11.10.2017

أصول المحاكمات المدنية الدعوى المدنية

أصول المحاكمات المدنية الدعوى المدنية







 الدعوى المدنية

الدعوى المدنية

ياسر عياش




في العهود البدائية للمجتمعات لم يكن ثمة مؤسسة قانونية تحدد كيفية حل النزاع عند حصوله، إذ كان المبدأ السائد في تلك العهود هو مبدأ العدالة الشخصية، فيجوز لكل فرد أن يستوفي حقه بنفسه سواء تعلق الأمر بالحقوق المدنية أم الجزائية. غير أن هذا النظام كان يؤدي إلى انتصار القوة وسيطرة العنف، وبالتالي إلى اضطراب العلاقات الاجتماعية.

إلا أن المجتمع ومع تطوره عبر الزمن أخذ يميل إلى الاستقرار في العيش وضرورة إيجاد قواعد قانونية تمكّن الأفراد من حماية حقوقهم عبر سلطة عليا لفصل المنازعات، وإن خير سلطة يمكن اللجوء إليها هي سلطة الدولة التي تقوم بهذا الدور عبر المحاكم التي تنشئها على اختلاف أنواعها، بوضعها القواعد الإجرائية ومختلف الوسائل التقنية. إذ لا يكفي أن يحدد المشرع مدى حقوق المتداعين، بل لابد له أيضاً من إيجاد الوسائل التي تمكنهم من إلزام الغير باحترامها، وهذه الوسائل تظهر للوجود بأشكال مختلفة وتبقى الدعوى أهم هذه الوسائل .

ومن هنا تأتي أهمية دورها الكبير في حل النزاعات بين الأفراد عبر السلطة القضائية، فهي تحتل مركزاً وسطاً بين القانون المدني وقانون أصول المحاكمات.

أولاً- مفهوم الدعوى:

لم يشتمل قانون أصول المحاكمات السوري على تعريف للدعوى يبين ماهيتها وشروطها، بل اكتفى بالإشارة إلى وجوب توافر شرط المصلحة، وبذلك يكون المشرع السوري قد اتبع خطوات المشرع المصري والفرنسي في هذا المجال تاركاً ذلك للاجتهادين الفقهي والقضائي أمر توضيحها.

ووجه الصعوبة في تحديد ماهية الدعوى هو أن العرف ونصوص القانون نفسها لا تعطي كلمة دعوى معنى اصطلاحياً خاصاً وتقصرها عليـه، بل تخلط في كثير من الأحيان بين الدعوى والخصومة مع أن لكل منهما معناه الخاص إذا أريد إعطاء الكلمة معناها الاصطلاحي الدقيق.

1- تعريفها: لا تتضمن قوانين أصول المحاكمات بوجه عام تعريفاً للدعوى على الرغم من تعريفها في مجلة الأحكام العدلية الملغاة في المادة 1613 بأنها: «طلب أحد حقه بحضور الحاكم، ويقال للطالب المدعي وللمطلوب المدعى عليه».

ولذلك حاول الفقه والقضاء سد هذا النقص والعمل على توضيح مفهوم الدعوى، إلا أن الفقهاء لم يتفقوا على فكرة محددة للدعوى بل تعددت الآراء بينهم في هذا الصدد.

فقد عرفها الفقه الفرنسي بأنها سلطة الالتجاء إلى القضاء بقصد الوصول إلى احترام القانون أو بقصد حماية الحق. وبعبارة أخرى الدعوى هي وسيلة قانونية متروكة لاختيار المرء في سبيل حماية حقه من طريق احترام القانون.

وقد عرفها أحمد أبو الوفا بأنها «سلطة الالتجاء إلى القضاء للحصول على تقرير حق أو لحمايته». ويعرفها أحد الشراح بأنها «سلطة الالتجاء إلى القضاء بقصد الوصول إلى احترام القانون»، وبهذا المعنى يعرفها ديجي إذ يقول إنها «حماية لقاعدة مقررة في القانون».

2- طبيعتها: كثر النقاش حول طبيعة الدعوى أي التمييز بين الدعوى والحق الذي تحميه، فقيل وفقاً للنظرية التقليدية إن الدعوى هي الحق نفسه في إحدى حالاته. أو بعبارة أخرى هي الحق ذاته متحركاً إلى القضاء فهو يبقى هادئاً إذا لم يُنازع فيه، وإنما ينشط إذا ما أُنكر أو اُعتدي عليه.

فالحق يمثل حالة قانونية هادئة، والدعـوى تمثل الحالة القانونية نفسـها وقت التحـرك. ودليل ذلك أن الحق والدعوى يولدان معاً ويبقى أحدهما ما بقي الآخر، وأن موضوع الدعوى هو موضوع الحق نفسه، فصاحب الحق يلتجئ إلى القضاء للمطالبة بالمنفعة نفسها التي يكتسبها فيما لو اُعترف له بحقه، وأن الدعوى تتصف بأوصاف الحق نفسها فهي مثله إما عينية وإما شخصية، عقارية أو منقولة.

وقيل في النظرية الحديثة - التي أصبحت الآن الفكرة السائدة في الفقه - إن الدعوى مستقلة عن الحق الموضوعي فهي ليست الحق ذاته، كما أنها ليست عنصراً من عناصره. ويظهر هذا الفرق بوجه خاص في سبب كل منهما وشروط تكوينهما واستعمالهما وفي موضوعهما وآثارهما القانونية:

أ- من ناحية السبب: إن سبب الحق هو التصرف القانوني المنشئ له كالعقد أو الإرادة المنفردة أو الواقعة القانونية كالعمل غير المشروع. أما سبب الدعوى فيقوم في الاعتداء على الحق أو في إنكار وجوده، كما أن سبب الدعوى في بعض الأحيان يرجع إلى إرادة المشرع نفسه كدعاوى الطلاق.

ب- من ناحية شروط وجود كل منهما:

(1) قد يوجد الحق ولا توجد الدعوى أي لا يوجد حق بالالتجاء إلى القضاء لحمايته أو المطالبة به ومثال ذلك الحق الطبيعي.

(2) أن القدرة على الالتجاء إلى القضـاء لحماية الحق هي حق جديد بلا نزاع، يتميز من الحق الأول ويكون هذا الحق عنصراً من عناصره، ولا يمكن اعتبار الحق والدعوى شيئاً واحداً إلا إذا كان صاحب الحق يستطيع اقتضاءه بنفسه كحق الحبس.

(3) يمكن أن توجد بعض الحقوق غير المحمية على الفور بالدعوى، كالدائن بدين مؤجل لا يستطيع من حيث المبدأ اللجوء إلى الدعوى للحصول على حقه قبل انقضاء الأجل.

(4) يمكن أن يوجد الحق في البداية محمياً قانوناً إلا أنه يفقد هذه الحماية بانقضاء مرور الزمن من دون أن يفقد مع ذلك كل أثر قانوني له.

ج- من ناحية شروط الممارسة:

(1) إن ممارسة الدعوى أمام القضاء تخضع لعدد من الشروط بحيث إن عدم مراعاتها يؤدي إلى عدم قبول الطلب من دون أن يفقد صاحب العلاقة قدرته على ممارسة هذا الحق.

(2) يمكن أن ترفع الدعوى من شخص غير صاحب الحق كالولي الذي يباشر الدعوى عن القاصر.

(3) يمكن أن يكون الحق قابلاً للرهن والحجز ولا تكون الدعوى به كذلك، كحق الملكية العقارية إذ يقبل الرهن في حين أن الدعوى به لا تقبل ذلك.

د- من ناحية الموضوع:

إن الحق الواحد يمكن أن تتولد عنه عدة دعاوى. فالمالك يمكنه أن يرفع دعوى لحماية هذا الحق وأن يرفع دعوى للمطالبة بتعويض الضرر الذي أصاب هذا الحق، كما يمكنه أن يرفع دعوى للمطالبة باتخاذ إجراءات احتياطية لحماية هذا الحق.

وخلاصة القول: أن الفقهاء مهما غالوا في التمييز بين الحق والدعوى فإن الارتباط بينهما يظل قائماً وثيقاً من ناحية الأساس والوصف، وأن هذه الصلة على الرغم من قوتها فإنها لا تبلغ مبلغ الاتحاد بين الدعوى والحق ليصبحا شيئاً واحداً. فحيث تستند الدعوى إلى حق، يوجد بينهما هدف مشترك هو ضمان مال معين لصاحب الحق، وإن تم هذا بوسيلتين مختلفتين. ففي الحق الشخصي يتم هذا الضمان بأداء من الملتزم، أما في الدعوى فإن هذا الضمان يكون عن طريق حكم من القضاء. ولهذا فإنه إذا قام المدين بالوفاء فإن الحق ينقضي وكذلك الدعوى. ومن ناحية أخرى إن قيام الدائن باقتضاء حقه عن طريق القضاء بالحصول على حكم وتنفيذه يؤدي إلى انقضاء الحق الموضوعي.

3- خصائصها: باعتبار أن الدعوى حق من الحقوق فهي تتميز بالصفات والخصائص الملازمة لأي حق يتمتع به الأفراد. ومن أهم هذه الخصائص:

أ- إن استعمال الدعوى أمر اختياري لا إلزامي: إذ يحق لصاحب الدعوى أن يطلب الحماية القضائية أو أن يتخذ موقفاً سلبياً من الاعتداء على حقه فلا يطلب الحماية.

ب- الدعوى حق يمكن حوالته وانتقاله إلى الغير: يمكن حوالة الحق في الدعوى، سواء في جانبه الإيجابي أم في جانبه السلبي، كما أنه أيضاً ينتقل إلى الخلف العام وإلى الخلف الخاص. باستثناء الدعاوى التي ترمي إلى حماية حقوق تتعلق بشخص صاحبها بصورة ضيقة كدعوى الطلاق فلا تكون قابلة للانتقال بطريق الإرث.

ج- الدعوى حق يجوز التنازل عنه: إن الدعوى تستند إلى المطالبة بحق موضوعي، والتنازل عن هذا الحق يؤدي إلى زوال الحق في الدعوى، وقد يحصل التنازل عن الدعوى من دون تنازل عن الحـق الموضوعي، ففي هذه الحالـة تنقضي الدعوى ويبقى الحق الموضوعي قائماً، بحيث يستطيع صاحب الحق رفع دعوى جديدة بالاستناد إليه عند الحاجة.

د- الدعوى حق ينقضي بالتقادم: إن الدعوى تخضع لمدة محددة يجب رفعها فيها، فإذا انقضت هذه المدة تقادمت الدعوى ولم يعد لها وجود. ويبدأ سريان مدة التقادم منذ نشوء الحق في رفع الدعوى، أي منذ الاعتداء على الحق الموضوعي الذي تحميه الدعوى. ومثال ذلك ما نصت عليه المادة (244) من القانون المدني بقولها: «تسقط بالتقادم دعوى عدم نفاذ التصرف بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه الدائن بسبب عدم نفاذ التصرف وتسقط في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من الوقت الذي صدر فيه التصرف المطعون فيه».

4- التعسف في استعمالها: إن استعمال الدعوى هو استعمال مقرر في القانون وفق ما نصت عليه المادة (5) من القانون المدني، فلا يجوز أن يشكل مبدئياً وبذاته - حتى في حال خسارة الدعوى - خطأً شخصياً. فمن أخفق في دعواه أو في معارضة ادعاءات خصمه لا يتعرض لأي مسؤولية أو الحكم عليه بالعطل والضرر؛ لأن هذا قد يدفع البعض إلى التردد في الدفاع عن حقوقهم مما يؤدي إلى نتائج سيئة من الناحيتين الفردية والاجتماعية.

غير أن استعمال حق الدعوى مهما بدا حراً لا يجوز أن يصل إلى حد تبرير التجاوزات، فلا يمكن أن يُبرر بأي وجه تصرف الشخص الذي يقدم على مقاضاة خصمه مستهدفاً بذلك مجرد إزعاجه وإضاعة وقته، ففي هذه الحالة التي يتأكد فيها القصد السيئ لدى الخصم وتعسفه باستعمال حق الادعاء أو الدفاع يحق للخصم الآخر الذي تضرر من هذا التصرف أن يطلب الحكم له ببدل العطل والضرر إعمالاً لنص المادة 164 من القانون المدني. وقد اعتمد الاجتهاد القضائي هذا المبدأ عندما قضى بمسؤولية الخصم الذي يخفق في دعواه بعد ثبوت سوء نيته وقصد الأضرار بالخصم الآخر أو كان متعسفاً في استعمال حقه.

ثانياً- تصنيف الدعاوى:

تعدّ الدعوى بنظر الفقه الحديث وسيلة قانونية لإثبات حق أو لحمايته من المنازعة فيه أو الاعتداء عليه، فهي إذن مرتبطة بالحق ارتباطاً وثيقاً وعنصر أساسي في كيانه وفي تحقيق هدفه، ولهذا تدور معه وتلحق بها أوصافه. وبناء على ذلك تقسم الدعاوى بالنظر للحق المسندة إليه والرامية لصيانته إلى دعاوى عينية ودعاوى شخصية ودعاوى مختلطة، وتنقسم من حيث موضوع الحق المطالب به إلى دعاوى منقولة ودعاوى عقارية، وتنقسم بحسب حمايتها لحق أو لمركز حيازة إلى دعاوى ملكية ودعاوى حيازة، وتنقسم بحسب الغاية المراد منها إلى دعاوى موضوع ودعاوى مستعجلة.

1- تقسيم الدعاوى بالنظر إلى الحق محل الحماية: وتنقسم إلى ثلاثة أنواع وهي:

أ- الدعاوى العينية: وهي التي تستند إلى حق عيني ويرمي بها رافعها لإثبات هذا الحق، أو لقطع النزاع بشأنه، أو لإبطال حق يعارضه أو يثقله. ومثالها دعوى الملكية ودعوى الاستحقاق التي يرفعها مالك العين على من يعتدي على حق ملكيته لها أو ينازعه فيه. ودعوى تقرير حق الانتفاع أو حق الارتفاق التي يرفعها صاحب هذا الحق على من ينازعه في حقه. ودعوى المرتهن على من ينازعه في حقه المرهون.

ب- الدعاوى الشخصية: وهي التي تستند إلى حق شخصي ويرمي بها رافعها لحماية هذا الحق، أي حينما تنصب على إثبات التزام أو نفيه أو انقضائه. ولا يمكن حصرها لأن العقود وغيرها من مصادر الالتزام منشـئة لالتزامات كثيرة ومتنوعة. ومثال ذلك الدعوى التي يرفعها الدائن والمنصبة على طلب الحكم له بإبطال تصرف مدينه بعين معينة من أمواله، ودعوى التعويض عن العمل غير المشروع.

وتعد الدعوى شخصية ولو تعلقت بشيء مادامت ترمي إلى حماية حق شخصي، ولهذا تعد دعوى شخصية دعوى المستأجر ضد المؤجر لمطالبته بتسليم العين المؤجرة؛ لأن أساس هذه الدعوى هو حق المستأجر الشخصي في تسلم العين المؤجرة.

ج- الدعاوى المختلطة: وتسمى الدعوى مختلطة إذا كانت شخصية عينية، وتكون الدعوى شخصية عينية عندما تستند إلى حق شخصي وحق عيني معاً، فهي تتكون من اجتماع حقين مختلفين في طبيعتهما ولكنهما يرميان إلى غرض واحد. ومثالها دعوى المشتري على البائع بتسليم العقار المبيع تنفيذاً لعقد البيع، ودعوى البائع على المشتري بفسخ البيع ورد العقار إليه. وتكون لهذه الدعوى مميزات كل من الدعوى العينية والدعوى الشخصية.

وتكمن أهمية التفريق بين الدعاوى العينية والدعاوى الشخصية في النواحي الآتية:

(1) تكون المحكمة المختصة مكانياً للنظر في الدعاوى الشخصية هي المحكمة التي يوجد في دائرتها موطن المدعى عليه وفق ما نصت عليه المادة 81 أصول محاكمات. في حين أن المحكمة المختصة مكانياً في الدعاوى العينية -وخاصة منها العقارية- هي المحكمة التي يقع في دائرتها العقار المتنازع عليه أو أحد أجزائه إذا كان واقعاً في دوائر محاكم مختلفة عملاً بالمادة 82 أصول محاكمات.

(2) يجوز رفع الدعوى العينية على كل شخص تؤول إليه حيازة العين؛ لأن الحق العيني الذي تستند إليه هذه الدعوى مقرر على العين يتبعها في أي يد كانت. فإذا اشترى شخص من آخر سيارة بعقد مسجل في دائرة المواصلات انتقل إليه بهذا التسجيل حق الملكية، وهو حق عيني على السيارة، فإذا كانت السيارة في حيازة شخص آخر كان للمشتري أن يرفع الدعوى ضد هذا الحائز لتسليمه السيارة المذكورة.

أما الدعوى الشخصية فلا ترفع إلا تجاه الملتزم بالحق الشخصي وهو المدين بالالتزام. فإذا قام شخص آخر بإصلاح السيارة بتكليف من صاحبها الأول قبل بيعها وسلّمه إياها وقام هذا الأخير ببيعها فليس للمصلِّح أن يوجه دعواه بأجور التصليح ضد المشتري لأن حقه شخصي ترتب بذمة البائع.

2- تقسيم الدعاوى من حيث موضوع الحق المطالب به: تقوم هذه التفرقة على أسـاس النظر إلى محل الحق الموضوعي الذي تحميه الدعوى، فإذا كان محل الحق عقاراً سميت الدعوى بالدعوى العقارية، وإذا كانت منقولاً كانت الدعوى منقولة. فالدعوى التي يرفعها مالك العقار على من اغتصبه منه دعوى عقارية، أما الدعوى التي يرفعها مالك المنقول فإنها تعد دعوى منقولة.

ويرجع في تحديد طبيعة المال محل الحق وبالتالي تقسيم الحقوق إلى منقولة وعقارية إلى ما ورد في المادتين 84 و 85 من القانون المدني. فقد نصت المادة 84 على أن: «1- كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله منه من دون تلف فهو عقار. وكل ما عدا ذلك من شيء فهو منقول 2- ومع ذلك يعدّ عقاراً بالتخصيص المنقول الذي يضعه صاحبه في عقار يملكه رصداً على خدمة هذا العقار أو استغلاله».

ونصت المادة 85 بقولها: «1- يعتبر عقاراً كل حق عيني يقع على عقار، وكذلك كل دعوى تتعلق بحق عيني على عقار 2- يجوز أن تجري على العقارات الحقوق العينية التالية: - الملكية - التصرف - السطحية - الانتفاع - حق الأفضلية على الأراضي الخالية المباحة - حقوق الارتفاق العقارية - الرهن والتأمين العقاري - الامتياز- الوقف - الإجارتان - الإجارة الطويلة - حق الخيار الناتج عن الوعد بالبيع».

وقد تكون الدعوى العقارية دعوى عينية عقارية كدعوى تقرير حق الارتفاق أو الانتفاع على عقار، أو دعوى شخصية عقارية كدعوى المشتري بطلب تنفيذ عقد البيع وتسليم العقار المبيع. كما تكون الدعوى المنقولة عينية منقولة كدعوى الاستحقاق التي يقيمها مالك العين على الحاجز، أو دعوى شخصية منقولة كدعوى بائع العين المنقولة بطلب الثمن.

وتبدو أهمية التفريق بين الدعاوى المنقولة والدعاوى العقارية من جهة اختصاص المحكمة المحلي والقيمي. فهناك بعض الدعاوى العقارية التي تختص في نظرها المحاكم الصلحية دون سواها بغض النظر عن قيمة النزاع كدعاوى الارتفاق ودعاوى قسمة الأعيان ودعاوى الحيازة عملاً بأحكام المادة 63 أصول محاكمات. أما سائر الدعاوى سواء أكانت عقارية أم منقولة فيرجع من أجل تحديد اختصاص المحكمة في نظرها إلى القواعد التي تحكم الاختصاص المكاني والقيمي وفق ما نصت عليه المادتان 62 و77 أصول محاكمات. وإضافة إلى ذلك فإنه يشترط في الدعاوى العقارية وضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار في السجل العقاري إعمالاً لنص المادة 47 من القرار ذي الرقم 188 تاريخ 15/3/1926 وتعديلاته، في حين أن الدعوى المنقولة لا تتطلب مثل هذا الشرط.

ومن الجدير ذكره أن هناك بعض الدعاوى التي لم يتفق الفقهاء بعد على إدخالها في فئة الدعاوى المنقولة، وهي في الوقت نفسه لا يمكن اعتبارها دعاوى عقارية. وهذه الدعاوى هي التي تتعلق بوضع الأشخاص كالدعاوى المتعلقة بالجنسية أو بالأهلية، ودعاوى تصحيح السـن أو الاسم، ودعاوى الزوجية ودعاوى النسب.

3- تقسيم الدعاوى بحسب حمايتها لحق أو لمركز حيازة: تنقسم الدعاوى العينية العقارية من حيث الغرض المقصود منها إلى دعاوى حق ودعاوى حيازة.

ويقصد بدعاوى الحق تلك الدعاوى التي تحمي حقاً عينياً أصلياً على عقار من كل اعتداء سواء كان حق الملكية أم غيره من الحقوق العينية الأخرى كحق الانتفاع أو الارتفاق. ويدخل في عداد هذه الدعاوى: دعـوى الاسـترداد والدعوى التي تهدف إلى تقرير حق الارتفاق على عقار، والدعوى بإنكار حق عيني مدعى به على عقار.

أما دعاوى الحيازة فهي التي تحمي حيازة العقار من قبل حائزه. ودعاوى الحيازة عينية لأن حيازة الحق قرينة على تملكه، فالدعوى التي تحمي حيازته هي عينية كالدعوى التي تحمي الحق نفسه، وهي دعوى عقارية لأن الحق العيني الذي يحمي حيازته يتعلق بعقار، أما بالنسبة للمنقولات فحيازتها قرينة على وجود السبب الصحيح وحسن النية عملاً بالفقرة الثالثة من المادة 927 من القانون المدني لأن حائز المنقول يعد مالكاً له.

ولم يأتِ المشرع السوري في قانون أصول المحاكمات أو في القانون المدني بتعريف للحيازة بل ترك ذلك للفقه والاجتهاد القضائي.

فقد عرفها أحمد أبو الوفا بأنها حالة واقعية تنشـأ عن سيطرة شخص على شيء أو على حق عليه بصفته مالكاً للشيء أو صاحب الحق عليه.

وقد استقر الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض السورية على أن الحيازة المقصودة بالمواد 64 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات هي حالة واقعية تنشأ عن سيطرة شخص على عقار أو على حق عيني عقاري بصفته مالكاً له أو متصرفاً به أو صاحب الحق عليه.

من ذلك يتضح أن للحيازة عنصرين: عنصر مادي وعنصر معنوي. فالعنصر المادي هو السيطرة المادية على الشيء، ويتوافر العنصر المادي بمجموع الأفعال المادية التي تكون الحيازة، كحيازة الأرض وتأجير العقار أو سكناه. أما العنصر المعنوي فيظهر بظهور واضع اليد بمظهر صاحب الحق.

فإذا توافر هذان العنصران عدّت الحيازة قرينة على تملك الحق، فكان لابد للمشرع من حمايتها ومن ترتيب أثر مهم عليها وهو التقادم المكسب في بعض الأحوال. أما إذا فقدت الحيازة عنصرها المعنوي فتعد مجرد وضع يد عرضية ولا تؤدي إلى اكتساب الحقوق بالتقادم كحيازة المزارع والمنتفع والوديع والمستعير وفق ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 909 من القانون المدني، أو الحيازة التي تقوم على عمل يأتيه شخص على أنه مجرد رخصة من المباحات أو عمل يتحمله الغير على سبيل التسامح وفق نص الفقرة الأولى من المادة 907 من القانون المدني.

ويحمي الحائز حيازته للعقار بدعاوى ثلاث: دعوى استرداد الحيازة ودعوى منع التعرض ودعوى وقف الأعمال الجديدة، وقد قننها المشرع في المواد 65-71 أصول محاكمات، بعد أن وضع لكل واحدة منها قواعد خاصة تستقل عن غيرها.

وتظهر أهمية التفريق بين دعاوى أصول الحق ودعاوى الحيازة بالنواحي الآتية:

أ- تخضع دعاوى الملكية لجهة الاختصاص النوعي للقواعد العامة، فتكون من اختصاص محاكم الصلح إذا كانت قيمة العقار لا تتجاوز عشرة آلاف ليرة سورية عملاً بأحكام المادة 62 أصول محاكمات. وتكون من اختصاص المحاكم البدائية إذا زادت القيمة على ذلك عملاً بأحكام المادة 77 أصول محاكمات. أما دعاوى الحيازة فهي من اختصاص محاكم الصلح مهما كانت قيمة العقار وفق ما نصت عليه المادة 64 أصول محاكمات.

ب- منع المشرع الجمع بين دعاوى الحيازة والدعاوى بأصل الحق تحت طائلة سقوط دعوى الحيازة وفق ما نصت عليه المادة 73 من قانون أصول المحاكمات.

ج- تخضع الأحكام الصادرة بالدعاوى المتعلقة بأصل الحق من حيث قابليتها للتنفيذ للقواعد العامة، أما دعاوى الحيازة فقد أجاز المشرع للمحكمة أن تحكم بالنفاذ المعجل بالكفالة أو من دونها على حسب ما نصت عليه المادة 293 أصول محاكمات.

د- اشترط المشرع رفع دعاوى الحيازة خلال السنة التالية لفقدها تحت طائلة عدم قبول الدعوى.

هـ- دعاوى الحيازة لا تسري إلا على العقارات التي يجوز تملكها، وأن تكون الحيازة هادئة وعلنية ومستمرة.

4- تصنيف الدعاوى بحسب الغاية منها: إن الهدف من الدعوى هو الحصول على حكم، وهذا الحكم الذي ترمي إليه الدعوى يختلف مضمونه بحسب الحاجة إلى الحماية القضائية. فهو يمنح هذه الحماية بالقدر اللازم لرد الاعتداء. ويجري الفقه الحديث على إجراء تقسيم لأحكام القضاء، يمكن أن يقابله تقسيم للدعاوى التي ترمي إلى الحصول على هذه الأحكام.

فالدعاوى إما أن ترمي إلى تحقيق النزاع للفصل فيه، وتسمى عندئذٍ بالدعاوى الموضوعية، وإما أن ترمي إلى حكم وقتي لا يفصل في النزاع وتسمى عندئذً بالدعاوى الوقتية أو المستعجلة.

أ- الدعاوى الموضوعية: وتنقسم بدورها إلى دعاوى تقريرية ودعاوى منشئة ودعاوى إلزام وفق التفصيل التالي:

(1) الدعوى التقريرية: وهي الدعـوى التي ترمي إلى الحصول على حكم يؤكـد وجود حق أو مركز قانوني أو يؤكد عدم وجوده. وبهذا يزول الشك القائم حول هذا الوجود. وتهدف هذه الدعوى إلى إزالة ما يثور من شك حول الحق أو المركز القانوني، بتأكيد وجوده أو عدم وجوده.

والدعوى التقريرية قد ترمي إلى تقرير سلبي ويحدث عند عدم وجود حق أو مركز قانوني. فالمدعي يطلب من القضاء تأكيد أن المدعى عليه لا حق له قبله، أو تقرير بطلان رابطة قانونية معينة أو تأكيد انحلالها، ومن أمثلتها الدعوى التي يرفعها المدين في مواجهة دائنه ببراءة ذمته.

وقد ترمي هذه الدعوى إلى تقرير إيجابي ويحدث بتقرير وجود حق أو مركز قانوني معين. ومن أمثلته دعوى تقرير وجود رابطة زوجية بين شخصين، أو دعوى تقرير بنوة شرعية.

والحكم الذي ترمي هذه الدعوى إلى الحصول عليه يسمى الحكم التقريري أو الحكم المقرر. وبذلك يتميز الحكم التقريري بأنه يؤدي إلى تحقيق الحماية القضائية المطلوبة تحقيقاً كاملاً، فلا حاجة بعده إلى أي إجراء قضائي لتكملة هذه الحماية. ولهذا فإن هذا الحكم لا يعد سنداً تنفيذياً، فإذا تطور الاعتداء بحيث أصبح صاحب الحق في حاجة إلى اقتضائه جبراً فإنه يجب عليه رفع دعوى إلزام  للحصول على حكم إلزام يصلح سنداً تنفيذياً.

(2) الدعوى المنشئة: وهي الدعوى التي ترمي إلى الحصول على حكم يقرر حقاً، فينشأ عن هذا التقرير تغيير مركز قانوني سابق. والحكم الذي تهدف إليه هذه الدعوى يسمى بالحكم المنشئ. ومثاله حق الرجل المسلم في طلاق زوجته، فهو يُستعمل بإعلان إرادة الرجل، فإذا حدث نزاع حول استعمال هذا الحق فإن الحكم الذي يقرر استعماله يعد حكماً مقرراً، إذ هو لا يفعل سوى تقرير مركز قانوني سبق إنتاجه بإرادة صاحب الحق.

وبما أن التغيير القانونـي يحدث نتيجة لصـدور الحكم المنشئ فإن هـذا التغيير لا يحدث إلا منذ صدور الحكم. ويُعبر عن هذا بأن للحكم المنشئ أثراً فورياً. على أن المشرع قد يرتب بنص صريح أثراً رجعياً على الحكم المنشئ، وعندئذٍ فإن التغيير القانوني وإن كان لا يحدث إلا بصدور الحكم إلا أنه يرتد إلى وقت سابق. ومثال ذلك الحكم القاضي بإبطال العقد إذ يرتد أثره إلى تاريخ إبرام العقد فيعد العقد قابلاً للإبطال منذ إبرامه.

ويكون للحكم المنشئ حجية الأمر المقضي لكنه لا يصلح سنداً تنفيذياً؛ لأن الحماية القضائية للحق الإرادي تتحقق كاملة بواسطة الحكم، إذ يترتب على صدوره إحداث التغيير القانوني المطلوب. وبهذا ينقضي الحق الإرادي، ولا تكون هنالك حاجة لأي حماية لاحقة بواسطة إجراءات التنفيذ.

من ذلك يتضح أن الحكم المنشئ يقوم هو الآخر كالحكم المقرر بمهمة تقريرية، لكن الفارق بينهما هو في الحق محل التقرير. ففي الحكم المنشئ يتميز هذا الحق بأنه حق إرادي وهو الحق في إحداث تغيير قانوني. ولهذا فإنه بتقرير هذا الحق - أي بتقرير وجود الشروط التي يتطلبها القانون لاستعمال هذا الحق- يترتب على هذا التقرير حدوث تغيير في مركز قانوني سابق. وهذا على النقيض من الحكم المقرر، إذ يكون مجرد التقرير هو هدف الحكم، ولا يترتب على هذا التقرير أي تغيير في مركز سابق.

(3) دعوى الإلزام: وهذه الدعوى هي أكثر الدعاوى شـيوعاً في الحياة العملية، وهي الدعوى التي ترمي إلى الحصول على حكم يتضمن إلزام المدعى عليه بأداء معين يقبل التنفيذ الجبري. والحكم الذي يصدر نتيجة لهذه الدعوى يسمى حكم الإلزام. ومثال ذلك الدعوى التي يقيمها الدائن ضد مدينه لإلزامه بالمبلغ المترتب بذمته بعد حلول أجله.

وحكم الإلزام له قـوة تنفيذية إذا توافرت الشروط الأخرى التي قد ينص عليها القانون، وهو وحده يخول الدائن الحصول على حق اختصاص على عقار مدينه أي التأمين الجبري، ويترتب على صدوره وحيازته قوة الأمر المقضي وبدء مهلة جديدة للسقوط بمرور الزمن.

ب- الدعاوى الوقتية أو المستعجلة: لقد رأى المشرع أن الاكتفاء بالالتجاء إلى القضاء العادي أي محاكم الموضوع وضرورة اتباع إجراءاته قد يكون غير منتج في بعض الحالات الخاصة التي يستلزم الفصل فيها السرعة والخشية من فوات الوقت؛ لذلك أنشأ بجانب الدعاوى الموضوعية الدعاوى المستعجلة التي أناط الحكم فيها بقاضي محكمة البداية المدنية بوصفه قاضياً للأمور المستعجلة، وفي المراكز التي لا يوجد فيها محاكم بداية عقد هذا الاختصاص لقاضي الصلح الذي فيها ليحكم بالأمور المستعجلة أو ليتخذ التدابير المستعجلة بوصفه قاضياً للأمور المستعجلة، ويمكن كذلك لمحكمة الموضوع أن تنظر بالدعوى المستعجلة إذا رفعت إليها بطريق التبعية وفق ما نصت عليه الفقرات الثلاث الأولى من المادة 78 أصول محاكمات.

ويقصد بالأمور المستعجلة التي تنظر فيها الدعوى المستعجلة المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت وفق ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة 78 أصول محاكمات. ويشترط لاختصاص القضاء المستعجل لرؤية الدعوى المستعجلة توافر صفة الاستعجال وعدم المساس بأصل الحق.

وقد عرَّف الفقهاء الأمر المستعجل بأنه ذلك الذي يتضمن خطراً داهمـاً محدقاً بالحق أو وقوع ضرر بالخصم لا يمكن تلافيه، وتطلب المحافظة عليه اتخاذ إجراءات سريعة لا تحتمل التريث وانتظار سير القضاء العادي حتى لو نظرها على وجه السرعة. أو بمعنى آخر هو الخطر الحقيقي المحدق بالحق المراد المحافظة عليه والذي يلزم درؤه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي ولو قصرت مواعيده.

والدعاوى المستعجلة كثيرة ومتشعبة ولا تقع تحت حصر، ومن أهم هذه الدعاوى: الحراسة القضائية ووصف الحالة الراهنة، والحجز الاحتياطي، ومنع المدين من السفر، وسماع شاهد قبل وقوع النزاع أمام القضاء المختص.

وتتميز الدعوى المستعجلة من دعوى الموضوع بأنها:

(1) دعوى مساعدة: فهي دائماً ترمي إلى مساعدة دعوى موضوعية رفعت فعلاً أو ينتظر رفعها، وبالتالي تضمن تحقيق الحماية القضائية على الوجه الأكمل.

(2) دعوى مجردة: وعلة هذا أنها تكون مقبولة لمجرد الاحتياط بصرف النظر عن وجود الحق الموضوعي. ولهذا فإنها تظهر مدى استقلال الدعوى المستعجلة في شروطها عن شروط الدعوى الموضوعية.

(3) دعوى لها أثر مؤقت: إن الأحكام التي تصدر في الدعاوى المستعجلة كبقية الأحكام القضائية تقيد القضاء المستعجل وتلزم طرفي الخصومة بنتائجها. وليس للقاضي أن يعدل عنها بقرار آخر، وكذلك ليس للخصوم أن يرفعوا دعوى ثانية بالموضوع ذاته أمام قاضي الأمور المستعجلة بقصد الوصول إلى حكم مانع أو معدل للحكم الأول الصادر في الدعوى الأولى، إلا في حالة واحدة إذا حصل تغيير أو تعديل في الوقائع المادية أو في المراكز القانونية للطرفين أو لأحدهما.

أما حجية الأحكام المستعجلة تجاه محكمة الموضوع فهي لا تتمتع بحجية عند عرض النزاع أمامها ولا تحوز قوة القضية المقضية، فلها أن تعدل فيها أو تغير فيها أو أن ترفضها مطلقاً.

ثالثاً- شروط قبول الدعوى:

الدعوى وإن كانت وسيلة قانونية مقررة لحماية حقوق الأفراد على وجه الإطلاق فهي ليست مجردة عن أي قيد أو شرط، وبالتالي لابد لوجود الدعوى وإمكانية مباشرتها من توافر شروط معينة، وإذا لم تتحقق عموماً في كل دعوى فإن المحكمة لا تبحث بموضوعها ولا تصدر فيه حكماً فاصلاً في النزاع، وإنما تحكم بعدم قبول الدعوى أو ردها شكلاً. ويمكن حصر الشروط المطلوبة في الدعوى إلى الشروط الذاتية والشروط الموضوعية.

1- الشروط الذاتية: يشترط في المتداعين بصورة عامة - سواء كان مدعياً أو مدعى عليه أو متدخلاً أم مدخلاً - أن تكون لهم المصلحة والصفة والأهلية.

أ- المصلحة: وهو أهم شروط قبول الدعوى، فإذا انتفت المصلحة انتفى الحق بالدعوى. ذلك لأن القضاء مكلف بخدمة عامة ولا يمكن أن ينصرف عن رسالته هذه إلى أعمال لا طائل منها تشغله في أمور تضيع عليه الوقت وترهق الأفراد من دون جدوى. لذلك فقد استقر اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض على أن «المصلحة مناط كل دعوى ودفع وطعن، وأن المصلحة الواجب توافرها هي التي تتأكد بتاريخ فصل الدعوى».

والمصلحة هي المنفعة التي يجنيها المدعي من التجائه إلى القضاء. فالأصل أن الشخص إذا اعتدى أحد على حقه تحققت له مصلحة في الالتجاء إلى القضاء، وهو أيضاً يبتغي منفعة من هذا الالتجاء. فالمصلحة إذن هي الباعث على رفع الدعوى، وهي من ناحية أخرى الغاية المقصودة منها.

وقد تندمج المصلحة والصفة في شخص مدعي الحق، إلا أنه لا يمكن اعتبارهما شرطاً واحداً لقبول الدعوى، لأن لكل منهما شروطه الخاصة به. فالصفة سلطة يمنحها القانون لرافع الدعوى تمكنه من إقامتها، ولكن لا يشترط أن تعود عليه بفائدة أو مصلحة شخصية متعلقة به، فقد يمارس الخصومة بالنيابة عن غيره أو بمقتضى القانون. فالمصلحة والصفة قد تتحدان وقد تنفصلان، ويكون لكل منهما كيانه الخاص.

مما سبق بيانه يتضح أن المصلحة شرط جوهري وأساسي من شرائط إقامة الدعوى تحت طائلة عدم قبولها. وهذا ما نصت عليه الفقرتان الأولى والثانية من المادة 11 أصول محاكمات: «1- لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون 2- تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر أو الاستيثاق من حق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه».

والشروط الواجب توافرها في المصلحة هي:

(1) أن تكون المصلحة قانونية مشروعة: إذ يتعين أن تكون المصلحة قانونية أي تسـتند إلى حق. وبعبارة أخرى يتعين أن يكون موضوع الدعوى هو المطالبة بحق أو بمركز قانوني أو التعويض عن ضـرر أصاب حقاً من الحقوق. ويستوي أن تكون المصلحة مادية أو أدبية، جدية أو تافهة.

والمصلحة غير القانونية لا يعتد بها ولا تكفي لقبول الدعوى. وتكون المصلحة غير قانونية إذا كانت مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، كأن يطلب شخص تنفيذ عقد تم بينه وبين خليلته مضمونه استمرار العلاقة بينهما.

(2) أن تكون المصلحة شخصية ومباشرة: أي أن يكون رافع الدعوى هو صاحب الحق المراد حمايته أو من يقوم مقامه، كالوكيل بالنسبة للموكل وكالوصي أو الولي بالنسبة للقاصر.

ومن الجدير ذكره أن هناك بعض الحالات التي أقرها التشريع والاجتهاد تقضي بعدم تطبيق توافر شرط المصلحة الشخصية والمباشرة بالنسبة لها، كما هو الحال في الدعوى غير المباشرة التي أجازها القانون المدني في المادة 236 منه بقولها: «لكل دائن ولو لم يكن حقه مستحق الأداء أن يستعمل باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين، إلا ما كان منها متصلاً بشخصه خاصة أو غير قابل للحجز».

(3) أن تكون المصلحة قائمة وحالّة: أي أن يكون حق رافـع الدعوى قد اعتدى عليه فعلاً أو حصلت له منازعة فيه، فيتحقق الضرر الذي يبرر الالتجاء إلى القضاء. كأن يمتنع المؤجر عن تسليم المستأجر العين موضوع عقد الإيجار، أو أن يحل أجل الدين فيمتنع المدين عن الوفاء للدائن به.

أما إذا كانت المصلحة محتملة فالأصل أن الدعوى لا تقبل، وإنما هناك دعاوى معينة جرى القضاء على جواز قبولها بالرغم من أن المصلحة في رفعها محتملة إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة 11 أصول محاكمات.

ب- الصفة: وهي ما للشخص من شأن في الدعوى يجيز له المخاصمة في موضوعها أو إبداء الدفاع فيها، أو هي الحالة التي يظهر بها الإنسان أمام القضاء والتي تمكّنه من المطالبة قانوناً بما يدعيه.

والصفة تمثل السلطة التي تخول الخصم إقامة الدعوى أمام القضاء، في حين أن الأهلية تمثل الصلاحية المطلوب توافرها في شخص الخصم في الدعوى باعتبار مؤهلاته الذاتية. فالقاصر يملك الصفة اللازمة للدعوى لكنه يفتقد أهلية التقاضي، لذا وجب تمثيله قانوناً من قبل الولي أو الوصي الذي تكون له الصفة باستعمال الحق في رفع الدعوى.

ويجب فيمن يباشر الدعوى أن يتمتع بالصفة اللازمة لمباشرتها، كما يجب فيمن توجه إليه الدعوى أن يكون ذا صفة في إبداء الدفاع فيها.

وإذا فقدت الصفة في رافع الدعوى كانت الدعوى غير مقبولة ولا يلزم أحد أن يباشر الدفاع فيها، وعلى المحكمة أن تقضي بعدم سماعها من تلقاء نفسها وبأي مرحلة كانت. وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض في اجتهاداتها المستقرة عندما قررت «أن الصفة في الادعاء شرط أساسي لقبول الدعوى وهو من متعلقات النظام العام».

ويعد ذا صفة بحسب التشريع السوري لمباشرة الدعوى على سبيل المثال لا الحصر: صاحب الحق نفسه أو من انتقل إليهم الحق بالإرث أو بأي طريق آخر - نائب صاحب الحق أو ممثله، كالوكيل الاتفاقي أو الممثل القانوني أو القضائي - ولي القاصر أو فاقد الأهلية أو وصيه - القيم المنصوب من قبل المحكمة بالنسبة للغائب. وإذا كان صاحب الحق شخصاً اعتبارياً يشترط في المدعي أن يكون ذا صفة لمباشرة الدعوى باسم الشخص الاعتباري، وكذلك يحق لأحد الورثة أن يمثل التركة وذلك في الدعاوى التي تقام على المتوفى أو له وفقاً لنص المادة 13 أصول المحاكمات. ويحق لدائني صاحب الحق مباشرة الدعوى باسمه إذا لم يستعمل حقه وكان ذلك يسبب إعساره عملاً بالمادة 236 من القانون المدني. وعلى هذا استقر اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض «بأن الصفة بمعناها الاصطلاحي هي ما للشخص من شأن في الدعوى يجيز له المخاصمة عن موضوعها أو إبداء دفاع فيها، والقاعدة العامة هي أن أصحاب الحقوق هم ذوو الصفة في المخاصمة عنها أمام القضاء، وقد يقوم بمباشرة الدعوى بالنيابة عن صاحب الحق وكلاؤه الاتفاقيون أو نوابه أو دائنوه، ويكون لهؤلاء الوكلاء أو النواب أو الدائنين صفة في المخاصمة مستمدة من عقد التوكيل أو نصوص القرارات الصادرة بتسميتهم أو القوانين».

ج- الأهلية: يشترط فيمن يباشر أي طلب أمام القضاء أن يتمتع بأهلية الأداء وهي صلاحية الشخص لممارسة الأعمال والتصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتد به قانوناً. وهذه الأهلية حق لأي شخص طبيعي أو اعتباري ضمن الشروط القانونية. وقد أعطى القانون للشخص الطبيعي الأهلية الكاملة لممارسة حقوقه المدنية إذا بلغ سن الرشد وهي ثماني عشرة سنة وكان متمتعاً بكامل قواه العقلية ولم يحجر عليه عملاً بأحكام المادة 46 من القانون المدني. أما فاقدو الأهلية وناقصوها فيخضعون بحسب الأحوال لأحكام الولاية أو الوصاية أو القوامة وفقاً لنص المادة 162 وما يليها من قانون الأحوال الشخصية.

أما بالنسبة للأجنبي فهو يعد أهلاً للتقاضي في سورية إذا توافرت فيه شروط الأهلية بالنسبة للقانون السوري ولو لم يكن أهلاً لذلك بحسب قانون بلاده عملاً بأحكام المادة 14 أصول محاكمات. وعلى المحكمة في جميع أدوار المحاكمة التثبت من توافر الأهلية أو من صحة التمثيل أو الأذن إعمالاً للمادة 16 من قانون أصول المحاكمات؛ ذلك لأن صحة الخصومة من النظام العام.

ولابد من الإشارة إلى أن الفقه غير متفق حول طبيعة هذا الدفع أو الشرط إن صح التعبير، فمنهم من يعدّه شرطاً لصحة المطالبة القضائية أي لصحة انعقاد الخصومة وليس شرطاً لقبول الدعوى، ومنهم من يعدّه من الدفوع الشكلية وليس دفعاً بعدم القبول، ويذهب آخرون إلى اعتباره دفعاً بعدم القبول ناظرين إلى الأهلية على أنها شرط من شروط قبول الدعوى أو الخصومة.

وقد ذهب الاجتهاد القضائي السوري إلى اعتبار الدفع المتعلق بالأهلية من الدفوع المتعلقة بالنظام العام، فقد قضى بأنه: «لا يقبل الادعاء المباشر من قبل ناقص الأهلية، وعلى المحكمة التثبت من توافر الأهلية وصحة التمثيل تلقائياً لتعلقه بالنظام العام». وأن «كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون، وقرينة توافر الأهلية لدى الشخص من شأنها إلقاء عبء إثبات العكس على عاتق من يتمسك بعدم الأهلية».

ولابد من الإشارة إلى أن بعض الفقهاء يرون أن الأهلية ليست شرطاً لقبول الطلب القضائي وإنما هي شــرط لصحة الخصومة بدليل أن فقدان الأهلية أو نقصها أثناء المحاكمة لا يبطل الطلب وإنما يتوقف النظر فيه لحين تصحيح عيب الأهلية، ولهذا فهم يحصرون شروط قبول الطلبات القضائية بشرطي الصفة والمصلحة. وهذا ما نصت عليه المادة 165 أصول محاكمات حينما قررت أنه «ينقطع سير الخصومة بحكم القانون بوفاة أحد الخصوم أو بفقده أهلية الخصومة، أو بزوال صفة من كان يباشر الخصومة عنه من الغائبين إلا إذا كانت الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها».

2- الشروط الموضوعية:

وهي الشروط المتعلقة بالحق المدعى به وهي:

أ- أن يكون الحق المدعى به ثابتاً ومستحق الأداء، ووجود الشرط أو الأجل لا يمنع الدائن من اتخاذ الإجراءات التحفظية للمحافظة على حقوقه عملاً بالمادة 274 من القانون المدني.

ب- أن يكون الحق المدعى به غير مخالف للقانون أو للآداب العامة أي مشروعية الحق المطلوب.

ج- ألا يكون قد سبق صدور حكم في موضوع الدعوى؛ لأن لكل حق دعوى واحدة تحميه.

د- ألا تكون الدعوى مرفوعة قبل الميعاد الذي حدده المشرع  أو بعده.

هـ- ألا يكون الخصوم قد اتفقوا على التحكيم بصددها. فالاتفاق على التحكيم لا ينزع الاختصاص من المحكمة وإنما يمنعها من سماع الدعوى ما دام شرط التحكيم قائماً.

مراجع للاستزادة:

- خليل جريج، محاضرات في نظرية الدعوى (مؤسسة نوفل، بيروت 1980).

- أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية (دار المعارف، مصر 1970).

- محمود طهماز، أصـول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية - الجزء الأول (مديريـة الكتب والمطبوعات الجامعية).

- فتحي والي، قانون القضاء اللبناني- أصول المحاكمات المدنية (دار النهضة العربية، بيروت 1970).

- شفيق طعمه، التقنين المدني السوري- الجزء الأول (دار الأنوار، دمشق 1983).

- رزق الله الأنطاكي، أصول المحاكمات في المواد المدنية و التجارية (جامعة دمشق، 1983-1984).

- هشام القاسم، المدخل إلى علم القانون (المطبعة الجديدة، دمشق 1977-1978).

- شفيق طعمة، تقنين أصـول المحاكمـات في المواد المدنية والتجارية - الجزء الأول (دار الأنوار، دمشق 1990).

- إدوار عيد، موسوعة أصول المحاكمات والإثبات و التنفيذ- الجزء الأول (بيروت 1977).
المصدر: http://arab-ency.com