10.20.2017

الاجتهاد والإبداع القضائي المغربي في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية الأستاذ عبد العزيز لزهري

الاجتهاد والإبداع القضائي المغربي في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية الأستاذ عبد العزيز لزهري








الاجتهاد والإبداع القضائي المغربي في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية
الأستاذ عبد العزيز لزهري



أولا: تنفيذ الأحكام الإدارية تجسيد لدولة الحق والقانون.

ثانيا: الحجز على الأموال العمومية كوسيلة لجبر الإدارة على التنفيذ.

ثالثا: الحكم بالغرامة التهديدية لجبر الإدارة على التنفيذ.

رابعا: إقرار المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ.



             مقدمة:
إن القول بخضوع الدولة للقانون يعني أن جميع الأشخاص في الدولة سواء كانوا طبيعيين أو اعتباريين أفرادا أو هيئات ملزمون بالامتثال لأحكام القانون من ناحية، وأن تملك الدولة سلطة تنفيذ الأحكام الصادرة عن جهازها القضائي إذا ما تم الامتناع عن تنفيذها من ناحية أخرى .
ومن المؤكد أنه لا يمكن الحديث عن دولة الحق والقانون أو عن وجود الدولة إذا لم تكن هذه الأخيرة خاضعة لرقابة القضاء في أداء وظائفها ومحترمة للقوانين والضوابط الجاري بها العمل.
ولقد كان للقضاء الإداري المغربي على وجه الخصوص دور كبير في إبداع بعض الاجتهادات المبدئية التي أقرت، ودافعت على أن تنفيذ الأحكام القضائية هو تجسيد لدولة الحق والقانون.
أولا: تنفيذ الأحكام الإدارية تجسيد لدولة الحق والقانون.
ويتضح ذلك من خلال عدة قرارات وأحكام إدارية، ففي حكم المحكمة الإدارية بأگادير عدد 15/97 بتاريخ 30/01/1997 صرحت بأن: "الحكم القضائي الباث والنهائي عنوان للحقيقة، وفي تنفيذه حفاظ على النظام العام، وضمان للأمن والسلامة العامين، وتجسيد لدولة الحق والقانون... ليس للسلطة التنفيذية رفض طلب تسخير القوة العمومية لتنفيذ حكم قضائي إلا بصفة جد استثنائية ولأسباب مبررة قانونا". 
ولقد تأكدت هذه القاعدة في قرار سابق للمجلس الأعلى جاء فيه: "إن تجاهل السلطات الإدارية للأحكام النافذة المفعول والمذيل لصيغة التنفيذية يشكل خرقا للقواعد الأساسية وللنظم والإجراءات القضائية التي باحترامها يحترم النظام العام مما يتعين معه إلغاء القرار المطعون فيه". 
كما اعتبر المجلس الأعلى أنه "تكون الإدارة برفضها تنفيذ قرار صادر عن محكمة الاستئناف أصبح نهائيا، قد تجاهلت حجية الشيء المقضى به بموجب مقرر قضائي وتكون بالتالي قد تجاوزت سلطاتها". 
ولقد كان المجلس الأعلى حاسما من البداية بأن "امتناع السلطة الإدارية عن تنفيذ قرار قضائي حاز قوة الشيء المقضى به، والقاضي على الإدارة بأن تؤدي تعويضا يشكل خرقا للقوانين الأساسية المتعلقة بالتنظيم والمسطرة القضائية من شأنه أن يكون أساسا لرفع كل من دعوى التعويض والطعن بالإلغاء". 
ومن المهم الإشارة أن امتناع الإدارة عن تنفيذ العديد من الأحكام القضائية الصادرة ضدها، وتقدم العديد من المتضررين برفع دعاويهم سواء بطلب إلغاء قرار الامتناع عن التنفيذ أو بدعوى التعويض أنتج اجتهادات قضائية جد مهمة.
ثانيا: الحجز على الأموال العمومية كوسيلة لجبر الإدارة على التنفيذ.
لقد أثارت مسألة قابلية الحجز على الأموال العمومية جدلا فقهيا وتضاربا في الأحكام القضائية خاصة عندما يتعلق الأمر بجبر الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها وقد انقسم الاجتهاد القضائي بدوره إلى مؤيد للحجز على أموال الدولة ومؤسساتها العمومية ومعارض لذلك.




أ‌- الإجتهاد المؤيد :
لقد كان أمر المحكمة الإدارية بالرباط أكثر وضوحا عندما صرحت بأنه : "إذا كان لا يجوز الحجز على المؤسسات العمومية فلكونها مليئة الذمة وليس لكون أموالها أموالا عمومية مادام لا يوجد أي نص قانوني يمنع حجزها ولكن إذا ثبت امتناع المؤسسة العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر فإن ملاءة الذمة تصبح غير مجدية بالنسبة للتنفيذ الذي يرغب فيه من صدر الحكم لفائدته، وفي هذه الحالة يجوز له القيام بالتنفيذ الجبري على أموال المؤسسة المذكورة نظرا لصبغة الإلزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ". 
كما ذهبت المحكمة الابتدائية بالرباط إلى أنه "إذا كان العمل القضائي والفقه قد أبا على السير في عدم الحجز على الأموال العمومية وذلك حفاظا على السير العادي للمرافق العمومية وانطلاقا من أن المفروض في المؤسسات العمومية الإسراع بتنفيذ الأحكام والرضوخ إليها تجسيدا لمبدأ المشروعية الذي يكرس سمو القانون بما تقتضيه من مساواة بين الأشخاص العاديين وأشخاص القانون العام فإن هذا المبدأ، أي عدم قابلية الأموال العمومية للحجز، لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه وذلك كلما كان هناك امتناع عن التنفيذ بدون أي مبرر، هذا الامتناع الذي لا يمكن أن يفسر إلا بالتعسف في استعمال هذه الإمكانية وبالتالي وفي غياب كل نص قانوني، فلا مانع من الحجز على هذه الأموال وبيعها لاستيفاء حق المحكوم عليه وإثبات المشروعية وفعالية السلطة القضائية التي تتمثل في تنفيذ الأحكام .
هذه أمثلة لبعض الأوامر التي صرحت بأنه لا مانع من قابلية للأموال العمومية للحجز خاصة عندما يتعلق الأمر بالامتناع عن تنفيذ حكم قضائي، إلا أن ما يجب الإشارة إليه هو الاتجاه القضائي المعارض والمتشبث بعدم قابلية الأموال العمومية للحجز بالرغم من الامتناع عن التنفيذ.
ب – الاتجاه المعارض:
وقد تجسد هذا الاتجاه في عدة أوامر نذكر منها ما صرحت به المحكمة الابتدائية بالرباط من ( ... أن الدولة المغربية لا يتصور عسرها وبالتالي فإن لها من الضمانات ما يكفي لتسديد الديون عند استحقاقها مما يتعين معه الأمر برفع الحجز .
كما تم تأكيد هذه القاعدة في تعليل آخر له يعتمد على قواعد المحاسبة وعدم القابلية للحجز وذلك في قراره الذي صرح فيه: " إلا أنه وإن كانت تفترض الملاءة في الدولة فإنها لا تستطيع تأدية ديونها إلا وفق قواعد عمومية مما لا يمكن الأمر معه بالتنفيذ المؤقت في مواجهتها وعليه فإن الحكم الصادر ضدها لا يمكن أن يكون مشمولا بالتنفيذ المؤقت ما دام التنفيذ الجبري في حد ذاته غير ممكن... لا يمكن إجراء الحجز ضد الدولة نظرا لما يفترض فيها من ملاءة الذمة وبكونها لا تؤدي ديونها إلا وفق قواعد المحاسبة العامة .
وقد طبقت هذه القاعدة حتى على الشركات التابعة للدولة، وهو ما يتضح من قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الذي جاء فيه: " إن شركة للدولة تتوفر على ضمانات للوفاء بديونها فلا مجال للإذن بإجراء حجز لدى الغير على أموالها بصفة تحفظية" .
ويجب ملاحظة أن التوجه الحديث للقضاء الإداري يذهب إلى تأييد الحجز على الأموال العمومية خاصة عندما يتعلق الأمر بتنفيذ الأحكام القضائية وذلك ضمانة لهدف أسمى وهو حماية هبة القضاء.
ثالثا : الحكم بالغرامة التهديدية لجبر الإدارة على التنفيذ.
يعرف بعض الفقه الغرامة التهديدية بأنها عقوبة مالية تبعية تحدد بصفة عامة عن كل يوم تأخير، يصدرها القاضي بقصد ضمان حسن تنفيذ حكمه أو حتى بقصد ضمان حسن تنفيذ أي إجراء من إجراءات التحقيق .
وإذا كان من المتفق عليه فقها أن الغرامة التهديدية وسيلة مشروعة لتنفيذ الأحكام ضد الأشخاص العادية فإن خلافا فقهيا حصل حول استعمال القضاء الإداري للغرامة التهديدية كوسيلة لجبر أشخاص القانون العام على تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها خاصة عندما يتعلق الأمر بالامتناع عن تنفيذ حكم يتعلق بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، إلا أن ما يبعث على الارتياح هو أن المحاكم الإدارية دأبت على فرض الغرامة التهديدية بالرغم من تحفظ الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى في بعض الحالات.
وكمثال لذلك ندرج ما جاء بحكم للمحكمة الإدارية بالرباط "... حيث إن المحاكم الإدارية تطبق القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك طبقا للمادة السابعة من قانون 41/90، وحيث لا يوجد أي نص قانوني يستثني الإدارة من فرض غرامة تهديدية عليها في حالة امتناعها عن تنفيذ حكم قضائي صدر في مواجهاها، يتعلق بالالتزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عن القيام بعمل" .
كما أن محكمة الإدارية بوجدة ذهبت إلى:  "إن المشرع المغربي وإن كان لا ينص صراحة في قانون المحاكم الإدارية على إمكانية إجبار أشخاص القانون العام على تنفيذ الأحكام بواسطة الغرامة التهديدية، فإنه بإحالته بنفس القانون على قواعد المسطرة المدنية من خلال الفصل السابع يكون قد أجاز هذه الإمكانية خاصة وأنه لا يوجد نص قانوني يقيد هذه الإمكانية أو يحد من مفعولها". 
ومما لاقى استحسانا لدى الفقه أن الغرفة الإدارية أقرت هذا الاجتهاد وحيث اعتبرت أن " عرقلة الأعمال الإدارية في مفهوم الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية المتمسك بخرقه، إنما يخص الأعمال والتصرفات المشروعة، كما هو الوضع في النازلة، فإن الإدارة هي التي تتحمل عواقب تصرفاتها وتبذيرها للأموال العمومية في أشغال جارية لا سند لها في القانون، ولم تدل الإدارة بما من شأنه أن يضفي الجدية على عملها لعرقلة الأعمال الإدارية" .
لكن ما يثير التساؤل مجددا هو مدى استقرار الاجتهاد القضائي والغرفة الإدارية على ما سبق تأكيده وذلك بعد إصدارها لقرار مغاير يقيد الاستجابة لفرض الغرامة التهديدية جاء فيه: "حيث إنه إذا كانت الجماعة القروية التي ألغي قرارها بعزل الطاعن المذكور قد امتنعت عن تنفيذ الحكم المذكور رغم سلوك المعني بالأمر الإجراءات المسطرية لحملها على التنفيذ، فإنه لا يمكن إجبارها على التنفيذ عن طريق الغرامة التهديدية مادام القضاء الإداري قد اقتصر على قرارها الذي اعتبره متسما بالشطط في استعمال السلطة، فيبقى أمام الامتناع عن التنفيذ لطلب تعويض عن الأضرار الناتجة عن التصرف بخصوص نشاطات أشخاص القانون العام التي من شأنها الإضرار بمصالح الخواص." 




رابعا : إقرار المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ.
يذهب البعض إلى أن أي مسؤول في أي مرفق عام لا يحظى بالحصانة ولا بامتياز المرفق العام إلا إذا كان من نفسه يحترم القانون وينفذ الأحكام القضائية التي اكتسبت قوة الشيء المقضي به، وكل رفض عمدي لتنفيذ حكم قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يعتبر عصيانا على القانون وعلى السلطة الشرعية. 
وإذا كان من البديهي أنه ليس من حق القضاء إصدار نصوص قانونية من أجل إعطاء مفعول للأحكام والقرارات التي يصدرها، فإن من حقه إصدار اجتهادات تضمن إجبار الأشخاص المسيرين للإدارات والممتنعين عن التنفيذ.
والواقع أن التجارب أثبتت أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية لابد أنها تخفي وراءها موظفا مسؤولا عن عرقلة التنفيذ وذلك اعتقادا منه أن لجوء الطالب إلى المحاكم يعتبر بمثابة تحد لقرارهم وطعنا في شخصيتهم فيرغبون بامتناعهم عن تنفيذ الأحكام إثبات أن لجوء الطاعن إلى القضاء لن ينال من سلطتهم ونفوذهم. 
ونرى أن على القضاء المغربي أن يسلك ما ذهب إليه القضاء الإداري المصري حيث اعتبر بأن "امتناع الوزير عن تنفيذ الحكم ينطوي على مخالفة قانونية لمبدأ أساسي وأصل من الأصول القانونية تمليه الطمأنينة العامة، وتقضي به ضرورة استقرار الحقوق والروابط الاجتماعية استقرارا ثابتا، لذلك تعتبر المخالفة القانونية في هذه الحالة خطيرة وجسيمة بما تنطوي عليه من خروج سافر على القوانين فهي عمل غير مشروع معاقب عليه قانونا ومن تم وجب اعتبار خطأ الوزير خطأ شخصيا يستوجب مسؤوليته عن التعويض المطالب به" 
لكن ما يجب ملاحظته هو أن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي لم يحرم بعد في بلادنا، وبالتالي يصبح معه من الصعب أحيانا إقرار المسؤولية الشخصية للموظف، وإن كان بإمكان المتضرر رفع دعوى التعويض عن الأضرار الحاصلة له جراء امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم لصالحه.
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض المحاكم الإدارية ذهبت إلى فرض غرامة تهديدية على الموظف الذي يسير الشخص العمومي الممتنع عن التنفيذ وهذا ما يتضح من خلال حكم المحكمة الإدارية بمكناس الذي فرض غرامة تهديدية قدرها 1.000,00 درهم عن كل يوم تأخير في تنفيذ حكم إرجاع موظف لعمله.  غير أن الغرفة نقضت هذا التوجه في قرارها المشار إليه سابقا .
ولذلك فإن تدخل المشرع أصبح ضروريا لإيجاد الحلول المناسبة، والكفيلة بالقضاء على ظاهرة الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية حفاظا لحقوق المتقاضين وضمانا لتكريس دولة الحق القانون.