محتويات المقال
الاعتراف كوسيلة إثبات في الميدان الزجري ودور الخبرة الطبية في جريمة التعذيب
ذ. ادريس النوازلي
نائب رئيس المحكمة الابتدائية بمراكش
قاضي تطبيق العقوبات .
إن الكشف عن الحقيقة يستدعي البحث عن الأدلة، والدليل هو عبارة عن وقائع مادية والمعنوية يؤدي اكتشافها إلى اكتشاف الجريمة، والكشف عن الجريمة لا يستقيم إلا بمؤسسة القضاء وأدلة الإثبات، فالعمل القضائي ينبني على إصدار أحكام عادلة ولا تحصل هاته إلا من خلال وسائل الإثبات، فتقدير القاضي الجنائي لوسائل الإثبات تجعله في محك ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه .
ولعل أنه لا يختلف اثنان في كون التعذيب منبوذ في كل بقاع العالم(1) والمغرب بترسانته القانونية الحالية تطرق لهذه الجريمة بشكل أو بآخر عبر عدة فصول في القانون الجنائي كظرف من الظروف المشددة في بعض الجرائم وبالأخص الفصول 399 و436 إلى 440 من القانون الجنائي كما تطرق أيضا حينما تكلم عن الاعتراف المنتزع بالعنف والإكراه في
وتأكيدا على مواكبة المغرب لجميع المتطلبات الحقوقية واحترام كرامة الإنسان مهما كان وضعه، فالمجرم يبقى إنسانا له حق على الدولة وعلى المجتمع برغم الحكم عليه فلا يجرد من حقوقه، وهذا ما أقرته الشريعة الإسلامية في عدة مناسبات وأكدته الأحاديث النبوية .
ــــــــــــــــــــ
1- " لا يجوز إخضاع احد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية او اللاإنسانية او الإحاطة من الكرامة " المادة الخاصة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 .
ــــــــــــــــــــ
كل هذا جعل المشرع المغربي أو بالأصح الحكومة المغربية تفكر في تجريم جريمة التعذيب وفق اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملات أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية التي اعتمدت من طرف الجمعية العامة الامم المتحدة وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام طبقا للقرار 46/39 بتاريخ 10-12-84 ودخلت حيز التنفيذ على المستوى الدولي بتاريخ 26-6-87 طبقا للمقتضيات
ونشرت بالجريدة الرسمية عدد 4440 بتاريخ 19-12-96 طبقا للظهير 362-93-1 القاضي بنشرها وقام المغرب بإيداع أدوات التصديق بنيويورك بتاريخ 21-6-93 مع التحفظات التالية :
أولا : وفقا للفقرة الاولى من
ثانيا : وفقا للفقرة الثانية من
وتتميما لدراستنا السابقة والمتعلقة بالشهادة نتطرق اليوم إلى الاعتراف والخبرة في جريمة التعذيب كوسيلة من وسائل الإثبات، وعليه فإن الإحاطة بهذا الموضوع استلزم علينا تناوله من خلال النقط التالية .
المبحث الأول : الاعتراف وشروط صحته وقيمته من حيث الإثبـات .
المبحث الثاني : الخبرة من حيث الإثبات وآثارها في جريمة التعذيب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -
-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحث الأول :
تعريف الاعتراف وشروط صحته وقيمته من حيث الإثبات.
1 - تعريف الاعتراف :
المشرع المغربي مرة اخرى في قانون المسطرة الجنائية الجديد لم يعرف الاعتراف وإن تطرق إليه من خلال قيمته الإثباتية وذلك في
فالاعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بأنه ارتكب جرما نسب إليه مما يعتبر حجة عليه أنه يخضع في ذلك لتقدير المحكمة ويجوز تجزئته خلافا للقواعد المدنية، وهذا ما نسميه بالاعتراف القضائي الصادر أمام هيئة المحكمة، وهو من إحدى الوسائل التي كانت مثار نقاش ولا زالت، خاصة المحاضر التي تنجزها الضابطة القضائية لكثرة استعماله وذلك فيما يتعلق بقوته الثبوتية والآثار المترتبة عليه رغم الاجتهادات القضائية التي بقيت محتشمة .
2- شروط صحة الاعتراف :
مبدئيا لايؤخذ بالاعتراف إلا إذا كان سليما وواضحا وصريحا بمعنى المخالف لا يعتد بالاعتراف المشوب بعيب أو منتزع كرها أو طمعا، لأجله نص المشرع المغربي في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- عرفه ذ عبد السلام بنحدو في كتابه الوجيز في شرح قانون المسطرة لجنائية المغربي ص 187 الطبعة الرابعة 2001 بأنه " إقرار المتهم على نفسه بارتكاب الجريمة وهو سيد الادلة واقواها كما يقال فهو اليقين لصدوره عن مرتكب الجريمة نفسه "
وعرفه الدكتور عبد الواحد العلمي في كتابه شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الثاني ص 252 الطبعة 2000 بأنه " إقرار يصدر عن المتهم شخصيا بواسطته بارتكاب الجريمة إما بصفته فاعلا أصليا أو مساهما فيها .
وعرفه الدكتور محمد فاضل زيدان في كتابه سلطة القاضي الجنائي في الادلة ص 288 مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع طبعة 1999 بانه " إقرار المتهم على نفسه بارتكاب الوقائع المكونة للجريمة كلها او بعضها " ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طياته منح الضمانات للمتهم وبالتالي في المقابل جعل الاعتراف يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة خلافا لما كان عليه سلفا، فهو بذلك يحمي المتهم من تعسفات الضابطة القضائية أو القائمين بالبحث التمهيدي، ويبقى عبء إثبات الإكراه أو التعسف على عاتق المعترف بالمحضر بكل الوسائل المتاحة والأدلة المقنعة وإلا كان كل من أراد ان يفلت من العقاب ان يدعي التعذيب والشطط أو ماشبه ذلك .
وتأخذ بعض التشريعات العربية كالتشريع العراقي مثلا " بشكل جوازي الأخذ بالاعتراف الناتج عن الإكراه المادي أو المعنوي إذا ما انتفت العلاقة السببية بين الاعتراف ووسائل الإكراه والإعتراف أو أيد الاعتراف بأدلة أخرى تقتنع بها المحكمة مطابقتها للواقع أو ادى إلى اكتشاف حقيقة ما " ( 1 ) .
فمسألة الاخذ بالإعتراف المكره حسبما اشترطه المشرع العراقي يبقى محط نقاش خاصة أنه في حالة انتفاء العلاقة السببية بين وسائل الإكراه والإعتراف نكون لا محالة أمام انعدام توافر وسائل الإكراه في الواقعة المعترف بها من قبل المتهم وبالتالي لا مجال للحديث عن الاعتراف بالإكراه، فغاية المشرع هنا تنصب على الاعتراف في موضوع الواقعة هو الذي يجب ان يكون مشروعا بالإكراه وفي نظرنا هو عمل يتنافى والمبادئ الإنسانية العالمية التي تحرم أي نوع من أنواع التعذيب الجسدي والنفسي .
وقد ذهب الفقه أيضا إلى ان من شروط صحة الاعتراف أن يكون المعترف مميزا ومدركا وان يكون الاعتراف صريحا واضحا لا مجال للشك فيه بحيث لا يكون نتيجة الحيل والخداع والمغالطات او كما يقال إيقاع الشخص في الفخ وتصيده فهو مبدأ تنتفي معه المصداقية فالحقائق لا تواجه بالخدع وإنما تدحضها بل تعد من الوسائل الغير المشروعة استعمال المخدرات والعقاقير لحمل شخص على الاعتراف بجريمة وإن ارتكبها فعلا .
فإذا كان الاعتراف يغني المحكمة عن البحث عن وسائل اخرى للإثبات إلا أنه يجب أن يكون صادرا عن المتهم لانه يلزمه وأن ينصب على الواقعة موضوع الاعتراف أحمد فاضل زيدان مرجع سابق ص 291 .
وأن يكون قضائيا صادرا أمام مجلس القضاء ( 1 ) .
وهنا تثار مسألة الاعتراف الغير القضائي وهو الذي يكون صادرا عن المتهم خارج مجلس القضاء وهو ما يمكن تسميته او يطلق عليه بداية الدليل كتصريحات المتهم أمام الضابطة القضائية او شرطة إدارية عملا بمقتضيات
3 - قيمة الاعتراف من حيث الإثبات :
فحق تقييم الاعتراف حق مخول للقاضي الزجري وقيمته الإثباتية تخضع لميزان قناعته القضائية اما ان يأخذ به ويعتبر اطمأن على صدقه ومطابقته للواقع موضوع الاعتراف وذلك كما سبق القول بتوفر شروط صحته أو اما ان يعده كانه لم يكن على اعتبار ان البراءة هي الأصل ( 2 ) . فهو مبدأ وان اتى النص عليه قانونا فإنه ثمرة مجهودات العاملين على تطبيق القانون دفعا لكل تأثيرات خارجية كالتي تلعبه الصحافة منها من تدين الاشخاص قبل صدور الاحكام، فضلا عن أنه تأكيد للمواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 10-12-48
وتجب الإشارة هنا إلى انه حينما يكون الاعتراف مخالفا للحقيقة والوقائع وتوافرت أدلة أخرى إلى جانبه كالشهادة او القرائن عندها فإدانة المتهم تبنى على هذه الاخيرة وليس على الاعتراف المسلوب قهرا، فالقاضي الزجري له ان يأخذ باعتراف المتهم في أية مرحلة من مراحل الدعوى أو التحقيق ولو أنكر ذلك أمام جلسة الحكم متى كان هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -
2 - نصت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يفسر الشك لفائدة المتهم " .
الاعتراف سليما وصريحا تضمنه محضر صحيح من الناحية الشكلية ( 1 ) .
فتراجع المتهم يكون في حالتين اولهما في محضر اول يكون ناكرا للجرم ويستتبعه بمحضر ثاني متراجعا عن إنكاره فهنا تبقى للقضاة تقدير قيمة الاعتراف والبحث عن الدوافع وراء هذا التراجع بحيث يحق للمشبوه فيه أن يثبت ذلك بأية وسيلة من الوسائل، وإذا ما ظهرت للمحكمة آثار التعذيب احالته على خبرة طبية شرعية التي عليها تحديد وقت التعذيب واثاره، وفي حالة فشل المتهم يبقى الجرم ثابت في hحقه ولعل مرد ذلك يرجع إلى صعوبة الإثبات في جريمة التعذيب كما سنراه لاحقا .
وثانيهما ان يكون المتهم معترفا بجرم ما ويأتي مرة ثانية بنفي المحضر وينكر الواقعة مبينا الاسباب التي دفعته للاعتراف الأول هنا أيضا تبقى قناعة القاضي الجنائي لها اهميتها من حيث تقدير الأسباب والدوافع ومدى تطابقها مع الوقائع فإن كانت لها دلالة منطقية وعقلية استلزم استبعاد اعترافه مع تعليل ذلك تعليلا مقنعا وكذا الشأن في حالة ما إذا أخذ بالعكس .
وقد يواجه القاضي أثناء استنطاق المتهم بسكوت هذا الأخير والامتناع عن الكلام في وقائع تستدعي بالضرورة الاستماع للمتهم فهل يعد سكوته عن الدفاع عن نفسه
ــــــــــــــــــــ
1 -
ــــــــــــــــــــ
ويتضمن محضر الاستماع هوية الشخص المستمع إليه ورقم بطاقة تعريفه عند الاقتضاء وتصريحاته والاجوبة التي يرد بها عن أسئلة ضابط الشرطة القضائية .
إذا تعلق الامر بمشتبه فيه، يتعين على ضبط الشرطة القضائة بالافعال المنسوبة إليه .
يقرأ المصرح تصريحاته او تتلى عليه، ويشار إلى ذلك بالمحضر ثم يدون ضابط الشرطة القضائية الإضافات او التغييرات او الملاحظات التي يبديها المصرح، او يشير إلى عدم وجودها .
يوقع المصرح إلى جانب ضابط الشرطة القضائية على المحضر عقب التصريحات وبعد الإضافات ويدون إسمه بخط يده وإذا كان لا يحسن الكتابة او التوقيع يضع بصمته ويشار إلى ذلك في المحضر .
يصادق ضابط الشرطة القضائية والمصرح على التشطيبات والإحالات، يتضمن المحضر كذلك الإشارة إلى رفض التوقيع والإبصام او عدم استطاعته مع بيان أسباب ذلك " .
وامتناعه عن الكلام بمثابة اعتراف وصحة ما نسب إليه ؟
إن ماسار عليه العمل القضائي أن سكوت المتهم بعد تنبيهه بضرورة الدفاع عن نفسه وخطورة فعله، فإن سكوته فعلا يدخل في خانة الاعتراف وتؤاخذه المحكمة بما نسب إليه .
ونرى أن سكوت المتهم ورفضه الكلام نوع من التعبير عن ظلمه او ما ضمن عليه بالمحضر ليس الحقيقة أو ان الدلائل التي هي ضد كلها مصطنعة وبريء منها .
وتجدر الإشارة إلى أنه خلافا إلى ماسارت عليه قواعد القانون المدني أنه لا يمكن تجزئة الإقرار فإنه في الميدان الجنائي يبقى العكس هو الصحيح على اعتبار ان القاضي وهو يتمحص الدليل الذي هو الاعتراف في دراستنا هاته له ان يأخذ بجزء منه وطرح الباقي متى كان الاول يخدم النازلة وسببا في قيامها لماذا ؟
لان الإثبات الزجري كله ينبني على الاعتقاد الصميم والقناعة القضائية التي هي وجدان القاضي ولا رقابة على وجدانه فالمعلوم والملاحظ تبقى القناعة القضائية هي المبدأ العام الذي يحكم سلطة القاضي الجنائي فله أن يأخذ بالاعتراف متى اطمأن إلى صدق المتهم وله ان يطرحه متى تبين له عدم صحته أو ملوث بالكذب قصد تبرئة إنسان كالوالد الذي ينسب الجرم لنفسه قصد تبرئة ولده مثلا .
إلا انه يجب ألا ننسى البند 8 من
ومسألة التسبيب أثارت نقاشا فقهيا حادا وكان مبعث هذا النقاش أنه يلزم القاضي تسبيب قناعته من خلال حكمه والذي اوجبه القانون أم لا يلزم ذلك، والحقيقة ان تسبيب القناعة غير تسبيب الحكم، فتسبيب القناعة يتطلب بيان تفاصيل تقدير وتقييم القاضي للأدلة وتحديد مدى تأثير كل منها على قناعته وتحليل الطريقة التي يكون بها إقناعه، أما تسبيب الاحكام فيتطلب إثبات وجود العلاقة الإجرامية ونص القانون ينطبق عليها وأدلة الإثبات التي استند إليها في استنتاجاته ( 1 )
فالقاضي الجنائي وإن خول له المشرع سلطة تقديرية في تقدير الادلة فهي ليست مطلقة وإنما تحكمها ضوابط منطقية وعقلية مجردة من كل تعسف او شطط .
ونرى أن تسبيب الاحكام الجنائية يجعل القاضي في منأى عن الشك والريبة و الشبهات وتدعيما للسلطة التقديرية وجعل الحكم وسيلة إقناع لكل من يطلع عليه يدفعه إلى توخي الدقة والحرص في إصدار أحكام مترابطة ومتناسقة وحمايته من كل إنحراف .
وفي هذا الصدد صدر عن المجلس الاعلى القرار عدد 167 المؤرخ 16/01/03 ملف جنحي عدد 18548/02 جاء فيه " لئن كان لقضاة الموضوع سلطة تقديرية فيما يهم تقدير وقائع الدعوى وتقييم حجج إثبات الجريمة فإنه ليس لهم تجنبا للتحريف أن يغيروا مضامين الوثائق ومعاينتها ويجعلونها تنتج آثار لا تتضمنها في الحقيقة " .
في قرار آخر عن نفس المجلس عدد 1172 بتاريخ 23-4-84 في الملف الجنائي 16064جاء فيه " يجب أن يكون كل حكم معللا من الناحيتين الواقعية والقانونية وإلا كان باطلا ويعد نقصان التعليل بمثابة انعدامه ( 2 ) .
وحتى يكون الاعتراف سيد الادلة فيجب ان يكون صادرا عن طواعية ومسؤولية، وعمليا لا يحصل ذلك إلا بشكل جد ضئيل لأسباب نجمل منها مستوى الوعي الاجتماعي للمشتبه فيه والقائم باعمال البحث على حد سواء، وقلة الضمانات أثناء البحث التمهيدي لعدم خضوع القائمين بالبحث المذكور لسلطة قضائية مستقلة التي تمنحهم حرية اوسع وغياب التقنية والإمكانيات الفنية والمادية التي تمكن من القيام بالمهام في أحسن وبغياب هذه الإمكانات والضمانات يحصل التعذيب قصد الحصول على اعتراف كيفما كانت النتائج . فما هو التعذيب ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الاستاذ محمد فاضل زيدان مرجع سابق ص 333 .
2 - ذ.الحسن هوداية في كتابه أهم قرارت المجلس الاعلى في جرائم الاموال - الجزء الاول طبعة دجنبر 2000 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحث الثاني : الخبرة كوسيلة إثبات في جريمة لتعذيب
1 - تعريف جريمة التعذيب :
نرى أنه من الاجدر ان نتطرق إلى تعريف جريمة التعذيب من خلال الاتفاقية الدولية المشار إليها أعلاه وأيضا من خلال المشروع الحكومي المغربي المزمع خروجه للواقع .
* تعريف التعذيب من خلال الاتفاقية الدولية :
لقد عرفت الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في
فالاتفاقية جعلت لقيام جريمة التعذيب لابد من توافر عناصر محددة وهي عمل ينتج عنه الم او عذاب شديد جسديا كان أم عقليا، الهدف منه الحصول على معلومات أو اعتراف بشكل إرادي ثم بصفة مرتكب العمل ان يكون موظفا رسميا أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية .
* تعريف التعذيب من خلال المشروع الحكومي المقترح :
جاء في
ولا يعتبر تعذيبا الألم او العناء الناتج أو المترتب أو الملازم لعقوبات قانونية " .
فبالمقارنة بين النصين في كل من الاتفاقية والمشروع الحكومي تبين بعض الملاحظات وإن كانت تبدو طفيفة إلا أن مدلولها له جانب من الاهمية .
فبروتكول اسطمبول جعل لقيام التعذيب أن يكون هناك عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان ام عقليا ، بخلاف المشروع جاء بعبارة ألم أو عناء جسديا أو نفسيا، فهو من جهة فبمجرد حصول العناء تقوم الجريمة وليس إلى درجة العذاب الشديد مما يكون المشروع الحكومي أكثر حرصا منه على الاتفاقية فضلا عن عبارتي جسدي وعقلي والتي تقابلها بالمشروع الحكومي جسدي او نفسي، فالمرض العقلي هو مرض عضوي ( organique) ويلاحظ ويكون درجة اعلى للمرض النفسي الذي هو مرض باطني (Psychique )، ونرى انه من الأفضل ان يضاف إلى المشروع كلمة عقلي يكون أشمل وأضمن .
كما أن كلمة إيذاء لا تفي بالغرض المقصود وكان الأفضل استدبدالها بكلمة عمل التي هي أوسع فمثلا قد نأتي بشخص يقع عليه فعل الاغتصاب كالزوجة او الابن أمام أعين المراد تعذيبه بغرض خلق المعاناة لدى المقصود بذلك .
زد على ذلك أن كلمة الموظف الرسمي بالبروتوكول لها مدلولها القانوني ويقصد بها تخصيص الخاص ، فالمعذب او الجلاد يجب أن يكون موظف رسمي أو يمارس عمله بصفته هاته بخلاف المشروع جاء بصيغة الموظف العمومي ( 1 ) ، فالموظف العمومي حسب مقتضيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - " يعد الموظف كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الغدراة التابعة للدولة " ظهير شريف رقم 158008 المؤرخ في 4 شعبان 1377 الموافق ل 24/2/58 المكون للنظام الأساسي للوظيفة العمومية .
2 -
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- تراعى صفة الموظف في وقت ارتكاب الجريمة ومع ذلك فإن هذه الصفة تعتبر باقية له بعد انتهاء خدمته إذا كانت هي التي سهلت له ارتكاب الجريمة ومع ذلك فإن هذه الصفة تعتبر باقية له بعد انتهاء خدمته إذا كانت هي التي سهلت له ارتكاب الجريمة أو مكنته من تنفيذها " .
البروتكول، ولعله قصد بالموظف الرسمي كما سبق القول التخصيص في جريمة التعذيب على اعتبار ان هذه الاخيرة لا تقوم إلا على يد الاشخاص القائمين بأعمال البحث والتحري في الجرائم ، وهي الضبطة القضائية ونشير هنا إلى ان المشرع المغربي لم يعرف الشرطة القضائية ، وإنما حدد مهامها ولا يمكن ان نتصور أن يقوم بها موظف مؤقت أو الذي يعمل بدون أجر ، فرجل التعليم مثلا هو موظف ولكن لا يمكن ان يرتكب جريمة التعذيب في حق مجرم .
فمسؤولية أعضاء الشرطة القضائية تتمثل في مساءلة كل موظف ارتكب خطأ بمناسبة قيامه بعمله، ولما كان المشرع قد حمى كل مواطن ثبت أنه تعرض لظلم من قبل الموظف، وذلك دفعا لكل تمييز او استغلال لسلطة ما، فهم مفروض فيهم الثقة والنزاهة والعمل بإخلاص بكل امانة وتجرد ، بحيث يكون عمل الضابطة القاضئية ذا أثر كبير في سير الدعوى العمومية بدء من المتابعة إلى المحاكمة الشيء الذي يجعلهم في موضع مساءلة شخصية عن كل خطأ ارتكبوه تختلف باختلاف الخطأ من جنائية، إدارية ومدنية .
هذا ولا يجوز لضابط الشرطة القضائية ان يتذرع حين ارتكابه لجريمة التعذيب تحت ستار ظروف استثنائية كالحرب مثلا او اوامر رؤسائه ويتخذها كمبرر للتعذيب بل على الأبعد من ذلك فإن الفصلين معا حرما كل فعل تعذيب حرض عليه الغير او وافق عليه أو سكت عنه بحيث أبرز عنصر المشاركة والمحاولة إلى جانب المساهمة الفاعل الأصلي .
حقيقة ان جريمة التعذيب التي نحن بصدد البحث فيها ترتكب داخل مخافر الشرطة القضائية وبشكل سري إلا أن السؤال الذي يبقى مطروحا هو كيف يمكن محاربة جريمة التعذيب ؟ وكيف نصل إلى أن هناك شخص مشتبه فيع أنه تعرض للتعذيب ؟
للإجابة على السؤالين يتحتم علينا البحث عن وسائل إثبات جريمة التعذيب، وهو ما سنحاول التطرق إليه في نقطتين هامتين مركزين أساسا على الخبرة كوسيلة من وسائل الإثبات .
الخبرة الطبية في جريمة التعذيب وآثارها .
إن القانون بصفة عامة وضع لحماية المواطن في أي مكان وفي أي زمان فكيف يتم ذلك ؟ فالجواب يستدعي منا وضع مقاربة بين محاربة الجريمة التي هي التعذيب بشكلها الخاص ومحاربة الجريمة بشكل عام علما ان للمجتمع حقوق على الفرد وهذا الأخير له حقوق على المجتمع فكيف يمكن التوفيق بين الإثنين والذي في تفريقهما ليس هناك فرق لأن الفرد هو نواة المجتمع وبدونه لا يقوم وإذا صلح الفرد صلح المجتمع وبفساده يفسد .
كما لايخفى على احد ان هناك جرائم ترتكب في سرية بين الافراد ويعوزها الإثبات قانونيا، أليس ذلك خطورة على المجتمع حينما يفلت الجاني من العقاب ؟ .
قد نواجه بأن البراءة هي الاصل فهذا المبدأ عالمي حقوقي لا يختلف فيه اثنان ولكن بالمقابل العدالة شفاء لكل مظلوم .
فالتعذيب جريمة غير جماعية ترتكب بين شخصين فمن يمارسها، فهي تأتي من طرف الشرطة التي تحمي الأفراد وهي مؤسسة يجب عليها أن تضمن حقوق المتابعة، وهنا تظهر صعوبة الإثبات فالقانون أكثر بساطة إلا انه أصعب تطبيقا فكيف يمكن ان نجعل من الخصم اليوم حكما غدا ، لذا المشرع ارتأى وكان في ذلك صائبا حينما جعل القائم باعمال البحث والتحقيق في جريمة التعذيب إلى نفس الجهاز والتحقيق وقاضي التحقيق رفعا للحيف والتواطؤ وضمان المحاكمة العادلة .
وهكذا فإن المقاربة بين إثبات جريمة التعذيب وبين الإثبات للجرم الذي قد يتعرض له المواطن بصفة عامة ، فهي مقاربة بين حق الفرد وحق المجتمع الذي قد يتضرر من إفلات المجرم من العقاب إما بسبب ذكائه وحنكته أو سداجة المظلوم فيبقى السؤال المطروح ماهي السبل الناجعة التي يمكن اتباعها والتي قد تواجه المحقق أثناء القيام بهمه وخاصة حينما لاتسعفه أية نتيجة والحال تكون هناك وقائع أكثر ميلا لاتهام المشبوه فيه مثلا وما يصطلح عليه الحقيقة الواقعية إلا أنها ليست حقيقة قانونية .
فالدليل الجسدي في جريمة التعذيب هل يستجيب لمتطلبات القاضي الجنائي أي هل يستجيب لعنصر القانون أي الدليل القانوني أو بمعنى آخر المقارنة بين الحجة العلمية التي هي الخبرة الطبية وبين الحجة القضائية عناصر الإثبات بالمفهوم القانوني .
فالخبرة الطبية لها تأثير على الاحكام التي تصدر بشأنها من حيث الخطورة ودرجاتها فماهي الصعوبات التي تعترضها ؟
فكثيرا من ضحايا التعذيب لا يحكون ما يتعرضون له من التعذيب نظرا لتعقده أو لقوة درجته أو لأنهم لا يشعرون بالمرض إلا بعد مدة طويلة من الزمن فهل الخبرة وحدها كافية لإدانة المتهم ؟ ام تحتاج إلى دليل آخر يعززها أو بمعنى آخر تكون قاصرة وتحتاج إلى دليل آخر لترشيدها ؟
كلنا يعلم أن القناعة القضائية هي الاطمئنان إلى الدليل وهي وجدانية و الوجدان لا يخضع لرقابة أي كان إلا الله سبحانه وتعالى .
فقد تكون الخبرة ماهي إلا لتحديد الضرر إذا كان هناك اعتراف أو إثبات بشهادة الشهود، فالخبرة حسبما أرى يختلف وضعها باختلاف عنصر الإثبات، ففي الاعتراف بالجريمة مثلا تكون لأجل تحديد قيمة الضرر وكذلك الشأن بالنسبة للشهادة المثبتة، وقد تكون الخبرة مؤثرة إلى جانب القرينة القوية .
لذا اعتقد أن الخبرة ليست حجة قائمة بذاتها فمشاركة الطبيب للقاضي يتم عن طريق استفساره ما لم يصل إليه فهمه من حيث تقنيات الخبرة او استدعائه لشرحها وهو ما يتم عمليا .
فالتعذيب جريمة قاسية يمكن ان تبقى آثاره لمدة طويلة وتحدث أزمة نفسية، فالتقاء الطبيب بالشخص بعد التعذيب لا يمكن معرفة شخصية المعذب قبل التعذيب من حيث هل كانت شخصية قوية أو هشة، وهل كان مريضا نفسيا أم كان يتمتع بصحة جيدة على المستوى الجسدي والفكري، ولا ننسى أيضا البحث عن الأسباب التي أدت بالمعذب إلى ارتكاب جريمة التعذيب مثلا استفزاز المشبوه فيه ومقاومته للقائم بعمل البحث مما يكون له أثر على المعذب يتمثل في عدم قدرته التحكم للتعامل مع الآخرين مما تخلق العواقب السيكولوجية للشخص المعذب التي قد تطاله أو تطال عائلته ( الصدمة ) .
نرى انه تفاديا للشكاوي التي قد تواجه بها الضابطة القضائية، إجراء خبرة طبية أولية على المشبوه فيه ولا نرى في ذلك التعامل مع جهاز الضابطة القضائية سوء نية بل على العكس هي حماية له من كل اتهامات مرتين وحماية للمشتبه فيه مرة واحدة .
فالمعلوم ان جريمة التعذيب هي جريمة كسائر الجرائم يمكن إثباتها بجميع وسائل الإثبات في الميدان الزجري فهي جريمة ترتكب في أماكن لا يمكن أن يطلع عليها العموم بالمشاهدة والمعاينة ولكن تبقى خاضعة للقرائن القوية، وربطها بظروف وملابسات القضية وقد تعززها الخبرة الطبية في أغلب الاحيان وهنا تظهر أهمية الخبرة القبلية او الاولية، دفعا لكل التباس، وقد يحصل ان يصرح بأن المعذب المشبوه فيه قام بإلحاق الضرر لنفسه بنفسه ولكن لا يمكن ان نتصور آثار الاعتداء من الخلف على مستوى ظهر الضحية بل هي قرينة قوية على انه اعتدى عليه مثلا من قبل القائمين باعمال البحث .
إلا انه استثناء من الفصلين معا فإنه لايجب الخلط بين الألم الناتج عن التعذيب والألم الناتج عن العقوبات القانونية أو الملازم لها .
وتفاديا لاختفاء ملامح الجريمة يجب أن يكون التحقيق في الجريمة فوريا وعميقا وشاملا ونزيها وان تقوم به هيئة غير التي قامت في دائرتها الجريمة دفعا للاستفهام من يراقب من ؟ وذلك بالاستماع للضحية وإجراء خبرة طبية نفسية كانت ام عقلية أم جسدية بل وجعل جريمة التعذيب بدون حدود بحيث يتابع مرتكبوها في أي قطر حلوا به .
واخيرا وليس بأخير فلمحاربة جريمة التعذيب يجب أولا تجريم الجريمة التي هي التعذيب بشكل رسمي وتفعيل مراقبة الغرفة الجنحية لاعمال الضابطة القضائية وان تكون هناك شرطة قضائية مستقلة تابعة لوزارة العدل وخلق مداومة طبية داخل مخافر الشرطة القضائية على غرار إدارة السجون وتواجد النيابة العامة داخل مراكز الشرطة القضائية لمراقبة الإجراءات عن قرب وتقليل إعطاء رخص التمديد إلا لحالة الضرورة وذلك على غرار النظام الانكلوساكسوني، والاهم تعميق ثقافة حقوق الإنسان لدى الشرطة القضائية فضلا عن ان تكون وسائل الإثبات جد متطورة بشكل علمي وفني وتقني وهذا يأتي كله في قالب دواء لكل داء ألا وهو الحكم العادل لأن به تشفى القلوب والنفوس .
مجلة المحامي عدد 47 صفحة 227
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948
- الجريدة الرسمية عدد 4440
- مجلة المحامي عدد 47
شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم