11.14.2017

الوساطة في ضوء القانون المغربي والمقارن

الوساطة في ضوء القانون المغربي والمقارن







الوساطة في ضوء القانون المغربي والمقارن
الدكتور محمد الخضراوي

مستشار بمحكمة النقض

رئيس القسم الفني

نائب رئيس الودادية الحسنية للقضاة

رئيس المرصد القضائي المغربي للحقوق والحريات





لقد أصبح تقييم مدى فعالية الأنظمة القانونية والقضائية المعاصرة مرتبط بمدى توفر هذه الأنظمة على إمكانيات لتسهيل الولوج إلى العدالة التي تتمثل في:

نشر المعرفة القانونية والقضائية وتبسيط المساطر؛

المساعدة القانونية والقضائية؛

استغلال التكنولوجيا الحديثة في التقاضي عن بعد؛

الأخذ بالوسائل البديلة لحل المنازعات أو ما يعرف ب:

 ADR(Alternative Dispute Résolution)أوMARLأوMARC(Mode Alternatives de Règlement des Conflits ou Litiges)

هذه الأخيرة التي عرفت انتشارا واسعا في العالم المعاصر وتدخل المشرع لتنظيمها قانونا في عدة دول كما وضعت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي نظما خاصة فيها، ووضعت قانونا نموذجيا للتوفيق التجاري الدولي (19/11/2012) كما ساهم القضاء في تكريس عدة قواعد ترمي إلى الانتقال من التحكيم إلى الوسائل الأخرى البديلة لحل النزاعات.

وقد أدى ازدياد لجوء المتنازعين إلى هذه الوسائل في الفترة الأخيرة إلى عدم جواز تسمية تلك الوسائل ب «البديلة»، ذلك أن كثرة اللجوء إليها أدت إلى تحولها في كثير من الأحيان إلى وسائل أصيلة يلجأ لها الأطراف ابتداءا، مستفيدين من مزاياها في سرعة حسم النزاع، والحفاظ على السرية، وخفض التكاليف في أوضاع كثيرة، إضافة إلى مرونتها من حيث إجراءات حل النزاع والقواعد المطبقة عليه.

وجدير بالذكر أن الوسائل البديلة لحل المنازعات، قد أصبحت من الوسائل الملائمة للفصل في مجموعة هامة من المنازعات، كما هو الشأن في منازعات التجارة الدولية وحماية المستهلك، والمنازعات الناشئة في بيئة الأنترنيت، والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية في العصر الرقمي وغيرها من المنازعات، ولقد أصبح اللجوء إلى التحكيم مشروطا في غالب الأحيان بضرورة اللجوء مسبقا إلى الوساطة أو التوفيق.

وإذا كان مصطلح الوسائل البديلة لحل النزاعات يغطي عدة طرق من أهمها: الوساطة، المصالحة، الاستشارة، المحاكمة المصغرة، إلا أن التركيز يبقى على الوساطة لأهميتها حيث تشير الإحصائيات إلى أنها تنجح في حل حوالي 75% إلى 90% من الخلافات التي يتفق الأطراف على حلها باستعمالها.

والوساطة هي تقنية لتسيير عملية المفاوضات بين الأطراف، يقوم بها طرف ثالث محايد، يهدف إلى مساعدة أطراف النزاع للتوصل إلى حل النزاع القائم بينهم. وهي تتطلب مهارات في الوسيط تمكنه من الحوار والتواصل مع الأطراف لتقريب وجهات نظرهم وتسهيل توصلهم إلى حل نزاعهم على نحو مقبول منهم.

والوساطة هي التي بإمكانها تحقيق هذه الأهداف نظرا لمميزاتها التالية:

السرعة: فالنزاعات العائلية مثلا إذا لم تعالج بسرعة تصبح مستعصية وخارجة عن السيطرة، كما أن القضايا المدنية أو التجارية المتعلقة بالديون أو صفقات البناء والتجهيز تتضرر كثيرا بالتأخير في البت فيها

(Un mauvais aménagement vaut mieux qu’un bon procès)

السرية: فهي تحافظ على الأسرار الخاصة والحميمية لأطراف النزاعات العائلية والتي يؤدي إفشاؤها أمام المحاكم إلى تعميق الخلافات كما أن أطراف القضايا التجارية يفضلون عادة عدم نشر خلافاتهم على الملأ لأن ذلك يؤثر على سمعتهم في السوق ويهدد قدرتهم التنافسية، وهي أمور تضمنها الوساطة لأن الوسطاء ملزمين بالسرية وعدم نشر ما راج عكس المحاكمة العادية المبنية على أساس العلنية.

المرونة: حيث ليس هناك أي تقيد بأية شكلية مسطرية ولا أية وسائل إثبات معينة ويتمتع الوسطاء بهامش حرية كبير.

مشاركة الأطرف في حل النزاع: حيث تتطلب الوساطة حضور الأطراف وهو ما يتيح لهم نوعا من المكاشفة والمصارحة التامتين وهو ما يفرز بعد ذلك تهدئة للنفوس وفرصة لتقديم تنازلات متبادلة وقبول للتسوية.

انخفاض التكلفة: هناك العديد من الدول التي تجعل الوساطة مجانية في بعض المجالات، مثلا في ولاية كاليفورنيا يلتزم الوسطاء بعدم تقاضي أية أجرة عن الساعات الثلاث الأولى في الوساطة كما تقدم محكمة الاستئناف الفدرالية بهذه الولاية خدمات الوساطة بالمجان.

وفي بريطانيا تستفيد الوساطة العائلية من المساعدة القضائية وتؤدي الدولة أجرة الوسطاء وفي نيوزلاندا تنظم مداومة بالمجان بالمحاكم للوساطة في قضايا الكراء.

وتمر عملية الوساطة بعدة مراحل من أهمها، عقد جلسات تمهيدية لتعريف الطرفين بإجراء ومساطر الوساطة وطرق إدارة العملية، ثم عقد جلسات مشتركة وجلسات مغلقة، وجلسات التسوية وإنهاء النزاع إذا اتفق الطرفان على حل ما.

ونظرا لأهمية الوساطة وآثارها الاجتماعية، فقد اتخذت عدة صور تبعا للميادين التي تهمهامثل: الوساطة الأسرية، الوساطة المدرسية، الوساطة المتعلقة بإدماج المهاجرين، الوساطة التجارية والوساطة الجزائية.





لقد أصبحت الوساطة من أهم الوسائل البديلة لحل المنازعات، وهي تعرف إقبالا متزايدا، بحيث أصبح التحكيم بدوره لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد طريق الوساطة. وترجع فعالية الوساطة إلى أن هدفها ليس هو تحديد من يربح ومن يخسر (الطرفان معا رابحان)، ولكن هدفها هو وضع حلول مبتكرة للنزاع بشكل لا يتوافر عند المحاكمة، فهي ترمي إلى حل النزاع أو تجنبه كما أنها تساعد في إعادة بناء العلاقات والحفاظ على استمراريتها في المستقبل، كما أن من آثارها الاجتماعية ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش والبعد عن الخصومة.

ولقد أفرز تطور الوساطة تنوعا في مساطرها، إذ توجد وساطة تمارس من داخل النظام القضائي (وساطة قضائية)، ووساطة تمارس من خارج النظام القضائي (وساطة اتفاقية)، أو على الأقل بتوجيه من المحكمة حيث تعين وسيطا خاصا من لائحة وسطاء معتمدين (وساطة خاصة).

وسواء أكانت الوساطة اتفاقية أو قضائية أو خاصة فلا بد أن تحترم فيها عدة مبادئ، مستمدة من قواعد المحاكمة العادلة، ويتجلى ذلك في:

حياد الوسيط؛

احترام السرية؛

احترام مبدأ الحضورية؛

المساواة بين الخصوم في المعاملة؛

حرية إنهاء سير الوساطة في أي وقت واللجوء إلى القضاء؛

السرعة والمرونة وقلة التكاليف؛

الوعي التام من قبل الأطراف بالحلول المتوصل إليها.

ولابد من التأكيد أن الصلح والوساطة والتحكيم هي وسائل خرجت من رحم عادات وتقاليد بلادنا وموروثنا الثقافي وقد نشأت حتى قبل نشوء قضاء الدول بل ونجد بعضها قد نشأ قبل الدولة نفسها فبالرجوع إلى ما قبل الإسلام عرف العرب الصلح والتحكيم ومارسه الذكور كما لإناث (ابنة الخس وجمعة بنت حابس الأيادي).

كما عرفت المدن والحواضر بالمغرب مهنة الأمناء الذين كانوا يتولون فض النزاعات التي تحدث بين الحرفيين أنفسهم أو بينهم وبين زبنائهم والمستفيدين من خدماتهم.

كما كان المحتسب يقوم إلى جانب اختصاصاته بالتوفيق والتسديد بين المتخاصمين.

ومن جهة أخرى فقد كان المغاربة يرفعون أيضا نزاعاتهم المدنية والشرعية إلى أئمة المساجد والمدارس العلمية العتيقة لتسويتها. وهذا هو ما دفع ربما وزارة العدل مؤخرا إلى اقتراح الاستعانة بأئمة المساجد لإجراء عملية الصلح في القضايا الأسرية.

تجربة الوساطة في بعض الأنظمة الغربية والعربية:

لا يوجد نظام قانوني وقضائي في العالم لا يأخذ اليوم بهذه الطريقة لتسوية النزاعات لأنها أثبتت فعاليتها عند تطبيقها قبل أن يتم تقنينها من طرف المشرع.

وهذا ما يفسر مثلا تقدم الوساطة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا بالأخص، حيث كانت نتاج ابتكار وتطبيق قضائي هناك أكثر من كونها من فعل المشرع، ففي في بريطانيا يحق للقضاة أن يفحصوا قبل أي بت في القضية أن محاولة الوساطة قد تمت.

وفي أوروبا مثلا أصبحت الوساطة تتوزع إلى الوساطة العائلية والوساطة التجارية وفي قضايا الكراء. والوساطة في القضايا الاجتماعية والوساطة في قضايا التعويض. كما تم وضع أنظمة للوساطة بالنسبة للنزاعات المرتبطة بالاستهلاك ومدونات لأخلاقيات الوسطاء، وكذا تنظيم مهنة الوسطاء وتأمين مسؤوليتهم المدنية، وإحداث مراصد وطنية للوساطة.

وأصبحت الوساطة إجبارية مثلا في فرنسا في قضايا الأسرة وكذا في النرويج وبلجيكا وإسبانيا والمملكة المتحدة،بل وأصبحت في إيطاليا إجبارية أيضا حتى في القضايا المدنية بمقتضى قانون 2011.

كما أقر النظام القضائي الإنجليزي عدة مبادئ في هذا المجال من أهمها:

اعتبار الطرف الرافض لإجراء الوساطة متعسفا ويتحمل مصاريف الدعوى حتى في حالة الحكم لفائدته من طرف القضاء.

اعتبار المحامي الذي لايشجع موكله أو يمنعه من اللجوء إلى الوساطة مرتكبا الخطأ مهني.

وأصدر وزير العدل توصية لجميع الإدارات بأن تعتمد الوساطة لتسوية نزاعاتها منذ 2001 وتوجد ببريطانيا عدة مراكز للوساطة أهمها مركز (الحل الفعال) الموجود في لندن المعروف اختصارا ب (CEDR).

أهم المنظمات الدولية التي تهتم بالوسائل البديلة أو تعتمدها:

الأمم المتحدة في قرارها بتاريخ 1985: (ضرورة استعمال آليات غير رسمية لحل النزاعات بما في ذلك الوساطة والتحكيم والوسائل العرفية لإقامة العدل)؛

البنك الدولي للإنشاء والتعمير؛

الاتحاد الأروبي أصدر عدة توصيات تخص الوساطة في مجالات الأسرة والميدان الجنائي وحماية المستهلك.

العديد من المراكز الدولية لتسوية المنازعات الخاصة بالاستثمار والتجارة.

أما في الدول العربية هناك بعض النماذج كالقانون المصري والأردني.

مثلا أحدث المشرع المصري بمقتضى القانون رقم 7 لسنة 2000 لجانا للتوفيق والوساطة الإجبارية في المنازعات التي تكون الوزارات وأشخاص القانون العام طرفا فيها.

تتكون هذه اللجان من قدماء القضاة بصفتهم رؤساء ومن ممثل عن كل طرف في النزاع وتنظر في التوفيق دون التقييد بالإجراءات أو الآجال المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية وهي مجانية لا تؤدى عن خدماتها أية مصاريف.

وتنص المادة 11 من هذا القانون على عدم قبول أية دعوى أمام المحاكم بشأن المنازعات الخاضعة لأحكامه إلى بعد سلوك مسطرة التوفيق التي تصدر توصيات غير ملزمة فإذا قبلها الطرفان انتهى النزاع وإذا رفضاها معا أو رفضها أحدهما أحيل النزاع بجميع أوراقه بما فيها التوصية إلى المحكمة المختصة التي تعتبر القضية جاهزة للبت فيها وتكفي بإعلام الطرفين لأول وآخر مرة بالجلسة لسماع كلمتها الأخيرة كما تكون التوصية قاعدة أو مشروع للحكم في القضية. وقد بلغت نسبة قبول الطرفين لهذه التوصيات 90% من القضايا المحالة عليها.

أما معالم قانون الوساطة الأردني فتتمثل في ما يلي:

تحدث في مقار المحاكم الابتدائية إدارة قضائية تسمى «إدارة الوساطة» يشرف عليها قضاة الوساطة وإلى جانبهم يوجد وسطاء خصوصيون.

يحال النزاع إلى قاضي الوساطة إما من طرف قاضي معروض عليه النزاع أو من طرف قاضي الصلح ومدة الوساطة لا تتجاوز ثلاثة أشهر يقوم فيها الوسيط بكل الإجراءات والوسائل لتقريب وجهات النظر وفي حالة التوفيق يرفع تقرير إلى القاضي مرفقا باتفاق التسوية للمصادقة عليه ليصبح بعد ذلك بمثابة حكم قطعي غير قابل للطعن ولا يمكن للقاضي الوسيط أن يفصل في النزاع أما المحكمة في حالة فشل الوساطة.

بالنسبة للرسوم إذا نجحت الوساطة حق المدعي أن يسترد نصف الرسوم المؤداة.

في المغرب:

أولا: هناك إرادة ملكية تجسدت في عدة خطب تدعو إلى «اقتراح الحلول التوافقية لما قد ينشأ بين المستثمرين والإدارات من نزاعات» وتؤكد على ضرورة إيجاد آليات لتسهيل الولوج إلى العدالة وتقوية نجاعتها.

ثانيا: لدينا قانون 08.05 الذي نظم بمقتضاه المشرع «الوساطة الاتفاقية»في الفرع الثالث من الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية وذلك من الفصل 55-327 إلى غاية الفصل 70-327 وأهم مقتضياته:

عرف الوساطة الاتفاقية بأنها عقد يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد

حدد شكل الوساطة التي تكون إما:

شرط وساطة ينص عليه في الاتفاق الأصلي؛

عقد وساطة يبرم بعد نشوء النزاع؛

محل وسبب الوساطة:

تجوز فيما يجوز فيه الصلح

مع الإشارة إلى أنه يمكن عرض نزاعات تختص بها المحاكم التجارية على الوساطة وذلك تبعا للمادة 3 من القانون 05-08 التي غيرت أحكام الفقرة4 من المادة 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية حيث يجوز للأطراف الاتفاق على عرض النزاعات المبينة في المادة 5 المذكورة على مسطرة التحكيم والوساطة.

شروط الوسيط: يعهد بالوساطة إما لشخص ذاتي أو لشخص معنوي أي عن طريق الوساطة المؤسسية بواسطة مركز للوساطة له أنظمة ومسطرته (67-327) مع الإشارة إلى أن قانون المحاماة يخول في فصله 9 للمحامي القيام بهذه المهمة.

وفي حالة اللجوء إلى القضاء رغم وجود اتفاقية الوساطة فإن على المحكمة التصريح بعدم قبول الدعوى إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة ويتعين أن يثير الطرف المعني الدفع بعدم القبول ولا يجوز أن تثيره المحكمة من تلقاء نفسها.

ويبقى الملاحظ أن قانون 05-08 تضمن شكلا وحيدا من أشكال الوساطة هي الوساطة الاتفاقية دون الإجبارية ولو بالنسبة لبعض القضايا البسيطة كما أنه لم يمكن القاضي من اقتراح الوساطة على الأطراف وهو بصدد النظر في النزاع كما فعلت بعض القوانين كفرنسا والأردن مثلا.

كما أنه لم يفصل في أحكام الوساطة ولم يشملها بالنفاذ مثل ما تم بشأن التحكيم ولم ينظم الوساطة الدولية في المنازعات على غرار تنظيم التحكيم الدولي.

وأعتقد على ضوء كل ما ذكر ضرورة مناقشة عدة مسائل ترتبط بهذه الوسيلة البديلة لحل المنازعات مثل:

 المجالات والقضايا القابلة لأعمال مساطر الوساطة بشأنها (مدنية - تجارية – الأسرة – المسؤولية التقصيرية – نزاعات الشغل – عقود التأمين – عقود البناء – الملكية الفكرية – حماية المستهلك – ملكية الشقق – نزاعات الجوار...)

تصور إلزامية الوساطة بخصوص القضايا التي لا تتجاوز قيمتها نصابا معينا.

 تحديد الأشخاص القائمين بالوساطة (أفراد – لائحة معتمدة من طرف السلطة القضائية و وزارة العدل –قضاة متقاعدون – محامون – مهنيون...) وتنظيم شروط ممارستهم ومسؤوليتهم.

 مشكل أتعاب الوساطة وإمكانية إدخالها ضمن المساعدة القضائية.

 مصير الحلول المتوصل إليها عن طريق الوساطة وطرق تنفيذها.