10.20.2017

إشكالية الحجز على الأموال العمومية في إطار تنفيذ الأحكام الإدارية القاضي رشيد الناصري

إشكالية الحجز على الأموال العمومية  في إطار تنفيذ الأحكام الإدارية  القاضي رشيد الناصري










إشكالية الحجز على الأموال العمومية 
في إطار تنفيذ الأحكام الإدارية
 القاضي رشيد الناصري




تقديم:
إن معالجة إشكالية الحجز على الأموال العمومية في إطار تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية تتطلب الكثير من الجهد بالنظر لما تكتسيه هذه الأموال من أهمية تأمين وضمان حسن سير المرفق العمومي من جهة، ولما تستلزمه ضرورة صيانتها من أجل استمرار الدولة والحفاظ على ما تقتضيه سيادتها.
وإذا كان هذا الموضوع، يستأثر بمزيد من الإهتمام من قبل الباحثين في العلوم القانونية وكذا المشتغلين في عالم العدل والمعنيين به مباشرة، وعلى رأسهم السادة القضاة، فإن لذلك مبرراته وأسبابه. فالقاضي الإداري وجد أساسا من أجل فض النزاعات المطروحة أمامه بشكل لا يدع المجال للشك، وهو بذلك مدعو إلى تفادي ما يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية أو عواقب مشينة، عندما لا ينفذ الحكم الصادر عنه، ذلك أنه لا يمكن أن نتصور أية أهمية لحكم قضائي لا يمكن تنفيذه، ولا يساورنا أي شك في كون السادة القضاة لا يذخرون أي مجهود في الحرص على إصدار أحكام واضحة ومقنعة وسهلة التنفيذ، بتطبيق المقتضيات القانونية المطلوبة، وبالاجتهاد في ابتكار قواعد قانونية ناجعة مع التكييف الصحيح والواضح للواقع مع القانون، قصد إيجاد أنجع الحلول لكل نزاع قضائي، ونرى القاضي الإداري يتحمل مزيدا من أعباء الاجتهاد والإبداع ليس فقط لإغناء الاجتهاد القضائي في مادة تخصصه، ولكن من أجل تيسير سبل تنفيذ الأحكام التي يصدرها، هذه الأحكام التي ما تزال تصطدم بعدم التنفيذ في كثير من الأحيان عندما تصدر ضد الإدارة، الشيء الذي قد يؤدي إلى فقدان الثقة، وتسرب اليأس إلى نفوس المتقاضين، وبالتالي انعدام الاستقرار والأمن "أو يجر المرء إلى تفكير آخر وهو انحلال الدولة"، كما جاء في الخطاب المأثور لجلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، وهو نقيض ما يرمي إليه القضاء والهدف من وجوده، وفيما يصدر عنه من قرارات وأحكام، خير دليل على ما نقول إذ جاء في إحدى قرارات المجلس الأعلى "فإن تجاهل السلطات الإدارية للأحكام النافذة المفعول والمذيلة بالصيغة التنفيذية يشكل ما عدا في الظروف الاستثنائية شططا في استعمال السلطة لخرق مقتضيات القواعد الأساسية للتنظيم والإجراءات القضائية التي باحترامها يحترم النظام العام."
ونظرا لأهمية الموضوع، ولتعدد الإشكاليات التي يطرحها تنفيذ الأحكام الإدارية. فإنه ينبغي أن تفرز كل إشكالية على حدة، ويخصص لها الوقت والجهد الكافيين لمحاولة الخروج بحلول قد تسعف المتقاضين إدارة كانوا أو أشخاص عاديين، وتحفظ للحكم القضائي حجيته وقوته التنفيذية، بل وقدسيته باعتباره الحقيقة بذاتها. ومن هذا المنطلق، فإن هذه المداخلة سوف تقتصر على إشكالية الحجز على الأموال العمومية وسوف أحاول بعون الله، أن أتطرق إلى تنفيذ الأحكام الإدارية القاضية بالتعويض باعتبارها المجال الخصب والأكثر وضوحا عندما يتطلب الأمر اللجوء إلى إجراءات الحجز، هذه الإجراءات سوف نتطرق إليها باعتبارها وسيلة من وسائل تنفيذ الأحكام عموما، ومدى ملائمتها مع طبيعة الحكم القضائي الصادر ضد الإدارة مع التمييز بين الأموال المملوكة للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، ونخص بالذكر هنا، الأملاك العامة والأملاك الجماعية وكذلك الأملاك الخاصة لكليهما، إضافة إلى المنقولات المرصدة للمنفعة العامة وتلك التي تساهم في تسيير المرافق العامة أو المخصصة لبعض الأغراض الخاصة.
I- تنفيذ الأحكام الإدارية القاضية بالتعويض.
إن القواعد القانونية المقررة في قانون 41/90 المنشئ للمحاكم الإدارية وكذا القانون 80/03 المحدثة بموجبه محاكم الاستئناف الإدارية يحيلان على قانون المسطرة المدنية في مجال التنفيذ، ورغم ذلك فإن هذه الإحالة لا تشفي الغليل عندما يتعلق الأمر بامتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها خصوصا وأن قواعد المسطرة المدنية جاءت عامة، كما هو الشأن في المادة 448 الناصة على قيام عون التنفيذ بالإجراءات المتعلقة بطرق التنفيذ في حالة رفض المدين الوفاء بالدين المحكوم به، ومن هذا المنطلق نتساءل عن مدى إمكانية اللجوء إلى طرق التنفيذ المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في حالة امتناع الإدارة عن التنفيذ.
ومن البديهي أن مسطرة الإكراه البدني لا يمكن تصورها في الإدارة على اعتبار طبيعة شخصيتها الاعتبارية اللهم إذا ما تم اعتماد مبدأ مسؤولية الإدارة في شخص المسؤول الإداري عند عدم تنفيذ الحكام الصادرة ضد إدارته وتقرير مبدأ المسؤولية الشخصية، كما هو معمول به بشكل أو بآخر في بعض الأنظمة القضائية المقارنة "النموذج المصري مثلا" الذي يعتبر الامتناع عن تنفيذ الأحكام جريمة يعاقب عليها القانون. غير أنه مبدئيا يمكن اللجوء إلى وسائل التنفيذ الأخرى كالغرامة التهديدية والحجز على الأموال المملوكة للإدارة.




ونظرا لأهمية الوسيلتين معا، فإنني سوف أترك مناقشة موضوع الغرامة التهديدية لبقية الزملاء، على أن أتطرق إلى الحجز كوسيلة من وسائل تنفيذ الأحكام عامة،  وأحكام المحاكم الإدارية على الخصوص.
1- الحجز كوسيلة من وسائل تنفيذ الأحكام الإدارية
يعتبر العديد من الفقهاء أن المبادئ الأساسية التي تحكم الأموال العامة تمنع سلوك طرق التنفيذ الجبري على أموال الدولة، وقد أسسوا لذلك نظريات عدة، نذكر منها نظرية قرينة الشرف واليسر والتي تقوم على تعريف الدولة باعتبارها مليئة الذمة ولا يتصور عسرها. ونظرية الفصل بين القاضي والإدارة القائمة على اعتبار هذه الأخيرة وحدها المنوط بها استخدام النفقات العامة عن طريق قواعد المحاسبة العمومية. ونظرية اختلاف الصيغة التنفيذية، وتقوم حسب أنصارها على أن الصيغة التي تذيل بها أحكام القضاء الإداري لا تشير سوى إلى وجود السند التنفيذي وصحته ولا تتضمن الأمر بالتنفيذ كما هو الشأن بالنسبة للأحكام الصادرة في مواجهة الأشخاص العاديين.
غير أن هناك من يعتبر ذلك مجرد اتفاق عام، فالدكتور عبد الرزاق السنهوري يرى أنه من الناحية النظرية والقانونية، لا مانع من إيقاع الحجز على أموال الدولة الخاصة لكون هذه الأموال مملوكة ملكية خاصة وتخضع لقانون المرافعات "القانون المدني" ويضيف أن ما يعرقل ذلك هو أن الإدارة لا تمكن الأفراد من اقتضاء حقوقهم بالحجز على أموالها أو أملاكها تحت ذريعة أن الدولة مليئة الذمة وغير معسرة ولا مماطلة وأنه متى تبين الحق من جانب الدائن، أوفته حقه طوعا واختيارا وليس قسرا وجورا.
ويرى الدكتور نصرة منلا أنه "إذا كان التنفيذ بالحجز غير جائز على الأموال العامة للدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة بسبب تخصيصها للمنفعة العامة، إلا أنه جائز على الأملاك الخاصة للدولة لأن هذه الأموال كالأموال الخاصة للأفراد يجوز بيعها والتصرف فيها وحجزها وتملكها بالتقادم."
غير أن بعض فقهاء القانون الإداري خالفوا هذين الرأيين ليس على أساس عدم جواز التصرف في تلك الأموال ولكن على أساس أنها مملوكة للدولة أو لإحدى الهيئات التابعة لها.
2- مناقشة :
فإذا كان اعتماد نظرية ضرورة احترام قواعد المحاسبة العمومية في تدبير النفقات العمومية جديرا بالاعتبار خصوصا عندما نتحدث عن دولة القانون، الشيء الذي يفرض على هذه الأخيرة الالتزام به والتمسك به في جميع تصرفاتها، فإنه بالمقابل لا بد من احترام المبدأ نفسه أي مبدأ المشروعية عندما يتعلق الأمر بتسديد مستحقات للأغيار والوفاء بالالتزامات عند كل صفقة عمومية، أو بمناسبة تعويض عن نزع الملكية أو جبر ضرر نتج عن اعتداء أو عمل مادي للإدارة من أجل إحداث أو إصلاح مرفق عمومي.
أما من يقولون بمنع الحجز على أموال الدولة على أساس أن ذلك يمس بهيئة وثقة وسيادة الدولة فإن ما يدعونه يتناقض بشكل صارخ مع ما تقدمت الإشارة إليه، لكون عدم تنفيذ الإدارة لأحكام حائزة لقوة الشيء المقضي به باعتباره حقيقة ثابتة -عدم التنفيذ هذا- هو الذي يؤدي إلى انعدام الثقة المدعى به وليس العكس.
وهناك مبادئ أساسية أخرى من ابتكار فقهاء القضاء الإداري مؤداها توازن المصالح والتوفيق بينها، إذ لا يعقل أن تفضل مصلحة عامة لمجرد نعتها بالعامة، أمام ضرورة حماية خاصة هي أجذر بالحماية بالنظر إلى مدى وخطورة الأضرار التي قد تنجم عنها.
أما بخصوص مبدأ ملاءة الذمة واستبعاد عسر الدولة فإن هذا المبدأ سرعان ما يفقد أهميته وينهار تماما بمجرد تعبير الإدارة عن رفضها تنفيذ حكم قضى عليها بالتعويض، كما أن ملاءة الذمة ويسر الدولة أولى بأن يعتبر سببا ومبررا للوفاء بالدين وليس العكس، ذلك أن الحجز يتم اللجوء إليه عموما لمجرد عدم الوفاء بالدين المستحق والحال والمبرر قانونا، أي المبني على سند تنفيذي، وليس على أساس افتراض عسر المدين.
وما يمكن أن يبرر عدم صحة منع الحجز على أموال الدولة سواء من الجانب النظري أو العملي هو أن الدولة تتعامل حاليا بشكل مباشر مع أشخاص ومؤسسات وهيئات القطاع الخاص في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية يحكمها التعايش الحر والانفتاح على عالم تطغى عليه مؤثرات عولمة وتحرير الاقتصاد والتجارة والإنسان والمجال بشكل عام.
ومن شأن التأثير على ضمان استيفاء الديون المستحقة مع المتعاملين الجدد مع الإدارة، بمنع الحجز على أموال الدولة أن يؤدي إلى تعطيل المشاريع ويصعب تحقيق المنافع المتوخاة منها بل سوف يؤدي ذلك إلى امتناع هؤلاء الخواص عن التعامل مع الإدارة.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك أنواعا من المحجوزات تختلف في المسطرة والإجراءات باختلاف أنواعها والمراحل التي تقع فيها، فهناك الحجز التحفظي والحجز التنفيذي والحجز الإرتهاني والحجز الإستحقاقي وتحمل هذه الحجوز كلها معانيها في ذاتها، والحجز الذي يهمنا في هذه المداخلة يكتسي أهمية بالغة في الحياة العملية ويتم اللجوء إليه قصد ضمان استيفاء الديون، وهو المسمى حجز مال المدين لدى الغير وإن كانت مسطرة إيقاع هذا الحجز تقتضي وجود أطراف ثلاثة –كما هو معلوم- فإن الهدف الأساسي منها هو منع المحجوز لديه من أداء المبالغ المستحقة عليه لفائدة المحجوز عليه بين يدي هذا الأخير ليبقى في الأخير إجراءا من الإجراءات التحفظية والتنفيذية المتعلقة بقواعد التنفيذ الجبري للأحكام الإلزامية، وذلك لما يترتب عليه من غل يد المدين في التصرف في أمواله وصيرورتها جبرا عليه لفائدة الدائن بعد استيفاء مسطرة التصديق أو تصحيح الحجز.
II- الحجز على أموال الدولة العمومية
إن القضاء المغربي وعيا منه بأهمية الحفاظ على حقوق المتقاضين، وفي سبيل تحقيق التوازن واستقرار المعاملات، ما فتئ يجيز إيقاع الحجز على أموال الدولة عبر سلوك مسطرة الحجز على أموال المدين لدى الغير المنصوص عليها في الفصل 488 وما بعدها إلى الفصل 493 من قانون المسطرة المدنية، وتطبيقا للمادة 7 من القانون 41/90 التي ورد فيها أن رئيس المحكمة الإدارية أو من ينوب عنه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر يختص بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية، وباستقرائنا للمادة 488 من قانون المسطرة المدنية نجدها لا تمنع الحجز إلا على أموال محددة بذاتها وصفاتها ولا نجد من بينها ما يشير إلى منع الحجز على أموال الدولة.
وإذا كان من المتعارف عليه أن الأموال العمومية غير قابلة للحجز، فإنه لا يمكن التوسع في تفسير هذا العرف (إن صح أنه عرف) وهو ما جاء في إحدى الأوامر الصادرة عن إدارية الرباط جاء فيه "إذا كان لا يجوز الحجز على أموال المؤسسات العمومية فلكونها مليئة الذمة وليس لكون أموالها عمومية ما دام لا يوجد أي نص قانوني يمنع حجزها ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر، فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة المذكورة نظرا لصيغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون، الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ."
فإذا كان هذا القرار يهم مؤسسة عمومية هي المكتب الوطني للأبحاث والاستثمارات النفطية، فإن الفكرة الأساسية التي جاء بها هي أن مبرر اللجوء إلى مسطرة الحجز هو امتناع الإدارة عن التنفيذ، وهذا ما سوف يؤدي إلى البحث عن الأموال التي يجوز إيقاع الحجز عليها، وذلك بتحديد مفهوم الأموال العامة.
فأموال الدولة هي الوسائل المادية التي تستعين بها الجهات الإدارية على ممارسة نشاطها خدمة للصالح العام، وأموال الدولة تشمل مجموع الممتلكات التي في حوزتها أو التي وضعت رهن إشارتها، فالدولة والأشخاص المعنوية الأخرى تملك عقارات ومنقولات بمختلف أنواعها وأيا كان هذا التنوع، فإنه لا يخرج عن نمطين أساسيين هي الملك العام Domaine public  والملك الخاص Domaine privé   وهي تختلف من حيث القواعد المنظمة لكل منها.
ونميز بين هذين النوعين لما لهذا التمييز من آثار على التصرف في هذه الأموال وتدبيرها بشكل عام.
فالأملاك العامة خصها المشرع بقواعد مميزة لا نظير لها في الأملاك الخاصة وذلك لإسباغ نوع من الحماية نظرا لما تخصص له هذه الأموال لخدمة المصلحة العامة (الأستاذ عبد الرحمان البكريوي الوجيز في القانون الإداري) ويقتضي مفهوم هذه الأموال توفر شرطيين أساسيين: أولهما أن تكون مملوكة للدولة أو أي شخص اعتباري عام يمثل المؤسسات والهيئات الإدارية، والثاني أن تكون هذه الأموال مخصصة للمنفعة العامة بالفعل أو بمقتضى القانون.
هذا على غرار ما نصت عليه مدونة نابوليون في مادتها 538 التي نصت على عدم إمكانية التملك الخاص للأموال العامة، الشيء الذي أدى إلى التفرقة بين الدومين الوطني المنتج والقابل للتملك الخاص والأملاك العامة المخصصة بطبيعتها للاستعمال الجماعي، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها بالتقادم كما لا ترد عليها حقوق الارتفاق.
وبإطلالتنا على التشريع الوطني، فإن القانون المغربي ينظم الأملاك العامة في عدة قوانين نذكر منها ظهير فاتح يوليوز 1914 المنظم للملك العام للدولة، وظهير 19 أكتوبر 1921 المنظم للملك العام البلدي وظهير 28 يونيو 1954 بشأن الأملاك التي تملكها الجماعات القروية المزودة بجماعات إدارية، وعلى غرار التشريع الفرنسي، فإن بعض القوانين في المغرب نصت على قاعدتي عدم جواز التصرف في الملك العام وعدم إمكانية اكتسابها بالتقادم، نذكر من هذه القوانين ظهيري 1 يوليوز 1914 و 19 أكتوبر 1921 كما جاء ظهير 28/06/1941 بقاعدة عدم جواز الحجز على الأموال العامة، والهدف من هذه الحماية الأساسي هو إخراج الملك العام من نطاق التعامل المعروف في علاقات القانون الخاص نظرا كما تقدم نظريا، لأنها مخصصة للمنفعة العامة ونتيجة ذلك هي أن كل التصرفات الخاضعة للقانون المدني كالبيع والرهن والإيجار والهبة والوصية وغيرها، لا يمكن تطبيقها على الأملاك العامة مبدئيا وأوضح مثال على ذلك منع نزع ملكيتها بموجب القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية الذي تنص مادته الرابعة على أنه "لا يمكن نزع ملكية المساجد والأضرحة والمقابر كما لا يمكن نزع ملكية العقارات التابعة للأملاك العمومية والأبنية العسكرية."
غير أن المشرع سرعان ما تراجع عن هذه القاعدة بشكل ما عندما أجاز نقل ملكية بعض أملاك الدولة للجماعات المحلية أو إلى أحد الأشخاص الاعتباريين المعهود إليهم بتسيير مرفق أو في إطار عقد امتياز دون أن يستثنى من تلك الأموال أو يحدد النوع القابل لهذا التفويت.
هذه المقتضيات الحمائية منحها المشرع للأموال العامة، وإن كان لذلك أهميته فإنها تنبع فقط من تخصيصها للمنفعة العامة وضمان حسن سير المرفق العمومي غير أنه في حالة وجود نزاع قضائي بخصوص هذه الأموال أو عند ثبوت مديونية الدولة بمقتضى حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به فتمتنع الإدارة عن التنفيذ أو تثير صعوبة بخصوصه، فهل يجوز سلوك طرق التنفيذ الجبري قصد استيفاء الحقوق من الدولة أو الإدارة المحكوم ضدها، وبالتالي هل يجوز اللجوء إلى مسطرة الحجز عليها؟
1- الحجز على الأملاك الخاصة للدولة.
بالإضافة إلى الأملاك العمومية، فإن للدولة والجماعات المحلية أملاكا خاصة لا تقل أهمية من حيث الحجم عن الأملاك العمومية، غير أن النظام القانوني قد يختلف بعض الشيء عن الأملاك العمومية وإن كانت منصوص عليها في كثير من الأحيان بنفس القوانين.
وما يهمنا هنا هو إمكانية إيقاع الحجز على هذه الأموال ومتى يتم ذلك، فالاتجاه الذي تبنته المحكمة الإدارية بالرباط بمناسبة مصادقتها على الحجز على أموال الشركة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق، لفائدة شركة حي الله يبين إمكانية الحجز على أموال رصدت لتحقيق المنفعة العامة وفقا لقاعدة أن المحجوز عليها الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق تعتبر شركة مجهولة الإسم وإن ذمتها المالية مستقلة عن الذمة المالية للدولة وأن الأموال التي يتشكل منها رأسمالها على افتراض أنها أموال عمومية فإن جزءا منها قد رصد أصلا لتسديد مستحقات أصحاب الأراضي المنزوعة ملكيتهم، وهذا الحجز يشكل ضمانة بالنسبة لهؤلاء ولا ضرر فيه على مصلحة المحجوز عليها. ونظرا لعدم كفاية المبلغ المتوفر لدى المحجوز لديه الوارد في التصريح الإيجابي لتغطية الدين، فإنه يتعين أمر المحجوز لديه بأداء هذا المبلغ بكتابة الضبط تبرئة لذمته حتى يتم توزيعه على الدائنين عن طريق المقاصة طبقا للفصل 495 من قانون المسطرة المدنية.




وقد تم تأييد هذا التعليل بقرار المجلس الأعلى عدد 200 المؤرخ في 18/02/1999 بخصوص نفس النازلة الذي جاء فيه "لكن حيث إنه على فرض أن الأموال المخصصة للوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق، جزءا من الأموال العامة للدولة التي لا يمكن الحجز عليها أو مباشرة إجراء التنفيذ ضدها إلا بكفالة، فإن الإدارة في ميدان نزع الملكية للمنفعة العامة ترصد أموالا مسبقة لتغطية التعويضات الناتجة عن نزع ملكية أراضي الخواص وهي بذلك تخرج بإرادتها المنفردة هذه الأموال من ذمتها المالية لتخصصها للتعويض عن نزع الملكية، مما يمنح الحق للمنزوع ملكيتهم في القيام بكل الإجراءات القانونية للتنفيذ عليها بما في ذلك مسطرة الحجز."
ومن خلال هذا الاجتهاد القضائي، فإن عدم جواز الحجز على أموال الدولة ليس أمرا مطلقا بل ترد عليه عدة استثناءات، فلئن كان ذلك يعزى "حسب تعبير أستاذنا الفاضل السيد مصطفى التراب"، إلى أن "الدولة ليست لها أموال ناضة أو حساب جاري، إضافة إلى أنها مليئة الذمة"، فإنه بمجرد امتناع المؤسسة عن التنفيذ، فإن ملاءة الذمة لا يعود لها أية أهمية، وبالتالي فإن اللجوء إلى مؤسسة الحجز لإجبار الإدارة على التنفيذ، إنما هو إجراء للحفاظ على حقوق الأغيار...
إن مثل هذه الأحكام القضائية والتي تعد بمثابة قواعد قانونية يتعين احترامها انسجاما مع الأهداف التي وجد القضاء الإداري من أجلها واحتراما كذلك للاجتهاد القضائي باعتباره مصدرا من مصادر التشريع لا يمكن أن تؤدي إلى تحقيق المبتغى منها إلا بتواثرها وحرص قضاة المحاكم الإدارية على اعتمادها في إصدار اللاحق من الأحكام.
وإذا كان الاختلاف واضحا بين إمكانية الحجز على الأموال العمومية، سواء منها المملوكة للدولة أو الجماعات المحلية وبين الأملاك الخاصة اعتمادا على ما تم الإشارة إليه من نظريات واجتهادات قضائية، فإن الحجز على المنقولات المملوكة للدولة أو الهيئات التابعة لها لا يمكن أن يحيد على المبادئ الأساسية التي تحكم الأملاك العامة والخاصة المذكورة، وللقضاء في ذلك شأن يغنيه.
فنجد الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية بأكادير تحت عدد 92/06 بتاريخ 19/07/2006 يصرح "بإيقاع الحجز على أموال المجلس البلدي لطانطان بين يدي المحاسب العمومي (القابض البلدي لطانطان) في حدود الدين المحكوم به والفوائد القانونية والصائر".
وسبق لنفس المحكمة أن أصدرت الأمر عدد 02/2005 بتاريخ 22 يوليوز 2005 أمرت بموجبه بإيقاع حجز على أموال المجلس البلدي لكلميم لدى القابض البلدي لهذه المدينة في حدود مبلغ الدين والصائر، وذلك على أساس ان الجهة المطلوبة في التنفيذ امتنعت عن تنفيذ الأمر القاضي بإيقاع الحجز تحت مبررات عدم قابلية أموال الجماعات الحضرية للحجز، وضرورة فتح اعتماد خاص بالمبلغ موضوع التنفيذ وعدم إمكانية الأداء إلا بصدور أمر من الآمر بالصرف، وصدر إثر ذلك قرار بتاريخ 12/09/2005 عن نفس المحكمة بمواصلة التنفيذ، على أساس أن الأموال المخصصة للتعويض عن النزع الغير المباشر للملكية تخرج من الذمة المالية للشخص العام الذي انتقلت إليه ملكية العقار، ويمكن بالتالي الحجز عليها، وأن المحاسب العمومي ملزم بأداء الدين موضوع التنفيذ باعتبار أن الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به "والمذيل بالصيغة التنفيذية"، وثيقة محاسبية كافية لذاتها للتنفيذ، ولا يحتاج في ذلك إلى أمر من الآمر بالصرف، فالصيغة التنفيذية طبقا للفصل 433 من قانون المسطرة المدنية هي كالآتي "يأمر جلالة الملك جميع الأعوان وبطلب منهم أن ينفذوا الحكم المذكور (أو القرار)"
وإذا كان هذا الاجتهاد القضائي يسير في الطريق الصحيح والمنسجم مع ما سبقه من الاجتهادات القضائية، فإن الإدارة ملزمة باحترام الأوامر والأحكام القضائية باعتبارها حقيقة قانونية لا يمكن إخفاؤها دون تذرع بمبررات لا تمت للقانون بصلة.
هكذا نجد أن بعض الإدارات لا تدخر جهدا في البحث عن مبررات لعدم تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها وتنص في غالب الأحيان على المذكرات الوزارية والأوامر الرآسية التي تصدرها الجهات الوصية عليها، ونجد أمثلة عديدة لذلك فيما يخص إيقاع الحجز على المنقولات المملوكة للدولة أو الجماعات المحلية على أن هذه الدوريات لا تنصب كلها على البحث عن تبريرات لعدم تنفيذ الحكام القضائية وإنما منها ما يحث الإدارة عن الامتثال لأوامر القضاء وتنفيذ مقرراته.
ولقد رأيت أنه يتعين إدراج هذه المناشير والدوريات في هذا الجزء الذي أخصصه للحجز على المنقولات المملوكة للدولة ولذلك أسبابه.
2- الحجز على المنقولات المملوكة للدولة والهيئات التابعة لها.
ففي 21 يوليوز 2000 أصدر السيد وزير الداخلية دورية تحت عدد 108 إلى ولاة وعمال عمالات وأقاليم المملكة يحثهم فيها على تقديم كل الحجج القانونية لإقناع القاضي بعمومية المنقولات المطلوبة للحجز وإقناعه بعدم شرعية إيقاعه.
وقبل مناقشة مضمون هذه الدورية، نتساءل هل القاضي عموما والقاضي المتخصص في المادة الإدارية على وجه الخصوص، لا يمكن أن يقتنع إلا بالوسائل التي تثيرها الإدارة والتفسيرات التي تتبناها دون غيرها؟
أعتقد أن الجواب قطعا هو بالنفي وإلا كانت الأحكام القضائية مجرد قرارات صادرة عن مثل هذه الإدارات، فلا يتحقق المبدأ الأساسي القائم على الفصل بين القاضي والإدارة والذي يعتبر مظهرا من مظاهر استقلال القضاء، فإذا بلغ إلى علم السيد وزير الداخلية أن بعض قضاة محاكم المملكة يصدرون الأوامر لأعوان التنفيذ من أجل إيقاع الحجز على منقولات الأملاك العمومية التابعة للجماعات المحلية، فإن ذلك لا يمكن أن يتصور إلا باحترام الضوابط القانونية التي تحكم قواعد الحجز وبعد ثبوت امتناع الإدارة عن تنفيذ أحكام القضاء ولم يثبت قط أن حكما أمر بالحجز على طريق أو شارع عام، أو على بناية إدارة من الإدارات العمومية، أو ما إلى ذلك من الأموال أو الأملاك المرصودة لتحقيق المنفعة العمومية أو الاستعمال المباشر للجمهور.
وإذا كانت مقتضيات ظهير 1 يوليوز 1914 و 19 اكتوبر 1921 و 28 يونيو 1954 التي سبقت الإشارة إليها تلمح إلى عدم إمكانية التصرف في الأملاك العامة وتعتبر بذلك مبادئ عامة لا يجوز مخالفتها، فإن القضاء وحده الموكول إليه تقدير حالة المنع وترجمتها إلى ما فيه المصلحة العامة، فإذا كان من حق الإدارة التمسك بعدم قابلية أموالها للحجز فإنه ليس من حقها الامتناع عن تنفيذ أحكام باتة وحائزة لقوة الشيء المقضي به، ومتى تبين للقاضي أن الحجز على أموال الإدارة أو منقولاتها يمكن أن ُيجبر الإدارة على الوفاء بالتزاماتها عند امتناع هذه الأخيرة عن التنفيذ، جاز له ذلك مع التمييز بين الأموال المخصصة بذاتها وبموجب القانون لمنفعة عمومية، وتلك المرصودة لتأمين سير المرفق العمومي، وبين الأموال منقولات كانت أو عقارات التي تساهم في تسيير هذه المرافق أو تخصص لأغراض جانبية على أن القاضي المختص هو وحده من يملك سلطة تقدير هذا الأمر بما يفرضه القانون وتقتضيه وقائع كل نازلة وليس على هدي ما يقول به أطراف الدعوى.
فإذا كانت أملاك الجماعات المحلية تنقسم إلى أملاك خاصة وأخرى عامة، وتتألف هذه الأملاك من منقولات وعقارات، فإن الأموال الخاصة منقولات كانت أو عقارات لا يمكن أن تستثنى من إمكانية الحجز عليها طبقا لقواعد القانون الخاص التي تخضع لها في الأصل والقاضي في هذه الحالة له أن يقدر قيمة الإجراء الذي سوف يتخذه بالحجز ما بين المنقول والعقار طبقا لقواعد المسطرة المدنية، والإدارة لا يمكن أن تتنكر لهذه الإمكانية على أساس أن هذه الأموال الخاصة غالبا ما يتم رصدها لتحقيق منافع اقتصادية صرفة لصالح الإدارة أو الجماعة المحلية، وإلا لما تلجأ الإدارة إلى تقديم عروض مزايدة من أجل تفويت بعض مستلزماتها، أو مناقصة من أجل اقتناء بعض الحاجيات.
وإذا كانت الأموال العمومية هي المستثنآة من التفويتات والحجوز فإن مدى هذا الاستثناء يحدده القاضي المختص بإيقاع الحجز عليها على أن الإدارة تقر في نفس الدورية موضوع هذا النقاش أن الأملاك العمومية المخصصة للمنفعة العامة ليست دائما هي الأملاك المخصصة للمرفق العام ويستفيد منها الجمهور بشكل غير مباشر، الشيء الذي يعني أن إيقاع الحجز على هذه الأموال متى أمكن لا يؤثر بشكل مباشر على حسن سير المرفق العام. 
وفي هذا الإطار نجد الأمر الاستعجالي عدد 175 المؤرخ في 12/05/2005 الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير في قضية أخرى، يصرح بوقف إجراءات الحجز التنفيذي واعتبارها كأن لم تكن في مواجهة المجلس الجماعي بأكادير بالنسبة لبعض المنقولات ومواصلة إجراءات الحجز التنفيذي بالنسبة لباقي المنقولات المحجوزة، وذلك ما لم يتم أداء الدين موضوع الحكم محل التنفيذ، وهكذا فالقاضي المختص بالحجز هو من له الصلاحية في تقدير مدى إمكانية الحجز على الأموال المنقولة بما يراه مناسبا.
أما قاعدة عدم جواز التصرف في الأموال العمومية المدعى بها، فإن الهدف منها هو حماية هذه الأموال العامة، غير أنه بمجرد امتناع الإدارة عن تسديد ما بذمتها بموجب حكم قضائي تجعل هذه الحماية في خطر ويمكن تقدير درجتها من طرف القاضي ويبادر إلى الحجز عليها، وليس بالضرورة من أجل الأداء المباشر لمستحقات الأغيار وإنما بداية لغل يد الإدارة عن التصرف في هذه الأموال وحماية حقوق المتقاضين وحث الإدارة على التنفيذ.
وتحت ذريعة تطبيق هذه الدورية، فإن عددا من الجماعات المحلية تلجأ إلى الاختباء ورائها -ولو عن حسن نية أحيانا- للمطالبة برفع الحجز أو تأجيل التنفيذ، كما هو الشأن بالنسبة لجواب القابض البلدي لكلميم الذي سبق الإشارة إليه أو ما أثاره رئيس المجلس البلدي لبيوكرى عمالة إقليم شتوكة بمناسبة تنفيذ الحكم عدد 609/07 المؤرخ في 27 ماي 2004 بأدائه لفائدة المدعية مقاولة علالي مبلغا قدره 909.975،00 درهما.
وفي الأخير لابد من الإشارة إلى أن حث السيد وزير العدل السادة رؤساء المحاكم على التأكد من برمجة المحجوزات بالميزانية الجماعية قبل الأمر ببيعها "بموجب كتابه المؤرخ في 13 غشت 2003 تحت رقم 1341-5 حول بيع المحجوزات البلدية، يقتضي احترام هذه المجالس البلدية للمقتضيات القانونية والقرارات الوزارية المتعلقة بتدبير الأملاك البلدية" التي تقتضي تقييد هذه الأملاك في دفاتر خصوصية تعرف بكناش مشمولات الملاك الخاصة بالبلديات، وذلك من أجل تمكين المحكمة من التأكد من وجود هذه الأملاك، وبالتالي مراقبة إدراجها بالميزانيات السنوية، قبل الأمر بالحجز عليها أو التصديق على هذا الحجز.
وإذا كانت غيرة الإدارة على الحفاظ على أموالها والحرص على عدم تفويتها للأغيار أمرا محمودا، فإنه بالمقابل يجب أن ينسجم مع ما يهدف إليه عمل المحاكم عندما تتوخى الاستجابة لواجب إنصاف المظلوم وتحقيق أكبر قدر من العدالة وذلك بإصدار أحكام فاصلة في النزاع بما لا يدع المجال للريبة أو فقدان الثقة في هذا الجهاز، مع ما تقتضيه مهمة القاضي الإداري من حنكة وبعد نظر والحرص على حسن سير المرفق العام وعدم الإخلال بالنظام العام وكذا الموازنة بين المصالح العامة والخاصة. ومن هذا المنطلق وانسجاما مع مبدأ الانضباط الإداري المعروف في أدبيات القانون الإداري، فإن الإدارة مدعوة إلى احترام الدوريات والمناشير الصادرة عنها بهذا الخصوص، ونذكر منها المنشور عدد 80 المؤرخ في 17 مارس 1993 الصادر عن السيد الوزير الأول بخصوص تنفيذ الأحكام والقرارات الإدارية في مواجهة الإدارة والمؤسسات التابعة لها، على أساس أن كل حكم بدون تنفيذ يعتبر عديم الجدوى ويجرد القضاء من فاعليته، وأن اقتضاء الحق بعد اجتياز مراحل التقاضي يجب ان يتم بكل سرعة إنصاف لأرباب الحقوق وحفاظا على هيبة الدولة وحرمتها، وتلا هذا المنشور دوريات نذكر منها الدورية رقم 55 من وزير الدولة في الداخلية إلى ولاة وعمال الأقاليم، تقضي أن الاعتقاد السائد في أوساط الجماعات المحلية اعتقاد خاطئ لأن ممتلكات الجماعات التي لا يقبل أن تكون محلا للحجز القضائي هي الأملاك العمومية للجماعات دون الأملاك الخاصة لها التي ليس هناك من الناحية القانونية ما يمنع من إيقاع الحجز عليها.
وفي نفس الإطار، فإن مديرية الجماعات المحلية أصدرت منشورا بتاريخ 27/09/2001 تحت  عدد171 لاحظنا من خلاله أن غالبية الأحكام القضائية التي صدرت في حق الجماعات المحلية لا يزيد مبلغها عن 500.000،00 درهم، وفي سبيل تسوية تلك المتأخرات وبالتالي إعادة المصداقية للأحكام الصادرة عن محاكم المملكة، فإن الآمرين بالصرف مدعوون إلى برمجة الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الأحكام التي لا تفوق تكاليفها المبلغ المذكور والعمل على إصدار حوالات لتنفيذها، وبخصوص المبالغ التي تفوق ذلك القدر فإنه يتعين تقسيمها إلى أقساط سنوية بعد موافقة الأطراف المستفيدة.
هذه على العموم بعض المبررات التي تجعل الإدارة ملزمة بتحقيق التوازن المنشود بين المصلحة العامة وحسن سير المرفق العام، والمصلحة الخاصة للمترفق، والقاضي الإداري ليس أمامه سوى تطبيق القواعد القانونية بشكل سليم على طرفي الدعوى، دون أن يمنعه مركز هؤلاء الأطراف من اللجوء إلى وسائل التنفيذ المخولة له قانونا، كلما بدا له الأمر مناسبا وذلك بإعماله لما يملك من سلطة التقدير، لإيقاع الحجز على أموال طالما يدعي البعض حصانتها ضد الحجز بدون أي سند في القانون.
ولإن كان هذا الرأي المتواضع يخالفه بعض من يؤمن بعلو وامتياز الإدارة والمرفق العمومي، فإنه نابع من صميم القانون ومبادئه التي تعلو عن كل امتياز، ولا ترمي إلا لتحقيق المصلحة العامة في أسمى صورها والحفاظ على التوازنات الاجتماعية وحسن سير المرفق العمومي.

وخير ما اختتم به هذه المداخلة قوله تعالى:
" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم "
صدق الله العظيم.
وهو ولي التوفيق وخير معين.



المراجع المعتمدة:

- الوسيط في القانون المدني المصري للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري. ط. 1964 عن دار النهضة العربية.
- إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ الموضوعية في المواد المدنية والتجارية... للدكتور أحمد مليجي–  عن دار النشر الذهبي للطباعة.
- الوجيز في القانون الإداري المغربي ذ. عبد الرحمان البكريوي ط. 1995.
- المنازعات الإدارية بالمغرب للاستاذ مشيل روسي ط. 1995 عن مطبعة المعارف الجديدة. الرباط.
- تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة – رسالة نهاية التدريب من إعداد الملحق القضائي رشيد الناصري. فوج 32 تحت إشراف الدكتور أحمد إد الفقيه.
- الحجز لدى الغير في القانون المغربي للأستاذ يونس الزهري "القاضي بالمحكمة الابتدائية بمراكش" – سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة عدد 6.
- تنفيذ الحكام الإدارية الصادرة في مواجهة الإدارة. بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة "من إعداد الباحث عصام بن جلون سنة 2000-2001".
- المجلة المغربية للإدارة المحلية. سلسلة مواضيع الساعة ونصوص ووثائق.
- قانون المسطرة المدنية المغربي وفق آخر التعديلات.
- القانون 41/90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية الجريدة الرسمية عدد 4227 بتاريخ 3 نونبر 1993 ص 2168.
- اجتهادات قضائية صادرة عن المحكمة الإدارية بأكادير غير منشورة.
- محاضرات لفائدة مجموعة القانون الإداري للفوج 32 من الملحقين القضائيين بالمعهد العالي للقضاء.