10.19.2017

دور القضاء الإداري في حماية حقوق أطراف العقد الإداري إعداد: الدكتور فؤاد عزوزي

دور القضاء الإداري في حماية حقوق أطراف العقد الإداري  إعداد: الدكتور فؤاد عزوزي













دور القضاء الإداري في حماية حقوق أطراف العقد الإداري

إعداد: الدكتور فؤاد عزوزي
قاض بالمحكمة الإدارية
بفاس

مقدمة
إذا كان العقد الإداري يتفق مع العقد المدني في وجوب أن يكون له سبب و محل صحيحان و أن تتوافر في التعبير المتبادل عن إرادة الطرفين كافة الشروط المتطلبة لصحته فإن وجود الإدارة كطرف لازم في أي عقد إداري يتمتع بحقوق وامتيازات السلطة العامة في إدارته وتسييره للمرافق العامة يستتبع تميز العقد الإداري بطبيعة خاصة يفترق بها عن عقود القانون الخاص.
و على هذا الأساس فإن الإدارة تتمتع بسلطات وحقوق في مواجهة المتعاقد معها تفوق بكثير ما له من حقوق في مواجهتها لأنها تعمل من أجل المصلحة العامة في حين يسعى المتعاقد لتحقيق المصلحة الخاصة.
و قد أقر القضاء الإداري في المغرب كما في فرنسا ومصر عدة حقوق لطرفي العقد الإداري غير أنه أخضع ممارستهما واستخدامهما لهذه الحقوق لحمايته ورقابته وذلك لضمان تسيير المرافق العامة بانتظام و استمرار بما يحقق الصالح العام ولضمان مستحقات المتعاقد المالية وتحقيق التوازن المالي للعقد انطلاقا أيضا من مبدأ دوام سير المرافق العامة بانتظام وباعتبار أن المتعاقد مع الإدارة إنما يشارك في النهاية في تنفيذ مرفق عام.
وبناء على ما تقدم ستكون خطتنا في معالجة موضوع البحث على النحو التالي:
المحور الأول: دور القضاء الإداري في حماية حقوق الإدارة
أولا: حق الإشراف و التوجيه
ثانيا: حق تعديل شروط العقد
ثالثا: حق توقيع الجزاء
1- الجزاءات المالية
أ- غرامة التأخير
ب- مصادرة التأمين
2- التنفيذ على حساب المتعاقد
3- فسخ العقد
رابعا: حق إنهاء العقد
المحور الثاني: دور القضاء الإداري في حماية حقوق المتعاقد مع الإدارة
أولا: حق الحصول على المقابل المادي
ثانيا: حق اقتضاء بعض التعويضات
1- حق التعويض عن الصعوبات المادية غير المتوقعة
2- حق التعويض عن الضرر الناشئ عن إثراء الإدارة بلا سبب
3- حق التعويض عن إخلال الإدارة بالتزاماتها التعاقدية.
ثالثا: حق إعادة التوازن المالي للعقد
1- نظرية فعل الأمير
2- نظرية الظروف الطارئة
خاتمة

المحور الأول: دور القضاء الإداري في حماية حقوق الإدارة
تعمل الإدارة من أجل إدارة المرافق العامة لإشباع الحاجات العامة وتحقيق الصالح العام، و لتحقيق هذه المهام أقر لها القضاء عددا من الحقوق والسلطات تفوق تلك التي يملكها المتعاقد معها كما عمل على تكريسها و حمايتها.
و تتجلى هذه الحقوق أساسا في حق الإدارة في الإشراف والتوجيه و حقها في تعديل شروط العقد و حقها في توقيع الجزاء على المتعاقد معها إذا كان له موجب و أخيرا حقها في إنهاء العقد.




أولا: حق الإشراف و التوجيه
من المعلوم أن للإدارة سلطة الرقابة والإشراف على تنفيذ العقد، وهذا حق ثابت لها في جميع أنواع العقود الإدارية باعتبارها طرفا في العقد، بيد أن ممارسة هذا الحق لا تقف عند هذا الحد إذ يكون لها كذلك سلطة التوجيه بحيث تقوم بإصدار أوامر ملزمة للمتعاقد معها لتنفيذ التزاماته على النحو الذي تريده ، ففي عقد المقاولة مثلا يخضع المقاول لإشراف وتوجيه دائم من المهندس الذي تقوم بتعيينه بغرض متابعة تنفيذ المشروع ويجب عليه تنفيذ الأوامر التي يصدرها له وإلا أوقعت عليه الإدارة الجزاءات التي تملكها .
و تتمتع الإدارة بهذا الحق كسلطة عامة مسؤولة عن إدارة المرافق العامة وهو حق ثابت لها ولو لم ينص عليه في العقد.
و قد أكد القضاء الإداري المصري في أحكامه العديدة وجود هذه السلطة مستقلة عن العقد ودفاتر الشروط (التحملات) واعتبرها من النظام العام وحظر على الإدارة التنازل عنها، فقد قررت محكمة القضاء الإداري أن: "شروط العقد الإداري مظهر لإرادة لها سلطة إلزام من يقبل أن يكون خاضعا لقانونها وأن هذا القانون وهو دستور العقود الإدارية – يعطي جهة الإدارة سلطة الرقابة على تنفيذ العقد وسلطة توقيع الجزاءات على المتعاقد معها إذا أخل بالتزاماته" كما قررت أن الإدارة "تتمتع بهذه الحقوق والسلطات حتى ولم ينص عليها العقد لأنها تتعلق بالنظام العام ".
غير أن سلطة الإدارة في ممارسة حق الإشراف والتوجيه ليست مطلقة إذ تتقيد بمبدأ المشروعية وبما يقتضيه صالح المرفق العام كما تتقيد بعدم مخالفة موضوع العقد أو تعديله .
وفي هذا الإطار قضت المحكمة الإدارية بمراكش بأنه: "إذا كانت الإدارة تملك تجاه المقاول سلطة التوجيه والمراقبة لحسن سير تنفيذ الأشغال فإن إقدامها على توقيف الأشغال وعدم تنفيذ ما التزمت به في اجتماع تم بينهما يجعل المدعية مستحقة للمبالغ بقيمة الأشغال المنجزة وللتعويض الشامل للخسارة التي ألمت بها حفاظا على التوازن المالي للمشروع ".
ثانيا: حق تعديل شروط العقد
تملك الإدارة سلطة تعديل شروط العقد الإداري دونما حاجة للنص على ذلك في العقد وذلك لضمان سير المرفق العام بانتظام وتحقيقا لمقتضيات المصلحة العامة.
وبموجب هذه السلطة يكون بإمكان الجهة الإدارية أن تقوم بتعديل شروط العقد وطريقة تنفيذه بما يتضمن زيادة أو إنقاص التزامات المتعاقد معها أو تعديل الجدول الزمني لمعدلات التنفيذ بصورة لم تكن معروفة وقت إبرام العقد وذلك بإرادتها المنفردة ودون أن يحق للمتعاقد معها الاحتجاج بقاعدة الحق المكتسب أو بقاعدة القوة الملزمة للعقد وأن العقد شريعة المتعاقدين المعمول بها في نطاق عقود القانون الخاص .
و قد أبرزت محكمة القضاء الإداري بمصر حق الإدارة في تعديل شروط العقد مصرحة في أحد أحكامها بأن "سلطة جهة الإدارة في تعديل العقد أو في تعديل طريقة تنفيذه هي الطابع الرئيسي لنظام العقود الإدارية بل هي أبرز الخصائص التي تميز نظام العقود الإدارية عن نظام العقود المدنية فتزيد من أعباء الطرف الآخر أو تنقصها كلما اقتضت حاجة المرفق أو المصلحة العامة هذا التعديل من غير أن يحتج عليها بقاعدة الحق المكتسب أو بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين" .
كما أقر مجلس الدولة الفرنسي حق الإدارة في تعديل شروط العقد في العديد من أحكامه من ذلك الحكم الصادر في 26/5/1930 الذي أقر حق الإدارة في أن تطلب من ملتزم الكهرباء زيادة القوة المولدة لمواجهة زيادة الاستهلاك و الحكم الصادر في 12/5/1933 الذي أقر حق الإدارة في أن تطلب من ملتزم مرفق مياه الشرب زيادة الكمية لتغطية احتياجات جديدة ناتجة عن زيادة السكان .
غير أن حق الإدارة في تعديل شروط العقد الإداري ليس بالحق المطلق وإنما يتقيد بعدة قيود نذكر منها:
1- يقتصر نطاق هذا الحق على شروط العقد المتعلقة بتنفيذه ولا يمتد إلى موضوع العقد أو نوعه وبمعنى آخر فإن سلطة تعديل العقد لا تتعدى الشروط المتعلقة بتسيير المرفق العام وحاجاته ومقتضياته، وفي هذا الصدد قضت محكمة القضاء الإداري بمصر بأن سلطة الإدارة في تعديل عقودها الإدارية ليست سلطة مطلقة بل هي مقيدة بنصوص العقد التي تكون متعلقة بتنظيم وتسيير المرفق العام ومما جاء في حيثيات أحد أحكامها "... يثبت حق الإدارة في التعديل بغير حاجة إلى النص عليه في العقد... وسلطة التعديل وإن كانت تشمل جميع العقود الإدارية ومنها عقود التوريد إلا أنها ليست سلطة مطلقة بل ترد عليها قيود منها أنها تقتصر على نصوص العقد المتصلة بسير المرفق وحاجته ومقتضياته..." .
2- يشترط لممارسة هذا الحق أن تكون قد استحدثت ظروف بعد إبرام العقد تبرر التعديل وأن الظروف التي كانت قائمة وقت إبرام العقد قد تغيرت عما كانت عليه من قبل وذلك لأن الأساس في حق التعديل هو ما تقضي به المصلحة العامة من وجوب ضمان تسيير المرافق العامة بانتظام وأنه لا شك أن الإدارة عند إبرام العقد تضع الشروط التي تلائم سير المرفق في الظروف القائمة في ذلك الوقت، فإذا تغيرت هذه الظروف بعد ذلك بحيث لم تعد تلك الشروط التي تقررت عند إبرام العقد ملائمة لحسن سير المرفق فإنه يكون لها حق تعديل هذه الشروط بما يحقق مصلحة المرفق تمشيا مع الظروف الجديدة .
3- يجب ألا تمس التعديلات المزايا المالية التي يتمتع بها المتعاقد مع الإدارة لأنه لو حصل مساس بتلك المزايا فإن ذلك سيدفع المتعاقد إلى المطالبة بالحصول على التعويض المناسب لإعادة التوازن المالي للعقد. و قد أكدت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى هذا القيد في العديد من قراراتها نذكر منها القرار عدد 66 الصادر في 12/5/1965 و الذي جاء فيه: "... إذا كانت الإدارة تملك حق التعديل بصفة انفرادية فيما يخص الامتيازات المتعلقة بسير المرفق العام وبالخدمة التي يؤديها أصحابها إلى الجمهور فإنها لا تملك هذا الحق بالنسبة للمزايا المالية التي يتمتع بها هؤلاء لأنها تدخل في نطاق البنود التعاقدية للامتيازات..." والقرار عدد 29 الصادر بتاريخ 3/7/1988 و الذي أكد على أن: "حق التعديل الانفرادي لا يحول دون حق صاحب الامتياز في رفع دعوى لدى محكمة القضاء الشامل المختصة للبت فيها إذا كان له حق في تعويض يكمل التوازن المالي للمشروع" 
و تجدر الإشارة هنا إلى أن تحقيق التوازن المالي للعقد يتطلب تعويض المتعاقد مع الإدارة تعويضا كاملا يشمل ما فاته من كسب وما لحقه من خسارة بسبب استعمال الإدارة لسلطة التعديل مع تحفظ مؤداه أن العقد قد يتوقع التعديل ويحدد قدر التعويض المستحق عنه، وهنا يلتزم القاضي بهذا التقدير ما دام متوقعا من المتعاقدين .
ثالثا: حق توقيع الجزاء
إذا قصر المتعاقد في تنفيذ التزاماته سواء كان ذلك بالامتناع عن تنفيذ العقد أو بالتأخر في تنفيذه أو بتنفيذه بشكل مخالف لتعليمات الإدارة أو بالتنازل عن التنفيذ لمقاول من الباطن دون موافقة جهة الإدارة جاز لهذه الأخيرة أن توقع عليه عدة جزاءات رادعة لإجباره على تنفيذ العقد على الوجه الأكمل، و لم يترك القانون الإدارة تواجه هذه المخالفات بالجزاءات المقررة في القانون الخاص كالدفع بعدم التنفيذ أو الالتجاء إلى القضاء التي لا تتلاءم في مجال القانون العام مع مقتضيات ضمان تسيير المرافق العامة دون توقف أو اضطراب.
وتملك الإدارة حق توقيع هذه الجزاءات بنفسها بواسطة قرارات إدارية دون حاجة إلى الالتجاء إلى القضاء، وتتمتع بهذا الحق حتى ولو لم ينص عليه في العقد ولا يجوز لها أن تتنازل عن هذا الحق مقدما ولكن ذلك لا يمنعها من إعفاء المتعاقد من تطبيق الجزاءات كليا أو جزئيا وفقا لتقديرها للظروف التي يتم فيها تنفيذ العقد وظروف المتعاقد نفسه .
و إذا كانت الإدارة تتمتع بهذا الحق في توقيع الجزاءات فإن ممارستها لهذا الحق مقيد بعدة قيود فهي من ناحية لا يمكن لها توقيع عقوبات زجرية و من ناحية أخرى فإن القضاء الإداري يراقبها في ممارستها لهذا الحق و دوره في هذا المجال لا ينحصر في مراقبة مشروعية الجزاءات بل يمتد إلى الخطأ الذي وقع فيه المتعاقد.
و تتنوع الجزاءات التي تملك جهة الإدارة توقيعها على المتعاقد إلى جزاءات مالية ووسائل للضغط تتمثل في التنفيذ على حساب المتعاقد والفسخ.
1) الجزاءات المالية:
تتمثل هذه الجزاءات في غرامة الـتأخير من جهة ومصادرة التأمين من جهة أخرى.
أ- غرامة التأخير:
غرامة التأخير هي مبلغ من المال يحدد في العقد بنسبة معينة عن كل يوم تأخير في تنفيذ المتعاقد لالتزاماته المحددة في العقد، وهذا الجزاء في مجال عقود القانون العام يحل محل الغرامة التهديدية المعروفة في نطاق عقود القانون الخاص.
و تفترق غرامة التأخير عن التعويض في أن التعويض يحكم به القاضي ويتعين إثبات حصول ضرر لاستحقاقه ويجب إنذار المتعاقد وللقضاء أن يخففه إذا ثبت عدم تناسبه والضرر الذي لحق بالإدارة بعكس الغرامة التي توقعها الإدارة بنفسها دون ما ضرورة لإثبات حصول ضرر ما من التأخير .
وتتميز غرامة التأخير بأنها من ناحية اتفاقية بمعنى أنها تحدد مقدما في العقد وتلتزم الإدارة بها، ومن ناحية أخرى يتم توقيعها تلقائيا بمجرد حصول التأخير وبغير إلزام على جهة الإدارة بأن تثبت أن ضررا قد لحق بها من جراء ذلك ودون حاجة إلى تنبيه أو إنذار أو اتخاذ أي إجراء آخر. 
ومع ذلك فيجوز للإدارة أن تعفي المتعاقد معها من غرامة التأخير في حالات معينة منها: 
* إذا كان عدم التنفيذ راجعا إلى عدم قيام الإدارة بتعهداتها في مواجهة المتعاقد معها أو إذا كانت قد التزمت بتقديم مساعدات أو بيانات معينة تم تأخرت في الوفاء بهذا الالتزام.
* إذا كان المتعاقد قد طلب مهلة جديدة ووافقت الإدارة على ذلك.
* إذا قدرت الإدارة أن ظروف تنفيذ العقد أو ظروف المتعاقد تعفيه من غرامة التأخير .
ب- مصادرة التأمين:
من المعلوم أنه عند إرساء العرض يجب على صاحب العرض المقبول أن يودع تأمينا نهائيا يختلف عن التأمين المؤقت الذي يودعه عند التقدم بعرضه ويمكنه تكملة التأمين المؤقت إلى ما يساوي قيمة التأمين النهائي .
والحكمة من إيداع هذا التأمين النهائي من جانب صاحب العرض الذي تم إرساء العملية عليه هو ضمان تنفيذ العقد، ولهذا فإن للإدارة أن تقوم بمصادرة هذا التأمين النهائي كجزاء يوقع على المتعاقد معها عند قيامها بفسخ العقد المبرم معه من ناحية أو في حالة حدوث تقصير أو تراخي من جانبه في تنفيذ العقد من ناحية أخرى.
و تتم هذه المصادرة بقرار من الإدارة عن طريق التنفيذ المباشر-أي دون حاجة إلى الالتجاء إلى القضاء- عند وقوع الإخلال من جانب المتعاقد معها لأن حقها في اتخاذ هذا الإجراء ثابت سواء تم النص عليه في شروط العقد أو لم ينص عليه ولا تلتزم جهة الإدارة بإثبات ركن الضرر لأنه ركن مفترض في العقد الإداري بفرض غير قابل لإثبات العكس .
2) التنفيذ على حساب المتعاقد:
إن التنفيذ على حساب المتعاقد هو جزاء من الجزاءات التي تملك الإدارة ممارستها في حق المتعاقد المقصر والمخل بالتزاماته، فهو وسيلة ضغط وإجراء قهري يبرره أن العقود الإدارية يجب أن تنفذ بدقة لأن سير المرافق العامة يقتضي ذلك .
و يختلف شكل هذا الجزاء باختلاف نوع العقد الإداري المبرم بين الإدارة والمتعاقد معها، إذ يأخذ شكل وضع المشروع تحت الحراسة في عقد الامتياز وحلول الإدارة محل المتعاقد في تنفيذ العقد أو إحلال متعاقد آخر محله في عقد الأشغال العامة والشراء على حساب المتعاقد في حالة عقود التوريد .
و لا يترتب على اللجوء إلى هذا الجزاء انقضاء العقد الذي يربط المتعاقد المقصر بالإدارة وإنما يظل المتعاقد ملتزما أمام الإدارة بتنفيذ كافة الالتزامات المترتبة عن هذا العقد .
3) فسخ العقد:
يعتبر هذا الجزاء من أخطر الجزاءات التي يمكن للإدارة توقيعها على المتعاقد، ولهذا يستلزم القضاء الإداري ألا يوقع إلا عند ارتكاب خطأ جسيم من طرف المتعاقد ، فيفترق بذلك عن حق الإدارة في إنهاء العقد اعتبارا للمصلحة العامة وبدون خطأ من المتعاقد.
ولقد ذكر الفقه المصري  بعض الحالات التي تستطيع الإدارة أن تفسخ العقد فيها ويمكن إجمالها فيما يلي:
1- استعمال المتعاقد للغش أو التلاعب في معاملته مع الإدارة.
2- الشروع بنفسه أو بواسطة غيره بطريق مباشر أو غير مباشر في رشوة أحد الموظفين أو التواطؤ معه إضرارا بالإدارة.
3- إفلاس المتعاقد أو المقاول أو إعساره.
4- إخلال المتعاقد بأي شرط من شروط العقد يمنح الجهة المتعاقدة الحق في فسخ العقد أو تنفيذه على حسابه.
5- جواز فسخ العقد من جهة الإدارة في حالة وفاة المتعاقد أو المقاول.
و يستتبع فسخ العقد إضافة إلى مصادرة التأمين حق الإدارة في مطالبة المتعاقد بالتعويض عن الأضرار التي لحقتها والنفقات التي تكبدتها نتيجة إخلال المتعاقد بالتزاماته ويمارس القضاء الإداري رقابة فعالة على تطبيق جزاء الفسخ نظرا لخطورة آثاره على المتعاقد، وقد صدرت عن المحاكم الإدارية عدة أحكام بشأن هذا الجزاء نذكر منها:
* حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 67 الصادر بتاريخ 25/4/2000 "حيث يتبين من وثائق الملف أن سير إنجاز الأشغال عرف تعثرا وإخلالات استلزمت إجراء معاينات من طرف الإدارة وتحرير محضر بخصوص كل الأطراف لرصد الإخلالات والمخالفات وتوجيه الإنذارات للمقاولة... مما تكون معه الإدارة محقة في فسخ الصفقة ومصادرة الكفالة" .
* حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 261 الصادر بتاريخ 28/11/2001 "وحيث إنه وكما سبق تبيانه فإن فسخ الصفقة من طرف المدعى عليه كان تعسفيا وذلك بسبب عدم إنذار المقاولة طبقا للقانون ولعدم ارتكاز قرار الفسخ على سبب جدي ولعدم مراعاة حجم الأشغال المنجزة في الصفقة وبالتالي يكون المدعى عليه هو المسؤول عن عدم إتمام الصفقة" .
* حكم المحكمة الإدارية بأكادير عدد 1014 الصادر بتاريخ 14/11/1996: "حيث بررت المدعية إخلالها بالالتزام المذكور بكون المنطقة التي أنجز بها المشروع لا تتوفر على القوة الكهربائية الضرورية لتشغيل المصنع موضوع الترخيص. وحيث إن المدعية كان عليها قبل أن تقدم على التعاقد أن تقوم بجميع الدراسات اللازمة وتتأكد من إمكانية تجسيد مشروعها على الصعيد الميداني مما يجعل الدفع بالقوة القاهرة غير مستند على أساس، ويكون قرار الفسخ قد صدر وفقا للقانون مما يتعين التصريح برفض الدعوى" .
و تجدر الإشارة في الختام إلى أن للإدارة أن تتنازل عن استعمال حقها في فسخ العقد وتسلك سبيل التقاضي على غرار المتعاقد حتى تضمن عدم رجوع هذا الأخير عليها بالتعويض إذا ثبت أنها استعملت حق الفسخ بشكل متعسف .
رابعا: حق إنهاء العقد
تملك الإدارة سلطة إنهاء العقد إذا كانت المصلحة العامة و حسن سير المرافق العامة تقتضي ذلك. و لهذا فإن الإدارة تستطيع أن تنهي العقد بإرادتها المنفردة قبل انتهاء مدته ودون وقوع أي خطأ من جانب المتعاقد معها، وعلى هذا الأساس فإن سلطتها في إلغاء العقد تختلف عن سلطتها في فسخ العقد الذي يتم من جانبها كجزاء على ارتكاب المتعاقد لخطأ في تنفيذ العقد .
ووفقا للمبادئ التي أرساها مجلس الدولة الفرنسي فإن حق الإدارة في الإلغاء المبتسر للعقد في هذه الحالة يتميز بالخصائص التالية:
* أن الإدارة تتمتع به بالنسبة لكافة العقود الإدارية.
* أنه يدخل في سلطة الإدارة التقديرية.
* أنه يستتبع حق المتعاقد مع الإدارة في الحصول على تعويض عما لحقه من خسارة وما فاته من كسب نتيجة لهذا الإلغاء .
و قد استقر الفقه على أن سلطة الإدارة في إنهاء العقود الإدارية ليست سلطة مطلقة ولكنها سلطة تقديرية يجب أن تستهدف المصلحة العامة وأن الإدارة حينما تستعمل هذه السلطة فإنها تستعملها تحت رقابة القضاء الإداري وذلك لمراقبة الأسباب الحقيقية التي دفعت الإدارة إلى إنهاء العقد .
وفي هذا الإتجاه ذهب القضاء الإداري المصري إلى أن "للإدارة دائما سلطة إنهاء العقد إذا قدرت أن هذا يقتضيه الصالح العام وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية" .
كما أقر القضاء الإداري المغربي بأن: "للجهة الإدارية أن تنهي العقد في أي وقت تشاء دون وقوع خطأ من المتعاقد إذا اقتضى الصالح العام ذلك بشرط تعويض المتعاقد تعويضا كاملا" .
المحور الثاني: دور القضاء الإداري في حماية حقوق المتعاقد مع الإدارة
في مقابل ما تتمتع به الإدارة من حقوق وامتيازات في مواجهة المتعاقد معها، فإن للأخير حقوقا كذلك في مواجهتها، اعترف له بها القضاء الإداري وأخضع استخدامه لها لحمايته ورقابته.
وتتمثل هذه الحقوق في ثلاثة حقوق أساسية: حقه في الحصول على المقابل المادي وكذلك حقه في اقتضاء بعض التعويضات وأخيرا حقه في ضمان التوازن المالي للعقد.
أولا: حق الحصول على المقابل المادي:
يعد هذا الحق من أهم الحقوق التي يتمتع بها المتعاقد مع الإدارة، ويغطي المقابل المادي نفقات وتكاليف العملية التعاقدية إضافة إلى أرباح المتعاقد، وتختلف صورة هذا المقابل باختلاف العقود وتنوعها، فقد يكون رسما كما هو الشأن في عقد الامتياز أو ثمنا كما هو الحال في عقد الأشغال العامة وعقد التوريد ومعظم العقود الإدارية الأخرى.
و القاعدة العامة في أداء المقابل المالي للمتقعاقد هي أن الإدارة لا تقوم بالدفع مسبقا وإنما بعد تنفيذ العقد. وعلى هذا الأساس قضت المحكمة الإدارية بمراكش بأنه: "من حق الشركة المدعية بعد إنجاز الأشغال المطلوبة منها بمقتضى صفقة الأشغال المطالبة بمستحقاتها التي تبقى دينا بذمة البلدية المتعاقدة "  . كما صرحت المحكمة الإدارية بالرباط بأن: "ثبوت إنجاز المدعية للأشغال المتفق عليها بشكل سليم يجعلها محقة في طلب الحصول على مستحقاتها فورا"  .
على أنه ترد على هذه القاعدة استثناءات وذلك بالنسبة لبعض العقود الإدارية التي تتطلب مبالغ مالية كبيرة ويستغرق تنفيذها مدة طويلة، ويرجع السبب في ذلك إلى كون تطبيق القاعدة العامة قد يرهق كاهل المتعاقدين كما أنه قد يؤدي بهم إلى الإحجام عن التعاقد مع الإدارة، ولهذا فإنه يجوز بموافقة الإدارة صرف دفعات لفائدة المتعاقد معها تبعا لتقدم العمل . وفي هذا الصدد جاء في حكم المحكمة الإدارية بمكناس بأنه: "يجوز للمتعاقد مع الإدارة في إطار الصفقة العمومية طلب تسبيقات مالية قبل التسليم النهائي على ضوء التقديرات الجزئية للأشغال في شكل كشوفات حساب تصير قابلة للصرف مباشرة بعد معاينة مطابقة قيمتها لما تم إنجازه من أشغال من طرف المصالح التقنية المكلفة بتتبع الأشغال" .
ثانيا: حق اقتضاء بعض التعويضات
هناك حالات معينة يستحق فيها المتعاقد بعض التعويضات من الإدارة، وتتمثل أهمها في الصعوبات المادية غير المتوقعة وفي إثراء الإدارة بلا سبب وفي إخلالها بالتزاماتها التعاقدية. 




و فيما يلي بيان مفصل لهذه الحالات الثلاث:
1- حق التعويض عن الصعوبات المادية غير المتوقعة؛
تعد نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة من النظريات التي ابتدعها القضاء الإداري الفرنسي لمواجهة الحالة التي يجد فيها المتعاقد نفسه أمام صعوبات مادية استثنائية غير متوقعة يترتب عليها زيادة في أعبائه ويجعل تنفيذ العقد على حالته أشد وطأة عليه وأكثر كلفة . وعليه، فإنه يجب – من باب العدالة والإنصاف – تعويض المتعاقد مع الإدارة عن كامل الأضرار التي لحقت به تأسيسا على فكرة العدالة ونية الطرفين المشتركة، وتجد هذه النظرية تطبيقها الأساسي من الناحية العملية في مجال عقود الأشغال العامة .
و قد اشترط القضاء المصري لتطبيق نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة توافر شروط خاصة هي:
- أن تكون هذه الصعوبات مادية وغير عادية أو استثنائية.
- أن تكون هذه الصعوبات طارئة أي غير متوقعة أو مما لا يمكن توقعه أو لم يكن في الوسع توقعها عند التعاقد.
- أن يترتب على التنفيذ نفقات تتجاوز الأسعار المتفق عليها في العقد و تزيد في أعباء المتعاقد مع الإدارة .
و التعويض الذي يحكم به القاضي ويحصل عليه المتعاقد لا يتمثل في معاونة مالية جزئية تمنحها جهة الإدارة للمتعاقد معها بل يكون تعويضا كاملا عن جميع الأضرار التي تلحق به ، و بذلك يتميز هذا التعويض عن التعويض الذي تتيحه نظرية الظروف الطارئة التي لا تمنح المتعاقد مع الإدارة سوى تعويضا جزئيا يغطي جانبا فقط من خسائره كما سيأتي بيانه لاحقا.
2- حق التعويض عن الضرر الناشئ عن إثراء الإدارة بلا سبب:
يعرف الفقه الإثراء بلا سبب بكونه كل منفعة مادية أو معنوية يمكن تقويمها بالمال كاكتساب مال جديد من المنقولات أو العقارات أو الانتفاع به بعض الوقت أو انقضاء دين أو إشباع حاجة مادية أو معنوية .
ويتطلب تحقق الإثراء بلا سبب توافر ثلاثة شروط هي: إثراء شخص وافتقار مقابل وقع لشخص آخر وسبب إثراء الأول وانعدام السبب القانوني لهذا الإثراء .
والتساؤل الذي يطرح أحيانا بعلاقة مع هذا الموضوع هو: هل يمكن للمتعاقد القيام بأداء أعمال أو خدمات إضافية من تلقاء نفسه وغير منصوص عليها في العقد ودون طلب من الإدارة ولكنها ذات فائدة لها ولازمة للمرفق العام ومطالبته الإدارة نتيجة ذلك بالتعويض على أساس قاعدة الإثراء بلا سبب.
لقد اعترف القاضي الإداري بحق المتعاقد في المطالبة بالتعويض عن الأشغال الإضافية التي قام بها من تلقاء نفسه ودون طلب الإدارة بشرط أن ينتج عن هذه الأشغال نفع وفائدة للإدارة وقد استند القضاء في ذلك على نظرية الإثراء بلا سبب الواردة في القانون المدني.
ومن أحكام المحاكم الإدارية التي أقرت التعويض على أساس نظرية الإثراء بلا سبب الأحكام التالية:
* حكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 239 الصادر بتاريخ 30/4/2002 "بسبب تحقيق جهة الإدارة لنفع من الأشغال المنجزة لفائدتها وبموافقتها التي يترتب عنها افتقار الذمة المالية المنجزة لهذه الأشغال يطبق مبدأ الإثراء على حساب الغير... لا يقضي في إطار مبدأ الإثراء على حساب الغير إلا برد قيمة تكلفة الأشغال والخدمات المنجزة مجردة عن أي ربح أو أي تعويض".
* حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 407 الصادر بتاريخ 28/3/2002 "بغض النظر عما إذا كانت المقتضيات القانونية المنظمة للصفقات العمومية واجبة الاتباع أم لا، وعما إذا كانت الصفقة موضوع الدعوى قد استجابت للشروط والشكليات المنصوص عليها ضمن هذه المقتضيات فإن محور النزاع الحالي ينحصر في معرفة ما إذا كانت الجماعة قد تسلمت بالفعل المواد والسلع التي ذكرها المدعي في مقاله، إذ في حالة ثبوت واقعة التسليم في حقها ستكون في حكم المثري على حساب الغير بدون سبب".
* حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 4 الصادر بتاريخ 28/1/1999 "وحيث إن الصفقة موضوع النازلة أبرمت لصالح ولحساب البلدية وإن جميع الإجراءات استكملت وفق الشكل المطلوب الأمر الذي تبقى معه منازعة البلدية في الخاتم والتوقيع منازعة غير جدية خاصة وأنه لا يمكن لها الإثراء على حساب المدعية استنادا إلى تلك المبررات".
3- حق التعويض عن إخلال الإدارة بالتزاماتها التعاقدية
إذا كانت الإدارة تملك من السلطات ما يمكنها من إجبار المتعاقد معها على تنفيذ التزاماته العقدية فإن المتعاقد يملك بالمقابل حق المطالبة بالتعويض إذا لحق به ضرر نتيجة وقوع أخطاء من جانب الإدارة أو بسبب عدم تنفيذها لالتزاماتها العقدية ومثال ذلك: عدم تقديم الإدارة التسهيلات التي التزمت بتقديمها للمتعاقد كي يبدأ في تنفيذ عقود الأشغال العامة   فإذا لم تقم جهة الإدارة بتسليم المتعاقد معها موقع العمل مما ترتب عليه وقف العملية مدة طويلة فإن ذلك يعد إخلالا جسيما من جانبها بواجباتها يستوجب فسخ العقد واستحقاق المتعاقد تعويضا عما أصابه من أضرار  .
ومن أحكام المحاكم الإدارية التي أقرت حق المتعاقد في التعويض عن إخلال الإدارة بالتزاماتها التعاقدية الأحكام التالية:
* حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 109 الصادر بتاريخ 2/5/2001 "إذا كانت الإدارة تملك تجاه المقاول سلطة التوجيه والمراقبة لحسن تنفيذ الأشغال فإن إقدامها على توقيف الأشغال وعدم تنفيذ ما التزمت به في اجتماع تم بينهما يجعل المدعية مستحقة للمبالغ بقيمة الأشغال المنجزة وللتعويض الشامل للخسارة التي ألمت بها حفاظا على التوازن المالي للمشروع".
* حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 243 الصادر بتاريخ 23/9/1996 "إن سلطة الإدارة في إنهاء العقد الإداري يوازيها حق المتعاقد في الحصول على تعويض كامل يغطي جميع ما لحقه من خسارة وما فاته من كسب".
* حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 264 الصادر بتاريخ 5/5/2003 "إن فسخ الصفقة من طرف الإدارة على شكل جزاء لخطأ المقاولة والذي انتهت فيه المحكمة إلى عدم مشروعيته هو ما يعطي المتعاقد الحق في التعويض".
وإذا كان الضرر الذي لحق بالمتعاقد مع الإدارة أساسه خطأ مشترك وقع من المتعاقد والإدارة، فللقاضي الإداري أن يقدر نصيب كل من المسؤولين عن الخطأ في التعويض .
ثالثا: حق إعادة التوازن المالي للعقد
إذا حدثت ظروف طارئة أثناء تنفيذ العقد تؤدي إلى زيادة أعباء المتعاقد المالية وينتج عنها إخلال بالتوازن المالي للعقد فإنه يجب على الإدارة أن تقوم بتمكينه من الاستمرار في تنفيذ العقد والتغلب على هذه الظروف الطارئة وذلك عن طريق تعويضه لمساعدته على تنفيذ التزاماته العقدية وإعادة التوازن المالي للعقد.
وتجد فكرة التوازن المالي للعقد تطبيقها في نظرية عمل الأمير من جهة ونظرية الظروف الطارئة من جهة أخرى.
1- نظرية عمل الأمير:
يقصد بعمل الأمير جميع الأعمال والإجراءات الإدارية المشروعة الصادرة عن الإدارة المتعاقدة والتي تؤدي إلى آثار ضارة بالمتعاقد تتجلى في زيادة أعبائه عما هو محدد في العقد، فيؤدي ذلك إلى التزام جهة الإدارة المتعاقدة بتعويض المتعاقد عن كافة الأضرار التي تلحق به من جراء ذلك بما يعيد التوازن المالي للعقد .
والإجراءات التي تكون عمل الأمير تتخذ صورا متعددة تتمثل في:
* تعديل شروط العقد على نحو يؤثر في ظروف تنفيذه ويؤدي إلى الإخلال بالتوازن المالي للعقد.
* إصدار قرارات فردية تؤثر مباشرة على العقد كأن تقوم الإدارة المتعاقدة بفرض قيود خاصة على المتعاقد معها في عقد الأشغال العامة بفرض حماية المواطنين.
* أعمال مادية تقوم بها الإدارة المتعاقدة وتؤدي إلى جعل تنفيذ العقد مرهقا بالنسبة للمتعاقد معها .
ويشترط لحصول المتعاقد على التعويض الشروط الآتية:
* أن يتعلق عمل الأمير بعقد إداري لأن النظرية لا تطبق على عقود الإدارة الخاصة.
* أن تكون الإجراءات الصادرة عن الجهة الإدارية غير متوقعة وقت إبرام العقد لأنه لو كانت هذه الإجراءات متوقعة و معروفة عند التعاقد فلا يطبق عليها صفة عمل الأمير و لا يستحق المتعاقد أية تعويضات .
* أن ينشأ عن هذه الإجراءات ضرر للمتعاقد معها، وهذا الضرر لا يشترط فيه درجة معينة من الجسامة. غير أن المتعاقد مع الإدارة لا يحق له أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته بحجة اتخاذ الإدارة لإجراءات إدارية ترتب عليها ضرر بالنسبة له؛ فتغليب وجه المصلحة العامة على وجه المصلحة الخاصة مقتضاه أن الدفع بعدم التنفيذ لا مجال له كأصل عام في عقود القانون العام بالرغم من الضرر الحاصل للمتعاقد يجب أن يستمر في التنفيذ ثم يطالب الإدارة بالتعويض متى كان لذلك مقتضى، وبطبيعة الحال ما لم يصل هذا الضرر إلى درجة القوة القاهرة التي يرتفع معها التكليف وتنقضي الالتزامات .
* أن يكون الفعل المكون لعمل الأمير والضار بالمتعاقد صادرا عن جهة الإدارة المتعاقدة نفسها وليس عن جهة إدارية أخرى، فإذا صدر الفعل من شخص معنوي عام غير الذي أبرم العقد تخلف أحد شروط نظرية عمل الأمير امتنع بذلك تطبيق أحكامها، ولا يحول هذا الامتناع عن تطبيق نظرية الظروف الطارئة إذا توافرت شروطها .
و تتمثل آثار نظرية عمل الأمير في أن الإدارة المتعاقدة تلتزم بتعويض المتعاقد معها عن جميع الأضرار التي تلحقه من جرائه بما يعيد التوازن المالي للعقد.
فالتعويض هنا كامل يقدره القاضي بحيث يغطي كل ما لحق المتعاقد من خسارة وما فاته من كسب ويتميز بذلك عن التعويض الذي تتيحه نظرية الظروف الطارئة التي لا تمنح المتعاقد مع الإدارة سوى تعويضا جزئيا يغطي جانبا فقط من خسائره.
وفي هذا الإطار تقول محكمة القضاء الإداري بمصر: "... والمحكمة إنما تقدر هذا التعويض طبقا للقواعد المقررة في القانون الإداري في هذا الشأن وهو يشمل عنصرين:
الأول: ما لحق المتعاقد مع الإدارة من خسارة ويتضمن هذا العنصر المصروفات الفعلية التي أنفقها المتعاقد، وهذه المصروفات تختلف باختلاف الأحوال وطبيعة التعديل ونتائجه؛ ومثل ذلك ما إذا طلبت الإدارة سرعة إنجاز الأعمال فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة التكاليف على المتعاقد بدفع أثمان مرتفعة أو زيادة في أجور الأيدي العاملة، كما أنه من الجائز أن يترتب على تعديل العقد أثناء تنفيذه خسائر متنوعة، وفي هذه الحالة يجب تقدير هذه الخسائر ما دامت علاقة السببية قائمة بينها و بين الإجراء الذي طلبت جهة الإدارة من المتعاقد اتخاذه.
و الثاني: ما فات المتعاقد مع الإدارة من كسب اعتبارا بأن من حقه أن يعوض عن ربحه الحلال عن عمله ورأس ماله..." .
و تقول المحكمة الإدارية بالدار البيضاء: "و حيث إنه مما لا جدال فيه أن المدعي المتعاقد مع المجلس الجماعي قد لحقه ضرر من جراء قرار الإدارة برفع أسعار المكوس والرسوم، ومن ثم فإن من واجبات الجهة المتعاقدة معها تعويضه عن ذلك تعويضا كاملا يشمل ما لحق هذا الأخير من خسارة بسبب عمل الأمير وما فاته من كسب باعتبار أن من حقه أن يعوض عن ربحه الحلال عن عمله ورأس ماله" .
2- نظرية الظروف الطارئة:
من المعلوم أنه إذا كان المتعاقد لا يعفى من تنفيذ التزاماته إلا في حالة حصول حادث فجائي لا يمكن توقعه ويصبح على إثره تنفيذ الالتزام مستحيلا وهو ما يسمى بالقوة القاهرة ، فإنه إذا لم يصل الحادث غير المتوقع إلى درجة القوة القاهرة بحيث لا ينتج عنه استحالة تنفيذ الالتزام وإنما يصبح هذا التنفيذ شاقا للمتعاقد فإن القضاء الإداري ابتدع نظرية الظروف الطارئة لمواجهة مثل هذه الحوادث.
وفي هذا الإطار تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر في تعريفها لهذه النظرية وبيان أسسها وأثرها على ضمان التوازن المالي للعقد: "إن نظرية الظروف الطارئة تقوم على فكرة العدالة المجردة التي هي قوام القانون الإداري، كما أن هدفها تحقيق المصلحة العامة، فهدف الجهة الإدارية هو كفالة حسن سير المرافق العامة باستمرار وانتظام وحسن أداء الأعمال والخدمات المطلوبة وسرعة إنجازها، كما أن هدف المتعاقد مع الإدارة هو المعاونة في سبيل المصلحة العامة وذلك بأن يؤدي التزامه بأمانة ولقاء ربح وأجر عادل وهذا يقتضي من الطرفين التساند و المشاركة للتغلب على ما يعترض تنفيذ العقد من صعوبات وما يصادفه من عقبات، فمفاد نظرية الظروف الطارئة أنه إذا طرأت أثناء تنفيذ العقد الإداري ظروف أو أحداث لم تكن متوقعة عند إبرام العقد فقلبت اقتصادياته و إذا كان من شأن هذه الظروف أو الأحداث أنها لم تجعل تنفيذ العقد مستحيلا بل أثقل عبئا وأكثر كلفة مما قدره المتعاقدان التقدير المعقول وكانت الخسارة الناشئة عن ذلك تجاوز الخسارة المألوفة العادية التي يتحملها أي متعاقد إلى خسارة فادحة استثنائية وغير عادية فإن من حق المتعاقد المضار أن يطلب من الطرف الآخر مشاركته في هذه الخسارة التي تحملها فيعوضه عنها تعويضا جزئيا..." .
ويكمن الهدف الأساسي من وراء ابتداع نظرية الظروف الطارئة في حماية المرفق العام وضمان استمراره في أداء الخدمة العامة بدون انقطاع.
ولتطبيق نظرية الظروف الطارئة لا بد من توافر الشروط التالية:
* أن يقع الظرف الطارئ بعد إبرام العقد وخلال تنفيذه، وهذا الظرف قد يكون اقتصاديا (أزمة اقتصادية – ارتفاع الأجور أو الأسعار) أو سياسيا (إعلان حرب) أو طبيعيا (زلازل – جفاف – فيضانات) كما قد يكون إجراءا إداريا صادرا عن جهة إدارية أخرى غير الجهة المتعاقدة.
* أن يكون الظرف الطارئ راجعا لأمر خارج عن إرادة أحد المتعاقدين لأنه لو كان راجعا إلى فعل المتعاقد فإن الأمر يتعلق بنظرية عمل الأمير والتي بموجبها يتم تعويض المتعاقد تعويضا كاملا كما سلف بيانه.
* ألا يكون الظرف الطارئ متوقعا عند التعاقد وإلا فقد صفة الظرف الطارئ كما أنه لا ينبغي أن يكون بالإمكان دفعه أو تداركه.
* أن يترتب على الظرف الطارئ اضطراب في التوازن المالي للعقد يؤدي إلى جعل تنفيذ المتعاقد لالتزاماته أكثر إرهاقا إلى حد حدوث خسائر فادحة تفوق الخسارة العادية التي كان يتصورها المتعاقد وقت التعاقد .
فإذا توافرت هذه الشروط فإنه يتعين على الإدارة أن تعوض المتعاقد معها بالقدر الذي يمكنه من الاستمرار في تنفيذ العقد بحيث تشاركه في تحمل ما لحقه من خسارة مع مراعاة الظروف التي ابرم فيها العقد، أي أن التعويض هنا يكون جزئيا .
ومن جانب آخر فإن حق المتعاقد في هذا التعويض هو حق مؤقت ينقضي بانقضاء الظرف الطارئ الذي تسبب في الخسارة، وإما إذا كان الظرف مستمرا فإن للطرفين الحق في أن يبرما عقدا جديدا أو أن يطلبا من القضاء الإداري الحكم بفسخ العقد وفقا لما قضى به مجلس الدولة الفرنسي .
خـاتـمة
تخضع العقود الإدارية لنظام قانوني مختلف و مغاير للنظام القانوني الذي يحكم عقود القانون الخاص، ولهذا فإن الإدارة لا تتخلى عن صفتها كسلطة عامة عندما تبرم عقدا إداريا مع أحد أشخاص القانون الخاص بل تبقى محتفظة بكامل صفتها الأصلية وبجميع اختصاصاتها ومسؤولياتها كسلطة عامة تعمل على تحقيق الصالح العام وتسعى إلى تنظيم المرافق العامة وإدارتها.
وإذا كانت الإدارة تتمتع بسلطات وامتيازات واسعة فإن القضاء الإداري حاول أن يحد منها سعيا إلى إقرار توازن بين حسن سير المرفق العام الذي تهدف إليه الإدارة من جهة، وبين حماية حقوق المتعاقدين مع الإدارة من جهة ثانية.

لائحة المراجع باللغة العربية
I- المؤلفات:
1- الأعرج (محمد)، نظام العقود الإدارية وفق قرارات و أحكام القضاء الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة "مؤلفات و أعمال جامعية" الطبعة الأولى 2005.
2- بسيوني (عبد الغني)، القانون الإداري، الدار الجامعية، بيروت، 1993.
3- بوعشيق (أحمد)، الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة "دلائل التسيير" ثلاثة أجزاء، الطبعة الأولى 2004.
4- الطماوي (سليمان)، الأسس العامة للعقود الإدارية – دراسة مقارنة، مطبعة جامعة عين شمس، الطبعة الخامسة، 1991.
5- عبد الباسط (محمد فؤاد)، أعمال الإدارة (القرار الإداري – العقد الإداري)، مكتبة الهداية، الاسكندرية، 1989.
6- عبد المولى (علي محمد علي)، الظروف التي تطرأ أثناء تنفيذ العقد الإداري – دراسة مقارنة، مطبعة شركة الطويجي، القاهرة، 1991.
7- عياد (أحمد عثمان)، مظاهر السلطة العامة في العقود الإدارية، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، بدون تاريخ.
8- الفحام (علي)، سلطة الإدارة في تعديل العقد الإداري – دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976.
9- فياض (عبد المجيد)، نظرية الجزاءات في العقد الإداري – دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة 1975.
10- الكتاني (مولاي إدريس الحلابي)، العقود الإدارية، مطبعة دار السلام، الرباط، 2000.
11- الكزبري (مامون)، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي، جزءان، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1972.
12- الكشبور (محمد)، نظام التعاقد و نظريتا القوة القاهرة و الظروف الطارئة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993.
II- المقالات:
1- قصري (محمد)، الآثار القانونية المترتبة عن فسخ عقد الصفقة في مواجهة الإدارة و المقاولة، مجلة المعيار، هيئة المحامين بفاس، العدد 34.
2- النجاري (محمد)، منازعات العقد الإداري في إطار القضاء الشامل، مجلة المعيار، العدد 35.
لائحة المراجع باللغة الفرنسية
Ouvrages:
1- De Laubadère (André), Traité de droit administratif, L.G.D.J, Paris, 1984.
2- Rivero (Jean), Droit Administratif, L.G.D.J, Paris, 1985.