11.11.2017

الآثار القانونية المترتبة عن الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية

الآثار القانونية المترتبة عن الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية







الآثار القانونية المترتبة عن الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية
من إعداد ألأستاذ: نبيل الشادلي

دكتور في الحقوق




مـقـدمـة

يعتبر نظام صعوبات المقاولة ثمرة فلسفة تشريعية جديدة، فرضتها عدة متطلبات اقتصادية واجتماعية بل وسياسية، تستهدف بالدرجة الأولى خدمة المصلحة العامة وترجيحها على المصالح الفردية الضيقة[1].

وقانون صعوبة المقاولة الذي بدأ العمل به في المغرب منذ سنة 1997 بمقتضى القانون رقم 15/95 المتعلق بمدونة التجارة[2] من القوانين التي تسترعي الانتباه ليس فقط في فلسفتها ونهاياتها، بل وأيضا في حدودها، وكذلك التطور الكبير الذي أسبغته على وظيفة ودور القضاء، الذي كان ينحصر في تطبيق القانون، إلى درجة أصبح معها الكل ينعته بمجرد آلة استهلاكية.

ليصير مع هذا القانون مساهما جيدا في إنعاش الاقتصاد الوطني ومراقبا لسير دواليبه فبقراءة سطحية وسريعة لمقتضيات هذا القانون، نلاحظ وجود قطيعة مع قواعد الإفلاس المنصوص عليها في القانون التجاري القديم التي كانت مقتضياته عاجزة عن معالجة أوضاع المقاولات التي لا تتلاءم مع التطور الذي طرأ على الاقتصاد المغربي بمعزل عنه، فسار نظام الإفلاس يدمر المقاولة والاقتصاد المغربي نتيجة لطبيعته القاسية، إذ يترتب عليه غل يد المقاولة وذلك بتصفيتها لفائدة كتلة الدائنين عن طريق بيع المنقولات والعقارات وتحصيل الديون وتوزيعها، وهي كلها أسباب وعلل جعلت المشرع المغربي يلبس لباس القرن الحادي والعشرين الذي يفرض عصرنة الاقتصاد وتحديث القوانين وخلق توازن اجتماعي بين المقاولين والمنعشين الاقتصاديين من جهة، وبين الدائنين ومصالح الأفراد من جهة أخرى.

لهذا، فقد شن المشرع المغربي حملة تشريعية واسعة النطاق استهدفت جميع المجالات التي تمت إلى عالم المال والأعمال بصفة مباشرة، جاءت هذه الحملة في شكل انتفاضة تشريعية، شكلت سابقة منقطعة النظير في تاريخ التشريع المغربي سواء من الناحية النوعية والكمية[3]، حيث ظهرت إلى الوجود مدونة 1996 التي خصصت الكتاب الخامس منها لتنظيم المقاولة وإخراجها من حالة الفوضى واللاتنظيم التي تعيش فيها، وسنها لمساطر وصعوبات المقاولة[4]. ونظرا للأهمية الخاصة التي أصبح المشرع يوليها لحياة المقاولة، ووضعه لمساطر دقيقة من أجل تجاوز الصعوبات التي تواجهها، وكذلك الأهمية القصوى التي أصبح يحظى بها عنصر الزمن في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، خلافا لما كان عليه الحال في نظام الإفلاس الذي كان مجرد مسطرة استخلاص الديون، فقد دفع بالمشرع المغربي إلى إسناد اختصاص تطبيق مساطر صعوبات المقاولة إلى جهاز قضائي متخصص يكون في مستوى تطلعاته وله القدرة على ترجمة اهتماماته على أرض الواقع، والذي لم يعد قائما على الحياد وحل النزاعات بين الأطراف، بل أصبح يرقى لدور اقتصادي واجتماعي يتجلى في حماية المقاولة باعتبارها نواة الاقتصاد الوطني، ومن تم إقرار السلم الاجتماعي داخلها، بالمحافظة على أكبر عدد ممكن من مناصب الشغل، وهو ما يدل على الدور التدخلى للقضاء[5] وهو ما كرسه في عدة أحكام قضائية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الحكم الصادر عن المحكمة التجارية بفاس والذي جاء فيه: وأمام ما تقتضيه المحكمة المصلحة العامة الاقتصادية من ضرورة الإبقاء على المقاولة الطالبة في نسيجها الاقتصادي وإعطائها فرصة جديدة للانتعاش ومحاولة الإقلاع مادام المحيط العام الاقتصادي الوطني يهدف إلى خلق المقاولات وتشجيع المبادرات الخاصة وإيجاد فرص الشغل ترى معه المحكمة فتح مسطرة التسوية القضائية في حق الشركة سيكو سمش[6]، ونفس الاتجاه سارت عليه المحكمة التجارية بمراكش حيث جاء في حكم صادر عنها انه: وحيث أن مسطرة صعوبة المقاولة أن جميع مقتضياتها من النظام لتضمن ما من شأنه أن يتعارض أو يتنافي مع المسطرة المنصوص عليها بل على العكس فالتوجه الواضح من نصوص المدونة وكذا من القوانين المقارنة والفقه والقضاء المقارنين علها تجمع على أن من غايات هذه المسطرة حماية الدائنين سواء كانوا عاديين أو مرتهنين وأصحاب الحقوق كالشركاء والمساهمين وبالأساس حماية مناصب الشغل[7] وتأتي مساطر صعوبات المقاولة بعد خضوع هذه الأخيرة لمساطر الوقاية الداخلية والوقاية الخارجية مساطر التسوية الودية، ما يهمنا في الأمر هو التسوية القضائية[8] أمام الدور الأساسي الذي تلعبه هذه الأخيرة في إنقاذ وحماية المقاولة وحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، وهذا ما سيكون موضوع البحث والتحليل .

لمختلف الآثار القانونية المترتبة عن الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية سنحاول تقسيم ذلك إلى مطلبين.

المطلب الأول: التصريح بالديون وتحقيقها.

المطلب الثاني: وقف المتابعات الفردية وسريان الفوائد.

المطلب 1: التصريح بالديون وتحقيقها:

يهدف التصريح بالديون إلى التحديد الدقيق لخصوم المقاولة وقد حدد الفقه والاجتهاد القضائي الفرنسي الطبيعة القانونية للتصريح بالدين، إذ اعتبره بمثابة طلب قضائي وهو ذات التصور الذي يمكن الأخذ به في ظل مدونة التجارة المغربية.

وتخضع للتصريح كل الديون السابقة للحكم القاضي بفتح المسطرة، ولا يعفى من التصريح سوى المأجورين أو على الأصح الديون الناتجة عن عقد العمل[9] وهو استثناء خص به المشروع العمال وحدهم بصفة شخصية في إطار المادة 686 من م.ت[10] أما واجبات الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فتصير دينا في ذمة المشغل وبالتالي فلا مجال لإعفائها من التصريح [11] كما يعفى من التصريح الدائنون الناشئة ديونهم بعد فتح المسطرة نظرا للامتياز الذي يستفيدون منه طبقا للمادة 575 من م.ت[12].

لكن ما يمكن قوله من خلال مقتضيات المادة 686 من م.ت بأن قاعدة التصريح بالديون هو من صميم النظام العام، إذ تلزم السنديك ألا يقبل الديون المصرح بها حتى وإن تعلق الأمر بديون الخزينة العامة أو الدولة التي تتمتع بامتياز خاص أو بدين ثابت لمقتضى حكم حاز قوة الشيء المقضي به، فإن لم يتم التصريح بهذه الديون لاحقا وهذا يجرنا إلى الحديث عن الديون الخاضعة للتصريح وشكليات وآجال التصريح.

الفقرة الأولى: الديون الخاضعة للتصريح:

بقراءة مضامين المادة 686 من م.ت نلمس بأنها وجهت الاهتمام بجميع الدائنين الذين نشأت ديونهم قبل فتح المسطرة، ولم يميز المشرع بين الدائنين العاديين والامتيازين وبين أصحاب الديون المدنية أو التجارية حيث يتعين على الجميع التصريح بديونهم.

والديون تخضع لقاعدة التصريح سواء كانت ثابتة أو مجرد محتملة، كما أن الدين الموقوف على شرط لا يعفى من التصريح لكن هل للدائن أن يجري المقاصة بين ما له في ذمة المدين و ما لهذا الأخير في ذمته ؟؟ أم أن هذه الأموال تخضع هي الأخرى لقاعدة التصريح ؟؟

أولا شكل التصريح:

لم يشر المشرع المغربي في مدونة التجارة إلى شكل محدد للتصريح بالديون على خلاف المشرع الفرنسي الذي اشترط صراحة في المادة 50 من قانون 25 يناير 1985 أن يتم التصريح بواسطة مقال مكتوب يتضمن الشكليات المنصوص عليها في المواد 51 و 67 من مرسوم 27 ديسمبر 1985 المتعلق بالتسوية والتصفية القضائية للمقاولات، وباعتبار التصريح بالدين طلبا قضائيا فإنه يتعين بشأنه احترام الشكليات الواجبة طبقا لقواعد المسطرة المدنية[13]، ويجب أن يتضمن التصريح طبقا للمادة 688 من م.ت مبلغ الدين المستحق بتاريخ صدور حكم فتح المسطرة، مع تحديد قسط الدين المؤجل في حالة التسوية القضائية. ويحدد التصريح كذلك طبيعة الامتياز أو الضمان الذي يكون مقرونا به. وإذا كان الدين بالعملة الأجنبية يتم التحويل إلى العملة الوطنية حسب سعر الصرف بتاريخ صدور حكم فتح المسطرة ويشمل التصريح كذلك على:

العناصر التي من شأنها أن تثبت وجود الدين ومبلغه إذا لم يكن ناجما عن سند، فان تعذر ذلك تقييما للدين إذا لم يحدد مبلغه بعد.

كيفية احتساب الفوائد في حالة استئناف سريانها مع تنفيذ مخطط الاستمرارية.

الإشارة إلى المحكمة إلى رفعت إليها الدعوى إن كان الدين موضوع نزاع. ويرفق بالتصريح جدول وثائق الإثبات ويمكن تقديم هذه الوثائق على شكل نسخ، ويمكن للسنديك أن يطالب في أي وقت تقديم أصولها أو وثائق تكميلية. ويؤدي عدم التصريح إلى سقوط الدين سواء بالنسبة للمدين أو بالنسبة للدائنين في المسطرة ما لم يتم تدارك الموقف بتقديم دعوى رفع السقوط على القاضي المنتدب داخل أجل سنة ابتداء من تاريخ صدور مقرر فتح المسطرة. وإثبات الدائن أن سبب عدم التصريح بالدين لا يعود إليه وحتى في حالة قبول طلب رفع السقوط فإن الدائنين لا يشاركون إلا في تقسيم التوزيعات الموالية لتاريخ طلبهم.

كما أن الدائنين الحاملين لضمانات أو ائتمان إيجاري ثم شهرهما لا يمكن مواجهتهم بالسقوط إذا لم يتم إشعارهم من قبل السنديك شخصيا أو في موطنهم عند الاقتضاء. وفي هذا الصدد قضت المحكمة التجارية بالرباط: "بأن قانون 6/7/1993 المنظم للكفلات البنكية لا يعتبر ضمانة بنكية من الضمانات الواجب شهرها، وبالتالي فإن المدعى عليها تبقي ملزمة بالتصريح بديونها داخل أجل شهرين من نشر الحكم بالتسوية القضائية[14]". ويتعرض عقد الكفالة بدوره إلى الانقضاء في حالة عدم التصريح باعتباره من الالتزامات التبعية، فطبيعة عقد الكفالة تقتضى استفادة الكفيل من انقضاء الدين في مواجهته، كما في مواجهة المدين الأصلي لأن الكفالة التزاما تبعيا للالتزام الأصلي يتبعه وجودا وعدما.

إلا أن المدين المتضامن يبقي ملتزما إزاء ذاته بالرغم من سقوط الدين وانقضائه بالنسبة للمدين الأصلي، فالمدين المتضامن يكون ملتزما اتجاه ذاته بصفة شخصية مستقلة عن التزام المدين الخاضع لمسطرة التسوية القضائية[15]. وهذا يجرنا مرة أخرى للحديث عن آجال التصريح ؟؟

ثانيا : آجال التصريح:

بناء على ما جاء في المادة 687 من م.ت، يجب على الدائن أن يقدم تصريحا بديونه إلى السنديك داخل أجل أقصاه شهرين ابتداء من تاريخ نشر الحكم القاضي بفتح المسطرة في الجريدة الرسمية، ويتم تمديد هذا الأجل بشهرين آخرين بالنسبة للدائنيين القاطنيين خارج المملكة المغربية. ونعتبر هذه الآجال آجال سقوط لا تقبل التوقف ولا القطع إذ بمجرد مرورها يسقط حق الدائن في مطالبة رئيس المقاولة أو كفيله بدينه ووعيا من المشرع بخطورة الآثار التي يرتبها سقوط حق الدائن، أعطى هذا الأخير إمكانية ممارسة الدعوى الرامية إلى رفع السقوط Action en relevé de forclusion داخل أجل سنة من تاريخ صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة ضد المقاولة المتوقفة عن الأداء وبعد تمام إجراءات التصريح يبدأ السنديك بتحقيق الديون المصرح بها لعرضها على القاضي المنتدب من أجل تحديد القائمة النهائية لدائني المقاولة.




الفقرة الثانية: مسطرة تحقيق الديون:

تتمثل عملية التحقيق هاته في قيام السنديك بإعداد قائمة بالديون التي صرح بها، وتذييلها باقتراحاته المتعلقة بقبولها أو رفضها وحسب مقتضيات المادة 694 من م.ت، يتقدم بهذه القائمة داخل أجل أقصاه ستة أشهر ابتداء من تاريخ صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة إلى القاضي المنتدب الذي يقرر الحالات، لكن بعد ما يبت القاضي المنتدب في الاختصاص أو في دين منازع فيه من طرف المقاولة أو الدائن، يستدعيهما كاتب الضبط برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل وتبلغ المقررات الصادرة عنه في هذا الصدد إلى جميع الأطراف داخل اجل ثمانية أيام برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل بينما تبلغ المقررات بقبول الديون غير المنازع فيها إلى الدائنيين برسالة عادية.

وبعد التحقيق الأولي، والذي يعتبر مرحلة إدارية تأتي عملية تحقيق الديون من طرف القاضي المنتدب باستدعاء الأطراف إلى جلسة بمكتب هذا الأخير بما فيهم السنديك والمراقبين إن وجدوا، ومما تجب ملاحظته أن القاضي المنتدب غير ملزم بالتقيد باقتراحات السنديك بهذا الشأن، ذلك انه بتبني القاضي المنتدب بشكل مطلق لاقتراح السنديك يكون قد منح سلطة أوسع لهذا الأخير من مجرد الاقتراح، إذ أنه يصبح هو صاحب القرار في مصير الدين بدل القاضي المنتدب، ويمتد قبول الدين من طرف القاضي المنتدب إلى الضمانات المقترنة به وهكذا يعتبر القاضي المنتدب متخصصا لتقدير مدى صحة الرهن الحيازي وحسب القانون الفرنسي، فإن القبول المؤقت للديون غير جائز ولو تعلق الأمر بالديون الضريبية[16]، ويبت القاضي المنتدب بأوامر قابلة للاستئناف، ولا تخرج عن أربع حالات بناء على اقتراحات السنديك، وهي قبول الطلب، رفض الطلب، معانية دعوى جارية، عدم الاختصاص، وذلك داخل خمسة عشر يوما من تاريخ الإشعار بالنسبة للدائن والمدين ومن تاريخ المقرر بالنسبة للسنديك. وتجدر الإشارة في هذا الباب أنه يمكن لكل شخص الاطلاع على قائمة الديون بكتابة الضبط، وذلك حسب ما نصت عليه صراحة مقتضيات المادة 699 من م.ت[17].

المطلب الثاني: وقف المتابعات الفردية وسريان الفوائد:

يقود الحكم بفتح مسطرة التسوية القضائية في مواجهة المقاولة على وقف المتابعات الفردية المرفوعة ضدها، وتجميد سريان الفوائد القانونية والاتفاقية .

الفقرة الأولى: إيقاف المتابعات الفردية.

بعد صدور الحكم بفتح مسطرة التسوية، تمنع جميع الدعاوى التي يقيمها الدائنون أصحاب الديون الناشئة قبل صدوره، سواء كان هؤلاء الدائنون عاديون وحتى الدائنون أصحاب امتياز أو رهن على أصل تجاري، والتي ترمي إلى الحكم على المدين بأداء مبلغ من المال، أو إلى فسخ عقد لعدم أداء مبلغ من المال، أو إلى التنفيذ على أموال المدين سواء كانت منقولات أو عقارات[18].

وقد كرس القضاء المغربي هذه القاعدة خاصة قضاة الموضوع، حيث رفضت تجارية الدار البيضاء طلب القرض العقاري والسياحي الرامي إلى تمكينه من حيازة المقاولة تنفيذا لأمر قضائي، وإلى إلغاء الحكم المتعرض عليه والقاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية لتعارضه والأمر القضائي المذكور، وعللت دعمها كالآتي: "حيث دفعت المتعرضة أيضا بكون الحكم المتعرض عليه يتعارض والحكم القاضي لها بحيازة المصحة واستخلاص مداخيلها. وحيث إن حكم فتح المسطرة يوقف ويمنع كل إجراء للتنفيذ يقيمه الدائنون سواء على المنقولات أو العقارات طبقا للمادة 653 من م.ت. ومن تم يكون الحكم القاضي للمدعية بالحيازة ليس مخططا للتسوية، لكونه صادرا لفائدة أحد الدائنين من أجل استخلاص دين، وأن فتح مسطرة التسوية القضائية يقتضي إيقاف إجراءات تنفيذه.

ومن خلال هذا  الحكم يتبين أن المحكمة قد أوقفت تنفيذ الأمر القضائي الذي أعطى للقرض السياحي والعقاري إمكانية حيازة المقاولة، وذلك لوجود هذه الأخيرة في حالة التسوية القضائية.[19]

وتبقى الغاية المقصودة بعد فتح مسطرة التسوية القضائية هو توقف الدعاوى المتعلقة بالديون الناشئة قبلها لمنع التزاحم والتسابق بين الدائنيين، وتحقيق المساواة بينهم، ولإتاحة الفرصة لحصر خصوم المقاولة وأصولها وتحديد وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية. وتبقى هذه القاعدة مانعة في نظرنا الشخصي على الدائنين من رفع أية دعوى جديدة، كما توقف الدعاوى التي سبق رفعها والتي لا تتواصل حسب نص المادة 654 من م.ت إلا بعد أن يقوم الدائن بالتصريح بدينه،وهنا نود الإشارة إلى أن عمومية المادة 653 من م.ت تجيز تطبيقها في الدعوى المدنية التابعة أمام المحكمة الزجرية بجانب الوقف والمنع بخصوص الدعاوى[20].

ومن جهة أخرى، نجد بأن المادة 656 من م.ت تخفف من شدة المادة 653 من م.ت اتجاه الأغيار، إذ نصت على أن الدعاوى وإجراءات التنفيذ غير تلك المنصوص عليها في المادة 653 من م.ت تستمر، ويتعلق الأمر هنا بالدعاوى الرامية إلى الفسخ من أجل حالة غير تلك المتعلقة بعدم أداء مبلغ من المال مثلا بسبب عيب خفي[21].

الفقرة الثانية: وقف سريان الفوائد:

بقراءتنا لمقتضيات المادة 695 من م.ت نجدها تكرس قاعدة وقف سريان الفوائد، وذلك نقرأه من زاويتين:

فالأولى منها تشمل جميع الفوائد، سواء أكانت قانونية أو اتفاقية، أو فوائد تأخير أو زيادات.

أما الثانية، فتخص جميع الديون التي نشأت قبل فتح المسطرة، سواء كانت ديون عادية أو مضمونة بحقوق امتيازية عامة أو خاصة، أو برهون رسمية أو حيازية، ويستمر هنا وقف سريان هذه الفوائد طيلة فترة الملاحظة، وإلى غاية صدور الحكم بحصر مخطط الاستمرارية في حق المقاولة، حيث يستأنف سريانها ابتداء من تاريخ هذا الحكم. واعتمادا على مقتضيات المادة 659 من م.ت، حتى ولو قررت المحكمة إخضاع المقاولة للتصفية القضائية أو لمخطط التفويت، فإن قاعدة وقف سريان الفوائد تبقى قائمة، وهي قاعدة مرتبطة بشخص المدين، بحيث لا تمنع المادة 662 من م.ت الكفلاء من حق التمسك بها لتبقى الديون المضمونة من لدنهم منتجة لفوائدها، ويمكن كذلك للدائنين أن يطالبوهم بها[22].

خاتمة:

ومن هنا يظهر جليا مدى أهمية مسطرة التسوية القضائية، باعتبارها أهم المراحل القضائية التي تستلزم انضمام القاضي إلى مكونات المقاولة البشرية ليتخذ مكان المسير والمراقب ومتخذ القرار في كل ما يتعلق بها، بالإضافة إلى أنها تعتبر المرحلة الحاسمة في مآل المقاولة نحو التسوية والعين أو التصفية، وهذه المسطرة تهدف إلى طمأنة الممولين أو الشركاء المتعاملين مع المقاولة من بنوك ومؤسسات مالية، وتشجيعهم على التدخل لإنقاذ المقاولة، وتتمثل في الضمان القوي الذي نصت عليه المادة 575 من م.ت لأن هؤلاء الممولين ما كانوا ليغامروا في هذه المرحلة الحرجة، بتقديم التمويل للمقاولة في طور المعالجة إلا إذا كانوا على يقين بأنهم سيحصلون على ديونهم في تاريخ استحقاقها أو على الأقل بالأولوية على سائر الديون الأخرى سواء العادية منها، أو المقرونة بامتياز أو ضمان. ولا يعد حق الأسبقية الذي تقدمه المادة 757 من م.ت الآلية الوحيدة في هذا التشريع، بل تقوم إلى جانبه آليات أخرى، يمكن أن يستعملها السنديك أو رئيس المقاولة بترخيص من القاضي المنتدب وتتجسد في جواز تقديم رهن رسمي أو رهن حيازي قصد الحصول على التمويل أو الائتمان طبقا للمادة 578 من م.ت وفي الأخير تبقى التسوية القضائية المرحلة التي يكون فيها التدخل الفعلي للقضاء.

[1] سعد القاسمي: خصوصيات نظام المقاولة، دراسة مقارنة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، شعبة قانون الأعمال لسنة 1998 الدار البيضاء، ص 5.

[2] القانون رقم 15/95 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.96.83 بتاريخ فاتح غشت 1996 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ: 3/10/1996.

[3] سعد القاسمي، مرجع سابق، ص 5.

[4] الأستاذ عز الدين نسبتي: مدونة التجارة الجديدة، القانون رقم 15.95 سلسلة المعارف القانونية، تقديم الأستاذ محمد الكشبور وعز الدين نسبتي، ص 35 و36.

  [5]عبد الرحمن السيلماني منتدب قضائي بالمجلس الأعلى مجلة القصر مجلة فصلية للدارسات والوثائق القانونية العدد 3 شتنبر 2002 ص 6700.

    [6]حكم صادر بتاريخ 7/04/1999 في ملف عدد 1/89 حكم غير منشور.

[7]حكم رقم 1 صادر بتاريخ 19/1/2000 في ملف عدد 6/99/1919.

[8] ما يمكن ملاحظة هو أن المشرع المغربي لم يضع تعريفا عاما للتسوية القضائية أو التصحيح القضائي يحدد أهدافها، على عكس المشرع الفرنسي الذي سلك نهجا مغايرا يبين الغاية من هذا المسطرة الجديدة وذلك في الفقرة الأولي من المادة الأولي من قانون 25 يناير 1985 والتي جاء فيها تحدث مسطرة للتصحيح القضائي تهدف إلى حماية المقاولة والمحافظة على النشاط الاقتصادي ومناصب الشغل وتصفية الخصوم.

 [9] احمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التى تعترض المقاولة ومساطر معالجتها  الطبعة الأولى سنة 2000

والمشرع أعفي هذه الفئة من التصريح بالدين نظر لوضعيتها الاجتماعية وللطابع المعيشي للأجر والذي يخضع للامتياز.

 المنصوص عليه في المادة 1248 من ق ا ع.[10]

[11] أمر صادر عن القاضي المنتدب بالمحكم التجارية بفاس ملف عدد 6/2000/6 بتاريخ 29/17/2002

[12] المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات: عبد الرحيم السليماني منتدب قضائي بالمجلس الأعلى ص 11 و 12 العدد 3 شتنبر 2003

 [13]رغم أن المادة 13 من قانون المحاكم التجارية نصت على: أن الدعوي ترفع أمام المحكمة التجارية بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل في هيئة من هيئات المحامين بالمغرب

[14] حكم رقم 246 صادر بتاريخ 12/2/2002.

[15]عبد الرحيم السليماني منتدب قضائي بالمجلس الأعلى استناد زائر بكلية الحقوق بالرباط السويسي مقال عن التصريح بالديون في إطار مسطرة معالجة صعوبات المقاولة الإجراءات والآثار المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات العدد 3 شنبر 2003.

[16] ويري بعض الفقه الفرنسي أن قاعدة القبول.

[17] محمد ايت لحسن: مجلة المحامي العدد 43 سنة 2003 ص 16.

[18] عبد الرحيم القريشي: مجلة الملحق القضائي العدد 34 سنة 2002 الفوج 29 مقال عن: آليات إنقاذ المقاولة موضوع تسوية قضائية.

[19] حكم صادر في ملف عدد 2573/98 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 853.

[20] تنص المادة 653 من م. ت على: منع كل إجراء بقيمة الدائنون الناشئة ديونهم قبل الحكم بفتح المسطرة، سواء على المنقولات أو العقارات وكذا وقف إجراءات التنفيذ التي سبقت مباشرة، كما أن وقف المتابعة الفردية لا يستفيد الكفلاء.

[21] محمد الادريسي: الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي يناير 2004 ص 148 و 149.

وكذلك الحوسيني العقلي في نفس الندوة.

[22] للمزيد من التعمق حول هذا الموضوع عبر الاجتهاد القضائي يمكن الرجوع إلى القرار الصادرة عن محكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء.

قرار رقم 842/2003 صادر بتاريخ 14/03/2003 ملف عدد 181/2003/11.

-          قرار 1487/2002

902/2002/11

-          قرار عدد 3497/2002 صادر بتاريخ:  20/12/2002 ملف عدد 3139/2002/11.

-          قرار عدد 1410/2002 صادر بتاريخ 24/5/2002 ملف عدد 901/2002/11.

-          قرار عدد 601/2002 صادر بتاريخ 8/3/2002 ملف عدد 602/2002 صادر بتاريخ 8/3/2002

-          ملف عدد 245/2002/11

-          قرار عدد 393/2001 صادر بتاريخ 16/2/2001 ملف عدد 2825/2000/11. 
المصدر: http://www.sejdm.com