1.19.2017

شهادة اللفيف محاولة تحديد ذ محمد الموساوي.

شهادة اللفيف محاولة تحديد ذ محمد الموساوي.







شهادة اللفيف محاولة تحديد ذ محمد الموساوي.



شـهـــــادة اللَّفـــــــيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف
محاولة تحديد
محمد الموساوي     
طالب باحث في سلك ماستر قانون العقود والأعمال
الكلية المتعددة التخصصات-الناظور-   

تصمــيم المقــــالة:
- تقديم
- المبحث الأول: شهادة اللفيف وإشكالية التنظير
- المطلب الأول: القواعد الموضوعية لشهادة اللفيف
- الفقرة الأولى: شروط شهادة اللفيف
- الفقرة الثانية: نطاق إعمال شهادة اللفيف
- المطلب الثاني: شهادة اللفيف بين الإبقاء والإلغاء
- الفقرة الأولى: الاتجاه المؤيد للإبقاء على شهادة اللفيف
-الفقرة الثانية: الاتجاه القائل باستبعاد شهادة اللفيف
- الفقرة الثالثة: وجهة نظرنا من الخلاف الفقهي
- المبحث الثاني: شهادة اللفيف وإشكالية العمل
- المطلب الأول: صناعة الوثيقة اللفيفية
- الفقرة الأولى: إعداد الوثيقة اللفيفية
- الفقرة الثانية: تضمين الشهادة والخطاب عليها
- الفقرة الثالثة: استفسار شهود اللفيف
- المطلب الثاني: الطبيعة القانونية للوثيقة اللفيفية
- الفقرة الأولى: الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية
- الفقرة الثانية: الوثيقة اللفيفية شهادة شهود
- الفقرة الثالثة: الوثيقة اللفيفية مجرد قرينة
- خاتمة

تقديـــــــــــــــــــــــــــــم
إذا كان التوثيق العدلي يُعد بحق أحد تمظهرات الامتداد الفعلي للقانون والقضاء الإسلاميين بالمغرب، حيث ظل محتفظا بنسقه التشريعي المرتبط بأصول وفروع المرجعية الفقهية الإسلامية المالكية ارتباطا متينا ووفيا ، فإن هذا الارتباط يبدو أكثر وضوحا وبروزاً حين يُلتفت إلى شهادة اللفيف  باعتبارها صنف من الوثائق العدلية.
  ولا شك أن شهادة اللفيف تُعتبر إلى حدود اليوم، من أبرز وسائل الإثبات تداولاً والأكثر إثارة للجدل فقهاً وعملاً وقضاءً.
ويعني اللفيف لغةً: الجمع العظيم من أخلاط شتى، فيهم الشريف والدَّنيء، والمُطيع والعاصي، والقوي والضعيف، قال الله تعالى :" فإذا جاء وعد الآخرة جئناكم لفيفاً" . أي أتيناكم من كل قبيلة، ويُقال للقوم إذا اختلطوا لفٌّ ولفيفٌ .
وأما اصطلاحاً: فهو جماعة من الشهود "اللُّطَّخِ"  يبلغ عددهم اثني عشر فأكثر، لم تثبت تزكيتهم عند القاضي. وقد أصبح مفهوم اللفيف يُطلق في وقتنا الحاضر، على الشهود الذين بلغوا اثني عشر رجلاً وكانوا غير منتصبين لخطة العدالة، سواء كانوا عدولاً "شرعيين"، أي متصفين بالمروءة ومجتنبين للمعاصي، أم مجرد مستوري الحال .
وقد بدأ جريان العمل بشهادة اللفيف في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري ، حيث قام الفقهاء باستنباط أحكامها، وبحثوا مشروعيتها وسندها الشرعي، والأسباب الداعية إلى العمل بها، رغم أن شهودها لا يتوفرون على صفة العدالة، كما أنهم أنشأوا صيغ تلقي العدول لها، وأسلوب أدائها، وخطاب القاضي عليها، وأوضحوا طريقة استفسار شهودها .
إذن، فلا يختلف اثنان في كون شهادة اللفيف صناعة فقهية مالكية صرف، وهي استثناء من الأصل الذي هو شهادة العدول، ومظنَّة هذا الاستثناء الحاجة والضرورة الملحَّة.
ولعل ما يدعو إلى دراسة الموضوع هو ما باتت تحظى به هذه الشهادة  من أهمية في وقتنا الحاضر، لدرجة دفعت البعض  للقول بأنها:" تَعِنُّ بلسان الحال قبل لسان المقال، فكافة المنازعات القضائية العقارية والمدنية والأسرية والزجرية تحفل بكافة أضرب اللفيف الذي يقع الركون إليه لإثبات حقوق مختلفة مهمة، تتعلق بالأموال والأعراض والدماء، رغم سهولة إنشائه، فغدا وسيلة إثبات تحت الطلب، حتى قيل لو أردت إقامة بينة لفيفية على أن الشمس تُشرق من المغرب لوجدت من يشهد لك بذلك، فباتت وسيلة هينة لإثبات أمور عظيمة".
انطلاقا من هذه الأهمية، يمكن أن نلمح بعض إشكاليات هذه المؤسسة الفقهية، إذ بقدر ما ازداد تداولها وشاع استعمالها، بقدر ما تكاثرت وتضاعفت المشاكل المترتبة عنها.
والواقع أن هذه المشاكل العديدة صنفان؛ مشاكل نظرية تترتب أساساً على الجانب الموضوعي لهذه الشهادة، ومشاكل أخرى تنجرُّ عن العمل بهذه الشهادة، صناعة واحتجاجاً.
وما نرمي إليه من هذه المحاولة هو تحديد هذه المؤسسة تحديدا دقيقا من حيث العناصر المكونة لها ونطاق إعمالها، وفرزها عما قد يتداخل معها رفعا للضبابية والغموض، ولن يتأتى ذلك إلا باستحضار مختلف قواعدها النظرية وشرحها وتحليلها في ظل ما أفرزه ويفرزه واقع العمل بها. لذلك ارتأينا تقسيم الموضوع إلى المبحثين التاليين:
المبحث الأول: شهادة اللفيف وإشكالية التنظير
المبحث الثاني: شهادة اللفيف وإشكالية العمل






المبحث الأول
شهادة اللفيف وإشكالية التنظير
إن الوقوف على مختلف الإشكالات النظرية لشهادة اللفيف، يُؤدي بنا إلى الجزم بأن الأمر في الحقيقة تؤطِّره إشكالية واحدة، وهي إشكالية التنظير، وطبعاً لا ندعي أن الموضوع يفتقر إلى تنظير و تأصيل ، بل نزعم ذلك نظراً لتعدُّد الآراء، وكثرة الاختلافات الفقهية حول مختلف تفاصيل هذه الشهادة.
والواقع أن هذه الاختلافات صنفان؛ أولهما، مصدره فقهاؤنا السابقين، وبخاصة متأخري المالكية، حيث انصب النقاش بالأساس على كل جزئية من جزئيات الشهادة اللفيفية، ولاسيما قواعدها الموضوعية (المطلب الأول). وثانيهما، منبعه الفقه الحديث، حيث تطور الجدل إلى حد التشكيك في الجدوى من الإبقاء على هذه المؤسسة، وبالتالي التساؤل عن مدى إمكانية الاستغناء عنها (المطلب الثاني).
المطلب الأول
القواعد الموضوعية لشهادة اللفيف
فشهادة اللفيف على غرار أغلب وسائل الإثبات، تتشكل من شقين، أحدهما موضوعي، وآخر إجرائي، ولا ندَّعي بذلك وجود حدود مادية فاصلة بين هذين الشقين، وإنما من باب التغليب، وإن اضطررنا إلى التصنيف، سنُدرج ضمن القواعد الموضوعية لهذه الشهادة، شروطها (الفقرة الأولى)، ونطاق إعمالها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: شروط شهادة اللفيف
لا يخفى الدور الذي تؤديه شهادة اللفيف في تحقيق وتحصين الحقوق، لذلك لم تُترك سيّالة غير منضبطة، فأول ما اهتم به فقهاؤنا هو تسييجها بشروط وضوابط دقيقة، مرتبطة أساساً بالشهود، يمكن إجمالها في الضرورة، المروءة، والذكورة، بالإضافة إلى توفر نصاب معين من الشهود (الكثرة). ونضيف الأهلية كشرط خامس، والذي لا يذكره الفقه كثيراً، لا لشيء في اعتقادنا سوى لبداهته.
وحسبنا ألاَّ نستعرض هذه الشروط  سرداً ووصفاً أكثر ممّا سنتعرض لها تحليلا وتعليقاً.
أولا- الضرورة
يجد هذا الشرط أساسه في الطبيعة الاستثنائية لهذه الشهادة، فلم يُسمح بإعمال شهادة اللفيف إلا للحاجة والضرورة، لذا ينبغي ألاّ يُلجأ إليها إلا عند تعذر إشهاد العدول، لأن الضرورة ينبغي أن تُقدّر بقدرها .
إذن فمبدئيا يتضح أن مناطُ اللفيف هو عدم وجود العدول مطلقاً، سواء تحمُّلاً أم أداءً، وهذا الأمر مكرس فقهاً وقضاءً .
ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن قبول شهادة اللفيف قاصراً على حالة انعدام العدول قطعا، بل إن العبرة تكمن في إمكانية إشهاد العدول وأدائهم لتلك الشهادة من عدمها، فمتى أمكن إشهاد العدول وأداء هؤلاء العدول لشهادتهم فلا تُقبل والحالة هذه شهادة اللفيف. أما إن استحال إشهادهم، أو تعذر أداء العدول لما تحمّلوا به، قُبلت شهادة اللفيف للضرورة، ولو مع وجود-أو حتى كثرة- العدول في البلد .
فالمفروض إعمالا لهذا الشرط ألاَّ يُلجأ للَّفيف إلا إذا تعذر اللجوء إلى شهادة العدول "العلمية" ، مما يعني أن شهادة اللّفيف وجدت في الأصل كوسيلة احتياطية لا يعمل بها إلا إذا استحال العمل بالشهادة العلمية للعدول.
إلا أننا في العمل نلحظ خلاف هذه القاعدة , فتكاد لا تخطئ العين شدة الإقبال على اللفيف مقارنة بالشهادة العلمية، لدرجة تجيز لنا القول بتحول الأصل إلى فرع والاستثناء إلى مبدأ, وسبب هذا التحول راجع كما يبدو لعاملين أساسيين، أولهما واقعي: حيث قلَّما يتصادف حضور العدول وقائع قانونية معينة تسمح لهم بتسجيل شهادتهم بشأنها بناء على طلب من سَائِلهَا. والثاني تشريعي: إذ حتى لو افترضنا تحمل العدول للشهادة فإنهم رغم ذلك يوثرون طريق اللفيف لو أتيح لهم، والعلة في ذلك أن الشهادة العلمية تستوجب استصدار إذن من قاضي التوثيق، عملا بالفقرة الأخيرة من المادة 27 من ظهير خطة العدالة .
ثانيا- المروءة
ومؤدى هذا الشرط أن يكون شهود اللفيف مستوري الحال، ولا تشترط فيهم العدالة، وسنعرض بعضاً من أقوال الفقه قبل أن نناقشها في ظل ما هو كائن.
وهكذا سُئل الشيخ علي بن هارون عن شهادة اللفيف، هل تُشترط فيها العدالة أم ستر الحال؟
فأجاب: "لابد من ستر الحال، ويُحملون عليه إن كان القاضي لا يعرفهم". أما الشيخ محمد العربي الفاسي فيقول: "يُشترط في شهود اللفيف أن يكونوا ممن يتوسم فيهم المروءة، أو كونهم أمثل من يوجد، ولا أقل من كونهم ظاهري الجرحة" .
وقد نُقل كذلك عن عبد العزيز الفيلالي قاضي الجماعة قوله: " إن اللفيف لا يعذر فيهم بما يعذر في العدول على الإطلاق، وإنما يعذر فيهم بالسفه ممن لا يُعرف بالمجون والأوصاف الرذيلة" .
يُفهم من مختلف هذه الآراء الفقهية أن أسباب تجريح شهود اللفيف تختلف نوعاً ما عن أسباب تجريح العدول، فالأولى أخف من الثانية، ومعنى ذلك أنه لا يُقبل تجريح شهود اللفيف بكل ما يُجرّح به العدل، وهذا بالحرف ما أطلق عليه الشيخ التسولي في بهجته عدم الإعذار في اللفيف، موضحاً ذلك بقوله :" ومعنى عدم الإعذار في اللفيف، أنه لا يُقبل التجريح فيه بكل ما يجرح به العدل" .
ونرى أن التساؤل حول مدى اشتراط العدالة في اللفيف أضحى متجاوزاً ومفتقداً لأي أساس، مادام أن العدالة  قد تحولت من هيئة راسخة في النفس،تحث على ملازمة التقوى باجتناب الكبائر،وتوقَّي الصغائر ، في سياق تاريخي معين، إلى مهنة يزاولها الشخص وصفة تُمنح بقوة القانون بلغة الحال .
لذا فإن التساؤل الذي ينبغي طرحه في اعتقادنا هو ما معنى أن يكون الشهود- بمبنى الفقه- مستوري الحال؟
للإجابة عن هذا التساؤل نستدعي قول أبو العباس الأبار في شرح العمل الفاسي كالآتي:"...ثم لابد من اشتراط السلامة من جرحة الكذب والسفه والمجون وإظهار السكر واللعب بالقمار، ومن الأوصاف الرذيلة ومن لحوق التهمة فيما شهدوا به من صداقة خاصة وقرابة مع المشهود له وعداوة مع المشهود عليه، وإلاّ فلا تُقبل شهادتهم اتفاقاً" .
ويبدو لنا أن هذه الأوصاف المُستقبحة ما هي إلاّ أمثلة نموذجية قد تُقاس عليها أوصاف وأفعال أخرى يتعذر حصرها في موضع واحدٍ. ولكن رغم ذلك يمكن القول أن هذه الأوصاف مُفتقَدة في شخص يتصرف على نحو طبيعي وسليم، لذلك يكفي قبول شهادة الشخص أن يكون تصرفه عادياً، فلا يُشترط فيه المدح، كما لا يُقبل فيه الذم.
فقط يتوجب علينا أن نفرِّق بين أمرين، وهما؛  أسباب التجريح من جهة، والأوصاف السيئة التي تمنع عن الشخص أداء الشهادة من جهة أخرى، لأننا قد نفترض شخصاً ذو أخلاق حسنة مهيّأ لتحمل الشهادة وأدائها، غير أنه قد يصطدم مثلاً بعلاقة قرابة تجمعه بالمشهود له، فيَمنع عنه ذلك تأدية الشهادة.
فإذا كان هذا هو المطلوب، أو هذا ما ينبغي أن يكون، فإن ما هو كائن شيء آخر، حيث نجد السادة العدول-وبلا تثريب عليهم- في غالب الأحيان ولاعتبارات عديدة، لا يلتفتون للشهود ليتأكّدوا من مروءتهم، وحتى إن فعلوا فإن الأمر يظل مقتصرا على لحظة التلقي دون سواها. لذلك سيكون من المستحسن لو تم إلزام الشهود بالإدلاء بسجل عدلي ينفي عنهم السوابق العدلية على الأقل.
انسجاما مع ذلك، جاء في الفقرة الرابعة من المادة 9 من مشروع قانون اللفيف ما يلي:" ألاّ يكونوا –الشهود- من ذوي السوابق العدلية، ويُكتفى في ذلك بتصريحاتهم". ونعتقد أن الاكتفاء بتصريحات الشهود من شأنه أن يُفرغ هذا المقتضى الهام من محتواه، ببساطة لأن احتمال إنكارهم لسوابقهم العدلية، أكبر بكثير من احتمال اعترافهم بها.
ثالثا- الذكورة
يُقصد بهذا الشرط أن يكون شهود اللفيف رجالاً، لا نساءً، ومن بين ما عثرنا عليه من أقوال الفقه في هذا الشأن، نجد ما نقله الشيخان عبد السلام الهواري والمهدي الوزاني عن الشيخ العربي بردلة، حيث سُئل عن اثنتي عشرة امرأة شهدن في استحقاق بعض الأصول "الأراضي" ، ومعهن ثلاثة رجال، فهل تُقبل شهادتهن من غير تزكية، وتنزل منزلة اللفيف أو لابد من التزكية؟
فأجاب:" لم أر من تعرض للمسألة ولا من حكم بذلك ممّن شاهدنا، ولا من تعرض لذلك بالإهمال والرد، ويظهر لي أنه لابد من التزكية والله أعلم"، أما إبراهيم الدكالي فقال:" لا يُقضى بشهادة اللفيف من النسوة وإن كنّ مائة، وإنما يُقضى بشهادة من زُكي منهن في المال أو ما يؤول إليه" .
ويذهب المالكية وجمهور الفقهاء، إلى أن شهادة النساء لا تصح إلاّ في الأموال أو ما يؤول إليه، وبالتالي فالنكاح كما النسب لا يُثبت عندهم سوى بشهادة رجلين دون شهادة رجل وامرأتين، خلافاً للأحناف . ومستندهم في ذلك قوله عز وجل في آية المداينة:" واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان" .
وقوله تعالى:" وأشهدوا ذوي عدل منكم" .
أما الأحناف فقد استندوا بدورهم إلى مجموعة من المسوغات   للتأكيد على أن شهادة النساء ليست مخصوصة بحال من الأحوال وإنما مقبولة بإطلاق.
وإن كان لنا رأي في الموضوع، فإننا سنؤيد به ما ذهب إليه البعض ، حين اعتبر أن هذا التمييز لا يتكئ على أي أساس، بل العكس، فمن مقاصد الشريعة الإسلامية، التسوية بين الرجال والنساء في الأحكام وجعلهم شقائق فيها، فما الحكمة إذن من التمييز بين الرجال والنساء في الشهادة؟ وهل ثبت وفق حقائق علمية قاطعة ما يدعو لاستبعاد شهادة النساء في مجالات معينة لقادح معين، نسيانا أو خلطا أو توهما؟ وما العلة من التمييز بين الأموال وغيرها؟
فبالإضافة إلى أن هذا التمييز غير مؤسس، فهو يؤدي بنا إلى نتيجة غير منطقية ومتناقضة إذا استحضرنا فكرة تقبل المرأة أن تنصب كقاضية تفصل في كل ما يعرض عليها من أقضية سواء متعلقة بالأعراض أم الأموال أم الدماء...
ففي اعتقادنا وجب إعادة النظر في هذا الشرط، نظراً لانتفاء عِلل وحجج استبعاد شهادة النساء في وقتنا الحاضر، ولأن في ذلك حيفاً بادياً وإقصاء نوعيا واضحاً، ونِسبته للشرع هو إقحام لما ليس فيه، زد على ذلك أن حقوقاً عدة قد تُهدر بسبب هذا الاستبعاد.
ويبدو أن هذا التوجه هو الذي سار عليه المشرع المغربي في مشروع قانون اللفيف بمقتضى المادة 10 والتي تقضي بما يلي:" يمكن أن يكون شهود اللفيف ذكوراً أو إناثاً أو مختلطين في سائر الأحوال". 
رابعا- الكثرة
لقد تضاربت أقوال الفقهاء في عدد الشهود المكوِّن للبينة اللفيفية، ومن بينها ما يلي:
ما نُسب للشيخ عبد الله العبدوسي أنه قال:" لا حد في عدد شهود الاسترعاء إذا كانوا مجهولين، وذلك موكول إلى اجتهاد القضاة، ويختلف باختلاف أحوال الناس، ولا يعرف هذا إلا ابتلي به من القضاة" .
وما نُقل عن الزياتي في نوازله أن ابن خجوا قال:" الاثنى عشر من اللفيف عدد معتبر، فإذا سقط شيء من العدد المعتبر كان النصاب لم يُكمل" .
من خلال هذه النصوص الفقهية وغيرها، نستخلص أن من شروط اللفيف الاستكثار من عدد الشهود. ولكن ما أساس الاستقرار على اثني عشر شاهداً؟
يجيبنا أحد الفقه  بأن الاقتصار على اثني عشر رجلاً إنما هو اصطلاح واجتهاد للقضاة. ويمكن أن يكونوا قد لاحظوا أن هذا العدد أكثر من نصاب شهادة العدول بأضعافها، وأنه جمع كثرة أكثر من العشرة التي هي أول مرتبة فوق الآحاد، وأنه أقل عدد يحصل به التواتر، كما قال بذلك بعض علماء الشافعية.
عموماً، ورغم هذا الاجتهاد، إلاّ أن الأمر لم يسلم من اختلاف الفقه، ويجد هذا الاختلاف أساسه في مجموعة من الاعتبارات، من بينها، موضوع الشهادة، وزمنها، وشخص الشاهد .
إذن فما لا خلاف بشأنه، أن نصاب 12 شاهداً مُقتصَرٌ عليه لأن بواسطته يحصل التواتر، أما إذا نزل العدد عن اثني عشر فلا يُعدُّ حسب الفقه  لفيفاً وإنما يُدعى تلقيةً.
فالتلقية بهذا المعنى هي شهادة ستة من الشهود. وقد تبلغ أحد عشر شاهداً، ولذلك فهي تعادل شهادة العدل الواحد. وتحتاج في تزكيتها إلى اليمين، فيما يكون
موضوعه المال أو ما يؤول إليه .
يتضح مما سبق أن هناك نوع من الربط والتلازم بين النصاب (12 شاهداً)، وشهادة اللفيف كاصطلاح، مما يدفعنا للتساؤل حول ما إذا كان أي تخفيض  من هذا النصاب سيؤثر على اللفيف كتسمية؟
لا نعتقد ذلك، لأن اللفيف كاصطلاح يُطلق على نفر من الناس، بغض النظر عن عددهم .
خامساً- الأهلية
يُطلِق الفقه على هذا الشرط البلوغ . وإن كنّا سنغض الطرف عن أحكام شهادة الصبيان، فإنه يحق لنا التساؤل عن الأهلية المتطلبة في شهود اللفيف؟
إن الأهلية المتطلبة في شهود اللفيف، هي نفسها الأهلية المستوجبة في كافة أقسام الشهادة الأخرى، وهي أن يكون الشاهد رجلا-أي مكتمل الأهلية- لا صبيا .
وهذا الشرط يُطلب فقط أثناء أداء الشهادة، أما لِلتحمُّل بهذه الشهادة، فيكفي أن يكون الشخص مميِّزاً .
إذن، وباللغة القانونية الصرف، يشترط في الشهود، أهلية الأداء ، وينبغي أن تكون هذه الأهلية كاملة حين أداء الشهادة، حتى وإن كانت ناقصة  أثناء التحمل بها .
وهذا بالضبط ما كرسه قرار  للمجلس الأعلى (محكمة النقض)، حيث ورد فيه أن:" العبرة في أهلية الشاهد للشهادة شرعاً من حيث السن هو زمن إدلائه بشهادته لا وقت علمه بالواقعة موضوع الشهادة، جاء في التحفة: ومن الأداء لا التحمل".
وإذا ثبت ما أوردناه بخصوص شروط شهادة اللفيف، تساءلنا عن نطاق إعمالها؟
الفقرة الثانية: نطاق إعمال شهادة اللفيف
يُقصد بنطاق إعمال شهادة اللفيف، المجال أو الحيز الذي يمكن أن تُعمل فيه هذه الشهادة كوسيلة لإثبات حق ما. والحقيقة أن هذا المجال يُنظر إليه من زاويتين؛ أولا من حيث مصدر الحق المشهود به، ومعنى ذلك، هل تُعمل شهادة اللفيف لإثبات الوقائع المادية فقط، أم تُثبت بها حتى التصرفات القانونية؟ وثانيا من حيث موضوع الشهادة، ومفاد ذلك، الكشف عن مختلف الحقوق التي يمكن إثباتها بشهادة اللفيف، سواء المرتبطة بالأموال، أم المتعلقة بالأحوال الشخصية، بل وحتى الحقوق العامة، ذات الصلة بالمادة الزجرية.
أولا - من حيث مصدر الحق المشهود به
محل الإثبات بصفة عامة، لا يعدو أن يكون تصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية. فإلى هذين المصدرين مرد نشوء الحق وزواله وتعديله وأوصافه القانونية، بل إليهما
مرد كل الروابط القانونية، أيا كانت هذه الروابط .
وإذ سنخصص الحديث عن الإثبات بشهادة اللفيف، نتساءل عن محل هذه الوسيلة الإثباتية. بمعنى هل يعمل بشهادة اللفيف لإثبات الوقائع المادية فقط، أم لإثبات التصرفات القانونية أيضاً، أم هما معاً؟ وما هو الأصل في ذلك، وما هو الاستثناء؟
1- اللفيف وسيلة لإثبات الوقائع المادية: من حيث المبدأ، لم تُجد الحجة اللفيفية إلاّ من أجل إثبات الوقائع المادية دون التصرفات القانونية، وهذه القاعدة هي عبارة عن اجتهاد للمجلس الأعلى (محكمة النقض)  ظل صامداً لفترة طويلة، حتى غدا توجها مكرَّسا .ً ويكفي لنسلِّم بهذا الأصل، أن نعلم أن شهادة اللفيف أهم وسيلة يُستعان بها في مادة حوادث السير لإثبات انتقال استحقاق التعويض عن فقد مورد العيش ، من الهالك (ضحية حادث سير) إلى من كان يعوله، وذلك في شكل موجب الإنفاق أوموجب الكفالة ، أو ما يُصطلح عليه توثيقيا بموجب الإعالة .
فقط وجب التنبيه إلى أن الوقائع المادية تأخذ مفهوماً واسعاً، فهي تشمل بالإضافة إلى الوقائع المادية الصرف التي لا علاقة للتراضي بها كالموت والحيازة، وقائع أخرى تعدُّ نتيجة لهذا التراضي وهي مختلف الوقائع التي من شأنها أن تبين مدلول شروط العقد الغامضة أو المبهمة، أو تحدد مداها، أو تقيم الدليل على تنفيذها ، ومَثَلُهَا البارز، واقعة تسليم المبيع وتسلم الثمن.
غير أن نطاق الإثبات بشهادة اللفيف لم يظل أسيراً لهذه القاعدة، بل امتد ليشمل أيضاً التصرفات القانونية.
2- اللفيف وسيلة لإثبات التصرفات القانونية: ومن بين الصور التطبيقية لإثبات التصرفات القانونية بواسطة شهادة اللفيف ، نجد ما يلي:
- " يمكن إثبات الوصية بشهادة اللفيف العدلي. ولا يوقف تقديم شكاية بالزور أمام القضاء الزجري الدعوى المعروضة على القضاء المدني حول استحقاق وصية ما لم يعزز طلب الإيقاف بمآل الشكاية" .
- " تصريح الطاعن بأنه عند نهاية كل سنة فلاحية يتفق مع المطلوب على إنشاء شركة بخصوص السنة الموالية لا ينال مما أثبتته شهادة اللفيف وعدم إشارة الطاعن في مقال دعواه إلى أن الاتفاق الشفوي على الشركة كان بمحضر شهود اللفيف لا يعتبر دليلا على عدم حضورهم فعلا" .
- " إذا كان شهود لفيفية ما لم يشهدوا بتحديد العقار المشهود ببيعه ووقع الإدلاء بلفيفية ثانية يشهد فيها شهودها بمعرفتهم وتحديدهم للمشهود فيه، وأن البيع وأداء الثمن تم بحضورهم ولم يقع الطعن فيها بأي طعن، فلا يحق للمحكمة أن تستبعد هذه الحجة" .
الحصيلة أن شهادة اللفيف وُجدت كمبدأ لإثبات الوقائع المادية ، وشيئا فشيئا تم اعتمادها كوسيلة لإثبات بعض التصرفات القانونية، ومن جهتنا لا نرى ضيراً في هذه الخطوة، خاصة إذا كانت شهادة اللفيف الحجة الوحيدة أمام المدعي لإثبات حقه، والأخص إذا كان هذا المدعي طرفاً ضعيفاً في العلاقة التعاقدية .
ثانيا - من حيث موضوع الشهادة
جرى العمل عند متأخري المالكية، أن شهادة اللفيف لا يُعمل بها إلاّ في الأموال، فهي كانت عندهم بمنزلة الشاهد (العدل) واليمين، فلا يُعتد بها إلا في المال أو ما يؤول إليه، ولا يُؤخذ بها في غيره. ثم غدت تُقبل عندهم في كل شيء، فأصبح ستة من شهود اللفيف بمنزلة العدل الواحد، والإثني عشر شاهداً بمنزلة العدلين . وهذا فعلا ما أصبحنا نُعَايِنُهُ على أرض الواقع، فالحجة اللفيفية أضحت تُعتمد كوسيلة للإثبات في مختلف المجالات، أبرزها، قضايا العقار ، وقضايا الأسرة، وكذلك مختلف الجرائم من جنايات وجُنح.
1- قضايا العقار: من المفيد التذكير في البداية أن مجال العقار غير المحفظ       -بعد خضوع المغرب للحماية وقبل صدور مدونة الحقوق العينية  -عرف جدلا بل تنازعا شديدا بين الفقه بشأن القواعد الواجبة التطبيق على هذا الصنف من العقار، إذ بينما ذهب البعض إلى وجوب خضوعها لقواعد الفقه المالكي، نجد البعض الآخر يرى بضرورة تطبيق مقتضيات قانون الالتزامات والعقود عليها، حيث لا يميز هذا الاتجاه بين العقار المحفظ وغير المحفظ بشأن التصرفات الواردة عليه .
وهذا النقاش الفقهي انعكس على العمل القضائي بدوره، إذ عرف تضارباً بل تذبذباً واضطراباً في مواقفه على أعلى مستوياته، فالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) ذهب في بعض الأحيان مذهب الرأي القائل بتطبيق الفقه المالكي حيث ورد في أحد قراراته  ما يلي" إذا شهد شهود اللفيف بمعرفتهم وتحديدهم للمشهود فيه أن البيع وأداء الثمن تم بمحضرهم ولم يقع فيه الطعن بأي مطعن فإنه لا يحق للمحكمة أن تستبعد هذه الحجة". وورد في قرار آخر  " إنه طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية فإن بيع العقار الغير المحفظ يمكن إثباته بصفة استثنائية بشهادة الشهود وأن المحكمة لما استبعدت اللفيف المدلى به لإثبات هذا البيع بعلة أنه لا يثبت بشهادة الشهود ولابد فيه من الدليل الكتابي الثابت التاريخ تكون قد طبقت نص الفصل 489 ق ل ع والذي لا مجال لتطبيقه في النازلة واستبعدت الفقه الإسلامي الواجب التطبيق والذي يجيز في الأحوال الخاصة إثبات البيع بشهادة الشهود ومنها شهادة اللفيف مما جعل قرارها غير مؤسس ومعرض للنقض". وجاء في قرار آخر  " لما كان النزاع يتعلق بعقار غير محفظ، فإنه يمكن إثبات ادعاء القسمة بشهادة اللفيف عملا بقول الامام الزقاق (وكثرن بغير عدول). وهو يشير إلى ما جرى به العمل من قبول شهادة اللفيف في المذهب، فكان على المحكمة أن تناقش اللفيف المدلى به لاثبات القسمة، سيما وأن شهوده يستندون في شهادتهم إلى مستند خاص، فتعمل به أو تبطله وفق ما توجب قواعد الفقه، وكان عليها في حالة إبطال هذا اللفيف أن تقضي باليمين على منكر القسمة مع قاعدة النكول عملا بقول ابن عاصم: والمدعي لقسمة البتات يؤمر في الأصح بالإثبات. قال الشيخ التاودي: (فإذا جاء ببينة وإلا فلا شيء إلا اليمين والأرض بينهما) لهذا تكون المحكمة قد تجنبت الصواب لما بأن القسمة لا تثبت إلا بالكتابة".
  وعلى النقيض من هذا التوجه ذهب نفس المجلس إلى الأخذ أحيانا بالرأي المؤيد لوجوب تطبيق قانون الالتزامات والعقود، وهكذا جاء في أحد قراراته  " ينص الفصل 489 ق ل ع، على أن بيع العقار يجب أن يكون كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولذلك يتعرض للنقض، لنقص التعليل الحكم الذي يقضي برفض الطلب، في نزاع عقاري، استند فيه المدعي إلى رسم عدلي لإثبات الشراء واستند فيه المدعى عليه إلى موجب لفيفي يثبت شراءه وحيازته".
  لهذا كانت شهادة اللفيف أداة مهمة في عين أنصار المذهب المالكي يُتوسل بها لإثبات وقوع تصرفات هامة، كالهبة  والصدقة  والوقف ... وأما الآن فالمشرع قد رفع الجدل وأجهز على ازدواجية القواعد المطبقة على العقار غير المحفظ بإصداره مدونة الحقوق العينية التي حددت بشكل لا يدع مجالا للشك نطاق تطبيقها وذلك في المادة 1 منها، حيث نصت على ما يلي:" تسري مقتضيات هذا القانون على الملكية العقارية والحقوق العينية ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار.
  تطبق مقتضيات الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود في ما لم يرد به نص في هذا القانون، فإن لم يوجد نص يرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى به العمل من الفقه المالكي".       كما أوجبت المادة 4 من هذه المدونة تحت طائلة البطلان تحرير جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي، أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لن ينص قانون خاص على خلاف ذلك..."
  ولكن ولو بعد صدور هذه المقتضيات لا يسوغ لنا القول بانعدام أي دور لشهادة اللفيف في المجال العقاري، فهذه المؤسسة لا زالت محتفظة بأهميتها في هذا الميدان لأنها من جهة تعد وسيلة مهمة لإثبات مختلف الوقائع المادية الواردة على العقار سواء أكان محفظ أم غير محفظ . ومن جهة أخرى تعتبر الطريق الأوحد المتاح للأفراد لتأسيس رسوم الإراثة ورسوم الملكية أو ما يسمى في الممارسة التوثيقية برسوم "الاستمرار" بالنسبة للعقار غير المحفظ.
2- قضايا الأسرة: تؤدي الشهادة اللفيفية دوراً مهما في المادة الأسرية، حيث أجاز المشرع الاستناد إليها إما بصفة صريحة أو ضمنية، لاسيما لإثبات الزواج ، ولإثبات وقائع معينة كغيبة الزوج ، أو الإضرار بالزوجة ، ووقوع الخطبة ، والحضانة ، والنسب في أحوال معينة ، وللترشيد والتسفيه، وكذا لإثبات مساهمة الزوجة في تنمية الأموال المُكتسبة خلال فترة الزوجية .
3- المادة الزجرية : ففي ظل إطلاق الإثبات في هذه المادة حسبما تسيغه قواعدها ، واعتبار القاضي الجنائي "وجداني" يستمد قناعته مما راج ونوقش أمام ناظريه، لا قاضي أوراق كما هو الشأن بالنسبة للقاضي المدني، فكثيراً ما يُستدل باللفيف لإثبات وقائع جرمية معينة أو نفيها، لاسيما أنواع الإيذاء الفعلي والقولي ومطلق الوقائع الإيجابية أو السلبية المجرمة التي يعود أمر تقديرها لقناعة القاضي الزجري بناءً على ظروف وملابسات كل قضية .
بهذا التحديد الموضوعي (الشروط ونطاق الإعمال)، تكون شهادة اللفيف قد تبوأت مكانة مهمة ضمن وسائل الإثبات، ورغم ذلك نجد البعض يشكك في الفائدة من الإبقاء عليها، ويتساءل عن مدى إمكانية استبعادها.
المطلب الثاني
شهادة اللفيف بين الإبقاء والإلغاء
رغم المكانة الخاصة والظاهرة لشهادة اللفيف في المنظومة التوثيقية بالمغرب، إلاّ أنها لم تسلم من اختلاف الآراء الفقهية حولها، فيذهب اتجاه إلى استبعادها من دائرة وسائل الإثبات وطرحها منها (الفقرة الثانية)، بينما يرى جانب آخر من الفقه أن ضرورة إعمال هذه الشهادة لا زالت قائمة، الأمر الذي يقتضي الإبقاء عليها كوسيلة للإثبات (الفقرة الأولى). وهذا الاختلاف الفقهي يستلزم منا إبداء وجهة نظرنا منه (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: الاتجاه المؤيد للإبقاء على شهادة اللفيف
يرى أنصار هذا الرأي، أن لشهادة اللفيف أدواراً توثيقية لا تُجحد، ذلك أنها لم تُنشأ إلا لسد فراغ مهول كانت تعاني منه وسائل الإثبــات ؛ ومن فوائدها الظاهرة  :
- كونها وسيلة فعالة لحماية حقوق عينية أو شخصية لا يطلع عليها العدول عادة ولا يمكن إثباتها في أحوال معينة، إلاّ بها، فهي السبيل الفريد لإثباتها. كما أن مناط العمل بشهادة اللفيف وهي الضرورة لا زالت قائمة، طالما أن إشهاد العدول غير متأت في كل مكان وزمان .
- أن شهادة اللفيف وإن كان الأخذ بها مخالفا للقواعد العامة التي تقضي بالاقتصار على شهادة العدول، إلا أن ذلك يؤدي إلى دفع مفسدة محققة، فكان من الضروري التنازل عن تطبيق القاعدة العامة دفعاً للمفسدة ،الذي يعد مقدَّما دائماً على جلب المصلحة وفق ما تقتضيه قواعد فقه الموازنات المعروفة أصولياً .
- أن شهادة اللفيف تعد تراثاً فقهياً يجب الحفاظ عليه، لتجذره في الحياة الاجتماعية والثقافية للمغاربة .
وحسب هذا الاتجاه، فليس مطلوباً أمام هذه المحاسن سوى إعادة الثقة لهذه المؤسسة عبر تشخيص مكمن الخلل فيها ومعالجته، من خلال احترام الأحكام والضوابط الفقهية والتوثيقية المنظمة لها ، لأن اللفيف لازال يُعتبر الوسيلة الفريدة لإثبات العديد من الوقائع المادية والتصرفات القانونية .
الفقرة الثانية: الاتجاه القائل باستبعاد شهادة اللفيف
يذهب هذا الرأي، إلى أن اللفيف ينطوي على مساوئ كثيرة، وأن مغارمَه أكثر من مغانِمِه، وأن دواعي العمل به قد انتفت في الوقت الراهن، الأمر الذي يقتضي استبعاده تماماً من دائرة وسائل الإثبات، والاقتصار على تلك المعوّل عليها "فقهاً" وقانوناً .
ومن بين المبرِّرات والحجج التي يستند إليها هذا الاتجاه لتقوية موقفه نجد ما يلي:
- أن شهادة اللفيف تخالف في آن واحدٍ أحكام الشهادة في الفقه الإسلامي والقانون "الوضعي" .
- لم يتم ذكر شهادة اللفيف كوسيلة من وسائل الإثبات، فهي ليست بالدليل الكتابي المنصوص عليه في الفصل 416 وما يليه من قانون الالتزامات والعقود .
- أن التساهل في إجراءات تلقي شهادة اللفيف بأدائها عند كافة العدول ودون إذن مسبق من القاضي ودون التحقق من عدالة الشهود جعل هذه الشهادة معتلة ومحل استرابة .
- أن شهادة اللفيف ضعيفة نظراً للارتياب الحاصل في شهادة شهودها، ومما يزيد في ضعفها كونها لا تُباشر من قِبل القاضي المنوط به وحده تلقي الشهادة والتحقق من استيفاء الشهود للشروط المستلزَمة، ومدى توافر مستند العلم بحسب موضوع الشهادة ومقارنة أحوال الشهود وإعادة استفسارهم عنها، فنظراً لكثرة أعبائه فوض للعدول القيام بكل تلك المهام القضائية .
- أن أغلب أحكام وقواعد هذه الشهادة لا تُحترم وهذا ما ينهض موجباً للطعن فيها بعد التفريط في محصناتها الشكلية والموضوعية، فضلاً على حرص قضاة التوثيق على مراعاة شكل الوثيقة، دون إعطاء الاهتمام اللازم لفحواها ومضمونها .
- غياب رقابة فعلية لقاضي التوثيق على الوثائق العدلية بصفة عامة، والوثائق اللفيفية بصفة خاصة.
- فساد الذمم وضعف الأخلاق، وبالتالي فإن إعمال شهادة اللفيف يُنذر بأخطار كبيرة.
بناءً على هذه العيوب وغيرها، ينادي هذا الاتجاه وبشدة من أجل إلغاء العمل بشهادة اللفيف، واستبعادها بشكل نهائي من ميدان الإثبات، أو على الأقل إيجاد حلول جذرية لإزالة المشاكل المرتبطة بها.
الفقرة الثالثة: وجهة نظرنا من الخلاف الفقهي
سنحاول إبداء وجهة نظرنا في الموضوع، عن طريق ملامسة مكامن الضعف في شهادة اللفيف (أولاً)، واقتراح بعض الحلول الكفيلة بمعالجتها (ثانياً).



أولا- مكامن الضعف في شهادة اللفيف
تُعاني شهادة اللّفيف من أوجه ضعفٍ عدّة، أبرزها:
- أنها شهادة ضعيفة وهشة، نظراً للارتياب الذي يحوم حول شهودها، وما يزيد من ضعفها، كونها لا تُباشر من قِبل القاضي الذي تدخل ضمن اختصاصه الأصيل، وإنما يتلقاها نيابةً عنه العدول.
- التساهل الذي أضحى يعتري أداءها، حيث صار يتم دون مراعاة القواعد الفقهية والقانونية المنظمة له.
- عدم تفعيل إجراءات الاستفسار الذي يُعدُّ بمثابة تزكية للشهود، ورغم أهمية الاستفسار فإنه يُؤدى دون مراعاة القواعد الفقهية المنظمة له.
- الرجوع في شهادة اللفيف والطعن فيها بالزور يُعتبر إشكالاً آخر ينضاف إلى قائمة المشاكل التي تطرحها هذه الشهادة، فبسببه يتعرض العدول إلى الكثير من المضايقات.
- عدم الحسم في الطبيعة القانونية لشهادة اللفيف، ممّا يجعل موقف الفقه والقضاء لا زال متذبذباً بشأنه.
- الفراغ التشريعي، والذي يعدُّ الإشكال الأبرز، لأن في ملْئِه إزالة لكافة أو -على الأقل- معظم المشاكل الأخرى. فالمشرع المغربي لم يتولّ تنظيم شهادة اللفيف، لا بشكل مستقل، ولا في ظهير خطة العدالة، بل ولم يعتبرها حتى ضمن وسائل الإثبات المحدّدة في الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود.
ورغم هذه النواقص العديدة، غير أن ذلك ليس مبرِّراً لاستبعاد هذه الشهادة من ميدان الإثبات. تبعاً لذلك، فمن الضروري إيجاد الحلول الكفيلة بإزاحة مثالبها، والإبقاء عليها.
ثانيا- بعض الحلول المقترحة
فالإبقاء على شهادة اللفيف ضمن وسائل الإثبات، يُعدُّ أمراً ضرورياً ولا مناص منه في اعتقادنا، نظراً لحاجة الناس إليها، لاسيما وأن هناك حقوق لا تُثبت إلاَّ بها. ومن أجل الإبقاء عليها، والحد من مشاكلها، وتيسير العمل بها، نقترح ما يلي:
1- موضوعياً:
- لابد أولاً من التنظيم التشريعي لشهادة اللفيف، فأمام المشاكل الجمّة التي تطرحها، لا مبرِّر للإبقاء على مشروع قانون اللفيف مجرد حبرٍ على ورق، دون المصادقة عليه وإدخاله حيز التنفيذ.
- يجب التنصيص على شهادة اللفيف بشكل صريح ضمن وسائل الإثبات (في الفصل 404 ق ل ع) عوض الإبقاء على ضرورة الرجوع إلى الموروث الفقهي، أو على الأقل وجب تضمين قانون خطة العدالة نصّاً صريحاً يقضي بالإحالة على هذا الموروث.
- لابد من تقييد شهادة اللفيف كوسيلة إثبات في حالات الضرورة القصوى فقط، مراعاةً لطبيعتها الاستثنائية ، وهذا ما اتجه إليه المشرع في المادة 4 من مشروع قانون اللفيف، حيث نصت على أنه:" يُمنع على الكاتب بالعدل تلقي شهادة اللفيف إلاّ بعد التأكد بأن هناك صعوبات حالت دون توثيق موضوع الشهادة لدى الجهة المخولة قانوناً صلاحية ذلك".
- منح الاختصاص بتلقي شهادة اللفيف لفئة خاصة من العدول، تتميز بالكفاءة والأقدمية، وهذا ما سار عليه أيضاً المشروع بتنصيصه في المادة 6 منه على ما يلي:" يُشترط في الكاتب بالعدل لتلقي شهادة اللفيف الممارسة الفعلية للمهنة لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
- الحسم تشريعياً في الطبيعة القانونية لشهادة اللفيف، حتى يطمئن لها المشهود له، وحتى يكون القضاء بدوره على بينة منها.
- تشديد العقوبات الزجرية على شاهدي الزور.
2- إجرائياً:
على المستوى الإجرائي، يتعين تنظيم شهادة اللفيف تنظيماً دقيقاً ومُحكماً، بجميع مراحلها، تلقياً وتحريراً وتضميناً وخطاباً واستفساراً ورجوعاً...
مع لزوم أداء الشهود لشهادتهم أمام قاضي التوثيق بعد أداء اليمين القانونية .




المبحث الثاني
شهادة اللفيف وإشكالية العمل
إن العمل بشهادة اللفيف يتم عبر مرحلتين، وهما؛ مرحلة تأسيس الوثيقة أو الرسم من قِبل العدل، ويدخل ضِمن هذه المرحلة مختلف الإجراءات، من تلقٍّ وتحريرٍ وتضمين وخطاب، وهو ما نُطلق عليه صِناعة الوثيقة اللفيفية (المطلب الأول). ومرحلة ثانية تتجلى في الاستدلال بهذه الوثيقة أمام القضاء، فحينئذٍ فقط تثار حجيتها في الإثبات، وكيفية الطعن فيها، الأمر الذي يقتضي منا تحديد طبيعتها القانونية (المطلب الثاني).
المطلب الأول
صناعة الوثيقة اللفيفية
لا تتأتى هذه الصناعة إلا باتباع عدة مراحل، أولها؛ تلقي الشهادة وتحريرها، وهذا ما أطلقنا عليه مرحلة إعداد الوثيقة اللفيفية (الفقرة الأولى)، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تضمين الوثيقة لدى النُّسَّاخ، وتقديمها لقاضي التوثيق من أجل الخطاب عليها (الفقرة الثانية). وقد يحدث أن يثار نزاع حول هذه الوثيقة، ممّا يقتضي استفسار شهودها (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: إعداد الوثيقة اللفيفية
يقتضي إعداد الوثيقة اللفيفية، تلقي العدلين للشهادة وتدوينها في مذكرة الحفظ التابعة لأحدهما (أولا)، وتحرير هذه الشهادة في ورقة مستقلة (ثانيا).


أولا- تلقي شهادة اللفيف
لا يَصح المعنى الفني لعبارة "تلقي الشهادة" إلاّ حين يتعلق الأمر بشهادة اللفيف، وذلك على خلاف الوثيقة الاسترعائية العلمية، حيث أن العدلين هما ذاتهما اللذان يشهدان، وبالتالي يمكن القول أنهما يتلقيان "طلباً" بالشهادة، لا الشهادة في حد ذاتها. وفي الوثيقة الأصلية، كذلك لا يتلقيان شهادة من أطراف التصرف القانوني المراد توثيقه بل إشهاداً منهم، فالذي يشهد في هذه الحالة هما العدلان، لا أطراف التصرف .
إذن، فالتلقي بهذا المعنى، هو استقبال شهادة اللفيف  من قِبل عدلين منتصبين للعدالة في حدود اختصاصهما الزماني والمكاني .
فكيف إذن يتم تلقي شهادة اللفيف؟
في حقيقة الأمر هناك مجموعة من الصيغ لتلقي شهادة اللفيف ، ولكن الجاري به العمل أن سائل الشهادة يأتي باثني عشر رجلا، سواء مجتمعين أو متفرقين، إلى عدلين منتصبين للشهادة، فيؤدون شهادتهم لديهما، ليتولى أحدهما تدوينها في مذكرة الحفظ.
وللتعرف على هوية الشهود يعتمد العدل على بطائق التعريف الخاصة بهم، أو ما يقوم مقامها من جواز سفر أو رخصة سياقة.. ويُخبرهم بالموضوع الذي سيُقدمون على الشهادة فيه، ثم يطلب منهم أن يحددوا موضوع الشهادة بشكل دقيق لا غموض ولا لبس فيه.
كما أن العدل يسأل الشهود عن مستند علمهم بالشهادة، هذا المستند الذي قد يكون خاصا كأن يكون الشهود قد حضروا أوعاينوا الواقعة المشهود بها، وقد يكون عاما كأن ينهى إلى علم الشهود وصحة يقينهم الواقعة المشهود بها بسبب المجاورة أوالمخالطة والاطلاع على الأحوال.
والملاحظ بشأن هذا المستند العام أن العدول غالباً ما يعتمدون على نماذج جاهزة تتضمن عبارة "علموا بالمخالطة والمجاورة والاطلاع على الأحوال"، الأمر الذي يوهمنا بأن كل الشهود لهم مستند علم واحد وهو المخالطة والمجاورة والاطلاع على الأحوال، وهذا ليس بالضرورة صحيحا، بل من المستبعد أن يكون لجميع الشهود مستند علم واحد.  ورغم أن بعض العدول حاولوا "مجتهدين" تجاوز هذا العيب، وذلك عن طريق إدراجهم بعض العبارات من قبيل؛"علمه البعض بالمخالطة وعلمه البعض الآخر بالمجاورة..."، إلاّ أن هذه المحاولة في اعتقادنا غير كافية لسد هذا النقص، لأن كلمة "البعض" مبنية للمجهول، مما يُبقي الإشكال مطروحاً فيما يتعلق بمستند علم الشاهد.
ويتم أداء الشهادة في مجلس واحد بحضور جميع الشهود، أو بحضور بعضهم وغياب البعض إلى حين آخر.
ويقوم العدل بإدراج الشهادة في مذكرة الحفظ، كما تلقاها من الشهود، وهو المقتضى الذي تنص عليه المادة 28 من ظهير خطة العدالة ، ثم بعد ذلك يكتب تاريخ الشهادة بالحروف والأرقام بالتقويم الهجري، مع بيان ما يوافقه بالتقويم الميلادي.
وقد أثير إشكال فيما يتعلق بالتلقي، هل يُمكن أن يكون بعدل واحد أم لابد أن يكون بعدلين؟ 
في اعتقادنا لم يعد هناك مجال لطرح هذا الإشكال بعد صدور ظهير خطة العدالة، حيث نص في الفقرة الأولى من المادة 27 منه على ما يلي:" يتلقى الشهادة في آن واحد عدلان منتصبان للإشهاد غير أنه يسوغ للعدلين عندما يتعذر عليهما تلقي الإشهاد مثنى في آن واحد، أن يتلقياه منفردين بإذن من القاضي في آمادٍ متفاوتة، إلاّ إذا نصت مقتضيات خاصة على خلاف ذلك".
إذن فبمقتضى هذه الفقرة، فإن الأصل في تلقي الشهادة أن يكون ثنائياً، والاستثناء أن يكون فردياً، بعد استصدار إذن من قاضي التوثيق.
وإذا وُجدت صعوبة في التلقي مباشرة من الشهود، أمكن للعدل الاستعانة بترجمان مقبول لدى المحاكم، وفي حالة انعدام الترجمان، يُمكن للعدل الاستعانة بأي شخص يراه أهلاً للقيام بهذه المهمة، شرط أن يقبله المشهود له.
وفي جميع الأحوال، يُشترط في الترجمان أو الشخص المستعان به ألاّ تكون له مصلحة في الشهادة.
وتُكتب الشهادة وجوباً باللغة العربية، ولابد من التنصيص في الوثيقة على اللغة الأجنبية أو اللهجة التي تم بها التلقي إذا تعلق الأمر بغير لغة الكتابة .
ويقوم العدلان بتلاوة مضمون الشهادة فور الانتهاء من إدراجها بمذكرة الحفظ على المعني بالأمر والشهود والترجمان عند الاقتضاء مع الإشارة في الشهادة إلى ذلك، وتوقع من طرفهم بإمضائهم أو بصمتهم إن تعذر الإمضاء، وذلك دون ترك بياض أو مسافة بين التوقيعات وبين نص الشهادة .
الملاحظ إذن، أن المشرع أجاز اللجوء إلى البصمة، باعتبار دلالتها القطعية على صاحب الإبهام الذي وضعها، وهذا التجويز وجيه جدّا، ولا يؤثر الاعتراض عليه بخطورة وضع البصمة، باعتبار أن الشخص قد يؤخذ أصبعه دون قصده أو شعوره ليوضع على الورقة، فهذا الاعتراض لا أساس له، لأن البصمة توضع بمعاينة العدلين ومراقبتهما. فقط ما يجب التأكيد عليه هو استصحاب عدالة العدول، وأن يتوفروا على حد أدنى من الخبرة في كيفية وضعها .
وبعد استكمال إجراءات التلقي، يتعين على العدل الشروع في عملية تحرير الشهادة وإفراغها في وثيقة مكتوبة.
ثانيا- تحرير شهادة اللفيف
يُقصد بتحرير الشهادة اللفيفية، كتابتها وإخراجها من إطار مذكرة الحفظ المدرجة بها، ورسمها بكل تفاصيلها وجزئياتها في وثيقة مكتوبة، وفقاً للكيفية المتعارف عليها فقهاً وعملاً وقانوناً .
وبالمقارنة بين هذه الوثيقة، ومحتوى التلقي المدرج في إحدى صفحات مذكرة الحفظ، نجد ما يلي :


- على مستوى مضمون الشهادة، فهو متطابق تماماً بين المُحَرَّرَين.
- على مستوى إجراءات التوثيق، فإن الرسم قد يحتوي على بيانات غير موجودة في المذكرة، ولكنه يخلو من توقيع المعني بالأمر والشهود.
- على مستوى التاريخ: فقد يكون تاريخ التلقي هو نفسه تاريخ التحرير، وقد يتأخر التحرير.
ويجب أن تتضمن الوثيقة المحررة جميع الأركان والشروط والمستندات المتعلقة بها، وفق ما هو مثبت بمذكرة الحفظ .
وتُحرر الوثيقة اللفيفية تحت مسؤولية العدلين معاً في وثيقة واحدة، فلا ينفرد كل واحد منهما بوثيقة مستقلة، لأنه قد يتبادر إلى الذهن أنه لما أجاز المشرع التلقي الانفرادي استثناءً،يجوز للعدلين تحرير الشهادة في وثيقتين إذا كان تلقيهما لها قد تم في زمنين متفاوتين.
غير أن هذا الفهم ليس صحيحا، لأن المادة 33 من ظهير خطة العدالة نصت بشكل واضح على أن تحرير الشهادة يكون في وثيقة واحدة.
وتحرير الشهادة يجب أن يكون بكيفية صحيحة لا أخطاء فيها ولا غموض، وإذا حصل أثناء كتابتها خطأ نحوي أو إملائي أو موضوعي، وجب قطع الورقة واستئناف التحرير.
كما يتعين على العدل أن يُحرر الشهادة دون انقطاع أو بياض أو بشر أو إصلاح أو إقحام أو إلحاق أو تشطيب أو استعمال حرف إضراب .
ولن نخوض في عرض أحكام الاعتذار الذي كان مؤسسة أدت وظيفتها القانونية، فعلا، وبدقة مبهرة في إصلاح الأخطاء المادية التي كانت الرسوم العدلية عرضة لها في ظل ظروف اتسمت بندرة الورق .
أما في وقتنا الحاضر، ومع وفرة الورق واعتماد جل إن لم نقل كل العدول على الكتابة الالكترونية بجهاز الكمبيوتر وما توفره تقنية وبرامج معالجة النصوص من إمكانية التصحيح اللامتناهي للأخطاء مادية كانت أو إملائية وحتى نحوية، فإن حكم الاعتذار ينبغي أن يتغير بتغير زمانه ، وهذا بالضبط ما كرسه ظهير خطة العدالة في الفقرة الأولى من المادة 33 منه.
ومن الناحية العملية، نجد أن الكاتب أو الكاتبة المساعدة هي من تتولى تحرير الشهادة بواسطة جهاز الكمبيوتر، في حين يكتفي العدل بالتأكد من صحتها وخلوها من الأخطاء قبل إيداعها لدى قاضي التوثيق ليؤشر عليها لكي تمر بعد ذلك إلى النسَّاخ من أجل تضمينها وإعادتها إلى القاضي بُغية الخطاب عليها.
الفقرة الثانية: تضمين الشهادة والخطاب عليها
يكتسي الخطاب على الوثائق العدلية بشكل عام أهمية بالغة، فهو مبدئيا يتيح للقاضي إمكانية التأكد من مدى صحة وسلامة هذه الوثائق، وكذلك إضفاء الصبغة الرسمية عليها (ثانيا)، وقبل الخطاب على الشهادة، يتعين تضمينها لدى النسَّاخ (أولا).
أولا- تضمين شهادة اللفيف
بعد أن يتلقى العدلان شهادة اللفيف ويحررها أحدهما في وثيقة مكتوبة، فإنه يحيلها شخصياً أو بواسطة طالبها على مصلحة التسجيل والتمبر لأداء واستخلاص رسوم التسجيل، ثم يتم تقديمها بعد ذلك سواءٌ من طرف العدل المتلقي أو المعني بالأمر مباشرة لقاضي التوثيق ليطلع ويؤشر عليها (يضع علامة مميزة بطرة الوثيقة، كتوقيع مصَغر أو كلمة "ينسخ" أو "يضمَّن") إن كانت تامة من حيث الشكل والمضمون.
وتُحال الوثيقة بعد ذلك على الناسخ، الذي يتولى تضمينها في السجل المعد لذلك (سجل الأملاك، أو سجل التركات والوصايا ...) حسب الأحوال، وذلك خلال ثمانية أيام من تاريخ تسلمها، ما لم يتم التنصيص على خلاف ذلك.
فالتضمين إذن ما هو إلا نسخ لمحتوى الوثيقة العدلية عموما في سجل معد لذلك بقسم التوثيق بالمحاكم الابتدائية .
وطبقاً للمادة 11 من القانون رقم 49.00 المتعلق بتنظيم مهنة النساخة ، يُضمِّن الناسخ بخط يده وبمداد أسود غير قابل للمحو الشهادة بأكملها طبق أصلها المحرر من طرف العدلين ، أثناء قيامه بذلك، يتوخى الناسخ تتابع الشهادات حسب أرقام وتواريخ تضمينها، دون انقطاع أو بياض أو إصلاح أو إلحاق أو تشطيب، إلاّ ما أُعتذر عنه، ما عدا البشر فيمنع منعاً مطلقاً.
ويوقع الناسخ بطرة الشهادة بالكناش المضمنة به، ويضع اسمه كاملا، ويتعين التنصيص بطُرَّة الوثيقة وبنسخها على اسم السجل المضمنة به ورقمه والعدد الترتيبي والصفحة وتاريخ التضمين.
وبعد استيفاء هذه الإجراءات، وجب تقديم الوثيقة للقاضي بغية الخطاب عليها.


ثانيا- خطاب قاضي التوثيق على الوثيقة اللفيفية
يُقصد بالخطاب لغة الكلام مشافهة بين متكلم ومستمع. أما في الاصطلاح الفقهي فهو إنهاء القاضي إلى غيره من القضاة ما ثبت لديه من حق، كي يتمكنوا من الحكم به لصاحبه، وهو أيضاً أن يكتب قاضي بلد إلى قاضي بلد آخر بما ثبت عنده من حق لشخص في بلد القاضي الكاتب على شخص آخر في بلد القاضي المكتوب إليه، ليحكم عليه هناك . وقد تطور معنى الخطاب، فأضحى يُطلق على ما يكتبه القاضي أسفل المحررات العدلية بالإعلام بثبوتها عنده وبعدالة شهودها.
عموماً، فالخطاب أو "المخاطبة" هو وضع القاضي المكلف بالتوثيق على الرسوم العدلية بعد التأكد من سلامتها، عبارات محددة تفيد الثبوت بخطه وشكله واسمه وطابعه، مع تاريخ هذا الإجراء . وهو إجراء فرضه وافترضه المشرع كرقابة قبلية على وثائق العدول سواء من حيث سلامة وصحة مضمونها أم من حيث مدى احترام الضوابط والشكليات القانونية المؤطرة لها.
ويتعين على القاضي المكلف بالتوثيق أن يخاطب بمداد أسود غير قابل للمحو، مع الإشارة إلى تاريخ الخطاب، وينبغي عليه أن يقوم بذلك داخل أجل ستة أيام من تاريخ تضمين الوثيقة لدى النساخ .
والملاحظ أن أجل الستة أيام الممنوحة لقاضي التوثيق لا يترتب عن الإخلال به أي جزاء، مما يجعلنا نعتقد أن تقييد القاضي بهذا الأجل، هو بمثابة إلزام أدبي فقط.
وباعتبار الوثيقة اللفيفية وثيقة استرعائية، فإن صيغة الخطاب عليها تأتي على الشكل التالي:" شهدوا لدى من قدم لذلك لموجبه فثبت"، على خلاف الوثيقة الأصلية التي يخاطب عليها بالصيغة التالية:" الحمد لله أديا فقبل واعلم به في تاريخ كذا..." وأحياناً :" الحمد لله أعلم بصحته أو باستقلاله" .
وإن أردنا تفكيك صيغة الخطاب على الوثائق اللفيفية، فهي كالتالي؛ "الحمد لله شهدوا" أي أدّى الشهود شهادتهم، "لدى من قدم لذلك" أي أمام العدلين المنتصبين لتلقي الشهادة، "لموجبه" وهو تعذر تلقي الشهادة مباشرة من القاضي، "فثبت" أي ثبت وتأكد أداء الشهادة وتلقيها، "وأُعلم به" أي أن قاضي التوثيق قد أُعلم بنيابة العدلين في تلقي الشهادة، وبدوره أعلم بها غيره من القضاة ومن يعنيه أمرها، بقصد الأخذ بها وإعطائها حجيتها .
بقي لنا أن نجيب عن بعض التساؤلات المتعلقة بالخطاب، وهي كالآتي:
- هل يخاطب القاضي على الوثيقة رغم تأخر العدل أو المشهود له في تقديمها له؟
أمام الفراغ التشريعي، تقتضي منا الإجابة الرجوع إلى الموروث الفقهي، حيث جرى العمل عند أهل فاس أنه إذا تأخر العدول في مطالعة القاضي بالوثيقة أكثر من ستة أشهر من كتابتها، فإنه لا يُخاطب عليها، بل يلغيها .
- ما طبيعة الوثيقة غير المخاطب عليها؟
يرى أحد الباحثين أن الخطاب في الأصل يندرج ضمن شروط الوثيقة الكمالية لا الصحية، إذ لا يُمكن منطقيا أن نعتبر الوثيقة العدلية غير المخاطب عليها وثيقة غير صحيحة، وإن كانت من الناحية القانونية ناقصة، فالخطاب بمثابة ذيل بالنسبة لجسم الوثيقة، وهذا الذيل يعطيها صفة الرسمية فقط ولا يمنحها القوة الإثباتية، فهي تستمد قوتها من الشرع والقانون، لكونها شهادة تلقاها عدلان منتصبان للإشهاد، يتمتعان بثقة المشرع، ويتحملان مسؤولية جسيمة تناسب حجم الثقة الممنوحة لهم.
وفي الواقع نرى أن المشرع كان واضحاً، سواءٌ بمقتضى الفصل 418 ق.ل.ع أم بنص المادة 35 من ظهير خطة العدالة، في كون الوثيقة العدلية لا تعد رسمية إلا حين تُذيل بخطاب قاضي التوثيق، ورغم ذلك فإن أحد الباحثين  ينتقد هذا الموقف التشريعي، ويرى أن ذلك يحدُّ من دور العدل، ويجرِّده من صفته. لذلك وجب التمييز بين ما إذا كانت الوثيقة العدلية أصلية أم استرعائية لفيفية. فالشهادة الأصلية هي التي يشهد بموجبها العدلان على ما دار أمامهما وما سمعاه من الأطراف مباشرة بدون أي وسيط، وبالتالي فهي مثلها مثل الوثيقة المحرَّرة من قِبل الموثق العصري، والمفروض أن تكون رسمية دون الحاجة إلى الخطاب عليها.
وبخلاف ذلك، فإن الوثيقة اللفيفية، يقتصر دور العدلين فيها على تلقي الشهادة من الغير وتحريرها ونقلها إلى القاضي المكلف بالتوثيق باعتباره هو المختص أصلاً بتلقيها، ولا تكتسب الوثيقة الصيغة الرسمية إلاّ بعد قبولها من طرف قاضي التوثيق من خلال الخطاب عليها، ويبقى دور العدلين هنا نيابي فقط، ولا ضير في أن نشترط خطاب قاضي التوثيق على هذا الصنف من الوثائق لمنحها حجة رسمية في الإثبات، طالما أن دور العدلين ينحصر في تلقي الشهادة عن الغير دون أن يشهدا شخصياً على تلك الوقائع.
وبدورنا نرى أن هذا الرأي وجيه جدا، ومبرَّر، بقي فقط أن ننبه إلى أن الشهادة العلمية هي الأخرى وثيقة استرعائية لابد من الخطاب عليها لتكسب الصيغة الرسمية، طبعاً ليس لأنها تدخل ضمن الاختصاص الأصيل لقاضي التوثيق كما هو الشأن بالنسبة للوثيقة اللفيفية، وإنما يُشترط هذا الخطاب فقط كنوع من الرقابة للقاضي على هذا النوع من الشهادات.
وبالرجوع إلى واقعنا التشريعي، قد يبدو للبعض أن الوثيقة العدلية غير المخاطب عليها، يمكن أن تُعتبر ورقة عرفية استناداً إلى الفصل 423 ق.ل.ع ، فيما يُعرف بنظرية تحول الدليل من الرسمية إلى العرفية. غير أن هذا التصور ليس صحيحاً، إذ لا يمكن للوثيقة العدلية غير المخاطب عليها أن تُكيَّف على أنها ورقة عرفية، ببساطة لأن الرسم العدلي يأتي خلواً من توقيع الأطراف، ومنه فإن الوثيقة العدلية غير المخاطب عليها لا تحوز أية قيمة إثباتية، أو كما عبر عن ذلك أحد الفقه  تغدو هذه الورقة "مجرد زمامٍ لا أثر له".
- ما طبيعة الرسمية التي يضفيها الخطاب على الوثيقة العدلية؟
بمعنى، هل تشمل الرسمية التي يضفيها الخطاب على الوثيقة العدلية، شكلها ومضمونها، أم الشكل فقط؟
يرى البعض أن:" خطاب القاضي على الوثيقة العدلية لا يترتب عليه بالضرورة إعطائها قوة ثبوتية قاطعة للحق الذي تشهد بمضمنه، وأن تسليمها لصاحبها قد ينفعه في الاحتجاج به دون ضمان لنتيجة الحكم الذي أُدليت فيه كوسيلة إثبات كتابية، والسبب في ذلك أن خطاب القاضي وإن كان يُعطي للوثيقة صفة الرسمية، فإن ذلك يشمل الشكل فقط، دون الجوهر الذي يظل خاضعاً في مراقبته لمحكمة الموضوع".
ويرى أحد الباحثين  أن هذا الموقف الفقهي يفتقر إلى أساس متين، لأن الصفة الرسمية للدليل الكتابي لا تخرجه عن الرقابة القضائية، التي تنصرف رقابتها أولا إلى التثبت من موجبات إضفاء الصفة الرسمية كصفة محرِّر العقد-أو الوثيقة بصفة عامة- واستمرار هذه الصفة وقت تحرير العقد، كما تنصرف كذلك إلى مضمون الوثيقة من جهة علاقتها بالحق أو التصرف موضوع الرسم. كما أن في الرأي السابق مسايرة لموقف فقهي مهجور، كان يرى في الخطاب على الرسم العدلي مجرد شكلية غايتها التأكيد على أن العدلين الذين حرّرا الرسم منتصبين للإشهاد في دائرة نفوذ القاضي المخاطِب، وأن لا رقابة له على صحة الوثيقة، وهذا ما يُخالف صريح المادة 35 من ظهير خطة العدالة، الذي يؤكد على أن الخطاب على الوثيقة لا يتم إلاّ بعد التأكد من إتمام الإجراءات اللازمة، وخلوها من النقص وسلامتها من الخلل.
ونحن لا نؤيد الرأي الأول ولا الثاني، بل نرى أن هذا النقاش في عمومه يفتقد للدقة، لأن الورقة الرسمية في حد ذاتها –أي ورقة رسمية، بصرف النظر عن محتواها والجهة المصدرة لها- تحتضن من البيانات ما لا يطعن فيه إلا بالزور وكذلك تتضمن ما يمكن الطعن فيه بغير الزور، وبالنسبة للوثيقة اللفيفية سنقف على تفصيل ذلك حين التعرض لطبيعتها القانونية.
-مدى إمكانية الاستغناء عن خطاب قاضي التوثيق؟
ينادي البعض بإلغاء خطاب قاضي التوثيق، ونخص بالذكر السادة العدول، فيما يُعرف بتسوية وضعيتهم، وتحقيق المساواة بينهم وبين "الموثقين العصريين"، وهذا التوجه مدعوم من بعض الفقه كذلك، إذ يعتبر أن:" عبارة الخطاب لم تعد لها أية وظيفة، لأن قاضي التوثيق يضفي الصيغة الرسمية على الوثيقة العدلية كما يضفيها الموثق العصري على محرَّره، فمؤسسة الخطاب كانت لها وظيفتها في سياق تاريخي معين، أما في وقتنا الحاضر فلا تعدو أن تكون "تبريكاً"، حيث انتقلنا من خطاب بالرسم إلى ترسيم بالخطاب" .
غير أنه في اعتقادنا، وجب الربط بين هذه المطالبة والأهداف المتوخاة من ورائها، فإلى أي حد سيفيد تحققها منظومة التوثيق؟
ينبغي في هذا الصدد وضع أجوبة دقيقة ومجرَّدة كليا عن المصالح المهنية والنقابية الصرف.
فمهما كان الأمر، يبدو أن إلغاء الخطاب سيفقد الوثيقة اللفيفية إجراء له من الأهمية ما يجعله غير قابل للاستغناء عنه، خاصة في الظروف الراهنة وما تحمله من تدنٍّ للوازع الديني.
بالإضافة إلى ذلك، فالدفاع عن استقلالية الوثيقة العدلية، بعدم خضوعها لرقابة القضاء، خاصة فيما يتعلق بخطاب قاضي التوثيق كإجراء شكلي، يقتضي من جهة أن يكون العدل على مستوى عالٍ من التكوين والكفاءة العلمية الشرعية والقانونية، ومن جهة ثانية لابد من مراجعة القوانين المتعلقة بمهنة التوثيق العدلي، من حيث تحديد المسؤوليات في تلقي وتحرير الوثائق العدلية، وكذلك يتعين إحداث مدونة تنظم السلوك والقيم الأخلاقية لهذه المهنة .
وحتى لو اضطررنا إلى إلغاء خطاب قاضي التوثيق، فمن وجهة نظرنا ينبغي أن يكون هذا الإلغاء جزئياً فقط، إذ ينبغي أن يقتصر على الوثيقة الأصلية، دون أن يمتد للوثيقة الاسترعائية، وبخاصة اللفيفية.

الفقرة الثالثة: استفسار شهود اللفيف
الاستفسار، ويُقال له الاستفصال، وهو استفهام الشهود عما شهدوا به . والغاية منه التأكد من أن ما دوَّنه العدول صادر فعلاً عن الشاهد، وتبيان الإجمال إذا شاب شهادة الشاهد واختبار الشاهد نفسه لعله كذب في شهادته الأولى .
فالاستفسار إذن هو "شرح لمعنى اللفظ إن كان غريباً أو مجملاً، ويقع بهل أو الهمزة أو نحوهما مما يُطلب به شرح الماهية" . وهو بهذا المعنى، يوازي ما يصطلح عليه بعض فقهاء القانون ب"التحقيق القضائي"، الذي يتولاه القاضي للتعرف على الشهود والاستماع إليهم، باستعماله لكافة الوسائل القضائية المتاحة للكشف عن الحقيقة ومدى صدق الشاهد في شهادته .
والمتعارف عليه لدى فقهاء المالكية، أن استفسار شهود اللفيف، إنما يعني إعادة سؤالهم عن موضوع ما شهدوا به من قبل؛ ذلك أنه لما ذاع وشاع استعمال اللفيف من غير إعمال لضابط يُقيِّده، وظهر أن بعض الشهود يتراجعون عن شهادتهم، ظهرت الحاجة إلى استفسار الشهود بإعادة مضمون الشهادة بمعناها لا بلفظها، فالإعادة المطلوبة هنا ليس المراد بها إعادة نفس صياغة الشهادة الأولى مبنى ومعنى، وإنما المراد الاقتصار فقط على إعادة ذات مضمون الشهادة، ولو بتعابير وألفاظ مختلفة عن تلك السابقة، وإلاّ كان تكليفاً بما لا يُطاق .
بعد هذا التحديد المفهومي لمعنى الاستفسار، سنتعرض لبعض الإشكاليات التي يثيرها، ومن أبرزها؛ تحديد من يملك حق الاستفسار، وكيفية إجراءه، وبيان حكمه وتعيين أجله، وكذا إبراز الأثر المترتب عن تراجع الشهود؟
أولا- من يحق له الاستفسار؟
اختلف الفقه حول من يملك حق الاستفسار، هل هو القاضي أم الخصم أم هما معاً؟
وهكذا يقول الشيخ أبو الفضل العقباني:" إن الاستفسار لا حق فيه للمشهود عليه، وإنما الحق والنظر فيه للقاضي" .
ويقول الشيخ محمد العربي الفاسي:" والظاهر أن الحق في الاستفسار هو للقاضي وللخصمين كذلك، وقد ينفرد به أحدهم في بعض الصور، لأنه قد يكون عند المشهود عليه، أو المشهود له، معرفة لحقائق يظهرها وقت الاستفسار، فينكشف حينئذٍ للقاضي وجه الحق فيزيد استبصاراً بالقضية، وكل ما يزيد القاضي استبصاراً بالقضية كان مطلوباً، وعليه فيُعطى الحق لكل طرف أن يوجه أسئلته بواسطة القاضي للشهود حول النقط التي تكون خفية" .
بينما يقول الشيخ المهدي الوزاني:" إن الاستفسار لا يشمل الشهود العدول إلاّ إذا كان في شهادتهم إجمال أو احتمال، ويكون عن طريق القاضي بمحضر عدلين، والاستفسار بصفة عامة إنما يقصر على الشهود اللفيف ولا يكون استفسارهم ابتداءً، بل حتى يطلبه الخصم، أما قبل طلب الخصم فلا يُعتد به، ويُعتبر بمنزلة من حلف قبل أن يطلبه خصمه باليمين، بحيث تُعاد اليمين بعد الطلب، وكذلك يُعاد الاستفسار الذي أُجري بدون طلب الخصم بعد طلبه" .
هذا على مستوى الفقه، أما على مستوى العمل القضائي، فيميِّز أحد الدارسين  بين فترتين زمنيتين؛ أولهما تلك التي كان خلالها مجلس الاستئناف الشرعي، أعلى هيئة قضائية بالمغرب، آنذاك  كان الاستفسار يُعتبر حقاً للقاضي والخصم على السواء. وقد استدل بحكم جاء فيه:" عدم استفسار الموجب اللفيفي لا يقتضي بطلانه، لأن الاستفسار إما أن يكون من حق القاضي كما قال بعضهم. وإمّا أن يكون من حق الخصم على ما استقر عليه عمل فاس" .
وثانيهما بعد تأسيس المجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً)، حيث استقر الاجتهاد القضائي على اعتبار الاستفسار حقاً أصيلاً للقاضي فقط، لأنه بمثابة التزكية، وبرهن على ذلك بمجموعة من القرارات، من بينها قرار جاء فيه:" الاستفسار.. يعتبر حقاً للقاضي" .
وعلّق على هذا الموقف القضائي الثاني، بأنه:" رأي سديد يُمكِّن القاضي من إلباس كل حالة لبوسها، يركن إليه إذا رأى أنه ينتفع به لحسن سير العدالة".
وفي اعتقادنا، فإن الموقف الأصح هو منح إمكانية طلب الاستفسار للطرفين معاً، سواء تعلق الأمر بالقاضي أم بالخصم، منعاً لكل التباس.
ثانيا- كيف يتم الاستفسار؟
يُكتب الاستفسار في رسم مستقل على يد عدلين، ولا يكفي فيه العدل الواحد، ويكون بإذنٍ من القاضي، وكيفيته: أن يقرأ العدل رسم اللفيف على شهوده قراءة تُفهم. فإذا أكمل قراءته، سأل كل واحدٍ منهم عن شهادته، وكيف أدّاها، وعن مستند علمه فيها، فإذا أجاب بشيءٍ كتبه حرفاً حرفاً ولو ملحوناً، أو يكتب العدل ما صرَّح به الشاهد بمعناه لا بلفظه، ثم يسأله عن كل فصل " أي عن كل بند من بنود الشهادة"  يتوقف تمام الشهادة عليه، على حدَّته، ويقول له، علمك في هذا الفصل؟ وفي هذا؟ فإذا لم يحصل تطابق بين المصرَّح به في الشهادة والمصرح به في الاستفسار، رُدّت شهادة من تَخالَف قوله، واُعتمد الباقي إن كان كافياً لقيام البينة، أو نصفها وهو ستة رجال. والمعتبر الاتفاق في المعنى، لا في اللَّفظ .
ثالثا- ما حُكم الاستفسار؟
لقد اختلف الفقه حول مدى لزوم الاستفسار، فذهب اتجاه إلى عدم وجوبه، ومن بين هؤلاء نجد؛ الشيخ أبي الفضل العقباني، والشيخ أبي الحسن الصغير، وعبد الله العبدوسي، والعربي الفاسي، والشيخ المهدي الوزاني، وقد استندوا في رأيهم على مجموعة من المبرِّرات، من بينها :
- أن مظنة الاستفسار إما إجمال أو إبهام يعتري شهادة اللفيف، وهذا الإجمال والإبهام ليسا لازمين لشهادة اللفيف، فيكون الاستفسار غير لازم أيضاً، طالما أن الاستفسار يدور مع علّته وجوداً وعدماً.
- أن شهود اللفيف مدخول فيهم ابتداءً على عدم العدالة، فلزم بذلك عدم استفسارهم إلاّ للضرورة الملحة.
- أن الاستفسار بمثابة أداء ثانٍ للشهادة، والشاهد غير مُلزم بأداء الشهادة مرتين، لما في ذلك من إضرار به.
ومقابل هذا الاتجاه، ذهب بعض فقهاء التوثيق إلى القول بلزوم استفسار شهود اللفيف عمّا حصل لهم في مستند علمهم مطلقاً، في كل واقعة شهدوا بها، طلبه المشهود عليه أم لم يطلبه، وهو قول القاضي محمد عبد العزيز الفيلالي، والشيخ التسولي، والشيخ الزقاق، وأكثر الفقهاء النوازليين، مستدلين على صحة مذهبهم بعدة مؤيدات، أبرزها :
- أن الاستفسار قائم مقام تزكية الشهود، قال التسولي:" ثم لابد من الاستفسار؛ لأنه قائم مقام التزكية، وسواء كان في الرسم إجمال أو احتمال أم لا" .
- أن الاستفسار يجعل المشهود له يطمئن إلى صدق الشهادة التي أصبح الأصل فيها الاسترابة.
- أن الإدراك القبلي للشهود بحتمية استفسارهم، يحملهم على الصدق في شهادتهم.
- أن بعض الشهود قد ينكرون شهادتهم أو يتراجعون عنها، أو يشهدون لاحقاً بخلافها، فكان لازماً استفسارهم.
وعلى غرار الاختلاف الفقهي، فإن العمل القضائي بدوره لم يستقر على اتجاه موحد بخصوص وجوب الاستفسار من عدمه ؛ فتارة يذهب المجلس الأعلى (محكمة النقض) إلى اعتبار الاستفسار لازماً، حيث لا يجوز لمحكمة الموضوع العمل بمضمن شهادة اللفيف إلا بعد الاستفسار، وإلا كان حكمها معرَّضاً للنقض ،وتارة أخرى يعتبره أمراً غير لازم، ولا يُعد شرطاً لصحة شهادة اللفيف .
وبرجوعنا لمشروع قانون اللفيف، نجد المادة 12 تنص على أنه:" يتعين على الكاتب بالعدل أن يتأكد من سماع فصول الشهادة من كل شاهدٍ على انفراد بتفصيل؛ واستفساره عما أبهمه وأجمله؛ مع سؤاله عن مستند علمه بدقة".
المُلاحظ إذن، أن الاستفسار حسب هذه المادّة سيُجرى أثناء تلقي الشهادة، مما يَنِمُّ عن اتجاه نية المشرع إلى الاستغناء عنه، وما يعضِّد رأينا هذا، أن المادة 13 من نفس المشروع نصت على ما يلي:" يُغني سماع الشهادة بالكيفية المقرَّرة في أحكام هذا القانون عن استفسار الشهود لدى كاتب بالعدل آخر".
رابعا- ما هو أجل الاستفسار؟
لقد وقف الفقه موقفا متباينا من ضرورة تحديد أجل للاستفسار من عدمه، فالرأي الأول استحسن تحديد أجل إجراء الاستفسار في ستة أشهر كحد أقصى، وذلك من تاريخ علم المشهود عليه بالرسم اللفيفي المحتج به عليه، وعلّل أنصار هذا الرأي موقفهم، باحتمال نسيان الشاهد للشهادة التي سبق له أن أدلى بها والمضمَّنة بالوثيقة اللفيفية، لأن مرور الزمن مظنَّة النسيان، ومع النسيان يتسرَّبُ الاحتمال، والاحتمال مانع من القضاء اتفاقاً .
أما الرأي الثاني، فيرى أنه لا ضرورة لتحديد أجل الاستفسار، بل يُستحسن تركه مطلقاً، بحيث يُمكن للخصم المطالبة به في أي وقت شاء. لأن الشهادة تبقى راسخة، ولا تُنسى مهما طال الزمان .
والذي جرى عليه العمل التوثيقي بالمغرب، أن الخصم إذا ادعى مطعنا في شهادة اللفيف مُكِّن من الاستفسار داخل أجل ستة أشهر من تاريخ أداء الشهادة اللفيفية، فإذا تقاعس عنه، حُرِم منه، إلاّ لعذر مانع كغيابٍ، أو حبسٍ، أو صِغر أو تحجير، أو عدم علم. إذن فمدّة الستة أشهر، إنما تُلزم الشخص الذي يكون عالما بإقامة البينة في مواجهته، أما إذا لم يكن عالما بها، مُكِّن من الاستفسار بغير قيد زمني. ويرى البعض أن هذا الموقف سديد، إذ قد يحدث أن يُنشئ أشخاص وثائق لفيفية، ولا يستدلون بها إلا بعد انصرام أجل ستة أشهر، لحرمان المشهود عليه من حقه في الاستفسار .
وهذا الاختلاف الفقهي، انعكس على العمل القضائي أيضاً، فبالرجوع إلى القرارات الصادرة عن محكمة النقض، يتضح أنها لم تستقر على رأيٍ موحد، مزكية بذلك التضارب بين قراراتها المتعلقة بشهادة اللفيف ، فتارة تتبنى الرأي الأول الذي حدد أجل الاستفسار في ستة أشهر كحد أقصى ، وتارة تأخذ بالرأي الثاني الذي لا يرى ضرورة لتحديد أجل للاستفسار .
والحقيقة أن الاختلاف الحاصل بشأن أجل الاستفسار، لا على مستوى الفقه ولا على مستوى القضاء، يجد أساسه في تعارض بين مبدأين بالغيْ الأهمية، وهما؛ العدالة من جهة كهدف أسمى يسعى القانون لتحقيقه، وهذا ما يتمسك به أنصار إطلاق الأجل، ومن جهة ثانية نجد هاجس الحفاظ على استقرار المعاملات، وتحقيق الأمن القانوني والقضائي، وهذا ما يتوخاه أنصار تقييد الأجل.
وإذا كان البعض ، يؤيد الاتجاه الأول، على اعتبار أن الاستشهاد بالرسم اللفيفي غالباً ما يتم بعد انصرام أجل معتبر من إقامته، فيكون للمشهود عليه دائماً الحق في طلب استفسار شهود اللفيف متى نازع فيه، إذ الأصل في الشهادة أنها تبقى راسخة في الأذهان، لا تُنسى مهما تباعد الزمان. فإننا نُؤيد الاتجاه الثاني، قياساً على مجموعة من المؤسسات القانونية التي تخضع للتقادم والسقوط، فقط مع مراعاة أجل مناسب لذلك.


خامساً- ما هي الآثار المترتبة عن تراجع الشهود؟
قد يترتب عن استفسار الشهود، تراجعهم عن شهادتهم، لعدة أسباب؛ كأن يتبين لهم أن مضمون الشهادة لا ينسجم مع ما شهدوا به أمام العدول، مثال ذلك أن يؤدوا شهادة قصد إثبات اتصال الورثة بمورثهم (رسم إراثة)، ثم يُفاجئون بأن الأمر يتعلق برسم ملكية لعقار لا حق للمشهود له عليه. وقد يضطر الشهود للتراجع تحت وطأة التهديد والتخويف من قِبل خصم المشهود له، بل وقد يتراجعون بيعاً لضمائرهم حتى وإن كانت شهادتهم صحيحة .
والرجوع عن الشهادة، كما عرفه ابن عرفة هو:" انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه" .
وقد جرى العمل على قبول الرجوع في الشهادة، سواءٌ قبل الاستفسار أم بعده، وهذا ما أكده المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، في قرار جاء فيه:" إن العمل جرى بقبول رجوع الشاهد عن شهادته ولو لم يكن أمام القاضي الذي أُديت عنده أولا، وأن الاستفسار لا يحول دون رجوع الشاهد" .
وموضوع الرجوع في الشهادة، يثير مجموعة من الإشكاليات، أبرزها:
-أمام من يتم هذا الرجوع، وهل يمكن أن يكون بموجب محرر عرفي؟
اختلف القضاء بخصوص هذا الأمر، فتارة لا يأخذ بالتراجع إلا إذا صدر أمام القاضي أو من قدَّمه لذلك "أي العدول"، كما جاء في القرار المجلس الأعلى عدد 997 بتاريخ 20/3/2002، حيث جاء فيه:" إن رجوع الشاهد لا يُقبل إلاّ إذا كان أمام القاضي أو من يُقدِّم القاضي لذلك" . وتارة أخرى يأخذ بالتراجع ولو صدر بموجب شهادة مصححة الإمضاء، كما جاء في قرار صادر عن نفس المجلس :"... بالإضافة إلى تراجع شهودها العشرة حسب الإشهاد العرفي المؤرخ في 20/11/1997 بالنسبة لرسم الاستمرار عدد 92 ص 94 المُنجز في 21/06/1994 وإنه نتيجة لذلك يكون القرار معللا وغير خارق لقواعد الإثبات".
وهذا التضارب، يُعد من بين أبرز المشاكل الذي جاء مشروع قانون اللفيف للحد من خطورته، وهكذا نجد المادة 21 تنص على أنه: "يجوز للشاهد الرجوع عن شهادته قبل المصادقة على الرسم الذي يتضمنها أو بعده.
يتعين تلقي الرجوع من طرف نفس الكاتب بالعدل الذي تلقى الشهادة المُتراجع عنها فيما إذا كانت غير مُصادق عليها من طرف القاضي.
يجوز تلقي الرجوع من طرف نفس الكاتب بالعدل أو غيره ممن يُزاولون في نفس الدائرة فيما إذا كانت الشهادة مصادقاً عليها.
يُدلي الراجع بنسخة من الشهادة المتراجع عنها إذا تمت المصادقة عليها ويُبين أسباب رجوعه".
المُلاحظ إذن، أن المادة أعلاه قد ميّزت بين فترتين زمنيتين، وهما؛ ما قبل خطاب قاضي التوثيق على الوثيقة اللفيفية، وما بعد هذا الخطاب.
فقبل الخطاب، يكون العدل المتلقي للشهادة هو الوحيد المختص بتلقي الرجوع دون غيره، أما بعد الخطاب، فيجوز تلقي الرجوع من طرف عدل آخر، شرط أن يكون مزاولا لمهنته في نفس الدائرة.
فأمام وضوح النص إن كُتب له أن يدخل حيز التنفيذ، يظل القول بإمكانية الرجوع بشكل عرفي، ضرب من العبث الذي نحسب قضاءنا منزه عنه.
- إشكالية الرجوع عن الرجوع، وموقف القضاء منها؟
الرجوع عن الرجوع يُعدُّ ندماً، وينزل منزلة الرجوع عن الإقرار، وبالتالي فهو غير مقبول .
وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى  ما يلي:" تكون المحكمة قد تجنبت الصواب لما رفضت الاعتداد بالرسم الذي يُفيد رجوع بعض الشهود عن شهادتهم بعلة أن استفسارهم يؤكد عدم رجوعهم في شهادتهم مع أن الاستفسار لا يفيد رجوع الشهود عن رجوعهم وإنما هو تأكيد للشهادة الأصلية. أما تأكيد هؤلاء الشهود لشهادتهم أثناء البحث معهم بشأنها فيُعدُّ رجوعاً في الرجوع وهو غير مقبول فقهاً مما يتعين معه إبطال شهادتهم".
- هل يؤدي الرجوع في الشهادة إلى إبطال الوثيقة؟
فإذا كان بدهيا أن تُبطل الوثيقة اللفيفية إذا تراجع جميع شهودها، وبالتالي تُجرّد من قيمتها الإثباتية، فإن التساؤل يُطرح بخصوص تراجع بعض الشهود، فهل يؤدي إلى نفس النتيجة؟
يبدو أن المسألة تندرج ضمن دائرة السلطة التقديرية للمحكمة، وهكذا على سبيل المثال، جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض) :" إن رجوع شاهدين من شهود اللفيف لا يؤثر في صحته إذا شمل الملف ما يعزز تصريحات النافين من الشهود".
وجاء في قرار  آخر:" رجوع الشهود عن الشهادة لا تأثير له على صحة الإراثة المنجزة بعد وفاة المورث مباشرة".
وفي نفس الاتجاه نصت المادة 24 من مشروع قانون اللفيف على أنه:" تُعتبر ملغاة شهادة الشاهد وحده إذا تراجع عنها، وشهادة اللفيف إذا تراجع جميع شهودها".
عموماً فالراجع عن الشهادة يتحمل مسؤوليته طبقاً للقواعد العامة ، كما أنه يحق لأي متضرر مطالبته بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جرّاء هذا الرجوع .
أما إذا ترتب عن رجوع الشاهد شهادة زور ، فإن ذلك يؤدي بداهة إلى إلغاء الشهادة، فضلا عن إيقاع الجزاء على شاهد الزور، ويتفاوت هذا الجزاء حسب ما إذا كان قد شهد زوراً بدون مقابل حيث يُعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرون إلى ألفي درهم، أما إذا ثبت أنه شهد زوراً مقابل نقود أو مكافأة من أي نوع كانت، أو حصل على وعدٍ بذلك، فإن عقوبة الحبس يُمكن أن تصل إلى عشر سنين والغرامة إلى أربعة آلاف درهم .
ويجدر التنبيه أخيراً إلى أن الرجوع في الشهادة أو تزويرها، يعرِّض العدول لكثير من المشاكل والمضايقات، بل والمتابعات أيضاً، مما جعلهم يتذمرون من هذه الوضعية، ويُطالبون بإلحاح بإيجاد حل لهذه الإشكالية، والتي نرى أن المصادقة على مشروع قانون اللفيف، وإن لن يبددها بشكل كامل، فإنه على الأقل سيحدُّ من خطورتها.

المطلب الثاني
الطبيعة القانونية للوثيقة اللفيفية
إذا كانت شهادة اللفيف تفتقد لنظام قانوني يضبطها، وبالضرورة يُرجع للقواعد الفقهية للعمل بها، فإن القضاء هو الذي يضمن لهذه القواعد فعاليتها، فهو إما أن يعمل على تحقيق مقاصدها، أو عكس ذلك فيجردها منها. وهكذا فشهادة اللفيف تحوز حجية أولا لكونها وسيلة للإثبات، قرّرها الاجتهاد الفقهي المالكي منذ زمن، وثانيا فهي تستمد حجيتها ولو بشكل ضمني من القانون نفسه .
لذلك فتحديد الطبيعة القانونية للوثيقة اللفيفية، يكتسي أهمية بالغة، نظراً لكونه ينطوي على قوتها الثبوتية، والقوة الثبوتية للورقة (force probante) هي المعيار الذي تقاس به قيمتها.
وهكذا نجد اختلافا في آراء الفقه وتضارباً على مستوى الاجتهاد القضائي فيما يخص الطبيعة القانونية للوثيقة اللفيفية، فتارة يعتبرها ورقة رسمية (الفقرة الأولى)، وتارة أخرى يحسبها شهادة شهود (الفقرة الثانية)، وأحيانا يُكيِّفها على أنها مجرد قرينة (الفقرة الثالثة)، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن هذا التحديد يُعدُّ إشكالا عويصاً، إن لم يكن أبرز إشكال يواجه موضوع شهادة اللفيف برمته، لأنه ببساطة يَمَس غايتها.
الفقرة الأولى: الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية
يتعين علينا (أولا) أن نبين علاقة الوثيقة اللفيفية بالورقة الرسمية، ثم نوضح (ثانيا) الآثار المترتبة عن اعتبار الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية.



أولا- علاقة الوثيقة اللفيفية بالورقة الرسمية
نظم المشرع الكتابة كوسيلة للإثبات، وأفرد لها فصولاً محدّدة في قانون الالتزامات والعقود (من الفصل 416 إلى الفصل 442)، وبيَّن طبيعتها وشروطها وأحكامها وآثارها. وقسّم الحجة الكتابية إلى ورقة رسمية وأخرى عرفية.
والورقة الرسمية هي تلك "..التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يُحدِّده القانون.
وتكون رسمية أيضاً:
1-الأوراق المخاطب عليها من القضاة في محاكمهم؛..." .
والوثيقة اللفيفية كما سبق بيانه؛ هي ورقة يحررها العدول المنتصبون للإشهاد، داخل دائرة نفوذ محكمة الاستئناف التابعين لها ، وتحال على القاضي المكلف بالتوثيق للمخاطبة عليها عن طريق إشهاده على العدلين بثبوت الرسم وصحته لديه .
ورغم التطابق الواضح بين ما تقتضيه الورقة الرسمية، والشكل الذي تُصب فيه الوثيقة اللفيفية، فإن أحد الباحثين لا يستسيغ اعتبار الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية، إذ ينكر أية مقارنة بين شهادة اللفيف والورقة الرسمية؛ ويبرر ذلك بكون الموثق للورقة الرسمية يتلقى مباشرة تصريحات الأطراف المتعاقدة ويقوم مقامهم في تحرير العقد، أما بالنسبة لشهادة اللفيف، فالعدل يتلقى تصريحات أشخاص أجانب عن الاتفاق. ثم يضيف أن الورقة الرسمية تنشأُ مع الالتزامات، بينما اللفيف يأتي لإثبات واقعة سابقة لم تُضمن ابتداءً في محرر كتابي.
ونعتقد مع أحد الدارسين ، أن الرأي السابق قد أخطأ في تحديد السند القانوني لرسمية الوثيقة اللفيفية من عدمها، وذلك باعتماده في مناقشة طبيعتها القانونية مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 418 ق.ل.ع، في حين أن العبرة بالفقرة الثانية من الفصل نفسه، والتي تُعطي الطابع الرسمي للورقة بمخاطبة القاضي عليها.
وإذا سلمنا بكون الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية، فما هي الآثار المترتبة عن ذلك؟
ثانيا- الآثار المترتبة عن اعتبار الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية
طِبقاً للفصلين 419 و420 من قانون الالتزامات والعقود، فإن الورقة الرسمية حجة قاطعة على ما ضُمِّن بها، ولا يُمكن الطعن فيها إلاّ بالزور، غير أن الطعن بالزور، طبعاً لا يشمل كافة بنود الورقة الرسمية، فهناك بيانات لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، وبيانات أخرى يمكن الطعن فيها بأي وسيلة أخرى.
وقياساً على ذلك، إذا اعتبرنا الوثيقة اللفيفية ورقة رسمية، وجب علينا معرفة الجانب الذي لا يُمكن الطعن فيه إلاّ بالزور، والجانب الذي يصح فيه إثبات العكس بمختلف الوسائل المتاحة قانوناً .
يجيبنا أحد الباحثين بأن بنية الوثيقة اللفيفية تتشكل من أجزاء ثلاثة من البيانات وهي؛
- صِنفٌ أول مصدره شهود اللفيف، وهو ما يسجله العدل المتلقي في الرسم اعتماداً على تصريحات كل شاهد.
- صِنفٌ ثانٍ مصدره العدل المتلقي، وهو ما يُخبر به قاضي التوثيق، من كون الشهود قد أدُّوا شهادتهم لديه، وكذلك باقي البيانات المتعلقة بالتاريخ والتوقيع من الأطراف، وحضور الشهود.
- صِنفٌ ثالث مصدره القاضي، وهو ما يضمنه في الوثيقة باعتباره سمعه من العدل المتلقي، إضافة إلى تاريخ خطابه وتوقيعه.
فأما الصنف الأول، فيبقى مجرَّد تصريحات محتملة ليست لها أية قيمة في الإثبات، لأن المشرع لم يُضفِ عليها صفة الرسمية.
وأما الصنف الثاني، فهو الآخر لا تثبت له الحجة القاطعة، ذلك لأن العدل المتلقي ليس موظَّفاً له صلاحية التوثيق ولأن المشرع أعطى صفة الرسمية للأوراق بعد الخطاب عليها من طرف القاضي، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإن الفقه الإسلامي قد فتح باب التجريح على مصراعيه للطعن في شهادة العدول، وبالتالي فالقول بأن؛ ما سمعه العدل أو عاينه لا يُطعن فيه إلاّ بالزور، هو قول ليس له سند أو دليل، لا في الفقه، ولا في القانون.
وانطلاقاً مما سبق، فإن شهادة اللفيف-حسب هذا الرأي- لا تحمل صفة الورقة الرسمية، إلاّ بعمل القاضي، وتبعاً لذلك فإن صفة الحجة القاطعة غير القابلة للطعن بالزور، لا تثبُت إلاّ للصنف الثالث، أي لما يدونه القاضي في رسم اللفيف. بمعنى   - و بعبارة أدق-، فالرسمية تثبت فقط لصيغة الخطاب مرفقة بالتاريخ والتوقيع لا غير، أمّا باقي البيانات، فإنها تُحمل على الصحة، ويُمكن الطعن فيها بغير الزور.
وخلاف هذا الرأي، ذهب البعض  إلى أن الصِّنف الثاني من البيانات، أي التي يكون مصدرها العدل المتلقي، هي الأخرى تحوز صفة الرسمية، لأن العدل يعتبر نائباً عن القاضي في تلقي الشهادات؛ إذ الأصل في تلقي الشهادة أن يكون من طرف القاضي، إلاّ أنه نظراً لكثرة أعبائه وتنوع شواغله وعدم تيسُّر مباشرته لسائر الأمور، فإنه يُنيب عنه من يتلقى الشهادة عوضاً عنه، وتبعاً لذلك فإن جميع البيانات والوقائع التي حضرها العدل، أو وصلت إلى علمه بعد إظهاره لكيفية وصولها إليه، أو التي شاهدها أو سمعها أثناء تلقيه للإشهاد، أو تلك الصادرة عن المشهود لهم أو الشهود في محضره، إذا ضمَّنها العدل في الوثيقة على النحو الذي تحدِّده قواعد التوثيق، وقام القاضي بالمخاطبة عليها بعد ثبوتها لديه، فإنها تحوز صفة الرسمية، وتُعدُّ بذلك دليلا قاطعاً لا يُطعن فيه إلاَّ بالزور.
وإن كان يبدو لنا الرأي الثاني أقرب للصواب، فذلك للمؤاخذات التي أمكن لنا تسجيلها على الرأي الأول، وهي كالآتي:
- يؤاخذ عليه أولا خلطه بين تجريح العدل كشخص في صفته، والطعن في الوثيقة كورقة في حجيتها وشتان بين الإثنين.
- كما يؤاخذ عليه ثانيا الفهم المحدود لدور الخطاب، فإذا كان هذا الأخير هو الإجراء الوحيد الذي يُكسي الوثيقة العدلية طابعا رسميا، فلا يعني بالضرورة أن هذا الطابع الرسمي يبقى محصورا في صيغته، ما دام أن قاضي التوثيق من المفروض ألا يضع هذه الصيغة إلا بعد مراقبة الوثيقة شكلا ومضمونا.
- بالإضافة إلى ذلك فالطعن في ما يدونه العدل بمحضر الشهود من وقائع من حيث وجودها -لا صحتها- يعني بالضرورة المس بأمانة وشرف هذا العدل، مما يعني بداهة ومنطقيا سلوك طريق الطعن بالزور.
  ويجدر التنبيه أخيرا إلى وجوب التمييز بين ما إذا كانت هذه البيانات تدخل ضمن اختصاص العدل من جهة، ولها علاقة بموضوع الشهادة من جهة ثانية. فإن كانت كذلك حازت صفة الحجة القاطعة ، وإن كانت خلاف ذلك، عُدَّت بيانات عادية يمكن الطعن فيها بغير الزور.
بقي لنا أن نتساءل عن التاريخ الذي يتوجب الأخذ به في الوثيقة اللفيفية؟
لا شك أن تاريخ الوثيقة العدلية-بشكل عام- يُعتبر شرطاً جوهرياً لصحتها، لما له من أهمية ترتبط بحماية الحق الذي تشهد به. والظاهر أن الوثيقة العدلية وعلى خلاف باقي الوثائق تتميز بتعدد التواريخ التي تتضمنها، وذلك اعتباراً لخصوصية المراحل التي تمر منها ، فنجد تاريخ التلقي ويُدرج في مقدمة الوثيقة، وتاريخ التضمين ويرد في طرَّتِها، وكذلك تاريخ التحرير والخطاب ويردان أسفلَهَا .
فما هو التاريخ الذي يتعين الأخذ به لحسم بعض المنازعات التي تستند إلى تاريخ الوثيقة، كالتقادم والترجيح بين الحجج...؟
بخصوص هذه المسألة، فالمجلس الأعلى (محكمة النقض) ميَّز بين حالتين:
الحالة الأولى: حين يتعلق الأمر بأطراف الوثيقة، فإن التاريخ الذي يتوجب الاعتداد به هو تاريخ تلقي الشهادة. وهكذا فقد جاء في قرار المجلس الأعلى عدد 527 على أن:" سريان أمد التقادم بالنسبة لبطلان عقد البيع الذي تم بين الطرفين يبدأ لا من تاريخ تدوين المحرر العدلي بسجلات المحكمة، بل من تاريخ الإشهاد" .
الحالة الثانية: حين يتعلق الأمر بالاحتجاج بتاريخ الوثيقة في مواجهة الأغيار، فإن التاريخ الذي يتوجب الأخذ به هو تاريخ تضمين الوثيقة العدلية بسجلات المحكمة، وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى  أن:" العقود التي يتلقاها العدول تكتسب تاريخاً صحيحاً، ويُمكن أن تكون حجة على الغير منذ تاريخ تسجيلها بدفاتر المحكمة".
الملاحظ إذن، أن المجلس الأعلى بهذا التمييز يكون قد عامل الوثيقة قبل الخطاب عليها كورقة عرفية ، يُثبت تاريخها بتضمينها في سجلات المحكمة،
استناداً إلى ما يقضي به البند الرابع من الفصل 425 من قانون الالتزامات والعقود .
وهذا الموقف سليم في نظرنا، ما لم يقم العدل أو المعني بالأمر بتسجيل الوثيقة لدى مصلحة التسجيل والتمبر، قبل تضمينها لدى النُّساخ، -وهذا ما يحدث غالبا- ، لأن هذا التسجيل بدوره يجعل المحرَّر ثابت التاريخ، وتبعاً لذلك يُمكن الاحتجاج به تجاه الغير، ولو قبل تضمينه، وهذا ما تقضي به صراحة البند الأول من الفصل 425 من قانون الالتزامات والعقود.
الفقرة الثانية: الوثيقة اللفيفية شهادة شهود
تعتبر شهادة الشهود من بين وسائل الإثبات التي أولاها المشرع بالتنظيم، موضوعيا، في الفصول من 443 إلى 448 من قانون الالتزامات والعقود، وإجرائيا في الفصول من 71 إلى 84 من قانون المسطرة المدنية.
والملاحظ من خلال التأمل في مختلف هذه النصوص، أن المشرع قد ضيق من نطاق إعمال شهادة الشهود كوسيلة للإثبات، إذ نجد مثلاً الفصل 443 ق.ل.ع ينص في فقرته الأولى على أن:" الاتفاقات وغيرها من الأفعال القانونية التي يكون من شأنها أن تُنشئ أو تنقل أو تُعدل أو تُنهي الالتزامات أو الحقوق، والتي يتجاوز مبلغها أو قيمتها عشرة آلاف درهم، لا يجوز إثباتها بشهادة الشهود...".
واستثناءً من هذه القاعدة، يُمكن مبدئياً اعتماد شهادة الشهود دون قيد في اثبات المعاملات التجارية بين التجار ، وكذلك استثناءً يمكن أن يُقبل الإثبات بشهادة الشهود إذا تعلق الأمر بحالة من الحالات المنصوص عليها في الفصل 448 من قانون الالتزامات والعقود.
وإجرائيا، لا تُقبل شهادة الشهود إلاَّ إذا أُديت أمام القضاء، بصفة منفردة، بعد أداء القسم ، وعدم تجريحهم من أحد الأطراف ، طبقاً لما هو منصوص عليه في قانون المسطرة المدنية.
إذن، من هنا يتضح لنا الفرق الشاسع بين شهادة الشهود المنظَّمة تشريعياً، والتي تستقي أحكامها من القانون مباشرة، والشهادة اللفيفية التي تستمدُّ أحكامها من الفقه المالكي.
فشهادة اللفيف، ليس لها قيد قيمي يحصر نطاق العمل بها في مبلغ معين، بل تُعتبر وسيلة لإثبات حقوق مهمة، سواءٌ عينية كالأملاك العقارية، أم شخصية كالأنساب، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فشهود اللفيف لا يُؤدون شهادتهم شفاهة في مجلس القضاء، كما أنهم يُعفون تلقائياً من أداء اليمين القانونية .
ويبدو أن هذا التباين بين المؤسستين، لا على مستوى مصدريْهِمَا، ولا على مستوى الأحكام المنظمة لهما، هو الذي أدى إلى تضارب بين الأحكام والقرارات القضائية، حيث نجد المجلس الأعلى، تارة يعتبر الوثيقة اللفيفية مجرد لائحة شهود، وهذا ما أكده في أحد قراراته  حيث جاء فيه أن:"... اللفيف العدلي مجرد لائحة شهود. وشهادة الشهود التي يعتبرها الفصل 444 من ق.ل.ع وسيلة من وسائل الإثبات هي الشهادة التي يُدلي بها الشاهد أمام القضاء بعد أدائه اليمين القانونية". وجاء في قرار آخر أن:" اللفيف ورقة رسمية من حيث الشكل، أما من حيث المحتوى فهي مجرد شهادة".
وأحياناً أخرى يعتبرها عكس ذلك، كما جاء في أحد قراراته :" إن شهادة اللفيف التي يتلقاها العدول نيابة عن القاضي وتُسجل عليه هي بمثابة شهادة العدول في إثبات الحقوق وليس مجرد لائحة شهود ولا يُلزم شهودها بأداء اليمين".
غير أنه بتركيزنا الرؤية في مضامين هذه العينة من القرارات، لا نجد بينها تضارب بالمعنى الفني للكلمة، إذ يبدو أن التناقض موجود ظاهرياً فقط، لأن القاضي حين يذهب إلى اعتبار الوثيقة اللفيفية مجرد لائحة شهود من حيث المحتوى، فهو لا يرمي من وراء ذلك إخضاعها لأحكام شهادة الشهود المنظمة تشريعيا في قانوني الالتزامات والعقود والمسطرة المدنية ، وإنما يقصد من ذلك إبعاد صفة الحجة القاطعة عن شقها هذا، وبالنتيجة اعتبارها مجرد تصريحات، تُحمل على الصحة إلى غاية الطعن فيها بأي وسيلة من الوسائل كما أوضحنا ذلك سلفاً، ولا نجد في هذا الموقف أي تعارض مع من يقول برسمية الرسم اللفيفي.
وبقطع النظر عن مدى صحة هذا "التضارب"، فهو مُحتمل جدّا و"مقبول"، إذا أخذنا بعين الاعتبار الفراغ التشريعي من جهة، وتنوع مجالات إعمال اللفيف من جهة أخرى، وكذا تعدد غرف محكمة النقض وضعف التنسيق بينها من جهة ثالثة.

الفقرة الثالثة: الوثيقة اللفيفية مجرد قرينة
نظَّم المشرع القرائن باعتبارها من بين وسائل الإثبات في الفصول من 449 إلى 459 من قانون الالتزامات والعقود.
والقرائن بمقتضى الفصل 449 ق.ل.ع هي:" دلائل يستخلص منها القانون أو القاضي وجود وقائع مجهولة".
فهل ينطبق هذا التعريف على الوثيقة اللفيفية؟
في بعض الحالات يعتبرها القضاء كذلك، كما هو الشأن بالنسبة للقرار الذي جاء فيه أن:" شهادة اللفيف تُعتبر قرينة فعلية تخضع قيمتها كوسيلة إثبات لقضاء الموضوع في إطار سلطتهم التقديرية".
في اعتقادنا، يُمكن التسليم بصحة هذا الموقف في حالة واحدة، وهي الحالة التي يكون فيها الرسم اللفيفي غير تام وناقص لسبب من الأسباب، أما إذا كان مستوفياً لكافة شروطه الشكلية والموضوعية، فإن تكييفه على أنه مجرد قرينة يعدُّ خرقاً صريحاً للأحكام الفقهية والمقتضيات التشريعية المعمول بها.






خاتمــة
إن بعضا من مشاكل شهادة اللفيف التي رأينا الاقتصار عليها في هذه المحاولة، يجوز القول-وبلا تردد- أنها ناتجة بالدرجة الأولى عن إهمال المشرع لها، فما من شك أن الفراغ التشريعي –وهذا ينطبق على أي مؤسسة قانونية- ،  عمق من مشاكل هذه الشهادة سواءٌ على المستوى الموضوعي أم الإجرائي، كما سبق وأن أوضحنا ذلك.
وفي رأينا هذا الواقع لن يرتفع إلا بتدوين وتقنين أحكام هذه الشهادة وفق القواعد المقرَّرة لها فقها وقضاءً، سواءٌ أكان ذلك في مدونة مستقلة (code) أم إقحاماً في ظهير خطة العدالة. ثم تحديث وتجديد هذه القواعد، لتكون مواكبة للوقت الحاضر، ابتغاء تيسير سبل العمل بها، نظراً لحاجة الناس إليها.
وإن كان البعض يرى أن اللفيف لا يكرس إلا عدم الثبات والاستقرار مما يقف عائقا أمام التنمية، فإننا نلاحظ على هذا الرأي مصادرته للمطلوب، لأن المشكل ليس في شهادة اللفيف في حد ذاتها كمؤسسة فرضها ولازال يفرضها الواقع، بقدر ماهو في تعامل المشرع والقضاء معها.







مسرد المراجع
مؤلفات:
- الشيخ التسولي، البهجة في شرح التحفة، ، الجزء الأول، ط.2، دار الكتب العلمية-بيروت 2009.
- .  العلمي الحراق، الوجيز في شرح القانون المتعلق بخطة العدالة، ط2، مكتبة دار السلام، الرباط، 1432-2011.
- ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، الجزء الأول، مطبعة المكتبة العصرية، بيروت.
- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت.
- جمال الطاهري، بنية الوثيقة العدلية، الطبعة الثانية 2006، مطبوعات الهلال، وجدة.
- سعيد كوكبي، الإثبات وسلطة القاضي في الميدان المدني، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 2005
- عادل حاميدي، شهادة اللفيف وإشكالاتها الفقهية والقضائية، ط.2015، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
- عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الإثبات-آثار الالتزام،طبعة 2011، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت-لبنان.
- عبد السلام العسري، شهادة الشهود في القضاء الإسلامي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2007، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.
- محمد الكشبور، بيع العقار بين الرضائية والشكل، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1997.
- محمد الشتوي، المعين في التوثيق وفق الضوابط المنظمة لخطة العدالة، الطبعة الأولى 2001، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش.
- محمد ابن معجوز، وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي، طبعة 1416-1995، دار الحديث الحسنية
- محمد بن أحمد بن جزيّ الغرناطي، القوانين الفقهية، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء.
- محمد شكري سرور، موجز أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار الفكر العربي، طبعة 1989.
مقالات:
- - أحمد الخمليشي، قيمة اللفيف الإثباتية، مجلة المحاماة، العدد 13 أكتوبر 1987.
أحمد أمغار، شهادة اللفيف واعتمادها كحجة إثبات، مجلة رابطة القضاة، العدد 17/16، مارس 1986.
- الطيب لمنوار، القوة الإثباتية في الوثيقة العدلية: -فقها وتشريعا وقضاء-، مجلة الحقوق المغربية، عدد مزدوج 3/2- السنة الثانية- ماي 2007.
- إبراهيم بحماني، القوة الإثباتية لشهادة اللفيف أمام القضاء المدني وآفاقها المستقبلية، مجلة القضاء والقانون، السنة الثلاثون، العدد 146.
- بوشعيب عسال، المحررات...شهادة اللفيف وإشكالاتها...الطعن فيها جنائيا، مجلة الملحق القضائي، العدد 36، مارس  2003.
- جواد بن مغار، المشاكل العملية لشهادة اللفيف بين الفقه والقانون، مجلة المناهج، عدد مزدوج 4-3 سنة 2003.
- - زكرياء غطراف، استفسار شهود اللفيف بين أحكام الفقه واجتهادات القضاء. مجلة الملف، العدد 19، يونيو 2012.
- عبد العالي حفيظ، الرقابة القضائية على صحة المحررات العدلية، مجلة القضاء المدني، العدد 2، السنة 2010.
- عبد القادر بوحامد، القوة الثبوتية لخطاب قاضي التوثيق على المحررات العدلية، مجلة القضاء المدني، العدد الثاني عشر، 2015.
- عبد المجيد عمور، اللفيف ووسائل الإثبات، مجلة المحاماة، الأعداد 12-15، السنة 1978-1979.
- عدي وردا، شهادة اللفيف وآفاقها المستقبلية، مجلة القصر، العدد 21، سنة 2008.
- فاتح كمال، حول شهادة اللفيف وآفاقها المستقبلية، مجلة المعيار، العدد الثلاثون، أكتوبر 2003.
- محمد أحمد بن عبد الله، شهادة اللفيف، مجلة القضاء والقانون، العدد 18.
- محمد الكشبور، مشكلة التنازع بين الفقه المالكي وقانون العقود والالتزامات في مجال العقار غير المحفظ، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية العدد 7- 1984.
- محمد الإدريسي، أحكام شهادة اللفيف وإمكانية الاستغناء عنها، مجلة محاكم فاس، العدد الأول أكتوبر 2003.
- محمد شيلح، مشكل الكتابة في بيع العقار غير المحفظ بالمغرب، مجلة القانون والاقتصاد، عدد 19 سنة 2002.
- محمد القدوري، اللفيف ومقوماته في الفقه الإسلامي، مجلة المحاماة، عدد 21، سنة 1985.
- ناصر ميتوي مشكوري، شهادة اللفيف في مجال الأسرة، دراسة تقييمية، مجلة ندوات محاكم فاس، العدد الأول 1 أكتوبر 2003.
- نور الدين جغراف،لفيف الملكية بين مدونة الحقوق العينية وقرارات محكمة النقض، مجلة المنبر القانوني، العدالة العقارية والأمن العقاري بالمغرب، سلسلة ندوات وأبحاث، الرباط 2014.