11.19.2017

إحياء الموات

إحياء الموات







احياء موات

revitalizing disused land - revitalisation des friches

 إحياء الموات

إحياء الموات

محمد الزحيلي





الإحياء لغة: جعل الشيء حياً، والموات في اللغة: الأرض التي لم تحيى بعد، أو هي الأرض التي خلت من العمارة والسكان، أو هي الأرض التي ليس لها مالك ولا ينتفع بها أحد، وسميت مواتاً لأنها خلت من السكان والعمارة تسمية بالمصدر، وإحياء الموات: ببث الحياة في الأرض بالإحاطة أو الزرع أو العمارة؛ تشبيها بإحياء الميت وبث الروح فيه.

وإحياء الموات في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي مع تشبيه الأرض بالإنسان الذي يتكون من جسد وروح، والأرض تتشكل من مادة، وتأتي الحياة عند الاستفادة منها بالزراعة أو بالعمارة والبناء، واختلف الفقهاء في تعريفها بحسب اختلافهم في الشروط، فعرفها الحنفية بأنها «التسبب للحياة النامية ببناء أو غرس أو كرث (حراثة) أو سقي»، وعرفها ابن عرفة المالكي بأنها «لقب لتعمير أمر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها»، وقال الشيخ عليش المالكي: «الموات ما لم يعمر من الأرض، والحياة ما عمرت، والإحياء التعمير»، وعرفها البيضاوي الشافعي بأنها «عمارة أرض لا مالك لها»، وعرف النووي الشافعي الموات بأنها «الأرض التي لم تعمر قط»، وقال الحنابلة: «الأحياء تملك الأرض بالحيازة أو التعمير بالعمارة العرفية لما يريده المالك».

ويظهر من هذه التعريفات أن إحياء الموات: هو بث الحياة في الأرض التي تكون بحكم الميت، والانتفاع بها، وإصلاحها بالبناء، أو الغرس، أو الحرث، أو السقي، والاستفادة منها بكل الوسائل التي تعود بالنفع على الإنسان والمجتمع والدولة والأمة.

وثبتت مشروعية إحياء الموات بالسنة والإجماع والمعقول، ففي السنة قال رسول الله[: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، وفي رواية: «من أحاط حائطا على أرض فهي له» رواه أحمد 2/202، والترمذي ص 242، وأبو داود 2/658، ورواه البخاري معلقاً 2/823 رقم 2210، وهو حديث صحيح (نيل الأوطار 5/240، نصب الراية 4/289)، وقال رسول الله[: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن (نيل الأوطار 5/241، نصب الراية 4/288، المنتقى 6/26)، وقال رسول الله[: «من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» رواه البخاري وأبو داود ومالك وأحمد، وهو صحيح (نيل الأوطار 5/240، نصب الراية 4/288، التلخيص الجيد 2/61)، وقال رسول الله[: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو له» رواه أبو داود (نيل الأوطار 5/240).

وأجمع الصحابة على مشروعية الإحياء، وطبقوه عمليا، وقضى به الخلفاء الراشدون، وسار عليه المسلمون، ولم يخالف في ذلك أحد.

ويزيد ذلك المعقول؛ لأن الأرض لله يورثها من يشاء، ويسخرها لمن ينتفع بها، ويستفيد منها، والناس بحاجة إلى تعمير الأرض لأنها كنز الخيرات والموارد للزراعة والغرس والبناء، لتزداد الثروة ويتوفر الرخاء والسعة والاكتفاء، وهو ما تدعو إليه الشريعة؛ ليكون الإحياء تسبباً للخصب والزيادة في أقوات الناس، وتوفير المعاش لهم.

واختلف الفقهاء في توقف الإحياء على إذن الإمام لثبوت الملك على ثلاثة أقوال، فاشترط أبو حنيفة و هو المعتمد عند الحنفية إذن الإمام، سواء كانت الأرض الموات قريبة من العمران أم بعيدة عنه، ويقوم الوالي أو القاضي أو الجهة الإدارية مكان الإمام و الإذن، لقوله r: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» رواه الطبراني، وفيه ضعف (نصب الراية 4/290) وبقياس الإحياء على الغنيمة التي يختص الإمام بتوزيعها، وتصرف النبي[ كان بطريق الإمامة والرئاسة، واشترط الصاحبان الإذن للذمي فقط في ديار الإسلام، وقال ابن عابدين: إن ترك المحيي المسلم الإذن تهاوناً بالإمام واستخفافاً فله أن يشتري الأرض منه زجراً حتى يأذن له باتفاق الإمام وصاحبيه.

وقال الشافعية والحنابلة والإمامية والصاحبان من الحنفية لا يشترط إذن الإمام لثبوت الملك في الإحياء؛ لإطلاق الأحاديث السابقة، وهي إذن من رسول الله r، فيكفي في الإحياء، ويملك المحيي الأرض من دون إذن الإمام، لكن يستحب الإذن خروجاً من الخلاف.

وفصّل المالكية، فقالوا: يشترط الإذن في الأرض القريبة من العمران، ولا يشترط في الأرض البعيدة في الراجح، وفي قول يشترط كالقريبة وفاقا للحنفية، والأساس في هذا القول هو حاجة عامة الناس إلى الأرض وعدم حاجتهم، أو توقع الضرر لأهل البلد مما يحتاج إلى إذن الإمام وتقديره.

وأخذت التشريعات والأنظمة المعاصرة برأي الإمام أبي حنيفة باشتراط إذن الإمام؛ لأنه المشرف العام على أموال المسلمين، ولمنع النزاع بين الأفراد أو التنافس أو المشاحنة عند الإحياء، وهذا يتفق مع توسع سلطات الدولة، ووضع جميع الأراضي غير المملوكة للأفراد تحت تصرفها، وعدّ الأرض الموات ملكا للدولة، وأطلقت عليها اسم الأراضي الأميرية أو أملاك الدولة، ( المادتان 86/ 5 ، 832 القانون المدني السوري).

والأرض القابلة للإحياء هي الأرض التي لا مالك لها، ولا يوجد فيها اختصاص لفرد أو جماعة، وليس فيها أثر عمارة سابقة، أو انتفاع سابق، وهذا باتفاق الفقهاء.

واتفق الفقهاء على أن الأرض المملوكة - بأي سبب من أسباب الملك المشروعة - لا يجوز إحياؤها، وكذلك لا يجوز إحياء الأرض التابعة لأرض مملوكة، وإنما ينحصر حق الانتفاع في هاتين الحالتين بالمالك، أو بالمختص بالانتفاع.

واختلف الفقهاء في الأرض الدارسة التي ملكها شخص بالإحياء، ثم تركها حتى دَرَست، وعادت مواتاً، فقال الشافعية والحنابلة وسحنون من المالكية، ومحمد من الحنفية: «لا يجوز إحياء الأرض الدارسة؛ لأن الملك الثابت بالإحياء الأول لا يزول بالترك، ولأن الأحاديث السابقة قيدت الإحياء بالأرض الميتة غير المملوكة، ولأن المحيي السابق الذي ترك الأرض أولى بها، وقال أصحاب هذا القول: إن عرف المالك الأول فهي له ولورثته، وإن لم يعرف فهي لقطة ترجع إلى بيت المال».

وقال المالكية في الراجح والإمامية: إن الأرض التي اندرست تملك بالإحياء؛ لأنها تعدّ ميتة، وعادت بعد الإحياء مواتاً، ومباحة، فيجوز إحياؤها لعموم حديث «من أحيا أرضاً ميتة فهي له».

وقال الإمام أبو يوسف - وهو الراجح عند الحنفية  -: إن الأرض المملوكة بسبب الإحياء أو بسبب آخر، إذا تركت، ولم يعرف لها مالك بعينه، وكانت بعيدة عن القرية والعمران؛ تعدّ أرضاً ميتة ويجوز إحياؤها من جديد، وتملك بسبب الإحياء السابق.

وكذلك اختلف الفقهاء في الأرض التي يوجد فيها آثار ملك قديم من الجاهلية، فكانت معمورة سابقاً، ثم خربت كآثار الروم ومساكن ثمود، فقال الأئمة الأربعة تملك بالإحياء لزوال الملك السابق، وعدم حرمة ملك الجاهلية، لكن استثنى الحنابلة في قول مساكن ثمود فإنها لا تُحيا لتبقى للعظة والاعتبار والبكاء، وقال الشافعية في قول ثانٍ: إن جميع الأرض الجاهلية لا تملك بالإحياء لثبوت الملك القديم عليها، والملك لا يزول بالتقادم ولأنها لا تعدّ مواتاً.

ولذلك اختلف الفقهاء في الأرض المملوكة لمجهول سواء كان مسلماً أم ذمياً، فقال الشافعية والحنابلة في الصحيح ومحمد بن الحسن: لا تملك بالإحياء، وعدّها الشافعية مالاً ضائعاً، وأمرها إلى الإمام بحفظها حتى يظهر المالك، أو ببيعها وحفظ ثمنها، أو استقراضها على بيت المال، وقال الحنابلة: تعدّ ميتة، وتوزع في المصالح العامة، وقال محمد بن الحسن: لا تكون مواتاً، وإنها لجماعة المسلمين، فإن ظهر مالكها ترد إليه، ويضمن الزارع النقصان.

وقال أكثر الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد والإمامية: تملك الأرض المملوكة لمجهول بالإحياء؛ لأنها أصبحت أرضاً مواتاً لتركها وعدم الانتفاع بها، ولا حق فيها لأحد بعينه، لكن الإمامية قالوا: إنها من الأنفال التي تختص بها الدولة، ويسمح فقط للفرد الإحياء للانتفاع من الأرض ومنع الآخرين من مزاحمته، ولكن لا يملكها.

وفي العصر الحاضر، والتنظيم الحديث للدولة التي قامت بتنظيم الأراضي وتقسيمها إلى قسمين: الأراضي المملوكة للأفراد، والأراضي المملوكة للدولة أو الخاضعة للأملاك العامة للدولة، فعدّت معظم الدول كل أرض غير مملوكة للأفراد فهي ملك للدولة، وتسمى الأراضي الأميرية؛ نسبة إلى الأمير الممثل للدولة، وتعددت الأسماء لها والتقسيمات، وتسمح الدولة بترخيص منها للإحياء، أو حق التصرف، أو حق الأفضلية، أو التملك للأفراد بعوض أو مجاناً.

وكيفية الإحياء بغرض الاستفادة من الأرض والانتفاع بها وبث الحياة فيها قد يكون بالزراعة أو بالغراس أو بالبناء والعمارة للسكن أو لحظائر الحيوان أو لإقامة معمل، ويختلف ذلك بحسب العرف، وتطور الزمان، واختلاف البلدان، ويتم الإحياء بالحرث أو السقي، أو بالأعمال التمهيدية لكل ذلك، كإقامة السد أو حبس ماء السيول أو إقامة جسر على النهر، أو شق قناة أو ترعة ليصل الماء إلى الأرض، أو بإلقاء البذور للزراعة، أو بناء السور، أو التحويط بالأحجار، وهذا عند الحنفية.

وقال المالكية: يتم الإحياء بأحد سبعة أمور، وهي تفجير الماء، فيملك الشخص البئر أو العين والأرض التي يسقيها بهذا الماء أو يزرع عليها، وكذا إزالة الماء من الأرض المغمورة به، وإقامة البناء على الأرض، وغرس الشجر عليها، وحرث الأرض وتعديلها وإزالة الأحجار منها، أما التحويط والتحجير فلا يكون إحياء.




وقال الشافعية: إن الإحياء يختلف بحسب الغرض المقصود منه، ويرجع إلى العرف كالبناء للسكن، والزريبة للدواب، والمستودع للحبوب والغلات وجمع الحطب أو العشب، أو المستودع للبضائع والأخشاب مثلاً، فيشترط التحويط بالبناء بحسب العادة، ولا يشترط السقف أحياناً، ولا يكفي إقامة أحجار أو نصب سعف، وفي نصب الباب قولان، والراجح إقامته كالبناء للسكن، وإن كان الهدف للزراعة، فالإحياء بجمع التراب لتمييز الأرض، وحراثتها وسقيها وحفر البئر أو الساقية إن لم تكن معتمدة على المطر، وإن كان الإحياء للغرس فيجب تهيئة الأرض وإحاطتها وتوفير المياه وغرس الشجر.

وعند الحنابلة روايتان، الأولى: أن يكون الإحياء حسبما تعارفه الناس كقول الشافعية، فيراعي القصد في الإحياء، والرواية الثانية - وهي الأرجح -: أن الإحياء يتم بالتحويط، وهو إقامة الجدار حولها، سواء أرادها للبناء أم الزرع أم الحظيرة للغنم أم الخشب؛ بحيث يمنع الحائط ما وراءه.

أما الإحياء بمجرد التحجير: وهو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه، فقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: لا يعدّ ذلك إحياء، لكن المتحجر أولى بها من غيره ديانة، وينتقل هذا الحق إلى وارثه عند الجمهور، ويبقى هذا الحق ثلاث سنوات عند الحنفية أو بحسب العرف عند الشافعية والحنابلة، وأنه لا حق للمتحجر بالأرض، وإنما يؤذن ويخير بين الإحياء  والترك، حتى لا يضيق على غيره، فإن أبدى عذراً، فيمهله شهرين أو ثلاثة حسبما يراه، ومع ذلك فإن أحياها آخر في مدة الإمهال ملكها عند الشافعية وقول عند الحنابلة.

وقال المالكية: إن حفر بئرا للماشية فلا يكون إحياء إلا أن يقصد الملكية، ويبينها حين الحفر، فيكون عمله إحياء.

ويتم الإحياء اليوم حسب الضوابط السابقة؛ لأنها مرنة ومتوافقة واختلاف العصر، وتعتمد على العرف والعادة مع مراعاة الأنظمة والقوانين المرعية في كل بلد، وتقسيم الأراضي وتخصيصها للبناء عامة، أو للسكن، أو للصناعة أو للزراعة، مع تحديد نوع الأراضي بالحجر أو الإسمنت أو الخشب أو الحديد بما يتفق والمصالح العامة ومقتضى السياسة الشرعية في التصرف على الرعية، مع مراعاة حماية الغابات مثلاً، أو منع قطع الأشجار.

ويشترط في إحياء الموات عدة شروط بالمحيي والأرض وثبوت الملك، وهي:

أولاً- شروط المحيي الذي يقوم بالإحياء ويمارسه: اكتفى جمهور الفقهاء أن تتوفر فيه أهلية التملك، فيصلح الإحياء من كل شخص يملك المال؛ لأن الإحياء فعل يملك به الأرض كالاصطياد، ويصلح من المسلم والذمي، والكبير والصغير، والقاتل والمجنون، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، ولا فرق بين المسلم والذمي لعموم الأحاديث السابقة؛ ولأن الإحياء سبب الملك، فيستوي فيه المسلم والذمي كسائر أسباب الملك، ولأن الذمي من أهل دار الإسلام، وتجري عليه أحكامها، ويمتلك بالإحياء كما يمتلك بالعقد والصيد.

ومنع بعض المالكية إحياء الذمي في جزيرة العرب، وهي مكة والمدينة والحجاز والنجود واليمن؛ لأنه لا يحق له الاستقرار فيها.

وقال المالكية في المشهور عندهم: لا يجوز للذمي الإحياء فيما قرب من العمارة ولو بإذن الإمام، وخالف الباجي في ذلك.

واشترط الشافعية وجماعة من الحنابلة وبعض المالكية الإسلام في المحيي عند الإحياء في بلاد المسلمين؛ لأن موات الدار من حقوق الدار، والدار للمسلمين، كمرافق المملوك، ولو أحيا الذمي أرضاً فلا يملكها، وتؤخذ منه.

واتفق الفقهاء على منع المستأمن والحربي من إحياء الموات في بلاد الإسلام؛ لأنهما ليسا من رعايا الدولة الإسلامية، بل هم رعايا الدولة المحاربة.

ويشترط في المحيي أيضاً القصد في الإحياء؛ لأنه تصرف شرعي تترتب عليه أحكام، فلا بد من توفر القصد له، لثبوت الملك وغيره، وإن وكل شخص آخر ليقوم بأعمال الإحياء مكانه، فيقع الإحياء للموكل، وتثبت الآثار إليه.

ثانياً- شروط الأرض: يشترط في الأرض التي تكون محلاً للإحياء ألا تكون مملوكة لمسلم أو لذمي، وكذا المملوكة لعامة المسلمين كالطريق والنهر والأملاك الموقوفة والمحمية لمصالح الأمة.

وقال الشافعية في الأصح والحنابلة: لا يجوز الإحياء في أرض عرفة ولا مزدلفة ولا منى لتعلق حق الحجاج فيها، ولأن الإحياء فيها يلحق التضييق في مناسك الحج.

ويلحق بهذا الشرط ألا تكون الأرض حريماً لأرض مملوكة، وتسمى مرافق الأرض، وهي التي تمس الحاجة إليها لتمام الانتفاع، لأن مالك الأرض يملك حريمها.

ويشترط في الأرض ألا تكون مستعملة ارتفاقاً لأهل البلد، سواء داخل البلد أم خارجه، وسواء كانت قريبة من العمران أم بعيدة، كمكان الاحتطاب، ومكان الرعي، والنادي الذي يجتمع به أهل البلد، والملعب لأولادهم، والمرتكض للخيل، ومكان حصاد الزرع، وإلقاء الفضلات، ومطرح الرماد والسواد، ومناخ الإبل، ومرعى البهائم، وحريم البئر العام أو النهر أو الشوارع أو الطرقات.

وقال الحنفية في المختار عندهم، وسحنون من المالكية، وإمام الحرمين من الشافعية، ورواية عند الحنابلة يشترط أن تكون الأرض بعيدة عن العمران، بحيث لا يسمع صوت من أقصاه؛ لأن الأرض القريبة من العمران، أو داخل المدن والقرى يفترض فيها وجود الاختصاص للمنافع العامة، ولا ينقطع ارتفاق الناس بها، فلا يجوز إحياؤها، وتكون بمنزلة الطريق والنهر، وقال الإمام محمد والآخرون: العبرة بوجود الارتفاق وعدمه سواء كانت الأرض قريبة أم بعيدة.

واشترط الشافعية أن تكون الأرض الموات في بلاد الإسلام، فإن كانت الأرض الموات في بلاد الكفر فلا يملك المسلم والذمي إحياءها إلا إذا أذن أهلها بذلك، ولم يمنعوه من الإحياء، وقال الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة لا يشترط ذلك، وإن موات أهل الحرب يملكه المسلم بالإحياء، ولا فرق بين دار الإسلام ودار الحرب لعموم الأخبار؛ ولأنها أرض مباحة.

وأخذت القوانين المعاصرة بالشروط السابقة المتفق عليها بين الفقهاء؛ وأخذت برأي الشافعية في إطار القانون الدولي الخاص ومبدأ المعاملة بالمثل.

ولكن هناك فرق شاسع بين إحياء الأرض الموات وإصلاحها، وبين قوانين الإصلاح الزراعي القائم على مبدأ الاشتراكية وما نجم عنه من مفاسد وأضرار، ويقوم على إلغاء الملكية الضرورية، أو تقييدها، وتحويل الأرض الزراعية كاملة إلى ملكية الدولة وتأميمها.

ثالثاً- شروط ثبوت الملك بالإحياء:

وهي شروط مختلف فيها، وقال بها بعض الفقهاء، منها شرط الإذن من الحاكم لثبوت الملك بالإحياء، وسبق بيانه، ومنها شرط تحديد مدة التحجير، فهو لا يعدّ إحياء باتفاق كما سبق، ولكن يثبت للمتحجر الحق بالإحياء، ويقدم ديانة على غيره عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لكن اشترط الحنفية مدة ثلاث سنوات فقط، فإن لم يتم المتحجر بالإحياء سقط حقه قضاء وديانة، ويجوز للإمام أن يأخذها منه، ويدفعها إلى غيره؛ لأن التحجير شروع في الإحياء والتعمير الذي يحقق النفع لصاحبه وللمسلمين عامة، فإن لم يتم الإحياء بقيت الأرض معطلة، وقال الشافعية والحنابلة يترك تحديد المدة إلى العرف والعادة، وإلى ما يقرره الإمام، وذلك لحرص الشرع والفقهاء على إحياء الأرض، والترغيب بالإسراع فيها، والحث على المبادرة، ومنع التعسف فيها في هذا الحق، وعدم تعطيل الأرض بالتحجير فقط، وهذا ما قرره القانون المدني السوري، المادة 824 ف 2.

أما أحكام الإحياء - وهي الآثار التي تترتب على الإحياء الصحيح الذي توفرت فيه الشروط السابقة- فهي:

أولاً- تملك الأرض المحياة:

إن إحياء الأرض يمنح المحيي الملكية الكاملة للأرض ليستعملها بنفسه، أو يستغلها ويستفيد منها عن طريق غيره كالإيجار، ويمنحه حق التصرف بها بالبيع والهبة والعارية والوصية، وتنتقل إلى ورثته بعد وفاته، شأنها في ذلك شأن المملوك، وتسمى الملكية الكاملة للرقبة والمنتفعة، وهذا قول الجماهير في المذاهب الأربعة، واستدلوا بعموم الأحاديث السابقة التي ترتب الملك للمحيي بإطلاق دون تقييده بوصف.

وقال بعض علماء الحنفية كالبلخي وكثير من الإمامية، ورجحه محمد الباقر الصدر: إن الإحياء يفيد ملك المنفعة فقط، وتبقى ملكية الرقبة للدولة، ويثبت للمحيي حق الاستعمال الشخصي، والاستغلال عن طريق آخر، ولا يملك المحيي حق التصرف بالبيع وغيره، ولا تنتقل إلى ورثته بالإرث، بل بإحياء جديد منهم؛ لأن حق المحيي ملك ناقص، ولا يثبت له ملك الرقبة، وقاس البلخي الإحياء على الجلوس في موضع مباح كالسجاد والطريق، فيحق له الانتفاع من المكان في أثناء جلوسه فقط، فإن قام عنه، وأعرض عن الانتفاع به سقط حقه، وعاد المكان إلى الإباحة؛ لأن الجالس لم يملك سوى المنافع، والراجح هو القول الأول، لكن أخذ القانون المدني السوري بالقول الثاني فلم يثبت حق الملكية في الإحياء، وإنما أثبت حق الانتفاع والاستغلال في العقارات الأميرية، وتبقى رتبتها للدولة (المادة 86/2)، وأعطى حق للأفضلية لمن يشغل العقارات الخالية المباحة أو أراضي الموات (المادة 86/6)، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 772 مدني سوري).

وبناء على رأي البلخي والإمامية إذا ترك المحيي الانتفاع بالأرض زال ملكه عنها بمجرد الترك ولو كانت عامرة، وإن الانتفاع مرتبط بالإحياء، فإن ترك سقط حقه، وبناء على هذا الرأي يجوز للإمام أن يترك الأرض من المحيي لإعطائها لغيره إذا وجد مصلحة لذلك.

ويتفرع من ملكية الأرض بالإحياء عند الجمهور أمر آخر، وهو هل الملكية دائمة أو متعلقة بالإحياء؟ أي هل تعود الأرض المحياة بعد ترك إحيائها مواتاً؟ وهل يجوز إحياء الأرض المحياة إذا اندرست؟ وسبق ذلك في الشروط، وإن الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وسُحنون من المالكية يذهبون إلى دوام الملكية ولو ترك المحيي الإحياء، وأن الأرض لا تعود مواتاً، ولا يجوز لغير المحيي الأول إحياؤها لأن الملك للدوام، ولا يخرج عن صاحبه إلا بسبب مشروع قياساً على سائر أسباب الملك، وقال المالكية في المشهور عندهم والإمامية إن ملكية الأرض المحياة مرتبطة بالإحياء والبناء والعمل والزراعة، فإن ترك المحيي ذلك، واندرست الآثار فيها، وطال الزمن على ذلك؛ عادت الأرض مواتاً، ويملكها الآخر بالإحياء الجديد، واستدلوا أن الملك بالإحياء يتعلق بمشتق وهو الإحياء، فيرتبط به، وهو علة الملكية، فإن زالت العلة عاد المعلول، وانتفى الحكم لانتهاء علته، ويذكر الإمامية أن ملكية الرقبة لاتزال في الأصل للدولة كما سبق، وأيد الشيخ محمد أبو زهرة هذا الرأي، وأخذ به القانون المدني السوري (المادة 775) والقانون المدني المصري (المادة 874).

ثانياً- وظيفة الأرض المحياة:

والمراد بذلك ما يجب على الأرض المحياة للدولة من العشر أو الخراج؛ ليعم نفع الإحياء للمحيي شخصياً، وللأمة والمجتمع، والمقصود بالعشر هو الصدقة والزكاة المقررة شرعاً، ويدفعها المسلم على إنتاج أرضه، والخراج هو الإتاوة أو الضريبة التي تؤخذ من أموال الناس، وهنا الخراج الذي قرره الشرع على الأرض بدل الأجرة.

واتفق الفقهاء على ثبوت الخراج ووجوبه إذا كان المحيي ذمياً، واختلفوا في وظيفة الأرض المحياة من المسلم، فقال المالكية والإمامية: يجب فيها الخراج على المسلم مطلقاً، سواء كانت الأرض في أصلها فتحت عنوة أم صلحاً، أم فتحت بالدعوة وقبول الناس للإسلام طوعاً، وقال أبو يوسف من الحنفية: ينظر إلى أصل الأرض، فإن كانت من الأراضي العشر فيجب فيها العشر، وإن كانت من الأراضي الخراج فيجب فيها الخراج، وإن احتفر المحيي بالأرض بئراً أو شق قناة ففيها العشر.

وقال الحنفية في الراجح والشافعية والحنابلة: يجب العشر على المسلم في الأرض المحياة مطلقاً، ولا يفرض عليها الخراج سواء سقيت بماء السماء أم بماء الخراج، واحتجوا بأن الصحابة أجمعوا على أن ما أحيي من موات البصرة أرض عشر، واستثنى الإمام محمد من الحنفية إذا أسقيت الأرض بماء الخراج فيجب عليها الخراج؛ لأنه يكون إبقاء الخراج على اعتبار الماء.

ثالثاً- المعادن في الأرض المحياة:

يتفرع من اختصاص الأرض للمحيي عند إحيائها معرفة حكم المعادن التي يجدها المحيي في الأرض عند إصلاحها واستثمارها والعمل بها.

والمعادن والفلزات: هي ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخلقة، ولا تخرج إلا بعمل ومؤنة، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، خلافا للركاز أو للكنز، وهو المال المدفون في الأرض بفعل صاحبه. فهي ملك لمن استخرجها عند الحنفية والشافعية لأنها مستخرجة من موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة فيملك بالإحياء كالأرض. وعند المالكية: المعادن الباطنة كالظاهرة آمرها إلى الإمام يختار ما يحقق المصلحة.

وأما المعادن الظاهرة، وهي التي يتوصل إليها بعمل يسير كحفر مقدار الإصبع لأنبوب ونحو ذلك، كالكبريت والقار والكحل والياقوت وأشباه ذلك فلا تملك عند الحنفية والحنابلة بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد، ولا يجوز احتجازها دون المسلمين لأن في ذلك إضراراً بهم وتضييقاً عليهم، وعند الشافعية يملكها المحيي بشرط عدم علمه بوجودها قبل الإحياء، فأما إذا علمها فلا يملكها.

وعند المالكية: يترك أمرها للإمام يعطيها من شاء من المسلمين القادرين على إحيائها؛ لينتفع لها العامة.

لكن الأنظمة المعاصرة خصصت المعادن بالدولة، وإن ملكيتها واستغلالها يختص بالدولة، وهذا يتفق مع قول بعض الفقهاء أن المحيي لا يملك رقبة الأرض، وإنما يملك الانتفاع المقصود فيها فقط، وتبقى الملكية للدولة، وبالتالي تكون المعادن لها.

أما حريم الأرض المحياة، وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع به، أو هو ما يحتاج إليه لمصلحة العامر والبناء، كحريم الدار، ومرافق القرية، وحريم البئر، وسبيل الماء للبيت، وسمي حريماً لحرمة التصرف فيه؛ ففيه تفصيل.

فإذا أحيا إنسان أرضاً ببناء أو زراعة أو غيرها فإنه يملك الأرض بالإحياء، كما سبق، ويختص به حريم الأرض الذي يتوقف الانتفاع بها على بقائه، ويضاف الحريم إلى ملكية المحيي.

قال الجمهور: يملك المحيي الأرض وما يحتاج إليه من المرافق كفناء الدار، وهي الساحة أمامها، وسيل الماء، وحريم البئر، وللمحيي أن يمنع غيره من إحياء الحريم السابقة، كما أنه لا يحق لشخص آخر أن يحيي مرافق الأملاك العامة، ولا حريم الأرض المملوكة بالإحياء، واستدلوا على ذلك بقوله r: «من حفر بئرا فله مما حوله أربعون ذراعاً، عَطَناً لماشيته» رواه ابن ماجه 8372، وأحمد 2/494، وفي حديث آخر قال رسول الله r: «حريم البئر مد رشائها» رواه ابن ماجه 2/831، مع أحاديث أخرى (نصب الراية 4/291)، ويقاس عليها اليوم موقف السيارات للمسجد، وحريم الملاعب للرياضة وغيرها.

لكن قال ابن أبي يعلى في قول عند الحنابلة: إن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالإحياء، لكن هو أحق بها من غيره لأن الإحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد، لكن نص أكثر الحنابلة على ملك الأرض المحياة وملك الحريم معها.

ويختلف مقدار الحريم بحسب محل الإحياء كالبئر أو العين أو النهر، أو الشجر، أو القناة، أو البناء للسكن، أو الحظيرة للدواب، أو الكراج للسيارات، والمرجع فيه: ما يحتاجه المالك لتمام الانتفاع، ولإصلاح المملوك، وهذا يختلف في الأشياء كل بحسبه، كما يختلف بحسب الزمان والبلاد وطريقة الانتفاع.

وإذا أحيا جماعة بلداً اختصوا به، وملكوه، واختصوا بحريمه كمكان الاحتطاب، والمرعى للأغنام، والملعب للأولاد، والساحة للاجتماع، بحسب العادة، ويمنعون غيرهم منه، ولا يجوز لغيرهم إحياءه، كما لا يختص بعضهم به دون بعض لأنه مباح للجميع، ويشترك بينهم.

مراجع للاستزادة:

- علاء الدين الكاشاني، بدائع الصنائع (مطبعة الجمالية، القاهرة 1910م).

- كمال الدين بن الهمام، فتح القدير (المكتبة التجارية، مصر  1356هـ)ـ.

- محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، بداية المجتهد (دار ابن حزم، بيروت 1416هـ/1995م).

- محمد الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (عيسى الحلبي، القاهرة، د.ت).

- يحيى بن شرف النووي، الروضة (المكتب الإسلامي، دمشق 1966م).

- إبراهيم بن إسحاق الشيرازي، المهذب (دار القلم، دمشق 1417هـ/1996م).

-  محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج (مصطفى الحلبي، القاهرة 1377هـ/1958م).

- عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المغني (دار المنار، مصر 1367هـ).

- منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع (مطبعة الحكومة، مكة المكرمة 1394هـ).

- محمد الباقر الصدر،  اقتصادنا (دار الفكر، ط2، بيروت 1387هـ/1968م).
المصدر: http://arab-ency.com