إنهاء عقد الشغل من خلال توصيل تصفية كل حساب في إطار مدونة الشغل

إنهاء عقد الشغل من خلال توصيل تصفية كل حساب في إطار مدونة الشغل

ذ. محمد سعد جرندي

رئيس غرفة بمحكمة النقض

يقتضي منا بحث هذا الموضوع التمهيد له بإبراز الأهمية التي أولاها المشيرع المغربي لحسم النزاع من خلال الصلح في مجال نزاعات الشغل، ثم معالجته في إطار مدونة الشغل، على الشكل التالي:

أهمية الصلح في مجال نزاعات الشغل

يعتبر إنهاء عقد الشغل في إطار مسطرة توصيل كل حساب أحد أهم مظاهر الصلح الذي قد يتم بين الأجير والمشغل، باعتبار أن الصلح يعتبر من الأهداف التي حرص قانون الشغل المغربي على تحقيقها، بحكم أنه يشكل أبرز الطرق البديلة لحل النزاعات، حيث يضع حدا للنزاع الذي قد ينشأ بين طرفي العلاقة الشغلية، حينما يحصل التراضي بينهما، من خلال تنازل كل منها على أقل قدر من الحقوق.

وقد أولت مدونة الشغل للصلح أهمية كبيرة، حيث خصصت مجموعة من المقتضيات القانونية لأحكام الصلح بين الأجير وبين المشغل، سواء على مستوى نزاعات الشغل الفردية، أو على مستوى نزاعات الشغل الجماعية.

وهكذا أقرت على مستوى نزاعات الشغل الفردية الصلح في إطار ما يسمى ب((مسطرة الصلح التمهيدي))، وقد نظمتها المادتان 41 و532، كما أقرته أيضا في إطار ((التوصيل عن تصفية كل حساب))، والذي وضعت قواعده المواد من 73 إلى 76.

وأما على مستوى نزاعات الشغل الجماعية فقد تجلى ذلك من خلال ما سمته المدونة ب((التصالح)) الذي كان موضوع الباب الثاني من الكتاب السادس المتعلق ب (( تسوية نزاعات الشغل الجماعية ))، والذي نظمت أحكامه المواد 551 إلى 566، ومن خلال ((التحكيم))، والذي يعتبر من أهم مظاهر الصلح، حيث كان موضوع الباب الثالث والذي خصصت له المواد من 567 إلى 580.

الأحكام المنظمة لتوصيل تصفية كل حساب في إطار مدونة الشغل

لقد عرفت الفقرة الأولى من المادة 73 هذه الوثيقة بأنها ((التوصيل الذي يسلمه الأجير للمشغل، عند إنهاء العقد لأي سبب كان.))كما حددت الهدف منها في((تصفية كل الأداءات تجاهه)).

وهكذا يفهم من هذا التعريف أن هذا التوصيل يبرئ من خلاله الأجير ذمة المشغل، حينما يسلمه له أثناء إنهاء عقد الشغل، ودون أن تميز هذه المادة بينما إذا كان هذا الإنهاء من قبل الأجير أو المشغل، أو باتفاق الطرفين.

وإذا كان من المعتاد أن يتولى مهمة التعريف فقهاء القانون، فإن المدونة قد عرفت هذا التوصيل حتى لا يفسح المجال لأي تأويل، حينما حددت موضوعه وهدفه.

غير أن نفس المادة وخاصة من خلال الفقرة الثانية وضعت بعض القيود لكي يكون الاتفاق الذي يتم في هذا الإطار صحيحا، حيث نصت على عدم الاعتداد بالمقتضيات الواردة في الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود المنظمة لقواعد الصلح المدني، ومن أن أي إبراء أو صلح يتم وفق هذا الفصل يتنازل فيه الأجير عن أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه يعتبر باطلا، بمعنى أن هذا التنازل يجب أن لا ينصب على بعض الحقوق التي تقررها مدونة الشغل للأجير، ودون أن تميز بين مستحقاته المرتبطة بتنفيذ عقد الشغل، ومن أبرزها على الخصوص الأجر وملحقاته، وكذا مستحقاته المرتبطة بإنهاء هذا العقد، والتي تتجلى من خلالها التعويضات الثلاثية عن أجل الإخطار وعن الفصل وعن الضرر.

وهكذا يبرز الدور الحمائي للأجير الذي حرصت عليه المدونة، حيث تم استبعاد قواعد قانون الالتزامات والعقود التي تتعامل مع الأطراف على قدم المساواة، فتدخل المشرع من خلال هذا المقتضى كان إذن لازما لإعادة التوازن الذي قد يختل حينما يفرض المشغل بعض شروطه على الأجير والذي قد يرغم على الرضوخ لها.

غير أن استبعاد قواعد القانون المدني لا يكون مطلقا، حيث اعتبرت الفقرة الثانية من المادة 76 مع ذلك هذا الصلح الذي يتم في إطار الفصل 1098 المذكور مجرد وثيقة بسيطة بما تضمنه من مبالغ، الأمر الذي يفهم منه أن المقصود بالبطلان المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 73، هو أن حق الأجير يبقى محفوظا رغم إبرام هذا الصلح، في اللجوء إلى المحكمة للمطالبة بحقوقه المقررة بمقتضى مدونة الشغل، وهكذا تمارس سلطتها الرقابية على المشغل، فتتأكد من احترامه لمقتضيات مدونة الشغل، ويتجلى دورها في الحكم للأجير بالتعويضات التي تم إغفالها في هذا التوصيل، وكذا تمكينه من الفرق بين ما توصل به وبين ما يتعين الحصول عليه في إطار المدونة.

وأما المادة 74 فقد حددت مجموعة من الششكليات التي تعتبر لازمة يترتب على عدم التقيد بها اعتبار هذه المسطرة عديمة الأثر القانوني، حيث نصت على ذلك بصيغتي الوجوب وتحت طائلة البطلان.

ويمكن التميز في هذا الإطار بين الشكليات المرتبطة بالبيانات التي يجب أن تدون بالتوصيل المذكور، وهذه تم التنصيص على كون عدم احترامها يترتب عليه البطلان وهي ثلاثة، وبين شكليات أخرى لم تقترن بهذه العبارة.

النوع الأول: الشكليات التي ترتب البطلان

ويهتم هذا النوع من هذه الشكليات تدوين مجموعة من البيانات، وذلك كما يلي:

((1 - المبلغ المدفوع بكامله قصد التصفية النهائية للحساب، مع بيان مفصل للأداءات؛
2 - أجل سقوط الحق المحدد في ستين يوما، مكتوبا بخط واضح تسهل قراءته؛
3 - الإشارة إلى كون التوصيل محررا في نظيرين يسلم أحدهما للأجير.))

ومن أجل التوضيح أكثر نتوقف عند هذه الشكليات كل على حدة، وذلك كما يلي:

البيان الأول: تحديد المبلغ المدفوع

فهذا البيان أكد على ضرورة تحديد المبلغ الذي توصل به الأجير بدقة، ونعتقد أنه يستحسن أن يكون ذلك بالأرقام والحروف، وأن يتم تفصيل مختلف أنواع التعويضات، وذلك بتحديد اسم كل تعويض على حدة والمبلغ المخصص له.

وتبعا لذلك فإنه سيتم استبعاد كل توصيل يتضمن عبارة عامة كأن يشير مثلا إلى: " كون الأجير قد توصل بجميع مستحقاته بسبب إنهاء عقد الشغل "، أو أن يرد فيه مثلا " أن الأجير قد أبرأ ذمة مشغله من جميع الالتزامات.">

كما أن تفصيل هذه التعويضات بدقة أكثر له أهميته خاصة في حالة اعتماد هذا الوصل مجرد وثيقة بسيطة بما تضمنه من مبلغ، على اعتبار أن المشغل قد يمكن الأجير من بعض التعويضات أو جزء منها ويغفل البعض الآخر، فتقوم المحكمة - في حالة اعتبار الوصل مجرد وثيقة بسيطة - بالحالحكم بالتعويض أو الجزء منه الذي تم إغفاله.

البيان الثاني: أجل سقوط الدعوى

وأما هذا البيان فيتعلق بتدوين الأجل الذي يترتب على انتهائه سقوط حق الأجير في اللجوء إلى المحكمة، والذي يجب أن يكون (( مكتوبا بخط واضح تسهل قراءته.))

ويلاحظ أن هذا الأجل قد كان محددا في شهر طبقا لما ينص عليه الفصل 745 مكرر ثالثا من قانون الالتزامات والعقود، والذ يتم إلغاؤه ضمنيا، بينما حدد هذا الأجل طبقا للمادة 74 من المدونة في ستين يوما، وتمديد هذه المدة يشكل بلاشك ضمانة للأجير، وإن كان العمل القضائي وفي إطار النص القديم كان لا يرتب على تقديم المقال من قبل الأجير بعد مضي المدة سقوط حقه في الحصول على تعويضات.

غير أننا نرى أن ذلك يكون في الحالة التي لا يتضمن التوصيل جميع البيانات والششكليات اللازمة، بحكم أن الصلح الذي يتم وفقه يكون باطلا، وعلى خلاف ذلك فإذا كان الوصل صحيحا فإنه يتعين اللجوء إلى المحكمة قبل مضي الأجل تحت طائلة سقوط الحق.

البيان الثالث: شكل تحرير التوصيل

بينما يشير هذا البيان إلى ضرورة تحرير هذا التوصيل في نسختين مع الإشارة إلى أن الأجير قد توصل بنظير منه، وذلك للتأكيد على أن هذا التصرف القانوني الذي يتم وفق هذا الاتفاق يشكل عقد تبادليا، وذلك أيضا لإزالة ما قد يحدث من لبس من أن الأمر يتعلق بتصرف للإرادة المنفردة صادر عن المشغل فقط، وكما قد يفهم من الفقرة الأولى من المادة 73 التي عرفت هذا التوصيل.

وهذا يففيد أيضا أنه يصبح حجة للمشغل تجاه الأجير في إبراء ذمته ولو جزئيا في حالة بطلانه واعتياره وثيقة بسيطة، كما يعتبر في المقابل حجة للأجير يعطي للمحكمة حق مراقبة التعويضات المضمنة بالتوصيل وما إذا كانت منسجمة مع مقتضيات مدونة الشغل.

النوع الثاني: الشكليات التي لا يشار فيها إلى البطلان

يمكن التميز في ظل هذا النوع بين بعض الشكليات المرتبطة بما يمكن اعتباره توثيق التوصيل، وبين شكليات أخرى تخص التراجع عن التوصيل.

1 - الشكليات المرتبطة بتوثيق التوصيل

لقد تضمنت المادة 73 في الفقرتين الثانية والثالثة بعض الشكليات التي تؤكد أن إرادة الأجير كانت حرة في الموافقة على مضمون التوصيل والتي يترجمها من خلال وضع توقيعه في أسفل الوثيقة، مع ضرورة تدوين عبارة - قبل هذا التوقيع - تفيد أن الأجير قد قرأ ما ورد بالتوصيل ووافق على مضمونه.

وتنطبق هذه الحالة على الأجير الذي يحسن القراءة والكتابة، وأما إذا كان أميا، وهذه هي الحالة الغالبة، فقد تنبه المشرع إلى ذلك من خلال الفقرة الثالثة من المادة المذكورة، حيث استلزمت بالإضافة إلى توقيع الأجير أن يوقع أيضا وبالعطف من قبل مفتش الشغل، غير أنها فرضت أيضا ضرورة أن يتم التقيد بمقتضيات الصلح المنصوص عليه في المادة 532 من المدونة.

إلا أنه بالرجوع إلى المادة المذكورة وخاصة في فقرتيها الرابعة والخامسة، فإنها تنص على ضرورة تحرير محضر بشأن هذا الصلح يوقع عليه الطرفان ويوقع عليه مفتش الشغل بالعطف.

2 - الشكليات المرتبطة بالتراجع عن التوصيل

لقد حددت المادة 75 بعض الشكليات اللازمة للتراجع عن التوصيل، فبعد أن أكدت الفقرة الأولى على ضرورة أن يتم التراجع (( خلال الستين يوما التالية لتوقيعه ))، أو جبث (( إثبات التراجع عن التوصيل إما بإبلاغ المشغل بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، أو برفع دعوى لدى المحكمة ))، بل إنها اعتبرت الوثيقة المثبتة للتراجع عديمة القيمة ((إلا إذا حدد فيها الأجير مختلف الحقوق التي ما زال متمسكا بها. ))

وهكذا يتضح مما سبق أن مدونة الشغل قد حافظت على الطابع الحمائي للأجير كطرف ضعيف في علاقة الشغل، حينما استبعدت في إطار مسطرة توصيل صافي كل حساب أحكام الصلح الواردة في قانون الالتزامات، ووضعت مجموعة من الضمانات لإعادة التوازن الذي قد يختل في هذا النوع من إنهاء علاقة الشغل.

مواد مدونة الشغل موضوع التحليل

الفرع الثامن : توصيل تصفية كل حساب

المادة 73:

" التوصيل عن تصفية كل حساب " هو التوصيل الذي يسلمه الأجير للمشغل، عند إنهاء العقد لأي سبب كان، وذلك قصد تصفية كل الأداءات تجاهه.

يعتبر باطلا كل إبراء أو صلح، طبقا للفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود، يتنازل فيه الأجير عن أي أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه.

المادة 74:

يجب تحت طائلة البطلان، أن يتضمن توصيل تصفية كل حساب، البيانات التالية:

1- المبلغ المدفوع بكامله قصد التصفية النهائية للحساب، مع بيان مفصل للأداءات؛
2- أجل سقوط الحق المحدد في ستين يوما، مكتوبا بخط واضح تسهل قراءته؛
3- الإشارة إلى كون التوصيل محررا في نظيرين يسلم أحدهما للأجير.

يجب أن يكون توقيع الأجير على التوصيل مسبوقا بعبارة " قرأت ووافقت".

يجب، إذا كان الأجير أميا، أن يكون توصيل تصفية كل حساب موقعا بالعطف من قبل العون المكلف بتفتيش الشغل، في إطار الصلح المنصوص عليه في المادة 532 أدناه.

المادة 75:

يمكن التراجع عن التوصيل خلال الستين يوما التالية لتوقيعه.

يجب إثبات التراجع عن التوصيل إما بإبلاغ المشغل بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، أو برفع دعوى لدى المحكمة.

ولا يعتد بالوسيلة المثبتة للتراجع إلا إذا حدد فيها الأجير مختلف الحقوق التي مازال متمسكا بها.

المادة 76:

لا يعتد بالتوصيل الذي وقع التراجع عنه بصفة قانونية أو الذي لا يمكن أن يسري عليه أجل السقوط إلا باعتباره مجرد توصيل بالمبالغ المبينة فيه.

يعتبر الإبراء أو الصلح، طبقا للفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود، مجرد وثيقة بالمبالغ المبينة فيها.

تعفى التعويضات التي يتقاضاها الأجير عن الفصل بموجب صلح أو حكم قضائي، من الضريبة عن الدخل وواجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ورسوم التسجيل.

[1]- لقد صدرت مدونة الشغل في إطار ظهير شريف تحت رقم: 1.03.194 بتاريخ 14 رجب 1424 الموافق ل (11 سبتمبر 2003) الصادر بتنفيذ القانون رقم 65.99، كما نشرت بالجريدة الرسمية تحت عدد 5167 وتاريخ 13 شوال 1424 الموافق ل (8 ديسمبر 2003) صفحة 3969.

[2] - لقد ساهمت في هذا الإطار ببحث تحت عنوان: " مسطرة الصلح التمهيدي في إطار مدونة الشغل " وقد تم نشره بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد: 73 الصادر بتاريخ يوليوز السنة: 2011 ضمن الركن الخاص ب " وجهات نظر " من الصفحة: 262 إلى الصفحة: 267.

3- في هذا المجال شاركت بمداخلة تحت عنوان: " التصالح والتحكيم كوسيلة بديلة لتسوية نزاعات الشغل الجماعية في ظل مدونة الشغل " في إطار " الندوة الجهوية الحادية عشرة " ضمن الندوات التي برمجت بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى والتي تمحورت حول " الصلح والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال المجلس الأعلى " بتاريخ 1 و 2 نونبر 2007 بقصر المؤتمرات بالعيون وقد نشرت بالكتاب المخصص للندوة من الصفحة 164 إلى 174.

[4] ورد في هذه الفقرة ما يلي:

(( يعتبر باطلا كل إبراء أو صلح ، طبقا للفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود ، يتنازل فيه الأجير عن أي أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه. ))

[5] لا تشير المدونة إلى الإلغاء الصريح لهذا النص، وإنما يفهم ذلك فقط مما ورد في المادة 587 التي جاء فيها يلي:(( تظل النصوص الصادرة بتطبيق الظهائر الشريفة والمراسيم الملكية بمثابة قوانين، والظهائر الشريفة الصادرة بمثابة قوانين المشار إليها في المادة السابقة، سارية المفعول بصفة مؤقتة، ما لم تتعارض مع أحكام هذا القانون.)) وما دامت المادة 74 من المدونة قد نصت على أجل ستين يوما بدلا من شهر الواردة في الفصل 745 مكرر ثالثا من قانون الالتزامات والعقود، فإن ما ورد في هذا الفصل الأخير يمكن القول بأنه قد ألقي ضمنيا.

[6] لقد أكدت على هذا الأجل المادة 57 من المدونة كشرط لازم للتراجع عن التوصيل.

المصدر: http://www.sejdm.com

المصدر:
  • ظهير شريف رقم 1.03.194
  • قانون رقم 65.99
  • مدونة الشغل
  • قانون الالتزامات والعقود
تعليقات