاً أحكاماً خاصة لكل منهما.

ثانياً: الاستيلاء على المنقول

يعدّ الفقه - ولا سيما العربي منه - أن الاستيلاء بوصفه سبباً من أسباب كسب الملكية لا يمكن أن يتحقق بمعناه الكامل والصحيح إلا بالنسبة إلى المنقولات. وذلك لأن الاستيلاء بوصفه سبباً من أسباب كسب الملكية لا يرد - في الأصل - إلا على الأشياء التي لا مالك لها، والمنقولات هي وحدها من الأشياء التي يمكن أن تكون من دون مالك، أما العقارات فلا يتصور أن تكون من دون مالك؛ ولاسيما في الدول التي تقضي قوانينها بملكية الدولة للعقارات التي لا مالك لها، كما هو الحال مثلاً في سورية ولبنان ومصر…

وتجدر الإشارة إلى أن المنقول هو - بنظر المشرع - كل شيء ليس بعقار، أي كل شيء غير مستقر بحيزه وغير ثابت فيه، ويمكن بالتالي نقله منه دون تلف.

ويرتب المشرع على الاستيلاء على المنقول الذي لا مالك له كسب ملكيته في الحال، أي دون حاجة إلى مرور مدة معيّنة. فبمجرد حيازة المنقول المباح - بعنصريها المادي المتمثل بوضع اليد والمعنوي المتمثل بنية تملكه - يتملك الحائز هذا المنقول فوراً، فقد نصت المادة 828 من القانون المدني - بكل صراحة ووضو ح - على أن «من وضع يده على منقول لا مالك له بنية تملكه؛ ملكه».

والمنقولات التي لا مالك لها - والمعبر عنها أيضاً بالمنقولات المباحة - هي على نوعين: منقولات ليس لها مالك من الأصل، ومنقولات كان لها مالك ثم أصبحت من دون مالك بعد أن تخلى عنها صاحبها. ولذا سوف يُبحث تباعاً في أحكام الاستيلاء في كل من هذين النوعين من المنقولات، ومن ثم تُتناول أحكام المنقولات الضائعة والكنز.  

1 - المنقولات التي لم يكن لها مالك أصلاً (الأشياء المباحة)

المنقولات التي لم يكن لها مالك أصلاً هي المنقولات المباحة ابتداءً، أي تلك التي لم تكن -في يوم من الأيام - مملوكة لأحد. ويُعبر عنها أيضاً بالأشياء المشتركة المباحة التي ينتفع بها جميع الناس، كالشمس والهواء ومياه الأنهار والبحار… وهي في الأصل غير قابلة للتعامل بها لاستحالة ذلك، لكن من يستحوذ على مقدار معيّن منها بنية تملكه يتملكه، كمن يضغط حجماً معيّناً من الهواء في أسطوانات أو في أوعية ما، يصبح مالكاً له، أو كمن يحصر قدراً من مياه البحر في أحواض معيّنة لتربية الأسماك أو لاستخراج الملح يصبح أيضاً مالكاً له.

كما تُعدّ من الأشياء المشتركة المباحة التي لا مالك لها أصلاً الأسماك في مياه البحر أو النهر أو البحيرات، وكذلك الطيور على اختلاف أنواعها في الهواء، فهذه جميعها تعدّ من منقولات لا مالك لها منذ البداية، ويجوز بالتالي لمن يستولي أولاً على أي منها أن يتملكه بالاستيلاء. والاستيلاء هنا يتمثل عادةً بصيد الطير أو السمك ووضع اليد عليه بأي وسيلة من الوسائل.

كما ويُلحق المشرع بالمنقولات التي لا مالك لها أصلاً الحيوانات الطليقة غير الأليفة، فقد قضى المشرع في مطلع الفقرة الثانية من المادة 928 من القانون المدني بما يأتي: «وتعتبر الحيوانات غير الأليفة لا مالك لها ما دامت طليقة…». ومن هذه الحيوانات: الحمام والنحل والغزلان والذئاب والثعالب والأسود والنمور وغيرها… إذ تعدّ جميعها وما شابهها منقولات غير مملوكة لأحد منذ البداية وتبقى كذلك مادامت حرة طليقة، وبالتالي يجوز تملكها بالاستيلاء. ويمكن أن يتم الاستيلاء على أي منها بأي وسيلة كانت كالصيد أو الاعتقال… فإذا قام شخص -مثلاً- باعتقال غزال وحبسه في مزرعته بنية تملكه؛ فانه يتملك هذا الغزال بالاستيلاء، ويبقى مالكاً له ما دام الغزال معتقلاً وغير طليق.

كل هذا مع الأخذ بالحسبان ما تقضي به القواعد الخاصة المنصوص عليها في قوانين الصيد البري والبحري (م 831 ق م).

أما الحيوانات الأليفة كالمواشي والدواجن والخيول والقطط وغيرها… فلا يعدّها المشرع من المنقولات التي لا مالك لها؛ لأنه لها عادة مالك، وبالتالي لا يجوز تملكها بالاستيلاء، اللهم إلا إذا تركها صاحبها وتخلى عن ملكيته لها.

2 - المنقولات التي أصبحت من غير مالك (الأشياء المتروكة)

يقصد بالمنقولات التي أصبحت من غير مالك؛ الأشياء المنقولة المملوكة في الأصل لأصحابها، لكنهم تركوها وتخلوا عن ملكيتهم لها لسبب أو لآخر… ولذلك تسمى هذه المنقولات بالأشياء المتروكة، كفضلات الأطعمة والعبوات الفارغة والأوراق وغيرها من الأشياء، التي يستغني عنها أصحابها ويرمونها في سلة المهملات أو في صناديق القمامة أو في قارعة الطريق… وبالتالي فإن مثل هذه الأشياء يجوز للغير أن يتملكها بالاستيلاء عليها. ومن المعروف اليوم أن هناك صناعات متعددة تقوم على الاستيلاء على مثل هذه الأشياء المتروكة، كصناعة تحويل القمامة إلى أسمدة أو إلى ورق أو إلى غير ذلك…

وفي هذا الصدد قضى المشرع السوري بكل وضوح - في الفقرة الأولى من المادة 829 من القانون المدني - بأن: «يصبح المنقول لا مالك له إذا تخلى عنه مالكه بقصد النزول عن ملكيته». ويتضح من هذا النص أن التخلي الذي يفقد المالك ملكيته للمنقول هو الذي يتوافر فيه العنصران التاليان:

- المادي، المتمثل في ترك المنقول، أي خروجه من الحيازة المادية لصاحبه.

- والمعنوي، المتمثل في نية المالك في النزول عن ملكيته للمنقول، وتستخلص هذه النية عادة من الظروف التي يوجد فيها المنقول.

كما ويُلحق المشرع بهذه المنقولات التي أصبحت من غير مالك الحيوانات غير الأليفة إذا أطلق سراحها بعد اعتقالها. فإذا ما اعتقل حيوان ما من هذه الحيوانات، ثم أطلق سراحه، فإنه يعود طليقاً لا مالك له مادام أن مالكه لم يتتبعه على الفور، أو حتى إذا تتبعه لكنه كف عن متابعته. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما يكون قد روض من هذه الحيوانات (أي غير الأليفة)، وألف الرجوع إلى المكان الذي خصصه له مالكه، ولكنه غادره ولم يعد إليه، فإنه يصبح من جديد طليقاً لا مالك له (ف2، م 829 ق م). ففي مثل هذه الحالات يتملك -بطريق الاستيلاء- الشخص الذي يقبض أولاً على أي من هذه الحيوانات غير الأليفة التي عادت طليقة.

ويجب التمييز بين المنقولات التي لم يكن لها مالك أصلاً (الأشياء المباحة)؛ والمنقولات التي أصبحت من غير مالك (الأشياء المتروكة). فالأولى لم يكن لها مالك أصلاً كالطيور في الهواء والأسماك في البحار أو الأنهار… أما الثانية فكان لها مالك لكنه تركها وتخلى عن ملكيتها كمن يريد أن يتخلص من ساعته القديمة مثلاً، فيرميها في سلة المهملات الموجودة في الشارع. لكن الأمر الهام الذي يجمع بين هذين النوعين من المنقولات يكمن في أن كلاً منهما يمكن أن يرد عليه الاستيلاء، ففي الوقت الذي يتم فيه وضع اليد على أي من هذه المنقولات يكون غير مملوك لأحد، إما لأنه لا مالك له أصلاً وإما لأن مالكه كان قد تركه، وبالتالي يتملكه فوراً من يستولي عليه أولاً.





3 - المنقولات الضائعة (اللقطة)

(أ) تعريف المنقولات الضائعة (اللقطة): المنقول الضائع - المعبر عنه أيضاً باللقطة - هو ببساطة شيء فُقد من صاحبه، وعثر عليه شخص آخر، والتقطه.

(ب) تمييز المنقولات الضائعة عن المنقولات المتروكة: تتميز المنقولات الضائعة - المعبر عنها باللقطة - عن المنقولات المتروكة، من حيث أن صاحب المنقول الضائع لا يتخلى عن ملكيته له، وقد فقد حيازته المادية بغير إرادته، لذا فهو يبقى مالكاً له، ولا تسري عليه أحكام الاستيلاء، وإذا ما عثر عليه أحد توجب عليه رده إلى صاحبه عملاً بأحكام اللقطة. في حين أن المنقول المتروك كان صاحبه قد تخلى عنه بإرادته وبنية النزول عن ملكيته له، ولهذا أصبح شيئاً مباحاً لأنه لم يعد مملوكاً لأحد؛ وبالتالي يمكن لمن يحوزه أولاً أن يتملكه بالاستيلاء.

(جـ) معيار التمييز بين المنقولات الضائعة والمنقولات المتروكة: من الناحية العملية، هناك قرائن تُميّز بين الشيء الضائع (اللقطة) والشيء المتروك؛ فالأشياء المرمية في صناديق القمامة – مثلاً - كبقايا الطعام والعلب الفارغة وما شابه… يمكن افتراض أن أصحابها تخلوا عن ملكيتها؛ وبالتالي يمكن لمن يحوزها أولاً أن يتملكها بالاستيلاء. أما الحقائب والأمتعة التي يغفل عنها أصحابها في المحطات، أو في وسائل النقل المختلفة كالقطارات والطائرات وغيرها، فلا يجب أن تُعد أشياء متروكة، ومن ثم لا يحق لمن يستولي عليها تملكها، بل عليه ردها إلى أصحابها باعتبارها أشياء ضائعة؛ لأن ظروف السفر تدل على أن أصحابها نسوها. وكذلك الأمر للأشياء الثمينة كالمجوهرات وغيرها… لا يمكن عدّها - من حيث المبدأ - من الأشياء المتروكة حتى إن وجدت في سلة المهملات أو في غيرها، وإنما تعدّ منقولاً ضائعاً؛ لأن الناس - في الأحوال الطبيعية - لا يرمون قصداً أشياءهم الثمينة في القمامة بنية التخلي عن ملكيتها.

كما يُلحق بالأشياء الضائعة الحيوانات الأليفة التي ضلت طريقها كالدواجن والأغنام والخيول وغيرها… فالحيوانات الأليفة لا يمكن عدّها منقولات مباحة لا مالك لها، ولا يجوز بالتالي تملكها بالاستيلاء؛ لأن لها عادة مالك، ولا تزول ملكيته عنها إلا إذا انتقلت إلى غيره بسبب ناقل للملكية (كالعقد أو الميراث…)، وإذا ضلت هذه الحيوانات فإن صاحبها لا يفقد ملكيتها، وتطبق عليها أحكام الأشياء الضائعة، أما إذا تركها بنية النزول عن ملكيته لها فتصبح عندئذ منقولات لا مالك لها، وبالتالي يمكن لمن يضع يده عليها أولاً تملكها بالاستيلاء.

(د) الأحكام الناظمة للمنقولات الضائعة (اللقطة): لقد أحال المشرع السوري -بموجب المادة 831 من القانون المدني- تنظيم أحكام اللقطة إلى القوانين الخاصة. وكان المرسوم التشريعي رقم 136 الصادر سنة 1940 قد نظم أحكام اللقطة في سورية. ومن ثم جاء بلاغ وزارة المالية رقم 111/ب سنة 1957 ليوضح أحكام اللقطة، ومن هذا وذاك يمكن إجمال قواعد اللقطة بما يلي:

(1) يتوجب على كل من يعثر على لقطة إيداعها لدى بلدية المنطقة التي عثر عليها فيه، أو لدى أقرب سلطة إدارية أخرى إذا عثر على اللقطة خارج منطقة البلدية.

(2) تدون الإدارة -في سجل خاص- البيانات التي تتعلق بـ: تاريخ تسليم اللقطة، الرقم المتسلسل الذي أعطي لها، أوصافها، قيمتها التقريبية، مفصل هوية من وجدها ومكان إقامته، والظروف التي تم بها العثور على اللقطة مستفادة مما يصرح به من وجدها. كما يمنح مكتشف اللقطة إيصالاً يتضمن البيانات المشار إليها.

(3) تعمد الإدارة التي أودعت لديها اللقطة إلى الإعلان عنها من دون أن تبين أوصافها، وتحتفظ بها لديها لمدة سنة من تاريخ إيداعها. ويراعى في ذلك:

l إذا كانت قيمة اللقطة أقل من قيمة الإعلان، فلا يعلن عنها، وإنما تباع فوراً بواسطة لجنة مبايعة.

l إذا كانت اللقطة حيواناً أو شيئاً قابلاً للتلف وكانت قيمتها لا تزيد على مئة ليرة؛ فيصار عندئذ إلى بيعها بواسطة لجنة المبايعة بناءً على أمر من رئيس الدائرة، وذلك بعد انقضاء مهلة ثمانية أيام تبدأ من تاريخ الإيداع. أما إذا كانت قيمتها تزيد على مئة ليرة، فيصار إلى بيعها، وتباع حينئذ عن طريق المزاد العلني بعد انقضاء مهلة ثمانية أيام تبدأ من تاريخ الإيداع. وفي كلا الحالتين تودع قيمة اللقطة في صندوق الخزينة في حساب الأمانات بعد أن تحسم منها جميع النفقات بما فيها نفقات الإعلان.

(4) لمالك اللقطة استردادها، وذلك خلال مدة سنة من تاريخ إيداعها الدائرة المشار إليها أعلاه، فإذا استطاع إثبات حقه فيها؛ تعاد إليه إن كانت محفوظة، أو يعاد إليه ثمنها إن كانت قد بيعت.

(5) إذا استرد المالك اللقطة؛ توجب عليه أن يؤدي رسماً وقدره 15% من قيمتها، يخصص منه 10% إلى المكتشف، و5% إلى البلدية أو الإدارة المعنية عدا نفقات الإعلان. أما إذا لم يسترد المالك اللقطة؛ فإن حقه فيها يسقط نهائياً بعد مرور سنة على تاريخ إيداعها، وتصبح اللقطة ملكاً لمن اكتشفها، ويتوجب دعوة هذا الأخير بكتاب مضمون ليحضر ويتسلمها إن كانت محفوظة، أو يتسلم ثمنها إن كانت قد بيعت، ويدفع حينئذ رسماً قدره 50% من قيمتها مع جميع النفقات، وإذا لم يحضر المكتشف خلال شهر من تاريخ تبليغه؛ تغدو اللقطة ملكاً للإدارة.

(6) يُعدّ كتمان اللقطة جنحة معاقباً عليها بالحبس حتى سنة، وبالغرامة حتى ربع قيمة الردود والعطل والضرر على ألا تقل عن مئة ليرة. أما المطالبة باللقطة من قبل شخص لا حق له بها؛ فتُعد من قبيل الاحتيال المعاقب عليه بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وبالغرامة من خمسين إلى خمسمئة ليرة.

4 - أحكام الكنز :Le trésor

نص المشرع السوري على أحكام الكنز في المادة 830 من القانون المدني، التي تقضي بأن: «الكنز المدفون أو المخبوء الذي لا يستطيع أحد أن يثبت ملكيته له يكون ثلاثة أخماسه لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة، مع مراعاة النصوص الواردة في القوانين والأنظمة الخاصة بالمناجم والآثار».

أ - الشرائط الواجب توافرها لاعتبار الشيء كنزاً: يتبين من نص المادة 830 المبين أعلاه أنه يجب لاعتبار الشيء كنزاً توافر الشرائط التالية:

(1) يجب أن يكون الشيء من المنقولات، أما إذا كان من العقارات (كالمباني والأعمدة وغيرها…) فلا يُعدّ حينئذ كنزاً، ولكن قد يُعدّ من الآثار القديمة إذا كان له قيمة تاريخية، ويخضع بالتالي للأحكام الناظمة للآثار وليس للأحكام الناظمة للكنز. وكذلك الأمر لما قد يوجد في باطن الأرض من معادن وأحجار ونفط… فلا يُعدّ كنزاً؛ لأنه يكون جزءاً من الأرض أو بالأحرى جزءاً من باطن الأرض، وبالتالي تسري عليه الأحكام الخاصة بالمناجم أو المقالع أو غيرها من القوانين الخاصة.

(2) يجب أن يكون المنقول مدفوناً أو مخبوءاً، وإلا عُدّ من قبيل اللقطة، وليس كنزاً، كما لو وجد ملقى على سطح الأرض مثلاً، فيعدّ حينئذ من الأشياء الضائعة؛ وبالتالي تسري عليه الأحكام الناظمة للأشياء الضائعة (اللقطة) التي سبقت الإشارة إليها. وتجدر الإشارة إلى أنه ليس من الضروري أن يكون الكنز مدفوناً أو مخبوءاً في باطن الأرض أو في ركن أو زاوية في أي عقار من العقارات، بل يمكن أن يكون مخبوءاً في منقول آخر، كحالة المجوهرات أو الأحجار الثمينة التي يعثر عليها في الخزن أو في الأدراج أو في غيرها من المنقولات، ولئن كان ظاهر نص المادة 830 - سالف الذكر - يفيد أن الكنز إنما يوجد في العقارات، فإنما قصد بذلك التنويه بالحالات الغالبة.

(3) يجب ألا يكون للمنقول مالك معروف، بمعنى ألا يستطيع أحد أن يثبت ملكيته له، فإذا ما عرف له مالك فلا يعدّ حينئذ كنزاً، بل يكون من قبيل المنقولات الضائعة، وتسري بالتالي عليه أحكامها.

(4) يجب أخيراً ألا يكون للمنقول قيمة أثرية أو تاريخية وإلا عُدّ من الآثار؛ وبالتالي سرت عليه أحكامها.

ب - الطبيعة القانونية للكنز: يتضح مما سبق أنه لا يمكن توصيف الكنز تماماً بأنه منقول لا مالك له؛ لأن المنقول الذي لا مالك له إما أن يكون غير مملوك لأحد منذ البداية، وإما أن يكون قد ملكه شخص، ثم تخلى عن ملكيته. والكنز في حقيقته لا هذا ولا ذاك، فهو قد كان له مالك، ولكن لم يثبت أن هذا المالك قد تخلى عن ملكيته، بل على العكس، إن ظاهر الحال يشير أنه كان حريصاً عليه بدليل أنه خبأه أو دفنه. فالكنز إذاً وإن كان له مالك، لكنّ هذا المالك غير معروف. ولهذا عالج المشرع السوري -كما فعل غيره من المشرعين- موضوع الكنز تحت عنوان الاستيلاء؛ لأن الكنز يقترب من المنقول غير المملوك لأحد، وإن كان له مالكاً إلا أن هذا المالك غير معروف.

جـ - توزيع الكنز: بيّنت المادة 830 - سالفة الذكر- طريقة توزيع الكنز المكتشف، فمنحت ثلاثة أخماسه لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، وخمسه لمكتشفه، والخمس الأخير لخزينة الدولة. وقد منح المشرع النسبة الكبرى من الكنز إلى مالك العقار المكتشف فيه باعتباره أحق الناس به ما دام لم يعرف له مالك. وإذا ما اكتُشف الكنز في عقار مبني؛ عُدّ مالك البناء هو من له الحق بالأخماس الثلاثة للكنز، وكذلك الأمر فيما إذا كان وجد الكنز مخبأ في أحد المنقولات، فيكون صاحب هذا المنقول هو من له الحق بالأخماس الثلاثة للكنز.

د - جزاء كتمان الكنز: يعاقب المشرع السوري من أصاب كنزاً وكتم النصيب العائد لغيره بالحبس حتى سنة وبالغرامة حتى ربع قيمة النصيب المكتوم (ربع قيمة مردود العطل والضرر) على ألا تقل عن مئة ليرة.

ثالثاً: الاستيلاء على العقار

نظم المشرع السوري أحكام الاستيلاء على العقار في المواد من 832 إلى 835 من القانون المدني، والتي يمكن إجمالها بما يلي:

1 - ملكية الدولة للأراضي غير المزروعة غير المملوكة لأحد

قضت الفقرة الأولى من المادة 832 من القانون المدني السوري بأن: «الأراضي غير المزروعة التي لا مالك لها تكون ملكا للدولة». وقد اختلف الفقهاء في تحديد المقصود من الأراضي غير المزروعة التي لا مالك لها الواردة في النص المشار إليه، فيرى البعض أن المقصود بها الصحارى والجبال، في حين يعدّ آخرون أنها الأراضي الرملية والأراضي الصحراوية التي تحيط بسواحل البحار والجبال، إضافة إلى الأراضي البور.

وبموجب هذا النص، يرى الفقه أنه لم يعد يُتصور عقار بلا مالك، فالدولة هي مالكة لكل عقار لا مالك له. ولهذا تمت الإشارة سابقاً إلى أن الاستيلاء لا يمكن أن يتحقق - بمعناه الصحيح الضيق - إلا في المنقولات؛ لأنه لا يرد - في الأصل - إلا على الأشياء التي لا مالك لها، والمنقولات هي وحدها من الأشياء التي يمكن أن تكون من دون مالك. ومع ذلك يمكن أن تمنح الدولة من يستولي على بعض أنواع العقارات حق التصرف، فيتحقق بذلك الاستيلاء بمعناه الواسع، وذلك بالشروط المبينة أدناه.

2 - تملك الأراضي غير المزروعة لا يتم إلا بترخيص من الدولة

بموجب الفقرة الثانية من المادة 832 من القانون المدني السوري، لا يجوز تملك الأراضي غير المزروعة أو وضع اليد عليها إلا بترخيص من الدولة يمنح وفقاً للقوانين النافذة. أما الاستيلاء على هذه الأراضي بدون ترخيص من الدولة؛ فلا يكسب ملكيتها إلى الشخص المستولي.

3 - الأراضي الخالية (الموات) يمكن تملكها بالاستيلاء

إن الأراضي التي يمكن تملكها أو وضع اليد عليها بترخيص من الدولة هي الأراضي الخالية المباحة أو الأراضي الموات، وقد عرّفها المشرع السوري في الفقرة 6 من المادة 86 من القانون المدني بأنها: «هي الأراضي الأميرية التي تخص الدولة، إلا أنها غير معيّنة ولا محددة، فيجوز لمن يشغلها أولاً أن يحصل -بترخيص من الدولة- على حق أفضلية ضمن الشروط المعيّنة في أنظمة أملاك الدولة».

وتجدر الإشارة إلى أن وضع اليد من دون ترخيص من الدولة على الأراضي الموات يعدّ جريمة معاقباً عليها في قوانين أملاك الدولة.

4 - للشاغل الأول حق الأفضلية في اكتساب حق التصرف

إضافة إلى الأحكام التي جاءت بها - بهذا الصدد - كل من الفقرة 6 من المادة 86 والفقرة2 من المادة 832 من القانون المدني السوري المشار إليهما أعلاه؛ قضى المشرع في المادة 833 من القانون نفسه بأن: «الاستيلاء على عقار يخول أول من أشغله بترخيص قانوني من الدولة حق تفضيله على من سواه لاكتساب حق التصرف في العقارات المحلولة الخالية». وهذه الأخيرة عرّفها المشرع في قانون أملاك الدولة (ف6/م2) بأنها العقارات التي تحقق قانوناً محلوليتها، والناشئة عن تركات لا وارث لها، أو لها وارث لكن لا تنطبق عليه قوانين التملك النافذة في سورية، إضافة إلى العقارات التي تنشأ عن إهمال استعمال الأراضي الأميرية مدة خمس سنوات.

5 - المدة القانونية للإشغال

أوجب المشرع على صاحب حق الأفضلية أن يثبت بعد انقضاء ثلاث سنوات أنه أحيا أرضاًَ، أو بنى عليها أبنية، أو غرس فيها أغراساً، أو رتبها بالشكل المحدد في الأنظمة الخاصة بأملاك الدولة؛ لكي يستطيع أن يكتسب مجاناً حق تسجيل التصرف على القسم من الأرض الذي أحياه، أو غرسه، أو أنشأ عليه أبنية، أو رتبه (ف 1، م 834 ق م). ومن هذا يتضح أن الاستيلاء المكسب لحق التصرف في مثل هذه الأراضي يقوم على عنصرين اثنين: الترخيص والإحياء، وهو بذلك أشبه ما يكون بالهبة المقرونة بشرط، فالترخيص يتضمن في حقيقته هبة حق التصرف على الأراضي الموات إلى من يرغب في إحيائها، بشرط أن يقوم بذلك خلال فترة ثلاث سنوات التالية لصدور الترخيص.

6 - سقوط حق التصرف

إذا تخلف أو توقف واضع اليد عن القيام بالأعمال التي ذكرها المشرع المشار إليها أعلاه خلال المدة التي اشترطها لاكتساب حق التصرف (3 سنوات)؛ تستطيع الدولة حينئذ أن تنزع يده عن الأرض، ولها أن تمنح رخصة بإشغالها إلى غيره. وحتى حق التصرف المكتسب بالاستيلاء - وفق ما ذكرناه أعلاه - يبقى مهدداً بالسقوط طوال عشر سنوات التالية لتسجيله؛ إذا ما أهمل واضع اليد استثمار الأرض مدة ثلاث سنوات متعاقبة (ف 2، م 834 ق م).

7 - عدم خضوع الأراضي المسجلة في السجل العقاري لأحكام الاستيلاء

يقضي المبدأ القانوني بأنه لا يمكن - بأي حال من الأحوال - أن يؤدي الاستيلاء على الأراضي المسجلة في السجل العقاري، أو على العقارات المتروكة المحمية، أو المتروكة المرفقة؛ إلى اكتساب أي حق من الحقوق العينية على أي منها مهما امتد زمنه (م 835 ق م). 

وهكذا يتضح مما سبق حرص المشرع على تشجيع إحياء أراضي الموات، وتحويل الأراضي غير المزروعة إلى أراض خصبة مزروعة.

مراجع للاستزادة:

- شاكر ناصر حيدر، شرح القانون المدني الجديد -الحقوق العينية الأصلية- الجزء الأول «في حق الملكية» (مطبعة المعارف، بغداد 1959).

- شفيق طعمة، التقنين المدني السوري، الجزء 7 (الطبعة الأولى، إستانبولي 1986).

- عبد الجواد السرميني وعبد السلام الترمانيني، القانون المدني -الحقوق العينية- الجزء الأول «في الحقوق العينية الأصلية» (منشورات جامعة حلب، 1986).

- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء 9 «أسباب كسب الملكية» (دار إحياء التراث العربي، بيروت 1986).

- عبد المنعم فرج الصده، الحقوق العينية الأصلية «دراسة في القانون اللبناني والقانون المصري» (دار النهضة العربية، بيروت 1982).

- محمد وحيد الدين سوار، شرح القانون المدني -الحقوق العينية الأصلية- (الطبعة السابعة، منشورات جامعة دمشق، 1996-1997)
المصدر: http://arab-ency.com