11.11.2017

الإدارة القضائية ومبدأ استقلال القضاء في المغرب

الإدارة القضائية ومبدأ استقلال القضاء في المغرب







الإدارة القضائية ومبدأ استقلال القضاء في المغرب
الدكتور رشيد صدوق





محام عام بمحكمة النقض

الكاتب العام لمكتب الودادية الحسنية للقضاة بمحكمة النقض

مقدمة :

يشكل تطوير نجاعة مؤسسة القضاء وتحسين مستوى أداءها بما يعزز ثقة المتعاملين معها أحد الأهداف الرئيسية التي تسعى جميع المجتمعات إلى تحقيقها. وقد تعددت المقاربات التي عرضت لهذه المسالة وتباينت، غير أن المقاربة الأجدى في نظرنا تبقى المقاربة الشمولية التي تستوجب التحرك لمعالجة المسألة على مستويات ثلاث لا تقل أهمية الواحدة عن الأخرى وهي:

- مستوى المتقاضي الفعلي والاحتمالي،

- مستوى القاضي ومن يدور في فلكه من مساعدين،

- مستوى الإدارة القضائية،

وإذا ما تركنا جانبا المستويين الأولين، وركزنا على المستوى الثالث، عنت لنا مجموعة من التساؤلات المشروعة نعرضها كالتالي:

ما المقصود بالإدارة القضائية؟

هل من تعارض بين مفهوم الإدارة ومفهوم القضاء؟

كيف تخدم الإدارة القضائية أهداف النجاعة القضائية؟

ما هي الجهة التي تسهر على الإدارة القضائية؟

هل من تأثير للإدارة القضائية على استقلال القضاة، أفرادا ومؤسسة، الذي يعتبر مبدأ دستوريا؟

وسنحاول فيما يلي تلمس الأجوبة على الأسئلة المذكورة، عسى أن يفيد ذلك في وضع تصور لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية في تدبير مرفق القضاء بما ييسر سيرا سلسا للمرفق، وتحسنا ملحوظا في مستوى أداءه خدمة لمصالح الخاص والعام.

1- مفهوم الإدارة القضائية:

تعددت الأبحاث والدراسات التي تناولت الموضوع لدرجة بات معها من المشروع الحديث عن "إدارة القضاء" وعن " الإدارة القضائية".

فعلى المستوى العضوي، يقصد بإدارة القضاء مجموع المؤسسات الموكول إليها أمر إصدار العدالة، مفهوم تطور ليشمل ليس فقط المؤسسات الموكول إليها أمر إصدار العدالة (المحاكم)، وإنما تعداها ليشمل كذلك تلك التي تدخل في تدبير العدالة (وزارات العدل والمجالس العليا للسلطة القضائية). وعلى المستوى الوظيفي، يقصد بإدارة القضاء مجموع الوسائل البشرية، والمادية التي تؤطر سير العدالة.

ويسعف حاصل هذين البعدين -العضوي والوظيفي- في تحديد المقصود بـ "إدارة القضاء" من خلال مجموع الآليات الضرورية لتنظيم، هيكلة وسير المهمة الموكولة إلى العدالة.

وفي المقابل، يرى البعض في "الإدارة القضائية" مجموع إجراءات التسيير الإداري التي يتخذها القضاة، والتي لا تكون قابلة للطعن سواء تعلقت بتسيير العمل داخل المحكمة، كما هو الحال حين يحدد رئيس المحكمة، بعد استشارة الجمعية العمومية، تشكيلة الجلسات والأيام التي ستعقد فيها، أو تعلقت بتدبير القضايا المعروضة، كما هو الحال حين يقرر رئيس الجلسة تأخير القضية ويحدد تاريخا معينا للنظر فيها. فمثل هذه القرارات تندرج في خانة إجراءات الإدارة القضائية.

 والحاصل مما تقدم، أن "الإدارة القضائية " هي بمثابة وعاء يلتقي داخله الإداري والقضائي في عمل مؤسسة القضاء، فهل من تعارض بينهما؟

2- هل من تعارض بين مفهوم الإدارة ومفهوم القضاء؟

يتوقف مستوى أداء العدالة، في جزء كبير منه، على طريقة تنظيمها وأساليب اشتغالها وطرق سيرها. وهي أمور تدخل بلا شك في خانة الإدارة التي تشكل "أداة" في خدمة العدالة، لا تتعارض ومفهوم القضاء من جهة وإنما تشكل الأساس لكل مبادرة تروم تحسين جودة النظام القضائي من جهة ثانية.

3- فكيف تخدم الإدارة القضائية أهداف النجاعة القضائية؟

كشفت الأبحاث التي اتخذت من تطوير نجاعة المؤسسات وتحسين مردوديتها موضوعا لها عن أهمية تجديد أساليب الإدارة وتقنيات التدبير في تحقيق هذه الغاية. وقد تأخرت هذه التقنيات والأساليب في ولوج قطاع العدالة بسبب ما كان يعتقد من عدم ملاءمتها لخصوصية القطاع، غير أن التجربة أثبتت عكس ذلك في مجالات عدة، وعلى رأسها مجال التدبير بواسطة الأهداف كأحد تقنيات التدبير بواسطة الجودة lemanagementparlaqualité أو ما يصطلح عليه بتقنية التعاقد، وسوف نعود إلى هذه النقطة فيما بعد.

4- ماهي الجهة التي تتولى الإدارة القضائية؟

يميز الباحثون بين ثلاثة نماذج تساهم إلى حد بعيد في تحديد الجهة التي تولى الإدارة القضائية وهي:

1-النموذج الأحادي أو الموحد حيث تكون الإدارة القضائية حصرا من اختصاص وزارة العدل وذلك في غياب أي مجلس أعلى للقضاء.

2- نموذج لا مركزي يؤمن توزيعا معينا للإدارة القضائية بين جهتين متباينتين. ويتعلق الأمر بوزارة العدل التي تحتفظ مع ذلك بالأهم من الصلاحيات في الموضوع من جهة وبمجلس أعلى للسلطة القضائية تنحصر صلاحيته في تدبير وضعية القضاة.

3-نموذج ثالث لا تتمتع في إطاره المجالس العليا للسلطة القضائية بصلاحيات واسعة في مجال تدبير وضعية القضاة فحسب، وإنما في مجال تنظيم وتسيير المحاكم كذلك.

5- فهل من تأثير للإدارة القضائية على استقلال القضاء؟

تنبغي الإشارة في البداية على أن الأنظمة القضائية المقارنة لم تتعامل جميعها بنفس الكيفية مع مسألة الإدارة القضائية، ومع ما عسى أن يترتب عليها من تأثير على استقلال السلطة القضائية.

ففي الوقت الذي رأت فيه بعض الدول مثل فنلندا و بلغاريا أن وظيفة القاضي هي البت في النزاعات وليس الإدارة متبنية في ذلك مقاربة تقوم على الفصل بين الوظيفتين، ترى بعض الدول الأخرى أن جودة النشاط القضائي تتوقف على حجم الإمكانيات المالية المرصودة، وتضع بالتالي القضائي والإداري في خانة واحدة. ففي هولندا مثلا تدار المحكمة من طرف لجنة تتألف من رئيس المحكمة و من مسير يقوم بدور مدير المحكمة. وفي بلجيكا، يرجع دور مسير المحكمة إلى رئيس كتابة الضبط. أما في فرنسا، فالأمر أكثر تعقيدا حيث تعود مهمة تسيير المحاكم إلى رؤسائها، غير أنه يتعين على هؤلاء الاستعانة بالمصلحة الإدارية الجهوية وبكتابة الضبط.




وفيما يرجع لحماية استقلال العدالة من خلال تقوية دور المجالس العليا للسلطة القضائية، نجد أن الأنظمة التي تأخذ بالنموذج الأول المذكور أعلاه تركز سلطة إدارة وتسيير الجهاز القضائي بين يدي وزير العدل ولا تترك إلا هامشا قليلا للمجلس الأعلى للقضاء في حال وجد. أما الأنظمة التي تأخذ بالنموذج الثاني فتفسح لهذا الأخير مجالا أوسع للمساهمة في الإدارة القضائية. ففي بلجيكا مثلا، يختص المجلس الأعلى للقضاء بإصدار آراء ومقترحات تتعلق بسير وتنظيم المحاكم. ويجعل الدستور الإسباني من المجلس الأعلى للسلطة القضائية الجهاز الرئيسي لتسيير القضاء (أنظر الفصل 122/2 من دستور 1978)، تماما كما عليه الحال في بلغاريا حيث يظهر المجلس الأعلى للقضاء بمظهر الحائز الرئيسي للصلاحيات الإدارية الخاصة بالنظام القضائي. وهو يتوفر من هذا المنطلق على صلاحيات مالية واسعة بحيث يستطيع إعداد مشروع ميزانية السلطة القضائية لعرضه على مجلس الوزراء.

وإلى جانب هذين النموذجين، يوجد نموذج ثالث يتمتع في إطاره المجلس الأعلى للقضاء بصلاحيات واسعة ليس فيما يتعلق بتدبير وضعية القضاة فحسب، وإنما في ما يخص إدارة وتنظيم وتسيير المحاكم كذلك. وتأخذ بهذا الأسلوب دول عديدة مثل الدنمارك، هنغاريا، ارلندا، هولندا والسويد.

6- الوضع في ظل النظام القضائي المغربي

يثير الموضوع في المغرب نوعا من الحساسية لا لمجرد أنه يفسح المجال لوزارة العدل لممارسة صلاحيات كان القضاة بالأمس القريب ينفردون بممارستها، وإنما لما قد ينظر إليه من مساس بالمكتسبات التي تحققت بفضل رفع الدستور الجديد لمكانة القضاء إلى مستوى السلطة التي تستفيد من مبدأ فصل السلط. ولذلك كان من الأجدى التعامل مع المسألة بنوع من الفطنة ووفق تصور يقوم في اعتقادنا على المعطيات التالية:

مقاربة تشاركية:

تقوم هذه المقاربة على الحوار البناء والمستمر عموديا وأفقيا بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبين هاتين المؤسستين والمحاكم، وداخل الحاكم ذاتها على مستوى إدارتها القضائية.

الحوار والتشاور المذكوران يمكن أن يتما من خلال آلية التنسيق التي نصت عليها المادة 51 من المسودة والتي يمكن أن تتألف مما يلي:

مستشار من محكمة النقض نائبا عن الرئيس المنتدب

محام عام نائبا عن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

ممثل وزير العدل

ممثل المفتش العام

ممثل السلطة المكلفة بالميزانية والتجهيز

ممثل جهاز كتابة الضبط

وتجتمع اللجنة بصفة دورية كل ثلاثة أشهر، وكلما طرأ ما يدعو إلى اجتماعها بدعوة من الرئيس المنتدب أو من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

مقاربة تعاقدية:

وذلك باعتماد أسلوب الإدارة بواسطة الأهداف الذي شجعت عليه مجموعة من المناشير التي صدرت عن الوزارة الأولى، والتي يبقى أهمها المنشور عدد 2001 الصادر بتاريخ 25 دجنبر 2001 حول ملائمة برمجة ميزانية الدولة وتنفيذها مع اللاتركيز.

أخذ المنشور المذكور بنظام التعاقد بين الإدارة المركزية ومصالحها الخارجية، والذي ييسر دخولهما في حوار جاد وهادف من أجل تحديد احتياجات المصالح الخارجية، والبرامج التي تعتزم تطبيقها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. وتترتب على هذا النظام التزامات متبادلة بين الإدارة المركزية ومصالحها اللاممركزة، بحيث تلتزم الأولى بوضع الاعتمادات المالية اللازمة رهن إشارة الآمرين بالصرف لتحقيق مهامهم، وتقدم لهم الدعم كلما دعت الضرورة إلى ذلك دونما حاجة إلى انتظار السنة المالية الجديدة، مما يساعد في تقويم الاختلالات في وقتها، وفي المقابل تلتزم الإدارة االلاممركزة بإنفاق تلك الاعتمادات المالية في تنفيذ الأنشطة، وتحقيق الأهداف التي سطرتها، والمتفق عليها مع الإدارة المركزية مع احترام المؤشرات التي تضعها هذه الأخيرة، وعلى رأسها نجاعة أداء الإدارة االلاممركزة في نطاق ترابها. وبطبيعة الحال ستساعد هذه المؤشرات وتقارير الأنشطة الدورية التي يتم إعدادها من طرف المديرين على تتبع تنفيذ النفقات العمومية، وعلى تقييم مستوى أداء المحاكم لا من الناحية الكيفية فحسب، وإنما من الناحية الكمية كذلك. وهكذا يفترض في المحكمة التي استهلكت 40% من الاعتمادات المالية المخصصة لها أنها أنجزت 40% من البرامج التي التزمت بتنفيذها. فلو أنها لم تنجز إلا 20% أو 30% من تلك البرامج، فهذا مؤشر ينبه المسؤول القضائي والإدارة المركزية معا على أن هناك مشاكل ينبغي التدخل لإيجاد الحلول المناسبة لها في حينه.

حول تدبير سير العمل داخل المحاكم:

يدخل تسيير العمل داخل المحكمة ضمن اختصاص المسير الإداري (المادة 52). ويستحسن لتأمين سير سلس للعمل داخل المحكمة أن تتوفر الشروط التالية:

إخضاع رئيس كتابة الضبط لسلطة المسير الإداري تفاديا للخلافات التي قد تثور بسبب تعدد مصادر القرار داخل المحكمة ولتوحيد المخاطب.

تمكين المسير الإداري من تكوين متخصص يراعي خصوصية المجال الذي يتحرك داخله ويضمن عدم انتهاك استقلالية القضاء أو التأثير على أعماله.

تكوين المسؤولين القضائيين بما يضمن الإشراف الجيد على عمل المسيرين الإداريين وتحديد المسؤوليات.

وضع معايير ومؤشرات توحد العمل داخل المحاكم فيما يرجع للإدارة القضائية بتعاون بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

الخاتمة:

إذا كانت الديمقراطية تقوم على مسألة التوافقات، وبعيدا عن كل مقاربة شوفينية ضيقة لموضوع من مثل حساسية وأهمية موضوع العلاقة بين الإدارة القضائية واستقلال القضاء، فإننا نعتقد جازمين أنه لا يمكن ولا ينبغي التضحية بالعدالة على مذبح التوظيفات السياسية القاصرة أو المصالح الوقتية. فالعدالة في المغرب توجد حاليا عند مفترق طرق كثيرة لا تخدم جميعها المصالح العليا للبلاد والعباد، والطريق التي من شأنها أن تلبي أهداف جميع الفاعلين في الحقل القضائي والمستفيدين على حد سواء تبقى، في اعتقادنا، تلك التي خطها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من خلال دستور المملكة الجديد لسنة 2011 وتوصيات اللجنة الملكية العليا للإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة.