11.10.2017

أصول المحاكمات المدنية التبليغ

أصول المحاكمات المدنية التبليغ







تبليغ

notification - signification

 التبليغ

التبليغ

محمد سامر القطان




لعل من أهم مقتضيات حق الدفاع الذي حرصت دساتير العالم وتشريعاته على احترامه تبليغ الشخص La signification أو إعلامه بما يدعى به عليه أمام القضاء، إذ تأبى العدالة أن يحكم على شخص ما من دون إبلاغه أو إعلانه بما هو منسوب إليه، أو بما هو مطالب به، ولابد من تمكينه من الدفاع عن نفسه بالوسائل المنصوص عليها في القانون، ولهذا يُعدّ التبليغ بحق من أهم ضمانات تحقيق العدالة.

وقد نظم المشرع السوري موضوع الميعاد والتبليغ في المواد من 17 إلى 38 من الفصل الرابع من الباب التمهيدي من قانون أصول المحاكمات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 بتاريخ 1953. ومنذ ذلك التاريخ لم تطرأ على هذا الموضوع سوى بعض التعديلات الطفيفة (ولاسيما تلك التي وردت في المرسوم التشريعي رقم 13 الصادر بتاريخ 28 /4/1979 التي تناولت بصورة خاصة مواضيع التبليغ والمواعيد والبطلان). بيد أن القضاء والفقه كانا - ولا يزالان - يجتهدان في الكثير من القضايا لإجلاء ما غمض في هذه النصوص القانونية وتوضيحه، ولسد ما غفلت عنه.

أولاً: مفهوم التبليغ

إذا كانت الدعوى تبدأ من تاريخ قيدها بديوان المحكمة المختصة؛ فإن الخصومة فيها لا تنعقد ولا تكتمل إلا بحضور جميع أطرافها إلى المحكمة بالوقت المحدد، أو على الأقل عندما يَثبت للمحكمة أنهم بلّغوا على نحو صحيح وبالطريقة المبينة في القانون.

1- المقصود بالتبليغ

يُعدّ التبليغ - في الأصل - إجراء من إجراءات الخصومة القضائية المنصوص عليها في قوانين أصول المحاكمات. وبواسطته يتم رسمياً إعلام الشخص المعني به بواقعة معيّنة أو بعمل قضائي معيّن تربطه به علاقة أو صلة ما، كاستدعاء دعوى أو حكم قضائي، أو طعن… ويُرتب القانون عليه آثاراً قانونية مهمة. وقد يكون التبليغ - في بعض الأحيان - مجرد إجراء سابق على الدعوى أو الخصومة القضائية، كما هو الحال بالنسبة إلى البطاقات البريدية الموجهة عن طريق البريد الرسمي، والإعذارات أو الإنذارات الموجهة عن طريق الكاتب بالعدل ( المادة 32 من قانون الكتاب بالعدل رقم 54 لعام 1959).

2- محضر التبليغ وبياناته

أ - محضر التبليغ: تتعدد وتتنوع أوراق التبليغ، ويختلف مضمونها بتعدد الغرض من كل منها وتنوعه. ولعل من أهم هذه الأوراق  مذكرات الدعوة والإخطار لحضور جلسات المحاكمات، والإخطارات التنفيذية، وسندات تبليغ الأحكام، والإنذارات العدلية، والبطاقات البريدية وغيرها… وتتألف ورقة التبليغ - في معظم الأحيان - من شقين متطابقين في البيانات (كما هي حال مذكرات الدعوة أو الإخطار…). الشق الأول منها يسلم إلى الشخص المطلوب تبليغه مع ما قد يكون مربوطاً به من وثائق، والشق الثاني يعاد إلى الجهة طالبة التبليغ بعد أن يشرح عليه المحضر -أو الموظف المكلف بالتبليغ- ما جرى على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن بهذا الخصوص. وهذا الشق الثاني يسمى عادة مَحضر التبليغ، أو يسمى في حالات أخرى سند التبليغ، كما هي الحال في سندات تبليغ الأحكام القضائية.

ب- بيانات محضر التبليغ: أوجب المشرع - في المادة (20) من قانون أصول المحاكمات- أن يتضمن مَحضر التبليغ أو سنده البيانات التالية:

1- تاريخ اليوم والشهر والسنة والساعة التي حصل فيها التبليغ.

2- اسم طالب التبليغ ولقبه ومهنته وموطنه أو اسم من يمثله ولقبه وموطنه.

3- اسم المحكمة أو الجهة التي يجري التبليغ بأمرها.

4- اسم المخاطب بالتبليغ ولقبه ومهنته وموطنه، وإن لم يكن موطنه معلوماً وقت التبليغ فآخر موطن كان له.

5- اسم من سلِّمت إليه صورة الورقة وتوقيعه على الأصل أو إثبات امتناعه وسببه.

6- توقيع المُحضر - أو الشخص المكلف بالتبليغ - على كل من الأصل والصورة، أو على شقي مَحضر أو سند التبليغ.

ولا يكون التبليغ صحيحاً - من حيث المبدأ - إلا إذا احتوى محضر التبليغ على جميع البيانات المذكورة. واجتهاد محكمة النقض مستقر عملياً على أن عدم ذكر ساعة وقوع التبليغ إلى المخاطب لا يؤثر في صحته إذا لم يعترض عليه الشخص المُبَلّغ من جهة (قرار نقض، هيئة عامة، رقم 8 لعام 1970، منشور في القواعد العملية لقانون أصول المحاكمات وتعديلاته، ممدوح عطري، الطبعة الثانية، 1967، القاعدة 109، ص 137و 138)، وعلى أن عدم ذكر ساعة التبليغ في مَحضر التبليغ أو سنده يفيد أن التبليغ قد تم في الأوقات المسموح بها قانوناً ما لم يَثبت خلاف ذلك بالطرق المبينة في القانون من جهة أخرى (قرار نقض 833/954، لعام 1997، الغرفة الأولى، منشور في موسوعة القضاء المدني، محمد أديب الحسيني، الجزء الأول، دار اليقظة العربية، الطبعة الأولى، 2002، القاعدة 1365، ص 479).

3- المكلف بالتبليغ

أوجب المشرع أن يتم التبليغ -من حيث المبدأ- بواسطة المحضرين أو رجال الضابطة العدلية. وأجاز في بعض الأحوال الاستثنائية أن يقوم بالتبليغ رجال الشرطة العسكرية، أو الكتّاب المساعدون، أو موظفو البريد بحسب الحال.

أ- المحضرون (Huissiers): وهم موظفون ملحقون بالمحاكم، موزعون على دوائر (تسمى دوائر المحضرين) تابعة للمحاكم الموجودة في مراكز المحافظات. وتجدر الملاحظة أن تعيين المحضرين لم يصل بعد إلى المناطق والنواحي في سورية، (انظر: د. محمد واصل، شرح قانون أصول المحاكمات، منشورات جامعة دمشق، الكتاب الأول، الجزء الأول، 2006-2007، ص 143 و144). وتقع على عاتق هؤلاء في الأصل مهمة تبليغ كافة الأوراق القضائية (المادة 18/1 أصول).

ب- رجال الضابطة العدلية: وهم رجال الشرطة، ويقومون بتبليغ الأوراق القضائية في المناطق التي لا يوجد فيها محضرون (المادة 18/1 أصول)، وتوجه أوراق التبليغ إلى مديري المناطق والنواحي ورؤساء الأقسام أو المخافر ليعملوا على تبليغها ومن ثم إعادتها إلى المحكمة، أو الجهة طالبة التبليغ أصولاً.

ج- موظفو الجمارك ورجال ضابطتها: أجاز قانون الجمارك رقم 38 لعام 2006 لهؤلاء أن ينظموا ويبلغوا بأنفسهم المذكرات وجميع الأوراق المتعلقة بالقضايا الجمركية بما في ذلك قرارات التحصيل والتغريم وتبليغ الأحكام (المادة 220 من قانون الجمارك رقم 9 لعام 1975).

د- رجال الشرطة العسكرية: وهم الذين يتولون تبليغ أفراد الجيش والقوات المسلحة أينما كانوا (المادة 18/1 أصول).

هـ- كتّاب المحاكم: يُمكن للكتّاب المساعدين أن يبلغوا الأوراق القضائية في دائرة المحكمة إلى الخصوم أو إلى وكلائهم إذا كانوا معروفين من قبلهم (المادة 18/1 أصول).

و- موظفو البريد: ويقوم هؤلاء بالتبليغ في الحالات التي أجاز فيها القانون التبليغ بواسطة البريد المضمون مع إشعار بالوصول، كما سيمر معنا (المادة 27 أصول).

4- وقت التبليغ

حتى لا يكون إجراء التبليغ مصدراً لإزعاج الناس في أوقات الراحة والعطل الرسمية؛ منع المشرع إجراء أي تبليغ قبل الساعة السابعة صباحاً وبعد الساعة السادسة مساءً وفي أيام العطلة الرسمية؛ إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من رئيس المحكمة (المادة 19 أصول). وعليه يمكن أن يتم التبليغ - من حيث المبدأ - في كل أيام العمل من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة السادسة مساءً، واستثناءً يمكن إجراؤه في خارج هذه الأوقات وذلك في حالة الضرورة وبإذن خطي من رئيس المحكمة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة لا تطبق على التبليغ الجاري بواسطة الصحف، فهذا النوع من التبليغ يمكن أن يتم في أيام العطل أو في الساعات التي لا يجوز فيها التبليغ أصلاً؛ لأن الباعث على منع التبليغ في الأوقات المذكورة -والذي يكمن في عدم تكدير صفو الناس في أوقات راحتهم كما أشير- ينتفي في التبليغ الجاري عن طريق الصحف (انظر: كتاب وزارة العدل لعام 1970، منشور في القواعد العملية، ممدوح عطري، مرجع سابق، القاعدة 99، ص 128 و129). 

ثانياً: طرق التبليغ

من استقراء النصوص القانونية الواردة في قانون أصول المحاكمات يُستنتج أن التبليغ يمكن أن يتم من خلال طرق مختلفة يمكن تقسيمها إلى طرق عامة وأخرى خاصة.

1- الطرق العامة في التبليغ

أ- التبليغ بالذات: يجب أن تسلم ورقة التبليغ -في الأصل- إلى الشخص المعني بها شخصياً، وذلك في موطنه المبين عنوانه في الورقة أو السند المطلوب تبليغه، كما يمكن للمحضر - أو للموظف المكلف بالتبليغ - أن يقوم بتبليغه في أي مكان يجده فيه؛ إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك (المادة 21 أصول). وهذا يضمن من حيث النتيجة تحقيق الغرض من التبليغ، وهو إعلام الشخص نفسه المطلوب تبليغه بمضمون ورقة التبليغ.

وإذا ما امتنع الشخص المعني بالتبليغ عن تسلّم ورقة التبليغ أو عن التوقيع على تسلّمها؛ تعين عندئذ على المحضر - أو الموظف المكلف بالتبليغ - أن يُثبت في مَحضر التبليغ أو سنده امتناعه وسببه، ورفض التوقيع يُعدّ بحسب الاجتهاد المستقر لمحكمة النقض بمثابة التبليغ (انظر: قرار نقض 957/1344 لعام 2002، الغرفة الثانية، موسوعة القضاء المدني، الحسيني، الجزء الأول، القاعدة 1336، ص 467 و468- وقرار نقض 837/ 1213 لعام 2000، الغرفة الثالثة، موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1344، ص471).

ب- التبليغ بالموطن: وهو الطريق العادي والطبيعي للتبليغ، إذ يتعين على المحضر - أو الموظف المكلف بالتبليغ - تسليم أوراق التبليغ إلى الشخص المخاطب بها في موطنه المبين عنوانه بورقة التبليغ. وإذا لم يجد المحضر الشخص المطلوب تبليغه في موطنه؛ فما عليه في هذه الحالة إلا أن يُسلم ورقة التبليغ أو سنده إلى وكيله أو مستخدمه أو لمن يكون ساكناً معه من الأصول أو الفروع أو الزوج أو الإخوة أو الأخوات ممن يدل ظاهرهم على أنهم أتموا الثامنة عشرة من عمرهم، ولكن بشرط ألا تكون مصلحة المطلوب تبليغه متعارضة مع مصلحة من وجده المُحضر من هؤلاء في موطن الشخص المطلوب تبليغه (المادة 22 أصول). وتجدر الملاحظة إلى أنه لا يجوز تبليغ أي شخص آخر من غير الأشخاص الذين حددهم القانون والمشار إليهم أعلاه، حتى لو كان مقيماً مع الشخص المطلوب تبليغه، وذلك تحت طائلة بطلان التبليغ، فقد عدّت محكمة النقض -في قرار لها- أن التبليغ الجاري إلى مستخدم شقيق المطلوب تبليغه؛ هو تبليغ باطل (قرار رقم 250 لعام 1976،  منشور في القواعد العملية، ممدوح عطري، مرجع سابق، القاعدة 121، ص 148).

ويجب على المحضر أن يشير - في محضر التبليغ - إلى أنه لم يجد الشخص المخاطب بالتبليغ في موطنه وأنه سلّم الأوراق إلى من يقيم معه من الأشخاص المذكورين أعلاه، وذلك تحت طائلة بطلان التبليغ وفق تعبير محكمة النقض التي قضت في قرار لها أن «الأصل أن يقع التبليغ إلى الشخص بالذات، ويتعين على المحضر في حال وقوع التبليغ إلى غير المخاطب أن ينوه بغيابه فإذا أغفل المحضر إثبات عدم وجوده ترتب على ذلك بطلان التبليغ» (قرار 1306/1602، لعام 1996، الغرفة الثالثة، موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1340، ص 469). وإذا امتنع من وجده المحضر -من هؤلاء الأشخاص الذين حددهم القانون - عن تسلّم ورقة التبليغ أو عن التوقيع على تسلّمها؛ تعين حينئذ على المحضر - أو الموظف المكلف بالتبليغ - الإشارة إلى ذلك في محضر التبليغ، ويعدّ الامتناع عن التبلّغ بمثابة تبليغ (قرار نقض 3479/ 1392 لعام 1997، الغرفة الثالثة، موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1417، ص 498).

ج - التبليغ لصقاً على باب الموطن: إذا لم يجد المحضر في موطن الشخص المطلوب تبليغه من يصلح للتبليغ أو امتنع من وجده عن تسلّم ورقة التبليغ؛ فعليه أن يسلمها إلى المختار الذي يقع موطن المطلوب تبليغه في دائرته، ويلصق حينئذ بياناً على باب موطن المطلوب تبليغه يخبره فيه بأن ورقة التبليغ سلمت إلى المختار، ويجب أن تجري هذه المعاملة بحضور المختار أو اثنين من الجوار أو من أفراد القوى العامة، وعلى المحضر أن يبين كل ذلك بالتفصيل في محضر أو سند التبليغ، ويذيله بتوقيع المختار أو الشاهدين حسب الحال (المادة 23 أصول). وبذلك لا تتعطل إجراءات التبليغ لمجرد غياب الشخص المعني بالتبليغ عن موطنه. وفي هذا الصدد، عدّت محكمة النقض باطلاً خلو سند التبليغ من بيان سبب اللجوء إلى تبليغه لصقاً (قرار نقض 873 لعام 1976، منشور في القواعد العملية، ممدوح عطري، مرجع سابق، القاعدة 153، ص 167)، وكذلك  إذا خلت مذكرة الإخطار المبلغة لصقاً من توقيع المختار؛ عدّتها محكمة النقض باطلة مع جميع الإجراءات اللاحقة (قرار نقض 197 لعام 1975، منشور في القواعد العملية، ممدوح عطري، مرجع سابق، القاعدة 142، ص 162).

د- التبليغ بالصحف وعلى لوحة إعلانات المحكمة: في الحالة التي يكون فيها الشخص المطلوب تبليغه مجهول الموطن، أي مجهول محل الإقامة، يصار إلى إلصاق خلاصة عن الأوراق المطلوب تبليغها على لوحة إعلانات المحكمة بموجب محضر ينظم بهذا الشأن، إضافة إلى إعلانها في صحيفة يومية (المادة 26 أصول). ولا يجوز اللجوء إلى هذه الطريقة في التبليغ إلا إذا ثبت بعد التحري والتقصي أن الشخص المطلوب تبليغه مجهول الموطن. كما لا يكفي - وفق اجتهاد محكمة النقض المستقر - تصريح المُحضر بأن الشخص المطلوب تبليغه لم يعرف محل إقامته، بل لابد من ذكر أسماء من استقى منهم المحضر هذه المعلومات والاستيضاح من مختار المحلة الذي يقع في دائرته موطن المخاطب؛ ليصار بعد ذلك إلى تقرير تبليغ المخاطب بطريق الإعلان بالصحف وفي لوحة إعلانات المحكمة، لثبوت جهالة محل إقامته (قرار نقض 2742/2958، لعام 2000، الغرفة الثالثة، منشور في موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1366، ص 479). وتجدر الإشارة إلى أن الإعلان بالصحيفة لا يغني عن الإعلان في لوحة إعلانات المحكمة، وكذلك الإعلان في هذه الأخيرة لا يغني عن الإعلان في الأولى. وفي هذا تقول محكمة النقض: «إن التبليغ بالصحف دون الإعلان على لوحة المحكمة باطل» (قرار نقض 699/48، لعام 1997، غرفة سادسة، منشور في موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1410، ص 496).

هـ - تبليغ المكلف باتخاذ موطن مختار: يجيز المشرع التبليغ بطريق الإلصاق على لوحة إعلانات المحكمة لمن يُلزمه القانون باتخاذ موطن مختار له ولم يفعل، أو اتخذ موطناً مختاراً ولكن بيانه كان ناقصاً أو غامضاً أو غير صحيح، أما في غير هذه الأحوال؛ فقد منع المشرع بالمطلق اتفاق الأشخاص على اتخاذ لوحة إعلانات المحكمة موطناً مختاراً لأي منهم (المادة 24 أصول).

و- التبليغ بطريق البريد: أجاز القانون التبليغ بطريق البريد في حالات محددة ووفق إجراءات معيّنة في قانون أصول المحاكمات.

(1)- حالات التبليغ بالبريد: يتم اللجوء إلى طريقة التبليغ بطريق البريد المضمون مع إشعار بالوصول في الحالات التالية:

1) - إذا كان المطلوب تبليغه مقيماً في بلد أجنبي، وكان موطنه فيه معروفاً (المادة 27/أ أصول)، مع مراعاة أحكام الاتفاقات الدولية المعقودة بهذا الشأن.

2) - في جميع الأحوال التي يقضي فيها القانون بأن يتم التبليغ بطريق البريد (المادة  27/ب أصول).

وتجدر الإشارة إلى أن التبليغ بطريق البريد - للأشخاص المقيمين في الدول العربية - غير جائز في ظل اتفاقية الإعلانات والإنابات القضائية المعقودة بين دول الجامعة العربية، والمصادق عليها عام 1955، والتي تقضي بوجوب إرسال الأوراق والوثائق القضائية بالطريق الدبلوماسي (انظر: كتاب وزارة العدل 252 لعام 1964، منشور في القواعد العملية، ممدوح عطري، مرجع سابق، القاعدة 187، ص 192).

(2)- إجراءات التبليغ بالبريد: يجري التبليغ بطريق البريد وفق الإجراءات التالية:

¯ ترسل صورة الورقة المطلوب تبليغها بواسطة ديوان المحكمة، مع البريد المضمون في غلاف مختوم محرر عليه اسم المرسل إليه ولقبه وموطنه وعنوانه (المادة 28/1 أصول).

¯ يقوم رئيس الديوان بالتأشير، في ذيل أصل الورقة المطلوب تبليغها على أنه سلّم صورتها لمكتب البريد على الوجه المتقدم (المادة 28/2 أصول).

¯ وفي حال كان المرسل إليه مقيماً في سورية يسلِّم ساعي البريد الرسالة له أو لأحد الأشخاص المقيمين معه ممن ذكرهم قانون أصول المحاكمات في المادة 22؛ المشار إليهم فيما سبق، فإذا امتنع عن تسلمها من وجده ساعي البريد من هؤلاء - أو لم يجد الساعي من يتسلمها - يشير إلى ذلك في إشعار الوصول، ويسلّم الرسالة إلى المختار وفقاً للإجراءات المبينة في قانون أصول المحاكمات، والمذكورة فيما سبق (المادة 29/1 أصول).

¯ أما إذا تبين أن المرسل إليه قد غيّر عنوانه، فعلى ساعي البريد أن يؤشّر عندئذ بذلك على غلاف الرسالة، ويعيدها إلى ديوان المحكمة (المادة 29/2 أصول).

¯ يعيد ساعي البريد لديوان المحكمة إشعار الوصول مؤشراً عليه بما جرى، وعلى رئيس الديوان عندئذ التأشير بما تم من ذلك على أصل الورقة، ثم يسلمها إلى مرجعها (الجهة طالبة التبليغ) مع إشعار الوصول (المادة 30 أصول).

¯ يتم التبليغ بتسليم الرسالة للشخص الموجهة إليه أو بالامتناع عن تسلمها، ويعدّ إشعار الوصول حجة على ذلك؛ ما لم يثبت تزويره بالطرق القانونية (المادة 31 أصول).

¯ وأخيراً، إذا كان التبليغ موجهاً إلى شخص مقيم في بلد أجنبي فيجري تبليغه برسالة مضمونة أو بمقتضى الإجراءات المقررة في القانون المحلي للبلد المقيم فيه ما لم يرد نص في اتفاقية دولية يقضي بغير ذلك (المادة 32 أصول).

2- الطرق الخاصة في التبليغ

إضافة إلى الطرق العامة في التبليغ، هناك مجموعة من القواعد الإجرائية تقضي بطرق أخرى للتبليغ تُتبع في حالات محددة (المادة 25 أصول). وبمقتضى هذه الطرق - وفيما عدا النصوص الواردة في قوانين خاصة - يجري تسليم الأوراق المطلوب تبليغها على الوجه التالي:

أ- فيما يتعلق بالدولة: للوزراء، أو الأمناء العامين، أو مديري المصالح المختصة.

ب- فيما يتعلق بالأشخاص العامة: للنائب عنها قانوناً.

ج- فيما يتعلق بالشركات التجارية: في مركز إدارة الشركة؛ لرئيس مجلس الإدارة أو للمدير أو لأحد الشركاء المتضامنين، فإن لم يكن للشركة مركز إدارة تُسلم لواحد من هؤلاء لشخصه أو في موطنه.

د- فيما يتعلق بالشركات المدنية والجمعيات والمؤسسات وسائر الأشخاص الاعتبارية: تُسلم الصورة في مركز إدارتها للنائب عنها بمقتضى عقد إنشائها أو نظامها، فإذا لم يكن لها مركز إدارة سلّمت الصورة للنائب عنها لشخصه أو في موطنه.

هـ- فيما يتعلق بالشركات الأجنبية التي لها فرع أو وكيل في سورية: تُسلم إلى هذا الفرع أو إلى الوكيل لشخصه أو في موطنه.

و- فيما يتعلق بالمسجونين: تُسلم إلى مأمور السجن.

ز- فيما يتعلق ببحارة السفن التجارية أو بخدمها: تُسلم لربان السفينة.

ثالثاً: آثار التبليغ

رتّب المشرع على إجراء التبليغ آثاراً قانونية مهمة ومتعددة، بعضها يتعلق بإجراءات الدعوى، والبعض الآخر يتعلق بالخصومة.

1- آثار التبليغ على إجراءات الدعوى

من جهة، يؤدي التبليغ دوراً مهماً في الدعاوى الخاضعة لتبادل اللوائح، إذ تفتتح به إجراءات تبادل اللوائح بين الخصوم، فقد أوجب القانون على المدعى عليه أن يقدم جواباً عن الدعوى خلال ثمانية أيام من تاريخ تبليغه استدعاءها (المادة 98/1 أصول)، ومن ثم يُبلغ جواب المدعى عليه للمدعي وفقاً للقواعد الخاصة بتبليغ استدعاء الدعوى، وبعد انقضاء ثلاثة أيام من تاريخ تبليغ جواب المدعى عليه أو في اليوم التالي لانقضاء الأجل الذي كان ينبغي أن يتم الجواب فيه؛ يَعرض كاتب الضبط على رئيس المحكمة إضبارة الدعوى ليُصار إلى تعيين جلسة للنظر فيها (المادة 99/1 أصول).

ومن جهة أخرى، يتوقف على التبليغ بدء سريان الكثير من المهل والمواعيد، كميعاد الطعن بالاستئناف أو بالنقض…

2- آثار التبليغ على الخصومة

إذا كانت الدعوى تبدأ من تاريخ قيدها بديوان المحكمة المختصة، إلا أن الخصومة فيها لا تكتمل أو لا تنعقد إلا بحضور كل أطرافها إلى المحكمة بالوقت المحدد، أو يَثبت للمحكمة أنهم بلغوا استدعاءها بشكل صحيح وبالطريقة المبينة في القانون، وعندها تشرع المحكمة بإجراءات المحاكمة، وقد عدّ اجتهاد محكمة النقض أن وجوب اكتمال الخصومة -قبل الشروع بالمحاكمة- هو أمر يتعلق بالنظام العام (قرار نقض 689/743، لعام 1997، غرفة أولى، منشور في موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 786، ص 277).

3 - آثار التبليغ الباطل

رَتب المشرع البطلان - من حيث المبدأ - في حال لم تراع في التبليغ أي من الإجراءات المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات، والمبينة أعلاه (المادة 38 أصول)، أو إذا شاب التبليغ عيب ما لم تتحقق بسببه الغاية من الإجراء، أما إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء فلا يحكم عندئذ بالبطلان رغم النص عليه (المادة 39 أصول).

وكذلك يزول بطلان التبليغ إذا ما تنازل عنه من شُرّع لمصلحته، أو إذا ردَّ على الإجراء بما يدل على أنه اعتبره صحيحاً، أو إذا قام بعمل أو إجراء آخر باعتباره كذلك، هذا طبعاً فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام (المادة 40 أصول).

وتجدر الملاحظة إلى أن الخطأ في التبليغ لا يؤدي إلى انعدام الحكم الصادر بناء عليه، فإذا ما شاب إجراءات التبليغ خطأ ما، فان ذلك يصل إلى حدود البطلان لا أكثر. والحكم الباطل يُعدّ قائماً ومنتجاً لكل آثاره القانونية إلى أن يحكم ببطلانه، ولا سبيل إلى إلغائه إلا من خلال الطعن فيه بأي من طرق الطعن المقررة في القانون (قرار نقض 52/207، لعام 2000، غرفة ثانية، منشور في موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1354، ص 474).

وقد كرّست محكمة النقض هذه القواعد في العديد من المناسبات، ففي قرار لها قالت: «إن عدم صحة تبليغ الأطراف وحضورهم قد شرع لمصلحة هؤلاء الأطراف، وهم وحدهم الذين لهم الحق بالطعن في هذه التبليغات» (قرار نقض، الغرفة الثانية 609/2276 لعام1991، منشور في موسوعة القضاء المدني، الحسيني، مرجع سابق، القاعدة 1419، ص 499).

مراجع للاستزادة:

- أحمد أبو الوفا، التعليق على نصوص قانون المرافعات (منشأة المعارف، الطبعة السادسة، 1990).

- ادوار عيد، الإنابات والإعلانات (التبليغات) القضائية (1969).

- رزق الله أنطاكي، أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية (مطبعة الداودي، 1981-1982). 

- صلاح الدين سلحدار، أصول المحاكمات المدنية (منشورات جامعة حلب، 1985).

- محمد حاج طالب، أصول المحاكمات المدنية (1) (منشورات جامعة حلب 2007).

- محمد واصل، شرح قانون أصول المحاكمات (منشورات جامعة دمشق، الكتاب الأول، الجزء الأول، 2006- 2007).

- موسوعة القضاء المدني، محمد أديب الحسيني، الجزء الأول (دار اليقظة العربية، الطبعة الأولى، 2002).

- مجموعة تقنين أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية، جمع وتنسيق شفيق طعمة وأديب استنبولي (دمشق 1978).

- القواعد العملية لقانون أصول المحاكمات وتعديلاته، جمع وتنسيق ممدوح العطري، الطبعة الثانية، 1982).
المصدر: http://arab-ency.com