11.18.2017

الإجراءات الشكلية وقواعد الاختصاص النوعي في دعوى مسؤولية الناقل البحري للبضائع

الإجراءات الشكلية وقواعد الاختصاص النوعي في دعوى مسؤولية الناقل البحري للبضائع







الإجراءات الشكلية وقواعد الاختصاص النوعي في دعوى مسؤولية الناقل البحري للبضائع
الأستاذ يونس فتحاني

قاض بالمحكمة الابتدائية بأبي الجعد






مقدمة:

يلتزم الناقل وفقا لعقد النقل البحري للبضائع بتحقيق نتيجة معينة، هي إيصال البضاعة، وتسليمها إلى المرسل إليه، في الموعد المحدد وبنفس الحالة التي سلمت له بها في ميناء الشحن، فإذا لم تتحقق تلك الغاية أو النتيجة كأن تصل البضاعة معيبة أو تالفة أو في حالة عدم تسليمها بسبب هلاكها كليا أو جزئيا أو تأخير وصولها، عند ذلك تتحقق مسؤوليةالناقل البحري للبضائع في مواجهة المرسل إليه.

 وتقتضي مباشرة دعوى المسؤولية ضد الناقل البحري، القيام بمجموعة من الإجراءات اللازمة لرفع دعوى المطالبة بالتعويض، نص عليها المشرع المغربي من خلال الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919: "لا تقبل أية دعوى التعويض بسبب عوار خصوصي أو هلاك جزئي من الربان أو المجهز أو أصحاب البضائع، إذا لم يقع تنظيم احتجاج معلل و تبليغه، وذلك بواسطة إجراء غير قضائي أو رسالة مضمونة داخل أجل لا يزيد على ثمانية أيام، غير محسوبة ضمنها أيام العطلة، ابتداءً من تاريخ اليوم الذي وضعت فيه البضائع فعليا تحت تصرف المرسل إليه، ولم يتبع هذا الاحتجاج بدعوى قضائية داخل أجل تسعين يوما".

ويتضح من خلال هذا المقتضى أن إجراءات مباشرة دعوى المسؤولية ضد الناقل البحري تتمثل في توجيه الإخطار بالهلاك أو التلف داخل الأجل المحدد له، وكذا رفع دعوى التعويض داخل الأجل القانوني أمام المحكمة المختصة مكانياً ونوعياً.

غير أن مصادقة المغرب على اتفاقية همبورغ لسنة 1978 وانضمامه إليها ابتداء من يوم 17 يوليوز 1981، بمقتضى الظهير الصادر يوم 14 نونبر 1986 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3983 بتاريخ 3 غشت 1988، نجم عنه مجموعة من الإشكالات النظرية و صعوبات تطبيقية تتمثل، على وجه الخصوص في كيفية التوفيق بين أحكام ظهير 31 مارس 1919 وتلك المنصوص عليها في اتفاقية هامبورغ 1978.

وسنحاول من خلال هذه الدراسة التطرق إلى مختلف الأحكام الإجرائية لدعوى مسؤولية الناقل البحري المنظمة بمقتضى ظهير 31 مارس 1919، ومقارنتها بما جاء من أحكام بمقتضى اتفاقية هامبورغ 1919، وكذا الوقوف على موقف الاجتهاد القضائي المغربي منها.

المطلب الأول:

الإخطار بالهلاك أو التلف داخل الأجل المحدد له.

يحق للمدعى عليه في دعوى المسؤولية الناجمة عن عقد النقل البحري للبضائع، أن يدفع بعدم قبول الدعوى إذا لم يلجأ المدعي قبل رفع الدعوى إلى توجيه احتجاج إلى المدعى عليه، يتضمن إخطار هذا الأخير بالهلاك أو التلف الذي لحق البضاعة المشحونة أثناء وجودها في عهدة الناقل البحري وتحت حراسته، و لم يتبع هذا الاحتجاج بدعوى قضائية داخل أجل محدد.

الفرع الأول:

الإخطار

أكد المشرع المغربي، وكذا اتفاقية هامبورغ 1978 على ضرورة المبادرة بإجراء إخطار مسبق في حالة الهلاك أو التلف الحاصل للبضاعة الموجه من قبل المرسل إليه إلى الناقل البحري، وعلى أن يكون كتابياً، إلا أنها اختلفت فيما يخص ضرر التأخير في تسليم البضاعة، ومواعيد توجيه الإخطار الذي تنفرد به معاهدة هامبورغ، وهذا ما نحاول توضيحه من خلال هذا الفرع.

الفقرة الأولى: ضرورة توجيه الإخطار.

تقتضي الدعوى المتعّلقة بمسؤولية الناقل البحري إثبات أن الضرر الذي أصاب البضاعة منسوب إلى الناقل، والضرر لا يكون منسوبًا إلى الناقل إلا إذا وقع والبضاعة في يده، أي خلال النقل وقبل تسليمها للمرسل إليه، وللتحقق من كون الضرر سابق للتسليم، لا بد من إثباته فيالوقت الذي يتم فيه هذا التسليم[1]، وذلك عن طريق توجيه الإخطار.

أولاً- ضرورة الإخطار.

إن اشتراط توجيه الإخطار بالهلاك أو التلف قبل إقامة الدعوى ينبني على أساس افتراض أن الناقل سلم البضاعة بكيفية سليمة وفي الوقت المحدد للاستلام[2].

وفي ذلك تقضي الفقرة الأولى من المادة 19 من اتفاقية هامبورغ بأن المرسل إليه إذا لم يقم "بإخطار الناقل كتابةً بالهلاك أو التلف مع تحديد الطبيعة العامة لهذا الهلاك أو التلف، اعتبر ذلك بمثابة قرينة ظاهرة على أنها – البضاعة المشحونة- قد سلمت بحالة سليمة".

فالمقصود من الإخطار إذاً هو إحاطة الناقل البحري علماً بالهلاك أو التلف أو التعيب الذي أصاب البضاعة المشحونة، وبأن المرسل إليه لا يرتضيه، وأن إصراره ثابت في المطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق به، بالإضافة إلى تمكين الناقل البحري من إعداد الأدلة وتهيئة الوسائل التي تمكنه من مواجهة الدعوى المرفوعة عليه، ومن ثم، فإن علم الناقل بالعجز عند التسليم لا يعفي المرسل إليه من توجيه الإخطار، حتى يفصح عن موقفه تجاه العجز المدعى به، هذا علاوة على أنه يشترط في الإخطار، كي يحفظ حق المرسل اليه قبل الناقل في حالة العجز أو التلف أن يسلم للناقل أو لوكيله، أو يثبت امتناعه من تسلمه[3].

كما أنه لا يصح الإبلاغ عن الضرر الذي أصاب البضاعة بعد مرور مدة من تسلمها، لأنه في هذه الحالة يتعذر إثبات وقت حدوث الضرر وسببه، فقد يكون حدوث الضرر بعد التسليم أو لأسباب لا يسأل عنها الناقل، بالإضافة إلا أنه لا يمكن الاعتداد بالإخطار الموجه قبل الاستلام و ثبوت العجز أو التلف، ولو كان المقصود منه احتياط المرسل إليه ورغبته في التحفظ على ما قد يظهر من عيب أو نقص في البضاعة المشحونة.

فطبقا لنص المادة 262 من ظهير 31 مارس 1919 يبدأ الاحتجاج "من تاريخ اليوم الذي وضعت فيه البضائع فعليا تحت تصرف المرسل إليه..."، وبذلك يقصد المشرع بالاستلام حيازة البضاعة حيازة مادية وفعلية، بحيث يتمكن صاحب الحق فيها من فحصها والتحقق من حالتها ومقدارها ومطابقتها مع الأوصاف الواردة في تذكرة الشحن.

وزيادة على ذلك، يتعين توجيه الإخطار، وفقاً لما نص عليه الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919 في حالة ثبوت "عوار خصوصي أو هلاك جزئي"، مما يعني أن المرسل إليه لا يكون ملزماً بتوجيه الإخطار المذكور في حالتي الهلاك الكلي وكذا التأخير، لأنه لم يتسلم أصلا البضاعة حتى يتمكن من معاينتها لتحديد الخصاص أو العوار الحاصل بها، وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 04/02/1987[4]إذ نص على أن مقتضيات الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919 تطبق في حالتي الهلاك الجزئي أو العوار الذي يصيب البضاعة، مما يستلزم أن يكون المرسل إليه قد سلمت له البضاعة أو وضعت رهن إشارته حتى يتمكن من مشاهدة ما أصابها و الاحتجاج به داخل الأجل القانوني، وعلى هذا الأساس يكون المرسل إليه ملزماً بتوجيه إخطار كتابي إلى الناقل البحري داخل أجل محدد إذا ما تعلق الأمر بهلاك جزئي أو عوار.

 وعلى خلاف ظهير 31 مارس 1919، قررت اتفاقية هامبورغ[5]، إعفاء من له الحق في استلام البضاعة من توجيه الإخطار بالهلاك أو التلف إلى الناقل البحري في حالة ما إذا خضعت البضاعة، أثناء تسليمها لمعاينة مشتركة[6].

ثانياً - توجيه الإخطار.

أشارت الفقرة الأخيرة من المادة 19 من اتفاقية هامبورغ إلى من يوجه الإخطار، إذ نجدها تنص على ما يلي: "يعتبر كل إخطار يوجه إلى شخص يتصرف نيابة عن الناقل أو الناقل الفعلي، بما في ذلك ربان السفينة، أو الضابط المسؤول عنها، أو أي شخص يتصرف نيابة عن الشاحن، كأنه قد وجه إلى الناقل الفعلي أو الشاحن حسب الحالة".

 كقاعدة عامة، يتعين توجيه الإخطار بالهلاك أو التلف إلى الناقل البحري، اعتباراً لكونه يشكل الطرف الرئيسي في عقد النقل، وهو الملزم بنقل البضاعة وشحنها وإيصالها سليمة، وخلال الوقت المتفق عليه إلى المرسل إليه أو الشخص الذي له الحق في استلام البضاعة، طبقاً لعقد النقل ولما تنص عليه وثيقة الشحن.

وبناءً على ذلك، فإن الناقل البحري بوصفه الجهة التي يرفع في حقها الإخطار بالهلاك أو التلف، يدخل في حكمه كل شخص آخر يعمل باسم الناقل ولحسابه، كما هو الشأن على وجه الخصوص بالنسبة للربان و مجهز السفينة، إذا كانت مشارطة إيجار السفينة موقوتة أو بالرحلة[7].

كذلك يدخل الناقل الفعلي في حكم الناقل الأول أو المتعاقد، بحيث يجوز توجيه الإخطار إليه ويكون له نفس الأثر في حالة ما إذا كان قد وجه إلى الناقل.

فقد قررت الفقرة السادسة من المادة 19 من اتفاقية همبورغ أنه: "إذا قام ناقل فعلي بتسليم البضاعة، فأي إخطار يوجه بمقتضى هذه المادة إلى الناقل الفعلي، يكون له نفس الأثر كما لو كان قد وجه إلى الناقل، كما يكون لأي إخطار يوجه إلى الناقل نفس الأثر كما لو كان قد وجه إلى الناقل الفعلي".

 بالإضافة إلى المرسل إليه ومن يقوم مقامه، فإنه يجوز أن يتم توجيه الإخطار بالهلاك أو التلف كذلك من قبل حامل السند، ولو كان مجرد دائن مرتهن، ويجوز أيضا أن يقوم بتوجيهه مشتري البضاعة ولو لم يتوصل بعد بالمستندات المتعلقة بها، كما أنه يمكن للنائب عن المضرور من العوار الخصوصي أو الهلاك الجزئي الذي لحق البضاعة المشحونة، يقوم بتوجيه الإخطار إلى الناقل.

الفقرة الثانية: صيغة الإخطار و ميعاده.

 أشار المشرع المغربي من خلال ظهير 31 مارس 1919"، وكذا اتفاقية هامبورغ إلى ضرورة المبادرة بإجراء إخطار مسبق في حالة الهلاك أو التلف الحاصل للبضاعة الموجه من قبل المرسل إليه إلى الناقل البحري، وعلى أن يكون كتابياً، وذلك خلال مدة زمنية محددة تبتدئ من تاريخ استلام البضاعة، إلا أنهما اختلفا اختلافاً بيناً بشأن المدة الزمنية المذكورة.

أولا- صيغة الإخطار.

بالرجوع لنص الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، يتضح أن الإخطار بالهلاك أو التلف يتعين دوماً وفي جميع الأحوال أن يكون بصيغة كتابية، وأن يتم تبليغه إلى الناقل، أو يثبت امتناع هذا الأخير عن استلامه. غير أن الصيغة الكتابية للإخطار لا تقتضي شكلاً معيناً ومحدداً، فقد يكون الإخطار طبقاً للفصل 262 المذكور بواسطة أي إجراء غير قضائي، أو بواسطة رسالة مضمونة.

وتطبيقاً لذلك، أعلنت محكمة النقض في قرار بتاريخ 8 شتنبر 1999[8] "أن تنظيم رسالة الاحتجاج المنصوص عليها بمقتضى الفصل 262 من ق ت بحري، إنما هو إجراء استوجبه القانون كشرط لقبول دعوى المسؤولية دون أن تكون له علاقة بإثبات العوار المخصوص أو الهلاك الجزئي، فيكفي ما ورد في مضمون رسالة الطلب المؤرخة في 22 شتنبر 1987 من تعليل، وإن كان عاماً التي وجهها للربان عند أمينه، والتي توصل بها الأخير بنفس التاريخ في الأجل القانوني، حسب الثابت من خاتمه وتوقيعه بها، والتي أشارت إلى قرينة حصول خصاص وعوار، فتحقق بالتالي ما يبتغيه المشرع من إعلام الناقل بهذه الأضرار كدليل على عدم موافقة المتلقي عن الرسالة البحرية بحالها، وتمسكه بحقوقه الناشئة عن عقد النقل، و القرار الذي استوجب بدل ذلك أن يقوم الأخير بتنظيم احتجاج معلل، قضائي أو غير قضائي، بالحالة التي أفرغت عليها البضاعة، معتبراً أن الرسالة المدلى بها في هذا الشأن لا تقوم مقام الاحتجاج، يكون قد أتى خارقاً أحكام الفصل المذكور، و عرضه للنقض".

كما أن المشرع المغربي من خلال الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، اشترط أن يكون الإخطار معللاً ومشتملا على طبيعة الهلاك أو العوار حتى يتمكن الناقل من معرفة طبيعة الأضرار[9]ومدى مسؤوليته عنها.

إلا أننا بالرجوع لمقتضيات الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، نلاحظ أن المشرع المغربي لم يبين المقصود بالتعليل، وهل ينبغي أن يكون التعليل دقيقا أم يكفي أن يكون عاما؟

الأمر الذي قد خلق نوعا من الغموض إلا أن بعض الفقه المغربي[10] تصدى لإزالة هذا الالتباس وذهب إلى التمييز بين "انعدام التعليل بالمرة والتعليل العام والتعليل الدقيق"، واعتبر الأول وحده موجب لبطلان الإخطار لكونه "يترك الناقل في حيرة من الأمر"، أما التعليل العام فهو كالتعليل الدقيق يشير إلى الضرر الذي تعرضت له البضاعة، ويحقق القصد الذي ابتغاه المشرع.

كما أن الاجتهاد القضائي لم يستلزم أن تكون رسالة الاحتجاج مفصلة لأن التفصيل الدقيق للأضرار يكون موضوع خبرة[11].




وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي وكذا ما استقرت عليه استئنافية الدار البيضاء، ففي قرار لها بتاريخ 15/07/2002[12] جاء فيه: "حيث إن الثابت من مقتضيات المادة 19 من اتفاقية همبورغ لسنة 1978 أنها تنص على توجيه إخطار كتابي عن الهلاك أو التلف إلى الناقل يحدد الطبيعة العامة لهذا الهلاك أو التلف، الأمر الذي لا يتطلب في رسالة الاحتجاج إعطاء بيان دقيق للأضرار ومقدارهن باعتبار أن ذلك لا يتأتى إلا بواسطة خبرة الأمر الذي أكدته استئنافية الدار البيضاء في قرارها الصادر بتاريخ 26/06/1988 في الملف عدد 2086/86 غير منشور ويتعين معه بالتالي رد الدفع أعلاه".

وفي قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 26/06/1988[13]نصت على الحيثية التالية "حيث إنه خلافاً لمزاعم الناقل البحري فإن رسالة الاحتجاج التي نظمها المتلقي أتت معللة وأشارت إلى الأضرار بكيفية عامة ومقتضبة وحققت بالتالي المتوخى منه، وهو إعلام الناقل بنوايا المتلقي الرامية إلى المطالبة بجبر الأضرار اللاحقة بالرسالة البحرية والتي تقع على كاهل الخبير وحده أمر تعيينها بكيفية دقيقة كما نحى إلى ذلك الحكم الابتدائي...".

كما أعلنت محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 29 يوليوز 1998[14]، أن الاحتجاج موضوع الفصل 262 من ق.ت.ب لا يكون له مفعول إذا لم يكن معلاً، ولا يشترط الفصل المذكور أن يكون التعليل دقيقاً، فيكون التعليل العام كافياً لإعطائه كل مفعوله، ويندرج تحت ذلك الاقتصار على ذكر أن البضاعة تعرضت للأضرار، كما هو الشأن في النازلة، والقرار المطعون فيه بقوله:" حيث إنه بالرجوع إلى رسالة الاحتجاج فإنها معللة بما فيه الكفاية، إذ يكفي الإشارة إلى وجود أضرار وخصاص بالبضاعة، يكون قد ساير ذلك".

ثانيا- ميعاد الإخطار.

استناداً للفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، نجد أن المشرع المغربي قد حدد لتقديم الإخطار مدة زمنية حصرها في "ثمانية أيام، غير محسوبة ضمنها أيام العطلة، ابتداءً من تاريخ اليوم الذي وضعت فيه البضائع فعلياً تحت تصرف المرسل إليه"، وفق ذلك اعتبر المشرع المغربي الأجل المذكور أجل سقوط يترتب على عدم احترامه سقوط الحق في رفع دعوى التعويض [15]، أو بصيغة أخرى تصريح المحكمة بعدم قبول الدعوى.

وعلى العكس من ذلك ميزت اتفاقية هامبورغ بين الحالة التي يكون فيها العوار أو التلف ظاهراً غير خفي، وبين الحالة التي لا يكون فيها كذلك، ولم ترتب على عدم تقديم الإخطار خلال الأجل المحدد التزام المحكمة بعدم قبول الدعوى، وإنما رتبت عليه انتقال عبء الإثبات من على عاتق الناقل وتحمل المرسل إليه بواجب إقامة الدليل على أن البضاعة قد تسلمها بغير الصفة

فقد جاء في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 19 من اتفاقية همبورغ ما يلي:

"1- ما لم يقم المرسل إليه بإخطار الناقل كتابة بالهلاك أو التلف، مع تحديد الطبيعة العامة لهذا الهلاك أو التلف، وذلك في تاريخ لا يتجاوز يوم العمل الذي يلي مباشرة تسليم البضائع كما هي موصوفة في وثيقة النقل، فإذا لم تكن هذه الوثيقة قد أصدرت، اعتبر قرينة ظاهرة على أنها سلمت بحالة سليمة...

2- إذا كان الهلاك أو التلف غير ظاهر، تسري بالقدر نفسه أحكام الفقرة الأولى من هذه المادة، إذا لم يوجه الإخطار الكتابي خلال 15 يومًا متصلة تلي مباشرة يوم تسليم البضائع إلى المرسل إليه".

أما بالنسبة للإخطار بالتأخير في استلام البضاعة، فقد حددت له الفقرة الخامسة من المادة 19 من اتفاقية هامبورغ أمداً زمنياً لا يصح أن يتجاوز "ستين يوماً متصلة، تلي مباشرة يوم تسليم البضائع للمرسل إليه"، بحيث يترتب على عدم تقديمه خلال الأجل المذكور سقوط حق المرسل إليه في التعويض الناشئ عن التأخير.

واعتباراً لأن أجل الستين يوماً قد تقرر منحه لفائدة المرسل إليه المدعي، إذ لا يتعلق بالنظام العام، فإنه يجوز الاتفاق بين طرفي الإخطار بالتأخير على إطالة الأمد الزمني الممنوح للمرسل إليه.

وعلى العكس من ذلك، لا يجوز الاتفاق على تقليص أو إنقاص زمن الإخطار بالتأخير لما في ذلك من تغيير في القواعد القانونية المتعلقة بمسؤولية الناقل، إذ أن مثل هذا الاتفاق يؤدي إلى التخفيف منها، و هو أمر غير جائز[16]، طبقاً لما نصت عليه المادة 264[17] من ظهير 31 مارس 1919، وما قررته الفقرة الثانية من المادة 23[18] من اتفاقية هامبورغ.

وكما أشارت إلى ذلك المادة 262 من ظهير 31 مارس 1919، فإن أجل تقديم الإخطار ينطلق من التاريخ الذي توضع فيه البضاعة المشحونة تحت التصرف الفعلي للمرسل إليه، وهو التاريخ الذي يحدد عادة بموعد تاريخ تفريغ البضاعة من السفينة و إدخالها إلى المستودعات والمخازن، الأمر الذي يعني أنه لا يجوز توجيه الإخطار قبل وصول السفينة أو قبل إفراغها لحمولتها لانعدام الغاية من الإخطار في مثل هذه الحالة.

وتطبيقاً لذلك، قررت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في قرارها الصادر بتاريخ 17/02/2003[19] ما يلي: "حيث إنه بمراجعة المحكمة لوثائق الملف خاصة تقرير الخبرة، ثبت لديها أن البضاعة وضعت رهن إشارة المرسل إليه بتاريخ 28/10/1999 وعملاً بأحكام الفصل 262 من قانون تجاري بحري وكذا الفصل 19 من اتفاقية همبورغ فإن انطلاق أجل توجيه رسالة الاحتجاج يبتدئ من تاريخ وضع البضاعة رهن إشارة المرسل إليه وليس من تاريخ وصولها، وبالنظر إلى أن تاريخ وضع البضاعة رهن إشارة المرسل إليه هو 28/10/1999 فإن رسالة الاحتجاج الموجهة بتاريخ 29/10/1999 حسبما هو ثابت من المقتطع البريدي تكون داخل الأجل القانوني المشار إليه في المادة 19 من اتفاقية همبورغ لسنة 1978".

الفرع الثاني:

ميعاد رفع الدعوى في مواجهة الناقل البحري.

بعد إخطار الناقل البحري بالضرر الحاصل للبضاعة عن طريق الاحتجاج الموجه إليه، يجب على المرسل إليه أو مؤمنه أن يرفع دعوى التعويض في ميعادها القانوني المنصوص عليه في الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، وإلا ترتب على ذلك سقوط الحق في رفعها.

إلا أن الملاحظ هو أن اتفاقية هامبورغ لم تلزم المرسل إليه أو مؤمنه برفع دعوى التعويض داخل أجل معين، لهذا سنعالج من خلال هذا الفرع أجل رفع دعوى التعويض في القانون المغربي وكذا اتفاقية هامبورغ.

الفقرة الأولى: ميعاد رفع دعوى التعويض في القانون المغربي.

بمقتضى المادة 262 من ظهير 31 مارس 1919 فإنه: "لا تقبل أية دعوى تعويض بسبب عوار خصوصي أو هلاك جزئي...إذا لم يقع تنظيم احتجاج معلل ...ولم يتبع هذا الاحتجاج بدعوى قضائية داخل أجل تسعين يوما[20]...".

وقد أوضحت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرارها الصادر بتاريخ 21 دجنبر 1995 أنه: " طبقا للفصل 262 من القانون البحري لا تقبل أية دعوى تعويض بسبب عوار خصوصي أو هلاك جزئي، إذا لم ...يقع تنظيم احتجاج معلل، ولم يتبع هذا الاحتجاج بدعوى قضائية داخل أجلتسعين يوما.

وحيث إنه من خلال وثائق الملف يتضح بأن البضاعة وضعت رهن إشارة المرسل إليه بتاريخ 19 نونبر 1992، وبأن رسالة الاحتجاج وجهت بنفس التاريخ إلى الناقل البحري، غير أن الدعوى لم ترفع إلا بتاريخ 24 أكتوبر 1994، أي بعد انصرام أجل التسعين بوماً المحددة بمقتضى الفصل المذكور الذي هو أجل سقوط يترتب على تحققه سقوط الحق في إقامة الدعوى"[21]

إذا من خلال ما سبق فإن أجل رفع دعوى التعويض في مواجهة الناقل البحري من قبل المرسل إليه أو مؤمنه هو تسعين يوماً طبقا لمقتضيات المادة 262 من ظهير 31 مارس 1919، وكذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي المغربي في هذا الإطار، ويترتب عن عدم احترام هذا الأجل سقوط الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن العوار الخصوصي أو الهلاك الجزئي، فلا يعتبر أجل تقادم ولا يخضع بالتالي لأسباب الانقطاع والتوقف المعروفة بالنسبة للآجال التقادم[22].

إلا أنه يمكن أن يخضع هذا الأجل للانقطاع، وذلك في حالة ما إذا كانت مفاوضات جارية بين المرسل إليه والناقل من أجل الوصول إلى حل ودي للنزاع، وفي حالة ما إذا باءت هذه المفاوضات بالفشل أي أنها لم تسفر عن حل للنزاع فإن الأجل يبتدئ من جديد مرة أخرى، وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 20/11/1985 الذي نص على أن: "...المفاوضات الحبية قد استمرت بين الطاعنة من جهة وبين الناقل البحري من جهة أخرى منذ وصول الباخرة 18/07/1973 إلى تاريخ الرسالة الأخيرة المؤرخة في 13/02/1974، وعليه فإن الأجل المنصوص عليه في الفصل 262 من ق.ت.ب يبتدئ سريانه من تاريخ الرسالة الأخيرة..."[23].

وتجدر الإشارة إلى أن القضاء المغربي تعامل مع الأجل المحدد في الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919 - تسعون يوما - بنوع من المرونة للتخفيف من حدتها، وذلك بإخضاعها لمقتضيات تقرر عادة بخصوص مدد التقادم، ولا يتم تطبيقها بالنسبة لآجال السقوط.

وفي هذا الاتجاه فقد أجاز القضاء المغربي الاتفاق على تمديد الأجل المقرر لإقامة دعوى التعويض، بناءً على المادة 262، حيث قضت محكمة النقض في قرار بتاريخ 20 نونبر 1985[24]، باعتبار المفاوضات التي تجري بين الطرفين بمثابة تمديد للأجل المقرر في الفصل 262 من ظهير 31 مارس 1919، وأن تاريخ أخر رسالة من أحد الطرفين أو تاريخ توقف المفاوضات بينهما هو الذي يبتدئ منه أجل سقوط دعوى التعويض.

الفقرة الثانية: ميعاد رفع دعوى التعويض في اتفاقية هامبورغ.

بالرجوع إلى اتفاقية هامبورغ 1978، نجد أنها لم تحدد أجلاً معيناً لرفع دعوى التعويض في مواجهة الناقل البحري، أي أنها لم تحدد أجلاً مسقطاً لدعوى المسؤولية، ويرجع السبب في ذلك إلى أنها لم تأخذ بنظام الدفع بعدم القبول كما هو الشأن بالنسبة للتشريع المغربي، ذلك أن عدم توجيه إخطار بالهلاك أو التلف في ميعاده إلى الناقل البحري لا يترتب عنه سقوط الحق في رفع دعوى التعويض وإنما يترتب عن ذلك قرينة ظاهرة على أن الناقل سلم البضائع بالحالة الموصوفة بها في وثيقة الشحن، وإذا لم تكن قد أصدرت وثيقة نقل كان حصول التسليم دون عمل إخطار قرينة ظاهرة على أن البضائع قد سلمت بحالة سليمة، وهي في الحالتين قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس[25].

المطلب الثاني:

الاختصاص القضائي للنظر في دعوى المسؤولية.

بالرجوع إلى مقتضيات ظهير 31 مارس 1919 المتعلق بالقانون البحري المغربي، نجد أن المشرع المغربي لم يتطرق للقواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي، وبيان المحكمة المختصة للنظر في المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد النقل البحري للضائع.

 وخلافا للمشرع المغربي فقد تضمنت اتفاقية هامبورغ 1978، نصوصاً مفصلة بشأن الاختصاص والمحكمة المختصة.

الفرع الأول:

الاختصاص في ظل القانون المغربي.

 باعتبار أن المشرع المغربي من خلال ظهير 31 مارس 1919 لم يتطرق للقواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي، وبيان المحكمة المختصة، فإنه يتعين الرجوع للقواعد العامة بشأن اختصاص المحاكم، كما هو منصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، وذلك لتحديد القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي، وتعيين المحكمة المختصة للنظر في المنازعات الناشئة عن عقد النقل البحري.

الفقرة الأولى: الاختصاص النوعي.

لم يتضمن ظهير 31 مارس 1919 أي إشارة إلى المحكمة المختصة نوعياً للنظر في النزاعات البحرية، وكانت بذلك المحاكم الابتدائية العادية هي المختصة نوعياً للنظر في كل النزاعات المتعلقة بالملاحة البحرية، باعتبار أنها محاكم ذات ولاية عامة للنظر في جميع القضايا، لكن هذا الوضع تغير انطلاقاً منذ سنة 1996 التي عرفت صدور مدونة التجارة الجديدة، ثم سنة 1997 التي عرفت دخول نظام المحاكم التجارية[26] إلى التنظيم القضائي للمملكة.

ولعل من أهم ما جاء به القانون رقم 53-95 المحدث للمحاكم التجارية هو تبنيه لنظام التخصص في القضايا التجارية الذي أملته ظروف اقتصادية داخلية و أخرى خارجية، وكان من نتائجه هو إسناد الاختصاص لمجموعة من المنازعات التجارية للمحاكم التجارية كما تم تفصيلها في المادة الخامسة من القانون رقم 53-95، والتي نصت على أنه: "تختص المحاكم التجارية بالنظر في:

الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية.

الدعاوى التي تنشأ بين التجار و المتعلقة بأعمالهم التجارية.

الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية.

النزاعات الناشئة بين شركاء في شركة تجارية.

النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية...".[27]

وبالرجوع إلى المادة السابعة من مدونة التجارة المغربية نجدها تنص على ما يلي: "تكتسب صفة تاجر أيضاً بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة التالية:

كل عملية تتعلق بالسفن وتوابعها.

كل عملية ترتبط باستغلال السفن والطائرات وبالتجارة البحرية والجوية".

ونظرا لكون نشاط النقل البحري يعتبر نشاطا تجاريا، يتمثل في ممارسته لمهنته بكيفية احترافية واعتيادية، بالإضافة إلى أن الدعوى المرفوعة عليه من طرف المتضرر بسبب عدم تنفيذ عقد النقل أو لسوء تنفيذه، أو نتيجة التأخر في تنفيذه بشكل تمخض عنه تعيب البضاعة المشحونة أو تلفها أو فسادها، كل ذلك تستند فيه الدعوى إلى عقد من العقود التجارية، التي نظمها المشرع المغربي في الباب السادس من الكتاب الرابع من مدونة التجارة، وهي العقود التي يدخل الاختصاص بالنظر في الدعاوى المتعلقة بها ضمن صلاحيات المحاكم التجاريةوفقاً لأحكام المادة الخامسة من القانون رقم 53-95.

كما أنه يمكن للمدعي ولو لم يكن تاجرا بدوره مثل الناقل البحري أن يتفق مع هذا الأخير على أن يعرض النزاع الناشئ عن عقد النقل البحري للبضائع أمام المحكمة التجارية، إذ أن الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من القانون المحدث للمحاكم التجارية لا تمنع "الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر".

وفي حالة ما إذا لم يكن المدعي تاجرا، أو لم يحصل اتفاق بينه وبين الناقل البحري، على إسناد النظر للمحكمة التجارية، تعين آنذاك الرجوع إلى القواعد العامة المتعلقة بالاختصاص القضائي، وهي تستوجب عرض النزاع على المحكمة الابتدائية باعتبارها جهة قضائية ذات الولاية العامة، للنظر في كل الدعاوى التي لا تدخل بنص صريح في اختصاص محكمة أخرى.[28]

وغني عن البيان، أن الاختصاص النوعي للمحاكم يتعلق بالنظام العام، وهو ما أكدت عليه من جهة، مقتضيات المادة الثامنة من القانون المتعلق بإحداث المحاكم التجارية[29]، والفقرة الأخيرة من المادة 16[30]من قانون المسطرة المدنية، كما حرصت على بيانه من جهة ثانية، أحكام المادة 264 من ظهير 31 مارس 1919، التي قضت بأنه: "يكون باطلاً و عديم الأثر كل شرط مدرج في تذكرة الشحن أو في أي سند كان، يتعلق بنقل بحري نشأ في المغرب أو في بلاد أجنبية، تكون غايته مباشرة أو غير مباشرة ...مخالفة قواعد الاختصاص...".

وقد صرحت محكمة النقض بخصوص ذلك في قرار لها صادر بتاريخ 20 نونبر 1976[31]بأنه: "إذا كان من المسلم، حسب قواعد الاختصاص المحلي، طبقاً للفصلين 23 و25 من ق.م.م، والتي ليست من النظام العام، لأن طرفي النزاع يمكن لهما أن يتفقا على خلافه، فإن العمل خلاف ذلك، إذا كان الأمر يتعلق بالنقل عن طريق البحر، فقد نص الفصل 264 من ق.ت.ب أنه يعد باطلاً وعديم المفعول كل شرط أدرج في تذكرة الشحن تكون الغاية منه مخالفة قواعد الاختصاص...، وحيث إنه بمقتضاه، فإن محكمة الرباط، حينما قضت بعدم اختصاصها للنظر في النازلة اعتماداً على الفصل 33 الوارد بتذكرة الشحن، تكون بذلك خالفت مقتضيات الفصل 264 من ق.ت.ب، وعرضت حكمها بسبب ذلك للنقض".

وتجدر الإشارة إلى أن مقتضيات الفصل 264 من ظهير 31 مارس 1919، إنما تقتصر أحكامها على المجال الداخلي لاختصاص المحاكم المغربية، الأمر الذي يعني أن المقتضيات المشار إليها لا علاقة لها بالمعاملات الدولية الخاصة التي يتحدد فيها الاختصاص القضائي، وبالتالي، الجهة القضائية المختصة، انطلاقاً من قواعد وأحكام خاصة، بعضها قد يرد النص عليه في القانون الداخلي، أو يكون مبنياً على اجتهاد قضائي قار، أو منصوصاً عليه في اتفاقيات دولية ثنائية أو جماعية[32].

الفقرة الثانية: الاختصاص المحلي.

باعتبار أن المحاكم التجارية كما سبق وأن ذكرنا أعلاه هي المختصة نوعيا للبث في الدعوى الناشئة عن عقد النقل البحري للبضائع، فإنه يتعين الرجوع إلى النصوص المتعلقة بالمحاكم التجارية لتحديد الاختصاص المحلي، زيادة على أن النصوص المذكورة لا تختلف في شيء عما تقرره القواعد العامة، المتعلقة بالاختصاص المحلي، الواردة في قانون المسطرة المدنية.

وهكذا بمقتضى المادة 10 من قانون إحداث المحاكم التجارية:

"يكون الاختصاص المحلي لمحكمة الموطن الحقيقي أو المختار للمدعى عليه.

إذا لم يكن لهذا الأخير موطن في المغرب، ولكنه يتوفر على محل إقامة به، كان الاختصاص لمحكمة هذا المحل.

إذا لم يكن للمدعى عليه موطن ولا محل إقامة بالمغرب، أمكن مقاضاته أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعي أو واحد منهم في حالة تعددهم.

إذا تعدد المدعى عليهم، أمكن للمدعي أن يختار محكمة موطن أو محل إقامة أي واحد منهم".

واعتبارا من كون الأحكام المتعلقة بالاختصاص المحلي للمحاكم، لا تتصل بالنظام العام، فإنه يجوز الاتفاق على مخالفتها، و فقاً لأحكام المادة 12 من قانون إحداث المحاكم التجارية، والتي أوضحت أنه: "يمكن للأطراف في جميع الأحوال أن يتفقوا كتابة على اختيار المحكمة التجارية المختصة"، وهو ما يلاحظ كثيرا في الواقع العملي، حيث يتم تعيين المحكمة المختصة محليا من طرف الناقل البحري في صلب سند الشحن، التي تكون عادة هي المحكمة التجارية التي توجد في دائرة نفوذ المركز الرئيسي لنشاط الناقل البحري، أو الميناء الذي سجلت فيه السفينة، أو المكان الذي يستقر فيه مركز الإدارة الرئيسي للشركة المالكة للسفينة التي شحنت عليها السلع والبضائع التي ثار النزاع بمناسبة نقلها.

الفرع الثاني:

الاختصاص في اتفاقية هامبورغ.

تضمنت معاهدة هامبورغ عدة جهات قضائية يمكن للمدعي اللجوء اليهاعند الاقتضاء إذ قررت المادة 21 من معاهدة همبورغ الخاصة بالنقل البحري للبضائع لسنة 1978 في الفقرة الأولى منها على أنه في جميع حالات التقاضي المتعلقة بنقل البضائع بموجب هذه الاتفاقية، للمدعي حسب اختياره أن يقيم الدعوى أمام محكمة تكون وفقاً لقانون الدولة التي تقع فيها المحكمة ذات الاختصاص و يدخل في نطاق ولايتها أحد الأماكن التالية:

المركز الرئيسي للمدعى عليه وإن لم يكن فالمحل الاعتيادي لإقامته؛

أو مكان إبرام العقد بشرط أن يكون للمدعى عليه مقر عمل أو فرع أو وكالة أبرم العقد عن طريقها؛

أو ميناء الشحن أو ميناء التفريغ؛

أو أي مكان آخر يعين لهذا الغرض في عقد النقل البحري.

وعلى هذا الأساس تركت الاتفاقية للمدعي الخيار بين اختصاص محاكم إحدى الدول التي يقع فيها أحد الأماكن التي وردت في النص أعلاه، أو أن قانون الدولة التي اختار المدعي إقامة الدعوى أمام محاكمها هو الذي يعين المحكمة المختصة – نوعياً ومحلياً- للنظر في النزاع، كما أن شرط الاختصاص الوارد بسند الشحن يعد صحيحاً وقائماً إذ يجوز للطرفين الاتفاق على مكان آخر للنظر في النزاع الذي ينشأ بينهما[33].

أما الفقرة الثانية من المادة 21 فقد جاء فيها:

"خلافا لأحكام السابقة من هذه المادة يجوز إقامة الدعوى أمام محاكم أي ميناء يقع في دولة متعاقدة يكون الحجز قد وقع فيه على السفينة الناقلة للبضاعة أو أي سفينة أخرى مملوكة لنفس المالك، وذلك طبقاً للقواعد القانونية المطبقة في تلك الدولة وكذا القانون الدولي، على انه يتعين في هذه الحالة أن يقوم المدعي بناءً على طلب المدعى عليه بأن ينقل الدعوى حسب اختياره إلى إحدى المحاكم المختصة المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة لكي تقوم بالفصل في الدعوى، ولكن يتعين قبل إجراء هذا النقل أن يقدم المدعى عليه كفالة تكفي للوفاء بأي مبلغ يحكم به في الدعوى في وقت لاحق لصالح المدعي..."

يستفاد من الفقرة الثانية من أنها تخص اختصاص محكمة ميناء الحجز على السفينة، و إمكانية المدعي من إقامة دعواه أمام المحكمة التي تنظر في الحجز على السفينة، التي كانت محل عقد النقل البحري، أو سفينة أخرى مملوكة للناقل البحري تسمى "السفينة الشقيقة"، للحصول على سند تنفيذي يخوله الحق في المشاركة في توزيع ثمن بيع السفينة المحجوزة على الدائنين الآخرين.

وقد جاء في الفقرة الثالثة من المادة المذكورة ما يلي: "لا يجوز إقامة أي دعوى قضائية متعلقة بنقل البضائع بموجب هذه المعاهدة في أي مكان تحدده الفقر الأولى والثانية من هذه المادة، ولا تحول أحكام هذه الفقرة دون اختصاص الدول المتعاقدة في اتخاذ تدابير مؤقتة أو وقائية".

وبالتالي فإنه الفقرة الثالثة من المادة 21 لا تجيز إقامة الدعوى في أي مكان لم تحدده الفقرتين الأولى والثانية من نفس المادة، والاتفاق الذي يخالف ذلك هذا المنع يعد باطلا، على أن ذلك لا يمنع محاكم الدول المتعاقدة ولو لم تكن مختصة بنظر الدعوى من اتخاذ ما يلزم من تدابير وقائية وإجرائية.

وقد جاء في الفقرة الخامسة من نفس المادة: "خلافا لأحكام الفقرات السابقة، يكفل نفاذ أي اتفاق على مكان الدعوى يتوصل إليه الأطراف بعد نشوء المطالبة بموجب عقد النقل البحري".

وبالتالي فإنه يلاحظ في الفقرة الخامسة من المادة 21 على أنها خرجت عن المقتضيات السابقة وأقرت صحة الاتفاق المبرم بين الأطراف المعنية بعد قيام النزاع يكون من شأنه تعيين جهة الاختصاص لإحدى المحاكم ولو لم تكن من تلك التي وردت بالفقرتين 1 و2 من هذه المادة، وذلك لكون الأطراف في هذه الحالة يكونون أمام أمر الواقع، وهو حصول الأضرار وتبدأ المفاوضات بينهما حول كيفية التعويض، ويلاحظ من خلال ما سبق أن اتفاقية هامبورغ قد وضعت حيزا هاما فيما يخص تحديد الاختصاص المحلي للنظر في دعوى المسؤولية ضد الناقل البحري للبضائع، وذلك للإحاطة بمختلف المشاكل المطروحة في هذا المجال.

انتهى بعون الله

[1]- بسعيد مراد: عقد النقل البحري للبضائع وفقاً للقانون البحري الجزائري والاتفاقيات الدولية، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة أبي بكر بلقايد -تلمسان- كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2011-2012، ص 347.

[2]- مبروكي أقريرة عمران: دعوى المسؤولية الناشئة عن عقد النقل البحري للبضائع دراسة مقارنة، الطبعة الاولى 2009.، ص 161.

[3]- أحمد محمود حسني: أحمد محمود حسيني: النقل البحري الدولي للبضائع، والحوادث البحرية، منشأة المعاريف، الاسكندرية 1980، ص 192.

[4]- قرار محكمة النقض، بتاريخ 02/04/1987 عدد 235 ملف رقم 5884، أشار اليه الأستاذ يونس بنونة، مسؤولية الناقل البحري على ضوء القانون المغربي، دراسة مقارنة مع اتفاقية هامبورغ 1978، الطبعة الاولى 1993، ص 154.

[5]- الفقرة الثالثة من المادة التاسعة عشر من اتفاقية هامبورغ "إذا كانت قيد أجريت بصورة مشتركة من الطرفين عملية معاينة أو فحص لحالة البضائع وقت تسليمها إلى المرسل اليه، انتفت الحاجة إلى توجيه الإخطار الكتابي عما يتم التحقق منه أثناء المعاينة أو الفحص المذكورين من هلاك أو تلف".

[6]- ومع ذلك فإنه بمقتضى المادة 472 من مدونة التجارة، نجد أن المشرع المغربي قد اخذ بمبدأ الإعفاء من توجيه الإخطار في النطاق البري، حيث قررت المادة المذكورة حق المرسل اليه في القيام" عند التسليم بإجراء فحص بحضور الناقل، لإثبات حالة الاشياء المنقولة وصفتها، ولو لم تظهر أية علامة خارجية تدل على اصابتها بعوار، كما يمكن له أن يطلب إجراء هذا الحق للناقل أيضاً، ويتحمل مصاريف الفحص الطرف الذي يطالب به، وللمرسل إليه حق الرجوع على الناقل لاستيفاء هذه المصاريف فيما إذا تبين وجود ضياع أو ضرر ينسب إلى هذا الأخير".

[7]- إبراهيم مكي: دعوى المسؤولية على الناقل البحري، رسالة دكتوراه، مطبعة المدني العباسية، جامعة القاهرة، 1973.ص 38.

[8]- قرار رقم 1234، في الملف التجاري عدد 2802-93 مجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 56، ص 199. وانظر أيضاً القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 16 يناير 1957، مجلة المحاكم المغربية، عدد 24 أبريل 1957.

[9]- مصطفى كمال طه: القانون البحري الجديد، الدار الجامعية للنشر، الاسكندرية، 1995، 307.

[10]- عبد الرحمان بلعكيد، توزيع مسؤولية نقل البضائع بحرا، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، السنة الجامعية 1981-1982.ص 194.

[11]- قرار استئنافية البيضاء رقم 1390 ملف عدد 2086 الصادر بتاريخ 14/02/1989، قرار أشار اليه الأستاذ عبد الرحمان بلعكيد: م، س، نفس الصفحة.

[12]- قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، رقم 2088/2002، بتاريخ 15/07/2002، رقم الملف 2944/2001/9، غير منشور.

[13]- قرار رقم 1390، ملف عدد 2086، أورده الاستاذ يونس بنونة، م س، ص 155.

[14]- قرار رقم 5124، في الملف المدني عدد 91-3222 مجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 56، ص 130

[15]- يونس بنونة: مسؤولية الناقل البحري على ضوء القانون المغربي، دراسة مقارنة مع اتفاقية هامبورغ 1978، الطبعة الاولى 1993، ص 156.

[16]- عبد الرحمان بلعكيد: مرجع سابق، ص 201.

[17]- تنص المادة 264 من ق.ب.م على أنه: " يكون باطلاً وعديم الأثر كل شرط مدرج في تذكرة شحن أو في أي سند كان يتعلق بنقل بحري منشأ في المغرب أو في بلاد أجنبية تكون غايته مباشرة أو غير مباشرة اعفاء المجهز من مسؤوليته أو مخالفة قواعد الاختصاص أو قلب عبء الإثبات. إلا أنه يمكن للمجهز أن يتحلل من الأخطاء المرتكبة من طرف الربان أو المرشد أو الملاحين في تنفيذ مهامهم التي تتعلق بالسفينة".

[18]- تنص الفقرة الثالثة من المادة 23 من اتفاقية همبورغ على أنه: "... متى صدر سند شحن أو أي وثيقة أخرى تثبت عقد النقل البحري، تعين تضمينه بياناً يذكر فيه أن النقل يخضع لأحكام هذه الاتفاقية التي تبطل أي شرط مخالف لها يكون ضاراً بمصلحة الشاحن أو المرسل إليه".

[19]- قرار محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 17/02/2003، رقم 583/2003 في الملف عدد 1746/2002/10 غير منشور.

[20]- كان الأجل هو ثلاثين يوما، وأصبح تسعين يوما بمقتضى التغيير الذي أدخله ظهير 17 مارس 1953.

[21]- قرار رقم 4085 في الملف عدد 2474-95، صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 21 دجنبر 1995، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 83 يوليوز – غشت 2000، ص 148.

[22]- سعيد الدغيمر: انقطاع وتوقف التقادم في قانون الالتزامات والعقود المغربين رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، 1976، ص 15 وما بعدها.

[23]- قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 20/11/1985 رقم 2750 ملف مدني، قرار منشور بمجلة المحاماة عدد 28 ص: 62

[24]- قرار رقم 2750 في الملف المدني عدد 94865، أورده عبد العزيز توفيق وامحمد أفركوس، قضاء المجلس الأعلى في التأمين، ص 239.

[25]- محمد كمال حمدي: - مسؤولية الناقل البحري للبضائع، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1995. ص 230.

[26]- صادق البرلمان المغربي على القانون 53-95، بتاريخ 6 يناير 1997، وصدر الأمر بتنفيذه بمقتضى ظهير 12 فبراير 1997، الجريدة الرسمية عدد 4482، بتاريخ 15 ماي 1997، ص 1141.

[27]- عبد الرحيم بحار: مداخلة بعنوان: "الاختصاص القضائي للمحاكم التجارية في المنازعات البحرية" بمناسبة أشغال الندوة العلمية ليوم 20 ماي 2011 حول موضوع: المنازعات التجارية البحرية أمام القضاء المغربي. من تنظيم ماستر قانون البحار والساحل 2010/2011، منشور بالمجلة المنجزة من طرف الماستر بمناسبة الندوة المذكورة، ص 19.

[28]- بموجب المادة 5 من ظهير 15 يوليوز 1974، المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، "تختص المحكمة الابتدائية بما فيها المصنفة - عدا إذا نص قانون صراحة على إسناد الاختصاص إلى محكمة غيرها - ابتدائيا وانتهائيا أو ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف بالنظر في جميع الدعاوى طبقا للشروط المحددة بمقتضى قانون المسطرة المدنية أو قانون المسطرة الجنائية أو نصوص خاصة عند الاقتضاء"

[29]- استثناء من أحكام الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية، يجب على المحكمة التجارية أن تبت بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي المرفوع إليها وذلك داخل أجل ثمانية أيام (8).

[30]- تنص الفقرة الأخيرة من المادة 16 من ق.م.م على أنه: "يمكن الحكم بعدم الاختصاص النوعي تلقائياً من لدن قاضي الدرجة الأولى".

[31]- قرار عدد 677، منشور بمجلة القضاء والقانون العدد 130.

[32]- موسى عبود: الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1994، ص 218.

[33]- يونس بنونة: مرجع سابق، ص 170.