11.16.2017

تجليات مبدأ سمو الاتفاقية الدولية في القانون الوطني والاجتهاد القضائي المغربي

تجليات مبدأ سمو الاتفاقية الدولية في القانون الوطني والاجتهاد القضائي المغربي







تجليات مبدأ سمو الاتفاقية الدولية في القانون الوطني والاجتهاد القضائي المغربي
ذ.محمد السفريوي

رئيس غرفة بمحكمة النقض



لكي نتوصل إلى تجليات مبدأ سمو الاتفاقية الدولية على القانون الوطني لابد من التطرق إلى مفهوم المبدأ المذكور ومبرراته وكيفية تطبيقه في مختلف الأجهزة القضائية الدولية قبل عرض موقف المجلس الأعلى والقضاء المغربي بصفة عامة من المبدأ المذكور.

أولا – تحديد مفهوم مبدأ سمو الاتفاقية الدولية ومبرراته:

إن مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي يقتضي من القاضي وهو ينظر في قضية معينة الالتزام بمقتضيات الاتفاقية الدولية وإعطائها الأولوية في التطبيق على القانون الداخلي، أي القانوني الوطني، ويجد هذا المبدأ سنده في التنصيص في بعض التشريعات الداخلية على هذه الأفضلية – ثم التنصيص في بعض الدساتير على الالتزام باحترام المواثيق الدولية ومصادقة الدولة على بعض الاتفاقيات، التي تقضي بعدم جواز الاستدلال بالقوانين الوطنية في مواجهة تنفيذ الاتفاقيات (اتفاقية فيينا لسنة 1961). ثم التنصيص صراحة في بعض الدساتير على سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني (المادة 55 من الدستور الفرنسي مثلا)، ثم إن بعض الدول مثل إسبانيا منحت الاتفاقيات الدولية مستوى القانوني الداخلي وأعطت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أفضلية على القانون الوطني، ومع ذلك فهناك اتجاها متحفظا يرمي إلى الاتزان في تطبيق مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانوني الوطني ما عدا بالنسبة للاتفاقيات التي تصون حقوق الإنسان فإن القضاء في أغلبية الدول يميل إلى تطبيق المبدأ المذكور.

إن إشكالية سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني تتطلب التمييز بين قانون الشكل وقانون الموضوع فبالنسبة لقانون المسطرة فالفقه أجمع على اعتبار القانون الوطني هو المختص في كل منازعة ذات عنصر أجنبي أما بالنسبة لقانون الموضوع فالأمر مثار خلاف وعلى القاضي وهو يتولى تطبيق القانون أو تغيير القاعدة القانونية أن يراعي ما إذا كانت الاتفاقية لاحقة الصدور كليا أو جزئيا للقانون الوطني أو أن القانون الوطني الذي يتضمن أحكاما مخالفة جاء لاحقا لها أو أنه ورد فيه نص يدعو إلى ضرورة التمسك ببعض بنودها أو خاليا من الإشارة إليها أو يلغيها صراحة.

إن في تطبيق مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية فضلا عن أنه تجسيد للتعاون الدولي فإنه يمكن من اتخاذ تدابير لمواجهة عدة ظواهر منها جرائم الأعمال المالية والاقتصادية لأنه تبين أن التعامل مع هذه الأخيرة تعاملا عاديا يكون له انعكاس على ثقة المستثمرين، في حين أن الثقة هي أساس التنمية والاستثمار وبانعدامها تنعدم المبادرة الحرة وتثبط همم المستثمرين.

ينشأ التزام الدولة بسمو الاتفاقية الدولية على القانوني الداخلي بعد توقيعها على بنودها ومصادقتها عليها من ضرورة الحفاظ على مصداقيتها وتعهداتها إزاء المجتمع الدولي لأن أغلبية هذه الاتفاقيات (ومنها اتفاقية حقوق الإنسان وحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب ونشرها بالجريدة الرسمية بتاريخ 14/12/1996) تتضمن ضمن بنودها وموادها إنشاء لجن لغرض تتبع ومراقبة استيفاء تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها الدول الموقعة على الاتفاقية، وإنجاز تقارير بذلك تقدم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي ذلك ما يشبه محاكمة أدبية للدول الموقعة على الاتفاقيات والتعهدات الدولية.

إذا كانت الاتفاقيات الدولية تفرض نفسها على القاضي الوطني بعد مصادقة بلاده عليها باعتباره سلطة قضائية، فإن بعض الاتفاقيات الدولية تفرض نفسها على السلطة التشريعية كذلك وتحل محل القوانين الوطنية أو تملئ فراغا فيها كما هو الحال في حكم حديث أصدرته محكمة الاتحاد الأوربي بستراسبورغ يتيح للآباء العاملين الحصول على إجازة مخصصة للرضاعة تماما كما هو الحال بالنسبة للأمهات المرضعات، إذ حكمت للآباء في إسبانيا بحق الاختيار في مغادرة العمل مرتين في اليوم على ألا تتجاوز مدة الغياب ساعة واحدة أو المغادرة قبل انتهاء العمل بثلاثين دقيقة كما هو الأمر بالنسبة للأمهات المرضعات في إسبانيا وحدد قرار المحكمة فترة السماح بالحصول على إجازة الرضاعة للآباء خلال التسعة أشهر الأولى من عمر الرضيع. وقد اعتمدت المحكمة في قرارها المذكور على أن غياب مثل هذا القانون في إسبانيا يشكل تمييزا غير مبرر بين الجنسين، وبالتالي فإن إجازة الرضاعة ليست من حق الأم فحسب بل الأب كذلك والشرط الذي وضعته المحكمة للسماح للآباء بالحصول على إجازة الرضاعة هو أن لا تكون الأم ربة بيت أو لا تعمل لحسابها الخاص.

إذن فرخصة الرضاعة بالنسبة للأب أصبحت تشريعا في إسبانيا بصفتها عضوا في الاتحاد الأوربي بعد صدور هذا الحكم وإن لم يكن صادرا عن السلطة التشريعية فيها والقاضي الوطني في إسبانيا ملزم بتطبيق المقتضيات المذكورة عندما يعرض عليه نزاع في الموضوع كما يتعين على المشرع في أقرب الآجال تغيير القانون الإداري فيما يتعلق بالرخصة الممنوحة للعاملين في القطاع العام لملائمته مع الاجتهاد القضائي المومأ إليه.

يستند مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي في المغرب على الالتزام الدستوري باحترام المواثيق الدولية والمبادئ والحقوق والواجبات بصفته عضوا في المنظمات الدولية وتأكيده على تشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا ومن مصادقة المغرب على اتفاقية فيينا المشار إليها آنفا التي تلزمه بتغليب المعاهدة الدولية عند تعارضها مع القوانين الداخلية وقد جاء في فصلها 27 ما يلي: لا يجوز للأطراف الموقعة على الاتفاقية أن تستدل بمقتضيات قانونية محلية (وطنية) لتبرير عدم تنفيذ المعاهدة في منطوقه.

لقد انخرط المغرب في منظومة حقوق الإنسان بعد التعديلات الدستورية لسنة 1996 التي كرست بنص صريح الالتزام بالأخذ بمضامين المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وقد كان ذلك منطلقا لتأسيس مرحلة جديدة من الثقافة الحقوقية وبداية رسم معالم سياسة تشريعية تؤرخ لمرحلة انتقال ديمقراطي، بالإضافة إلى تقوية الدور الفعال للقضاء في المراقبة والتطبيق السليم للقانون وحماية الضحايا تطبيقا لما أقره مؤتمر الأمم المتحدة العاشر لمنع الجريمة وأقره في إعلان فيينا خلال أبريل 2000.

قبل التعرض لمظاهر تطبيق مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي في بعض التشريعات المغربية لابد من الإشارة إلى أن المتحفظين على المبدأ المذكور يستندون وينادون بالخصوصية التي تميز كل مجتمع عن مجتمع آخر وفكرة النظام الداخلي والقوانين الوطنية الصادرة عن إرادة الأمة ثم إنه من شأنه شيوع المبدأ والمصادقة على جميع الاتفاقيات الدولية أن يشكل ذلك ضغطا سياسيا من قبل القوة العظمى على الدول الفقيرة والتدخل بالتالي في شؤونها الداخلية، لكن القبول بفكرة العولمة والاستفادة من إيجابياتها والانتماء للمجتمع الدولي لا يمكن أن يحول دون احترام حقوق الإنسان لما في ذلك من تعزيز مكانة الدولة بين الدول بالمغرب.

إن القانون رقم 03-02 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بتاريخ 11/11/2003 يشير في مادته الأولى إلى ما يلي: يخضع دخول الأجانب إلى المملكة المغربية وإقامتهم بها لأحكام هذا القانون مع مراعاة مفعول الاتفاقيات الدولية المنشورة بصفة رسمية، وفي ذلك إشارة إلى التزام القانون المذكور بالالتزامات الدولية للمملكة في ميدان الهجرة، ودخول الأجانب للمغرب، وتشير المادة 6 من نفس القانون المذكور لأحكام الاتفاقات الدولية في شأن التعامل مع القاصرين.

إن قانون مناهضة التعذيب بالمغرب، تبنى التعريف الوارد في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وأصبح ساري المفعول، كما عرفت عدة قوانين رفع العديد من التحفظات عن العديد من الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، كما ألغى عدة جرائم نتيجة المصادقة على اتفاقيات دولية، وأضاف أخرى كجريمة غسل الأموال مما يثبت معه أن المغرب منفتح على التجارب المقارنة والمتلائمة مع العهود الدولية مع مراعاة الخصوصية الوطنية، وذلك بهدف توفير الأمن القانوني لعالم الأعمال والاستثمار بصفة خاصة ولتحقيق التنمية وتدعيم التعاون الدولي في محاربة كل ما يمس بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

كما أن المادة 713 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أنه " تكون الأولوية للاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية فيما يخص التعاون القضائي مع الدول الأجنبية. لا تطبق مقتضيات هذا الباب، إلا في حالة عدم وجود اتفاقيات أو في حالة خلو تلك الاتفاقيات من الأحكام الواردة به."

وتنص المادة 443 من مدونة التجارة على أن " عقد النقل اتفاق يتعهد بمقتضاه الناقل مقابل ثمن بأن ينقل شخصا أو شيئا إلى مكان معين، مع مراعاة مقتضيات النصوص الخاصة في مادة النقل والاتفاقيات الدولية التي تعد المملكة المغربية طرفا فيها...

ثم إن ظهير قانون الجنسية المغربي المؤرخ في 6 شتنبر 1958 يحيل في بعض مقتضياته إلى نصوص المعاهدات الدولية وخاصة الفقرة الثانية من الفصل الأول التي ورد فيها أن مقتضيات المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والموافق على نشرها ترجح على أحكام القانون الداخلي.

وجاءت المادة الثانية من مدونة الأسرة تنص على أنه تسري أحكام هذه المدونة على جميع المغاربة ولو كانوا حاملين لجنسية أخرى وكذا اللاجئين بمن فيهم عديمو الجنسية طبقا لاتفاقية جنيف المؤرخة في 28 يوليوز 1951 المتعلقة بوضعية الأجانب.

ونصت مدونة السير الجديدة بالمغرب ظهير شريف صادر في 11/2/2010 بتنفيذ القانون رقم 52.05 في مادتها الرابعة على أنه: " في حالة السير الدولي ووفقا للاتفاقيات الدولية للسير على الطرف، تسلم الهيئات المؤهلة لذلك من قبل الإدارة، رخصة دولية للسياقة موضوعة في دفتر خاص.

يلزم القاضي المغربي بتطبيق القانون الوطني والاتفاقيات الدولية ".

وقد ورد في منشور السيد وزير العدل رقم 30 بتاريخ 20/3/2003 موجه للنيابات العامة المكلفة بتنفيذ الإنابات القضائية ضرورة الإنجاز داخل أجل معقول لأن التأخير في تنفيذ الإنابات القضائية الواردة من السلطات الأجنبية وعدم التعامل معها بالسرعة والفعالية المتوخاة يترتب عنه مساس بالالتزامات الواردة في الاتفاقيات المبرمة بين المغرب وبعض الدول الأجنبية، إضافة إلى ما يسببه عدم التنفيذ من عرقلة في إتمام الأبحاث والحصول على المعلومات المطلوبة بالنسبة للدولة الطالبة.

ثانيا- تطبيقات لمبدأ سمو الاتفاقية الدولية في القضاء المغربي:





لقد ورد في كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض – المجلس الأعلى سابقا - بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2001 بأنه " لا يمكن القول في انتظار قرارات أخرى بأن المجلس الأعلى قد استقر على مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي، لكن مع ذلك وبالنسبة للاتفاقيات التي تصون حقوق الإنسان وتنميها يميل القضاء في العديد من الدول ومنها المغرب، نحو سمو هذه الاتفاقيات عن القوانين الداخلية ".

وتتبين مصداقية هذا القول من استعراض العديد من القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض بمختلف غرفها كالآتي:

1- الغرفة المدنية:

فيما يخص الالتزامات التعاقدية يطبق القضاء المغربي مبدأ سمو الاتفاقية الدولية عند تعارض مقتضياتها مع التشريع الوطني على إثر مصادقة المغرب يوم 3/5/1979 على معاهدة نيويورك المؤرخة في دجنبر 1966 وهكذا صدرت عدة  قرارات في هذا الاتجاه منها القرار عدد: 426 بتاريخ 22/3/2000 في الملف عدد: 1716/1999 جاء فيه " لئن كان الفصل 11 من ميثاق الأمم المتحدة المؤرخ في 16/12/1966 المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية المصادقة عليها في المغرب بتاريخ 18/11/1979 يقضي بأنه لا يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته  على الوفاء بالتزام تعاقدي، فإنه ليس بالملف ما يفيد أن الطالب ادعى وأثبت أنه غير قادر على الوفاء بالتزامه التعاقدي اتجاه المطلوب، ومن ثم فإنه وطبقا لمفهوم المخالفة للميثاق المذكور يمكن تحديد مدة الإكراه البدني في حق المدين القادر على الوفاء أو الممتنع."

كما جاء في القرار عدد: 1404 بتاريخ 20/9/2000 الملف عدد 372/00 بأنه لما كانت المادة 11 من المعاهدة الدولية المؤرخة في 16/12/1966 والتي صادق عليها المغرب تنص على أنه " لا يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي فقط "، فإن مؤدى ذلك أن المحظور طبقا للمادة المذكورة هو سجن إنسان غير قادر على تنفيذ التزامه التعاقدي أما إذا كان قادرا على تنفيذه أو امتنع من ذلك فلا محل للحظر المذكور – إن عدم قدرة المدينين على الوفاء لا يفترض بل يقع على عاتقه عبء إثباته وفي نفس الاتجاه كان قد صدر قرار آخر تحت عدد 2163 بتاريخ 9/4/1997 ملف عدد 7171/99.

وقضى المجلس الأعلى في قرار عدد 1746 بتاريخ 18/6/2003 ملف عدد 1175 بما يلي: " لما كانت شرعية تطبيق قواعد اتفاقية هامبورغ من طرف محاكم المملكة على جمع الدعاوي الناشئة عن النقل البحري الدولي مستمدة من مصادقة المغرب عليها بتاريخ 12/6/1981 ومن نشر الاتفاقية بالجريدة الرسمية بمقتضى الظهير الشريف رقم 1. 84. 21 بتاريخ 14/11/1986 وهو ما أظفى على مقتضيات هذه الاتفاقية صبغة قانون وطني، علما بأن الفقرة الثالثة من المادة 30 من اتفاقية هامبورغ تنص على ما يلي: " على كل دولة متعاقدة أن تطبق أحكام هذه الاتفاقية على عقود النقل البحري المبرمة في تاريخ بإنفاذ هذه الاتفاقية على تلك الدولة أو من أي تاريخ بعده " فإن المحكمة كانت على صواب عندما طبقت هذه الاتفاقية على النازلة وردت جميع دفوع الطاعن بعلل سليمة ".

وتجدر الإشارة إلى التردد الذي كان يطبع عمل المجلس الأعلى في ما قبل سنة 2000 وهو ما يتجلى من القرار عدد 3585 المؤرخ في 10/6/1997 في الملف عدد 2116/1993، الذي قضى بأن المحكمة ملزمة بتطبيق القانون وليس من اختصاصها تعديله أو إلغاؤه وتبعا لذلك فإن ظهير 20/2/1961 الذي ينظم تحديد الإكراه البدني لازال ساري المفعول ولم يصدر أي قانون يأمر بإلغائه – وهو رفض صريح للوسيلة المستدل بها على النقض التي عابت على القرار المطعون فيه التطبيق الخاطئ للقانون وخرق الفصل 11 من الاتفاقية الدولية المؤرخة في 16/12/1966، والتي تنص على أنه: " لا يجوز حبس شخص من أجل دين مترتب عن التزام تعاقدي"، والمغرب صادق على هذه المعاهدة بتاريخ 18/11/1979.

وقضى المجلس الأعلى تطبيقا للاتفاقية القضائية المبرمة بين المغرب وفرنسا بتاريخ 5/10/1957 بعدم جواز فتح مكتب محاماة قانوني بالمغرب من طرف محام مغربي مسجل بإحدى هيئات المحامين بفرنسا لعدم وجود ما يسمح بذلك في الاتفاقية المبرمة بين الدولتين قرار عدد 711 بتاريخ 4/3/2009 ملف مدني عدد 1523/07.

2- غرفة الأحوال الشخصية والميراث:

لقد درج المجلس الأعلى والقضاء المغربي بصفة عامة على تطبيق ظهير 12/8/1213 المنظم لوضعية الفرنسيين والأجانب بالمغرب قبل دخول الاتفاقية المغربية الفرنسية المؤرخة في 10/8/1981 حيز التنفيذ كلما تعلق الأمر بالأحوال الشخصية للأجانب غير المسلمين، وتجلى ذلك من قرار المجلس الأعلى عدد 184 بتاريخ 28/2/1979 الذي ورد فيه " أن أهلية الفرنسية الذي تزوج في إطار الأموال المشتركة في بيع عقار يعتبر ضمن الأموال المشتركة ينظمها قانون الزوجين للأحوال الشخصية وليس القانون المغربي، وبالتالي فإنه ليس للزوج أهلية بيع عقار يتضمن رسمه العقاري حالة الزوجين العائلية إلا برضا زوجته " فيما يتعلق بمصادقة القضاء المغربي على الأحكام الصادرة عن المحاكم الفرنسية ومنحها الصيغة التنفيذية ما لم تكن مخالفة للنظام العام المغربي كما ينص على ذلك الفصل الرابع من الاتفاقية، ومن ذلك قرار المجلس الأعلى عدد 864 بتاريخ 20/9/2000 ملف: 83/00 الذي جاء فيه " أن الحكم الأجنبي الذي ينص على عدم إمكانية تطبيق القانون المغربي على مغاربة مسلمين في نزاع يتعلق بالتطليق يعتبر مخالفا للنظام العام المغربي وغير قابل لتذييله بالصيغة التنفيذية لما فيه من خرق للفصل 430 من قانون المسطرة المدنية، ويعلق أحد القضاة على هذا القرار بأنه إنما كرس مبدأ معروفا في القانون الدولي الخاص وهو أن من شروط منح الصيغة التنفيذية لحكم أجنبي ألا يتعارض مع حكم و طني باعتبار أن هذا الأخير رمز لسيادة الدولة.

وقضى المجلس الأعلى في قرار عدد 331 بتاريخ 6/6/2007 ملف عدد 483/06 بأن طلاق الطالبة وتحديد مستحقاتها بالمغرب يجعل لجوءها إلى طلب الطلاق بفرنسا مع ما يترتب عنه مخالفا للنظام العام المغربي وهروبا من القضاء الوطني الذي يمثل سيادة الدولة المغربية والمحكمة لما رفضت طلبها ابتدائيا وأيدته محكمة الاستئناف تكون قد طبقت القواعد المتعلقة بمسطرة تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في المغرب تطبيقا صحيحا.

كما قضى المجلس الأعلى في قراره عدد 922 بتاريخ 4/10/2000 ملف 494/99 بأن دعوى التطليق للضرر يجوز الاستناد فيها إلى ما تضمنه الحكم الأجنبي من وقائع تثبت الضرر المبرم للتطليق بصرف النظر عن كون ذلك الحكم نهائي أم لا ما دام ليس هناك ما يفيد الطعن فيه.

وقضى المجلس الأعلى بقراره عدد 101 الصادر في 6 ماي 1983 ملف عدد 90344 بأن ما يتطلبه الفصل 23 من الاتفاقية القضائية المغربية الفرنسية من التحقق مما إذا كانت الوثائق المحررة في إحدى الدولتين مستوفية لشروط  صحتها يتعلق فقط بتنفيذها لا بقوتها الإثباتية، وذلك في شأن الطعن الموجه لمحضر المعاينة للخيانة الزوجية المنجز في فرنسا في نطاق نظامها القضائي بناء على قرار صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية هناك.

وفي نفس السياق قضى المجلس الأعلى في قراره عدد 90 الصادر بتاريخ 24/1/2001 ملف عدد 212 بأنه يجب على المحكمة التي يقدم إليها الطلب بقصد تذييل حكم أجنبي بالصيغة التنفيذية أن تتحقق من عدم مساس محتواه بالنظام العام المغربي والحال أن موضوع الفصل في الطلاق أوجب المشرع الإشهاد به أمام عدلين لا أن يقضي به قاضي أجنبي غير مسلم، ويكون القرار خارقا لمقتضيات الفصل 430 من قانون المسطرة المدنية إذ لم يتحقق من اختصاص الحكم الأجنبي للفصل في الدعوى.

واعتبر المجلس الأعلى الحكم الأجنبي القاضي بالطلاق المطلوبة تذييله بالصيغة التنفيذية وثيقة رسمية في الملف لا يجوز للمحكمة استبعادها دون ترتب الآثار القانونية عليها في القرار عدد 244 بتاريخ 28/2/2001 ملف عدد 512/00.

وفي قرار المجلس الأعلى عدد 658 بتاريخ 30/12/2004 ملف 556/03 استبعدت الاتفاقية الثنائية بين المغرب وفرنسا لأن الفصل الرابع من مقتضياته يستثنى من التطبيق القضايا المنافية بصورة واضحة للنظام العام (قرار بجميع الغرف منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 63 ص 384) في موضوع نفي النسب.

3- الغرفة التجارية:

جاء في قرار المجلس الأعلى رقم 380 بتاريخ 24/3/1999 في الملف 1994/97 أن تمسك الطالبة بتطبيق أحكام الفصل 20 من معاهدة هامبورغ وتطبيق المحكمة بدلا من ذلك لأحكام الفصل 262 من القانون التجاري البحري دون توضيح لأسباب استبعاد أحكام المعاهدة يجعل القرار متسما بانعدام التعليل أو انعدام الأساس القانوني.

وجاء صراحة في القرار عدد 764 بتاريخ 19/5/1999 الملف 4356/90 أن اتفاقية الأمم لنقل البضائع الموقع عليها بهامبورغ بتاريخ 31/3/1978، تعتبر نافذة المفعول بالمغرب منذ 1/11/1972 أن للاتفاقية المذكورة حق الأسبقية في التطبيق على القانون الوطني في خصوص العقود المبرمة في تاريخ بدء نفاذها أو بعده وليس لها أثر رجعي.

وقضى المجلس الأعلى في قرار عدد 141 بتاريخ 3/2/1999 ملف 4394/93 بأن تأويل المحكمة للفصل 26 من اتفاقية وارسو الدولية لسنة 1929 المتعلق بالنقل الجوي بعدم التمييز بين الدفع بعدم القبول موضوع الفصل 26 والدفع بسقوط الدعوى موضوع الفصل 29 من الاتفاقية يجعل القرار عرضة للنقض، ثم إن عدم تنظيم الاحتجاج في أجل 21 يوما في حالة التأخير من تاريخ وضع البضاعة رهن إشارة المتلقي يرتب جزاء عدم قبول الدعوى، إلا في حالة الغش عملا بالفقرة الرابعة من نفس الفصل المعدل ببروتوكول لاهاي لسنة 1955.

وجاء في قرار المجلس الأعلى عدد 60 بتاريخ 19/1/2000 ملف عدد 709/98 أن المقرر التحكيمي موضوع النازلة مستدل به في المغرب، وإن الفصل الثالث من اتفاقية الاعتراف بالمقررات التحكيمية الأجنبية وتنفيذه الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 9/5/1958 المصادق عليها من طرف المغرب بمقتضى ظهير 19/2/1960 يجعل تنفيذ المقرر التحكيمي الأجنبي عن طريق قواعد المسطرة المتبعة في التراب المستدل فيه بالمقرر دون أن تفرض شروطا مشددة غير المفروضة للاعتراف بالمقررات التحكيمية الوطنية أو بتنفيذها مما يدل على أن الاختصاص مسند بمقتضى الاتفاقية التي تحيل على مقتضيات مسطرة في باب التحكيم للقانون الوطني موضوع الفصل 320 من ق.م.م فلا مبرر للاستدلال بمقتضيات الفصلين 18 و430 من نفس القانون الذي يهم الأحكام القضائية، وأنه بالإضافة إلى أن طريقة رفع طلب الاعتراف والتنفيذ للمقرر التحكيمي الأجنبي منظمة بمقتضى الفصل الرابع من الاتفاقية الذي يجعل أجل للإيداع فإن الفصل 320 من ق.م.م يهم التحكيم الداخلي ولا يترتب عن عدم مراعاته أي أثر على الأمر بالتنفيذ، فلم يخرق القرار المطعون فيه أي مقتضى " وقضى قرار المجلس الأعلى عدد 332 بتاريخ 7/2/2001 ملف عدد 958/99 بأن محكمة الاستئناف ردت الدفع المتعلق بالقانون الواجب التطبيق وعن صواب بعلة أن تضمين رسالة الاحتجاج الإشارة إلى الفصلين 262 و263 أو عدم تضمينها، ذلك لا أثر له في الإطار القانوني الذي توضع فيه الدعوى خاصة وأن المدعية شركة الضمان العام المغربي نصت صراحة في مقالها الافتتاحي للدعوى على أنها قامت بعملية النقل في إطار اتفاقية هامبورغ فلم يخرق قرارها أي مقتضى وجاء معللا ومرتكزا على أساس ما دامت شروط إقامتها مسايرة للاتفاقية خصوصا المادة 19 منها المتعلقة بالإخطار الذي لم تناقشه رسالة الاحتجاج المقدمة في نطاق الفصلين 262 و263 من القانون التجاري البحري إذ هي في صالح النقل.

إن محكمة الاستئناف حملت الطالبين مسؤولية الأضرار اللاحقة بالبضاعة موضوع وثيقة الشحن بعدما تبين لها في إطار سلطتها التقديرية في تقييم الحجج التي لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إلا من حيث التعليل، أن تحفظات مكتب استغلال الموانئ كانت دقيقة وإشارته إلى الحالة السيئة للطرود التي كانت ممزقة وبضاعتها منسابة ومعرضة للغبار والهواء، وأن هذه التحفظات جاءت مطابقة لما ورد في معاينة مكتب الخبرة التي أكدت وجود ضرر بسبب المناولات خلال الرحلة البحرية بالنسبة للبضاعة المعروضة عليه فجاء قرارها معللا ومرتكزا على أساس وغير خارق لأي مقتضى والوسيلة على غير أساس.

إن محكمة الاستئناف لم تعتمد وعن صواب على مقتضيات الفصل 266 من القانون التجاري البحري في تحديد مسؤولية الناقل البحري لوجود نص خاص به، وهو المادة السادسة من اتفاقية هامبورغ التي أقيمت الدعوى في إطارها والتي تحدد التعويض في مبلغ 835 وحدة حسابية عن كل طرد، والذي يهم في النازلة 24 طردا وأن الوحدة الحسابية تساوي 1.371 دولار حسب تصريح بنك المغرب بتاريخ 13/1/1994 وأن ما يعادلها بالدرهم هو 9.703 دراهم، ومن تم فلا مبرر للاستدلال بمقتضيات المادة 25 من الاتفاقية لتعلقها بتحديد مسؤولية مالك السفينة البحرية، فجاء القرار معللا ومرتكزا على أساسا وغير خارق لأي مقتضى.

قرار المجلس الأعلى عدد 754 بتاريخ 19/5/1999 ملف تجاري عدد 4356/90 " قضى بأنه إذا كانت اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع الموقعة بهامبورغ في: 31/3/1978 المنظم إليها المغرب في 17/7/1978 المنشورة بالجريدة الرسمية بتاريخ 3/8/1988 بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 14/11/1986 المتمسكة بأحكامها المطلوبة في النقض شركة كوماناف، تعتبر نافذة المفعول ابتدائي من اليوم الأول من الشهر التالي لانقضاء سنة واحدة على تاريخ إيداع الوثيقة العشرين من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام، وكانت مصادقة زامبيا وهي الدولة العشرون على الاتفاقية في 7/10/1991 فتصبح داخل حيز التنفيذ الدولي بتاريخ 1/11/1992 وقانونا ملزما في النطاق الوطني منذ هذا التاريخ، وكان البند الثالث من الفقرة الثانية من المادة الرابعة من الاتفاقية يتعارض مع نص الفصلين 221 و262 من القانون التجاري البحري من حيث مدة مسؤولية الناقل تجاه المرسل إليه بوجود مكتب استغلال الموانئ فتجعلها الاتفاقية لغاية تسليم البضاعة لهذا المكتب ويجعلها القانون التجاري البحري لغاية الوضع الفعلي رهن إشارة المرسل إليه، وكانت قواعد الترجيح تقتضي بتطبيق الاتفاقية على القانون الداخلي لوقوعها لاحقة في التاريخ (الفصل 474 من ق.ل.ع) فإن القرار المطعون فيه الصادر بتاريخ 7/11/1989 أي قبل نفاذ الاتفاقية والبات في وقائع تمت في ظل القانون الداخلي ولا يمكن إخضاعها للاتفاقية عملا بأحكام الفقرة الثالثة من المادة 30 منها القاضية بأن: " على كل دولة متعاقدة أن تطبق أحكام هذه الاتفاقية على عقود النقل البحري المبرمة في تاريخ بدء نفاذ هذه الاتفاقية على تلك العقود أو في أي تاريخ بعده، يكون خارقا للفصلين 221 و262 المذكورين حينما اعتبر أن الربان لا يتحمل أية مسؤولية عن الأضرار الحاصلة للبضاعة سواء التي وقع إفراغها بميناء الدار البيضاء أو التي أفرغت في ميناء القنيطرة "، ونص الفصل 363 من القانون التجاري البحري على أن تقادم دعوى المسؤولية يحدد بسنة واحدة تبتدأ من تاريخ بلوغ البضائع إلى ميناء الوصول أو في حالة عدم وصولها ابتداء من تاريخ اليوم، الذي كان من المفترض وصولها في الأحوال العادية بينما جعلت المادة 20 من اتفاقية هامبورغ مدة التقادم سنتين وفي ذلك صدر قرار للمجلس الأعلى عدد 380 بتاريخ 24/3/1999 ملف مدني 1994/97 جاء فيه ما يلي: " حيث تمسكت الطاعنة ضمن مذكرتها المقدمة لجلسة 7/9/1995 بأن عملية النقل موضوع الدعوى الحالية تخضع لرقابة الأمم المتحدة لنقل البضائع بطريق البحر المعروفة باتفاقية هامبورغ حيث ينص فصلها العشرون أن دعوى المسؤولية المستمدة من عقد النقل تتقادم بمضي سنتين من تاريخ تسليم البضاعة أو جزء منها "، ورغم تضمين القرار المطعون فيه لهذا الدفع أثناء سرده للوقائع إلا أنه لم يجب عليه رغم ما لذلك من تأثير على مساره وأخضع النازلة لمقتضيات الفصل 262 من القانون التجاري البحري واستبعد مقتضيات اتفاقية هامبورغ دون أن يوضح سبب ذلك فاتسم قرارها بانعدام التعليل والأساس القانوني وتعرض للنقض.

وقضى المجلس الأعلى بقراره عدد 1708 بتاريخ 1/11/2000 ملف تجاري 1039/00 بأن تطبيق اتفاقية وارسو المؤرخة في 12/10/1929 المصادق عليها والمنشورة بتاريخ 19/3/1978 المتعلقة بالنقل الجوي الدولي للبضائع بأنه حسب تعديل برتوكور لاها لسنة 1955 فقد ترتب على عدم تقديم الاحتجاج داخل الأجل المقرر وهو 25 يوما في حالة التأخير تحسب من تاريخ وضع رهن إشارة المرسل إليه جزاء عدم قبول الدعوى الموجهة ضد الناقل إلا في حالة الغش وهو ما لم يتناوله القرار مما يكون قد أول الفصل 26 تأويلا خاطئا بعدم تمييزه بين الدفع بعدم القبول موضوع الفصل 26 المذكور والدفع بسقوط الدعوى موضوع الفصل 29 من الاتفاقية مما يعرضه للنقض.

إن الغرف التجارية للمجلس الأعلى تميل إلى تطبيق الاتفاقية الدولية عند تعارض مقتضياتها مع التشريع الداخلي إسهاما منها في تكييف اجتهادها لمواجهة التحديات التي تفرضها الوضعية الجديدة  للاقتصاد العالمي وما تطرحه الاتفاقيات الدولية غير المتحفظ بشأنها من عواقب في أفق العولمة " أهم توجهات المجلس الأعلى – التقرير السنوي 2002 ص 73.

وصدر قرار في الملف التجاري عدد 309 بتاريخ 9/9/1998 " يقضي بأن مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 22 من معاهدة وارسو المتعلقة بالنقل الجوي تحدد كحد أقصى في مبلغ 250 فرنك للكيلوغرام ما لم يقدم تصريح من طرف المرسل يحدد بمقتضاه القيمة الحقيقية للبضاعة، وإذاك تراعي هذه القيمة في تحديد المسؤولية – يتعرض للنقض القرار الذي لم يعمل على تحديد مسؤولية الناقل الجوي على أساس الوزن بعلة أن الأمر لا يتعلق بنقص في البضاعة وإنما بإفساد أجهزة إلكترونية مع أن المقتضيات المذكورة تحدد مسؤولية الناقل وفي غياب أي تصريح بتحديد قيمة البضاعة المنقولة في المبلغ المشار إليه كحد أقصى.

قرار عدد 291 صادر عن الغرفتين – مدني تجاري – بتاريخ 7/3/2007 ملف 19/3/1/04 قضى بأنه: " لا مبرر للاستدلال في المادة التحكيمية بالفصل 25 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن السكوت عن الرد يعتبر بمثابة القبول إذ تعلق الإيجاب بمعاملات سابقة بدأت فعلا بين الطرفين لأن اختيار التحكيم لفض النزاع حول صيغة بيع حمولة القمح الكندي لا يمكن اللجوء إليه إلا إذا كان هناك شرط تحكيمي أو اتفاق على التحكيم حرر بشكل معبر عن إرادة الطرفين من خلال عقد مكتوب أو خطابات متبادلة كما يقضي بذلك الفصلان 307 و309 من قانون المسطرة المدنية والمادة الثانية من اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بالمقررات التحكيمية، في حين لا يوجد من بين الفاكسات المتبادلة ما يتضمن موافقة الطاعنة على اختيار التحكيم ويكون القرار القاضي بتذييل المقرر التحكيمي الصادر عن جمعية الحبوب والمواد الغذائية (كافتا) قد خرق مضمون المستندات بشكل أدى إلى خرق القانون مما يعرضه للنقض (اتفاقية نيويورك لسنة 1988 بشأن التحكيم صادق عليها المغرب في 12/2/1959.

إن القاضي الوطني في الغرفة التجارية بصفة خاصة قد وجد نفسه مضطرا مرة لاستبعاد الاتفاقية الدولية لتطبيق القانون الوطني ومرة أخرى لاستبعاد القانون الوطني لتطبيق الاتفاقية الدولية أو المزاوجة بين هذه الأخيرة في التطبيق وبين القانون الوطني. كما في القرار عدد: 1957 الصادر بتاريخ 16 دجنبر 2009 في الملف عدد: 35/3/1/08 الذي جاء فيه: « لئن كان الدين الذي تم من أجله قبول إجراء حجز تحفيظي على السفينة يتكون في جزء منه من دين بحري وفي الجزء الباقي من دين غير بحري، فإنه لما يتعلق الأمر بحجز على السفينة وعقلها يتعين احترام مقتضيات اتفاقية بروكسيل لسنة 1952 التي صادق عليها المغرب بتاريخ 24/11/2000 بشأن توحيد بعض القواعد المتعلقة بالحجز التحفيظي على السفن البحرية التي تشترط أن يكون الدين بحريا مما يتعين معه نقض القرار الاستئنافي المطعون فيه جزئيا فيما قضى به من الإبقاء على الحجز فيما زاد على مبلغ الدين البحري».

وجاء في القرار عدد: 158 بتاريخ 28/1/2010 في الملف عدد 205/3/1/09 «إن الاتفاقية الدولية بشأن توحيد بعض القواعد المتعلقة بالحجز التحفظي على السفن البحرية الصادرة في بروكسيل بتاريخ 10/5/1952 أوردت في مادتها الأولى تعدادا لأنواع الديون التي ينطبق عليها وصف الديون البحرية. وهذه يجب تفسير مضمونها تفسيرا ضيقا اعتبارا للطابع الحصري لهذا التعداد ليتحدد نطاق هذه الديون فقط في الديون البحرية التي لها علاقة بالسفينة موضوع الحجز التحفيظي دون ما عدا ذلك من الديون الناشئة عن التزامات لا ارتباط لها بشكل مباشر بالسفينة، إن القرار المطعون فيه بما انتهى إليه برفض طلب عقل السفينة مبرر ما دام قد تم استبعاد الاتفاقية الدولية المذكورة من التطبيق وبذلك يكون قد طبق على الحجز التحفظي على السفينة مقتضيات القانون الداخلي».

وقد ورد في نشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة العدد الخامس الصفحة 55 تعليق للأستاذ محمد المجدوبي الإدريسي جاء فيه: " إن قراري المجلس الأعلى المشار إليهما أعلاه تناولا معا أحد شروط تطبيق اتفاقية بروكسيل المذكورة، وهو شرط  أن يكون الدين المطلوب من أجله الحجز التحفظي للسفينة دينا بحريا. ولم تتضمن الاتفاقية تحديدا لمدلول الدين البحري، وإنما أوردت تعدادا للحالات التي يعتبر فيها الدين بحريا (المادة الأولى من الاتفاقية) وكل ما يخرج عن نطاق هذه الديون لا يعتبر دينا بحريا حتى ولو كانت له علاقة بالنشاط البحري كما هو وارد في النازلتين موضوع القرارين أعلاه اللتان تتعلقان بدين استغلال رخص الصيد وتسويق السمك واستغلال تجهيزات التجميد بالميناء.

كما ورد في نفس المرجع السابق (ص 144) تحت عنوان وجهة نظر: «أن القاضي يميل في كثير من الأحوال إلى تطبيق مقتضيات بلاده التي استأنس بها ولو تعلقت بالقواعد العامة على أن يطبق المقتضيات الدولية حتى ولو كانت أكثر انطباقا على النازلة».

4- الغرفة الإدارية:

صدر عن الغرفة الإدارية قرار عدد 929 بتاريخ 18/12/2003 قضى بأن قرار منظمة الإسيسكو (المنظمة العربية للعلوم والثقافة) بطرد أحد موظفيها لا يدخل في مجال اختصاص القضاء الإداري لكون المنظمة المذكورة تتمتع بحصانة تماثل الحصانة المقررة للبعثات الدبلوماسية طالما أن النظام الداخلي يستند في مثل هذه المنازعات إلى لجنة يشكلها مجلسها التنفيذي من بين أعضائها وأن مقرها يتمتع بالحصانة ولا يجوز اتخاذ إجراءات قضائية ولا إدارية بداخله، ثم إن الاتفاقية المبرمة بين منظمة الإسيسكو والمملكة المغربية تقر بالصفة الدولية لموظفيها.

وقضى المجلس الأعلى في نفس الغرفة الإدارية في قرار عدد 249 بتاريخ فاتح أكتوبر 1976 في قضية الفرنسي الجنسية الذي طلب تسجيله بإحدى نقابات المحامين بالمغرب فرفضت النقابة طلبه لأنه لا يتكلم العربية فألغت محكمة الاستئناف القرار وأيدها في ذلك المجلس الأعلى استنادا إلى المعاهدة المبرمة بين المغرب وفرنسا وكذا البرتوكل الملحق بها لسنة 1965 واستنادا لقانون المحاماة المغربي الذي كان ساري المفعول وقت إصدار القرار.

5- الغرفة الاجتماعية:

في شأن عقد العمل مع الأجير الأجنبي تطبيق الاتفاقيات الدولية بدل القانون الوطني فقد ورد في القرار عدد 99 بتاريخ 3/2/1999 ملف عدد 773/96 الصادر عن الغرفة الاجتماعية: " إن اتفاقية الاستيطان المبرمة بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية المؤرخة في 15/3/1963 تنص على تقديم عقد الشغل فيما يتعلق بالأعمال المؤدى عنها وبالتالي فلا مجال للقول بوجوب تأشيرة وزارة الشغل على ذلك والقرار المطعون فيه عندما قضى بخلاف ذلك ورفض طلب الطاعنة بعلة أن عقد عملها باطل ما دام لا يحمل تأشيرة من وزارة الشغل يكون فاسد التعليل الموازي لانعدامه مما يعرضه للنقض".

وفي شأن مسؤولية الناقل الجوي أصدر المجلس الأعلى عدد 73 بتاريخ 26/6/1977 ملف اجتماعي رقم 54763 جاء فيه ما يلي: إن دعوى المسؤولية التي تتقادم بمضي سنتين هي التي تقام ضد الناقل الجوي من طرف ذوي حقوق الضحية طبقا للفصل 29 من اتفاقية فارصوفيا التي انضمت إليها المملكة المغربية بتاريخ 8/1/1958 والقرار المطعون فيه طبق ما نص عليه الفصل 22 من الاتفاقية المذكورة في شأن التعويضات المحكوم بها على شركة ايرفراس دون زيادة خلافا لما زعمته الوسيلة مما يجعلها غير جديرة بالاعتبار.

6- الغرفة الجنائية:

في موضوع تسليم المجرمين يطبق القاضي المغربي القانون الوطني عند عدم وجود اتفاقية وإن تسليم المجرمين الأجانب خاضع للمعاهدات المبرمة بين المملكة المغربية والدول الأجنبية وللظهير الشريف المؤرخ في 25 ربيع الثاني عام 1378 الموافق لثامن نونبر 1958 الذي حلت محله المواد من 718 إلى 745 من قانون المسطرة الجنائية وتبقى للمعاهدات المبرمة سبقية التطبيق في هذا المجال كما أكد ذلك قرار المجلس الأعلى عدد 172 بتاريخ 2/9/1999 ملف 339/99 الذي أورد أنه لابد من إصدار أمر دولي بإلغاء القبض على المطلوب في التسليم وإرفاق الطلب بالوثائق داخل الآجال المحددة بمقتضى الاتفاقية وعذر خلو المعاهدة من ذلك يرجع إلى القانون الوطني.

وجاء في قرار المجلس الأعلى عدد 667/08 بمجموع الغرف بتاريخ 1/7/2008 ملف عدد 8579/08 حيث إنه إذا كان الغرض من المصادرة في الفصل 42 من مجموعة القانون الجنائي هو تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معنية وهو مبدأ عام فإنها تكون وجوبية يقتضيها النظام العام لتعلقها بتخليق الحياة العامة خاصة وأن المغرب بمصادقته على اتفاقية الأمم المتحدة لممارسة الفساد بمقتضى ظهير شريف رقم 58.07 صادر بتاريخ 30 نونبر 2007 والإذن بنشرها في الجريدة الرسمية بتاريخ 17 يناير 2008 وما يتطلبه فصليها 31 و55 من تجميد وحجز ومصادرة يكون قد وضع في طلب قوانين الوطنية مقتضيات عامة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.

وذهب المجلس الأعلى في قراره عدد 1729 بتاريخ 16/12/1997 ملف 22.413/97 إلى أن أحكام القانون الداخلي يمكن إدخال تعديل عليها عن طريق المعاهدات الخاصة بين الدول وأن مسطرة التسليم لا تسري إلا في حق الأجنبي الصادر في حقه حكم قضائي أو كان موضوع اتهام من طرف السلطة القضائية للدولة المطالبة بالتسليم وتطبيقا للاتفاقية المغربية التونسية بشأن التعاون القضائي وتسليم المجرمين المنشورة بالجريدة الرسمية بتاريخ 30/8/1966 اصدر المجلس الأعلى قراره عدد 1966 بتاريخ 16/6/1999 في الملف عدد 6841/99 قضى فيه بأنه إذا توفرت في طلب التسليم كافة الشروط التي يتطلبها القانون وأبدى المطلوب في التسليم طوعا واختيارا رغبته في أن يسلم إلى الدولة الطالبة فإن الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى تسجل ذلك على صاحبه وتبدي مع ذلك رأيها بالموافقة على الطلب.

وقضى المجلس الأعلى في قراره عدد 1534 بتاريخ 18/4/2001 ملف 17335 بأن المحكمة تكون قد عللت قرارها بانعدام الضمان على أساس صحيح لما صرحت بأن اتفاقية جنيف المؤرخة في 19/9/1949 تحدد مدة صلاحية شهادة السياقة الدولية في سنة واحدة فقط وأنه على فرض أن المتهم كان يتوفر على الشهادة المذكورة فإن صلاحيتها قد انتهت قبل ارتكاب الحادثة.

وجاء في قرار المجلس الأعلى عدد: 323 /13 بتاريخ 15/4/2009 ملف عدد 21308/6/13/2006 أن اتفاقية جنيف المتعلقة بالسير الدولي ترخص لكل سائق يدخل تراب الدولة المتعاقدة أن يسوق في طرقها سيارات حسب الأصناف المبينة والمسلمة له من أجلها رخص للسوق من طرف السلطة المختصة لدولة أخرى متعاقدة لكن الاتفاقية لا تسري على من بقي من غير انقطاع لمدة تتجاوز سنة واحدة وإن المتهم الذي تواجد بالمغرب وقت الحادثة بصفة عرضية لمدة شهر واحد وينتمي لدولة متعاقدة تعتبر رخصة سياحية صالحة بالمغرب ولا مجال لشركة التأمين أن تدفع بانعدام الضمان بعلة عدم توفره على رخصة سياقة صالحة بالمملكة المغربية.

 خاتمة: إن تطبيق مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني يطرح على القاضي المغربي بعض الصعوبات سواء من حيث المسؤولية الجنائية أو المدنية:

    فبالنسبة للمسؤولية الجنائية قد تعتبر بعض الاتفاقيات الدولية أن الشخص ليس مسؤولا عن فعله فقط وإنما عن فعل الغير وليس مسؤولا عن فعله المباشر بل قد يسأل عن فعل وقع في ظرف خارج عن إرادته ومع ذلك يتحمل تبعته الأمر الذي يؤدي إلى القول بوجود مسؤولية من نوع خاص وهي مسؤولية موضوعية: مثلا في قضايا الإرهاب وقضايا تلوث البيئة حيث يصعب تطبيق المعايير الفقهية والقضائية المتعارف عليها.

وبالنسبة للمسؤولية المدنية فإذا كانت المسؤولية المدنية تقوم عن الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما وأنه لابد من نسبة الخطأ للمسؤول عنه ويجب على طالب التعويض أن يثبت انحراف المسؤول عن السلوك المعتاد سواء نجم ذلك عن عمد أو إهمال أو عدم تبصر أو عدم مراعاة الأنظمة والقوانين فإن بعض الاتفاقيات الدولية تنظر فقط إلى مصلحة المضرور بعد أن تبت في كثير من الأحوال تعذر إثبات المسؤولية الناشئة عن الخطأ فتم الاكتفاء بتأسيسها على عنصر الضرر على اعتبار أن ضمان حقوق الأشخاص يحتل مكانا أكثر أهمية وأن إتباع نظام المسؤولية التقليدية يؤدي إلى حرمان المتضرر من اللجوء إلى القضاء للحصول على حقه والمثال من الأضرار المترتبة عن تلوث البيئة التي يصعب فيها إثبات الخطأ في غالب الأحوال وكما يقال فإن الخطر الاستثنائي تقابله مسؤولية استثنائية و خطورة الأضرار تفرض وجود نظام خاص للمسؤولية.

بالإضافة إلى أن كثيرا من الاتفاقيات الدولية لا تعالج عدة تفاصيل ومبادئ قانونية وتترك للقضاء الوطني مساحة واسعة للتصدي لعدة منازعات وتطبيق القواعد القانونية العامة عليها مما يبرز الدور الأساسي للقاضي الوطني في التصدي للقضايا الجديدة على مجتمعه منها الجرائم المنظمة بصفة عامة وتطويع القوانين الوطنية لتقريبها من المبادئ والقواعد المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها.

من خلال العرض المختصر للقرارات الصادرة عن المجلس الأعلى في شأن تطبيق مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية يمكن الاستنتاج وكما سبق الإشارة إلى ذلك أن الاتفاقيات الدولية لا تعتبر إلى حدود هذا الوقت بمثابة قانون وطني داخلي يفرض نفسه على القاضي المغربي وأن كلا من الغرفة المدنية في المجلس الأعلى وغرفة الأحوال الشخصية لازالتا تعتمدان في استبعاد بعض الاتفاقيات على مخالفتها للنظام العام المغربي إلا فيما يتعلق بحقوق الإنسان واحترام المشروعية ودولة الحق والقانون إلا أن التعامل والتواصل الدولي وانفتاح الاقتصاد الوطني سوف يعمل لا محالة على تذويب وتليين مفهوم النظام العام وغياب التحفظات التي لازالت تقف في وجه القاضي وتحول دون تطبيقه للاتفاقية الدولية المصادق عليها والتي تعتبر بمثابة قوانين دولية شرعت لتطبيقها كونيا كأنها قانون داخلي لدولة أو مجتمع واحد.
المصدر http://www.sejdm.com