القائمة الرئيسية

الصفحات

تدبير الأموال المكتسبة خلال العلاقة الزوجية بين التنصيص القانوني و النّفور الاجتماعي

 



تدبير الأموال المكتسبة خلال العلاقة الزوجية بين التنصيص القانوني  و النّفور الاجتماعي.

بحث من انجاز الطالب جواد اضريب

تمهيد:

جعل المشرع المغربي من خلال القانون 70.03 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004، الذي يعتبر بمثابة مدونة للأسرة، جعل هذه الأخيرة والمرأة خصوصا صلب مشروعه الاصلاحي الذي أزال بموجبه مدونة الأحوال الشخصية وأحل محلها مدونة الأسرة، حيث أضاف من خلال هذه المدونة العديد من المقتضيات التي تهدف بالأساس إلى النهوض بوضعية المرأة داخل الأسرة المغربية.


فقد سعى المشرع الى تنظيم البنية الأسرية حتى قبل نشأتها واضعا بذلك أحكاما تتعلق بالخطبة وبعدها بالزواج، ثم تطرق انتهاء الى انحلال ميثاق الزوجية والآثار الناجمة على ذلك.

 

وحيث ان المشرع يحسب له مجهوده الواضح في النهوض بالأسرة والمرأة المغربيتين، فإنه مع ذلك لم يسلم من الكثير من الانتقادات التي طالت مواد هذه المدونة والتي من بين هذه المواد، التي نالت الحصة الأكبر من الانتقاد، المادة 49 من مدونة الأسرة المتعلقة باقتسام وتدبير الأموال المكتسبة بين الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية، حيث تنص على ما يلي:

"   لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها.


   يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. 


   يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر.


   إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة."


 فبين معارض ومؤيد وبين من يطالب بتعديل وإعادة صياغة هذه المادة، ما تزال المادة التاسعة والاربعون محل نقاش اجتماعي وحقوقي متواصل.


بالرجوع الى الصياغة الشكلية لهذه المادة نجدها وردت في القسم الرابع المعنون بشروط الإرادية لعقد الزواج وآثارها، من الكتاب الأول المعنون بالزواج  وتتكون من أربع فقرات.


و من خلال الاستقراء السطحي للمادة نجد أن المشرع قد نص بداية على المبدأ العام والأصل الذي هو استقلال الذمة المالية لكل من الزوجة والزوج، هذا الذي لا يعتبر مستجدا بحيث أن مدونة الأحوال الشخصية السابقة في الفصل 35 منها، لكن المستجد هنا، و هو الذي صاغه المشرع على أنه استثناء على استقلال الذمة المالية، هو إمكانية الاتفاق على استثمار و توزيع الأموال التي ستكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية وهو الشيء الذي يعتبر حالة صدوره سابقة من نوعها، ثم بعد ذلك انتقل المشرع الى ذكر دور العدلين في اطلاع الأطراف عند إبرام عقد الزواج على إمكانية إبرام هذا العقد في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، كما ان المشرع نص على مسالة الاثبات في حاله عدم ابرام الاتفاق، حيث يواجه الطرفان والطرف المدعي خصوصا صعوبة بالغة في اثبات مساهمته في تنمية الأموال الزوجية، لذلك نص المشرع على الرجوع إلى القواعد العامة للإثبات في مثل هذه الحالات.


 إن تنصيص المشرع على إمكانية تقسيم الأموال المكتسبة بين الزوجين قد أثار حفيظة الكثير من النشطاء سواء في المجال الحقوقي أو الاجتماعي، فهناك من اعتبره طفرة نوعية والتفاتة حميدة الى الانتهاك الصارخ الذي يطال الحقوق المالية للزوجة بالخصوص عند انحلال ميثاق الزوجية، وهناك من يرى أنه ضربٌ للقيم والأعراف والعادات التي وُجد عليها المجتمع المغربي وأنه بداية سيئة للحياة الزوجية التي من المفترض أن تكون مبنية على المُكارمة لا على المُكايسة.

 غير انه بين هذا الرأي وذاك، لا أحد ينكر النُّفور الاجتماعي الكبير من إبرام حيث تشير إحصاءات حديثة إلى أن نسبة الأزواج اللذين يبرمون مثل هذه العقود لا تتعدى 

التي تبرم بالمغرب . من مجموع عقود الزواج%0,25

إن كل هذه المعطيات تُظهر الأهمية الكبرى التي ينالها هذا الموضوع، وفي ذات الحين تطرح إشكالا حول مدى استطاعة المشرع تلبية طلبات المجتمع في هذه المسألة؟

 بالتالي لابد لنا خلال تطرقنا لهذا الموضوع أن نتحدث اولا على التنصيص القانوني على اقتسام الأموال المكتسبة خلال قيام العلاقة الزوجية (المبحث الأول) لننتقل بعدها الى إلى محاولة فهم وتفسير النفور الاجتماعي من إبرام هذا الاتفاق (المبحث الثاني).  



المبحث الأول: التنصيص القانوني على اقتسام الأموال المكتسبة أثناء قيام العلاقة الزوجية.

لا أحد ينكر ان استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين كان أمرا معهودا قبل صدور مدونة الأسرة، بل إن الأمر كان يتم العمل به حتى قبل نشأة التشريعات الحديثة، حيث ان التشريع الاسلامي الحنيف أثبت للمرأة حق التملك و التصرف و الانتفاع في ما تملكه من اموال وجعل لها ذمة مالية مستقلة ، و هو الأمر الذي ظل العمل به قائما الى أن جاء المشرع المغربي بمدونة الاحوال الشخصية التي أكدت نفس المبدأ في الفصل 35 منها وقد سار التشريع المغربي على نفس المسير من خلال ثورته التشريعية الهادئة  المتمثلة في إصدار مدونة الأسرة سنة2004

حيث أنه من خلال المادة 49 جعل من استقلال الذمة المالية للزوجين مبدأ وقاعدة عامه وما هذا إلا تأكيد منه على التمسك بمصادره الأساسية التي يكون على راسها الشريعة الإسلامية والاعراف المحلية. 

  لكن التعديل الاهم الذي جاء به المشرع من خلال هذه المادة هو ذلك الذي يمكن للزوجين من خلاله الاتفاق بتراضيهما في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج على الطريقة التي يرونها ناجعة لاستثمار اموالهما  التي سيكتسبانها خلال العلاقة الزوجية.

وللتوسع أكثر سنأتي على هذا الفصل في مطلبين،

المطلب الأول: تأكيد المشرع على مبدا استقلالية الذمة المالية لكل زوج من الزوجين.

المطلب الثاني: اقرار المشرع لإمكانية الاتفاق على توزيع الاموال المكتسبة بين الزوجين.



المطلب الأول: تأكيد المشرع على مبدا استقلالية الذمة المالية لكل زوج من الزوجين.

لقد أكد المشرع على استقلالية الذمة المالية للزوجة عن ذمة زوجها في العديد من النصوص القانونية (الفقرة الأولى)، هذه الذمة المالية التي تختلف مكوناتها شيئا ما بين الزوجة والزوج (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: استقلالية الذمة المالية للزوجين في التشريع المغربي

كما أشير الى ذلك سابقا فان المشرع المغربي لم يكن سبَّاقا الى اقرار استقلالية الذمة المالية للزوج والزوجة، حيث سبق للشريعة الإسلامية أن نصت على ذلك فلكل زوج ذمته المالية المستقلة التي لا تندمج بالزواج ولا يحق لاي زوج ان يتحكم في التصرفات المالية للطرف الاخر ، ويرجع في ذلك الى قوله تعالى ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا للنساء نصيب مما اكتسبن﴾   فالتشريع الاسلامي بهذا المعنى يقر بالاستقلالية لذمة كل زوج على حدا، الشيء الذي يؤكد مساواة المرأة للرجل في الأهلية كما يتساويان في التمتع بالحقوق الأخرى.

   وقد نهج المشرع المغربي ذات الامر ونص عليه سواء على مستوى مدونة الأحوال الشخصية الملغاة وعلى مستوى مدونة الأسرة وحتى بالنسبة للعديد من القوانين الاخرى التي ما فتئ يؤكد فيها استقلالية الذمة المالية للزوج وللزوجة بالخصوص.

بالرجوع الى الفصل 35 من مدونة الاحوال الشخصية الملغاة سنجده ينص على ما يلي "للمرأة حريتها الكاملة في التصرف في مالها دون رقابة الزوج" فلا الزوج إذا ولا غيره يملك الوصاية في التصرف بمال الزوجة التي مكنها المشرع من التصرف الحر والمطلق فيه دون ان يكون تصرفها هذا موضوع رقابة او وصاية.

ثم ان المشرع وإن ألغى مدونة الاحوال الشخصية وأحل محلها مدونة الأسرة فإنه حافظ على نفس المبدأ، فقد جاء في نص المادة 49 أنه "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة"، وإذ يؤكد المشرع هنا على استقلالية الذمة المالية لكل واحد من الزوجين، فانه أورد هذا المبدأ بصيغه يفهم معها انه لا يدخل ضمن النظام العام وأنه يجوز الاتفاق بين الطرفين على مخالفته بل وانه صرح بذلك في ذات المادة.

 وفي ذات المدونة ينص المشرع في المادة 34 على أن كل ما أتت به الزوجة من جهاز وشوار يعتبر ملكا لها، وهذا تأكيد منه على ان ذمة الزوجة المالية تبقى مستقلة حتى بعد الزواج فكل ما أتت به الى بيت زوجها من أموال منقولات يكون ملكا خالصا لها دون الزوج

 وما يزال المشرع يؤكد على استقلالية الذمة المالية للزوجة بالخصوص، فنجد المادة 14 من مدونة الحقوق العينية تنص على انه للمالك رجلا كان او امرأة سلطة استغلال ملكه واستعماله والتصرف فيه ولا يقيده في ذلك الا القانون او الاتفاق.

 كما تؤكد ذلك أيضا مدونة التجارة في مادتها 17 التي تنص على احقيه المرأة في ممارسة التجارة دون ان يتوقف ذلك على اذن من زوجها.

فالمرأة إذا بمنظور هذه النصوص القانونية حرة ومستقلة في ذمتها المالية سواء تعلق الأمر بالتملك او بالتجارة.

 ولما كانت كل هذه النصوص القانونية تؤكد وتنص على استقلالية الذمة المالية فان العمل القضائي بدوره يعمل على نفس المذهب وهذا ما ذهبت اليه محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرارها عدد 1810 بتاريخ 03/06/2008  إذ جاء فيه "وحيث أن الاصل وفقا للفصل 49 من مدونة الأسرة هو استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين ولا ولاية للزوج على أموال زوجته ولا الزوجة على أموال زوجها إلا ما استحقته بمقتضى عقد أو واجب شرعي متفق عليه كشرط بإرادة ورضى الطرفين استثناء فقواعد الإثبات العادية تكون واجبة التطبيق".

كما جاء في قرار لمحكمة النقض  صادر بتاريخ 28 يناير 2014 مما جاء فيه "...والاشتراك المدعى من الزوجة انما نشأ حسب الادعاء في إطار الزواج وبمناسبته باعتبار ان الأصل هو أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الاخر..."

إن الأصل حسب كل هذا إذا هو استقلالية الذمة المالية لكل من الزوجين، وإن كانت الذمة المالية للزوجة تختلف شيئا ما عن ذمة الزوج، فإن المبدأ واحد هو أن كل طرف يتمتع بخصوصية واستقلالية ذمته المالية ولا يحق للطرف الاخر التدخل فيها سواء بموجب رقابة أو وصاية.


الفقرة الثانية: مكونات وطبيعة الذمة المالية للزوجين

لم يعد هناك أي شك حول استقلالية الذمة المالية للزوجين، لكن التساؤل يطرح حول مكونات هذه الذمة المالية بالنسبة لكل زوج (أولا) وأيضا طبيعة ودلالة مكونات هذه الذمم المالية (ثانيا).

أولا: مكونات الذمة المالية للزوجين

بالنسبة للزوج:   

تتكون ذمة الزوج المالية أساسا مما يلي:

الاموال المنقولة والعقارات التي اكتسبها قبل ابرام عقد الزواج.

الديون المستحقة له تجاه الغير والديون المتخذة بذمته لفائدة الغير. 

ما قد يؤول اليه عن طريق الهبه او الارث او الوصية او ما في حكمهما او عن طريق تعويض شخصي.


 بالنسبة للزوجة:

الاموال والمنقولات والعقارات التي اكتسبتها قبل ابرام عقد الزواج.

ما قد يؤول إليها عن طريق الهبة أو الوصية أو الارث أو التعويضات الشخصية.

الديون المستحقة لها تجاه الغير والتي بذمتها لفائدة الغير.

الهدايا أو الصداق المقدمة لها قبل ابرام عقد الزواج.

ما تحضره للبيت من أثاث وامتعة. 


ثانيا: طبيعة ودلالة مكونات الذمة المالية للزوجين

الملاحظ إن الزوجين حتى وان أبرما عقد الزواج بينهما فان العديد من مكونات ذمتهم المالية تبقى مستقله عن الطرف الاخر، ولا يجوز له التصرف فيها أو وضعها تحت رقابته فالذي يتزوج هنا هم الزوجان وليس الأموال .

 ولما كانت استقلالية الذمة المالية الخاصة بالزوجة تتسم بنوع من الصرامة، حيث ان الصداق مثلا حسب المادة 29 من مدونة الأسرة  ملك خالص للزوجة ولا يحق للزوج ان يطالب بشيء منه، فإن الذمة المالية للزوج تتسم عكس ما سبق بنوع من المرونة، حيث تستحق عليها النفقة الواجبة للأبناء والزوجة.

 إن الأمر الذي يمكن أن نستخلصه هنا هو أن المشرع فصل بين جل مكونات الذمة المالية للزوجين، حيث يظهر أن الحيّز الأكبر من مكونات الذمة لكل واحد منهما تتمتع بالاستقلال عن الطرف الاخر، فتقسيم الأموال كما سنرى يتعلق بالأموال التي ستكتسب اثناء العلاقة الزوجية فحسب، وليس كل ما تتكون منه ذمه الزوجين المالية. الواضح إذا أن المشرع وإن نص على إمكانية الاتفاق على تقسيم هذه الاموال فإنه حرص على احترام استقلال الذمة المالية بجعلها مبدأ وقاعدة عامة. 

المطلب الثاني: اقرار المشرع لإمكانية الاتفاق على توزيع الاموال المكتسبة بين الزوجين.

وإن كان المشرع قد أكد استقلالية الذمة المالية لكل زوج في المادة 49، فإنه بنص نفس المادة أجاز للزوجين في إطار تدبير الأموال التي تكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها، شريطة تضمين هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة على عقد الزواج.  

  غير أن الزوجين غالبا ما يتجاهلان هذا الاتفاق، وقد يحدث أن تنتهي العلاقة الزوجية بالطلاق فيطالب أحد الأطراف الطرف الآخر بحصته في الأموال التي اكتسبت اثناء العلاقة الزوجية، مما يوجب عليه إثبات مساهمته في تنمية هذه الأموال.

لذلك والتوسع أكثر سنعمل على دراسة هذا المطلب في فقرتين، إذ نبدأ بدراسة الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية (الفقرة الأولى) ثم ننتقل إلى مسألة الإثبات في حالة عدم الاتفاق (الفقرة الثانية).




الفقرة الأولى: الاتفاق على تدبير الاموال المكتسبة اثناء الحياة الزوجية

أجاز المشرع للزوجين الاتفاق على تدبير ما سماه بأموال الأسرة ، هذا الوصف الذي أكد به حق كل زوج في الاستفادة من هذه الأموال، والملاحظ في البداية ان هذا الاتفاق لا يخضع لمقتضيات خاصة بل إنه يخضع لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فالمشرع لم يحدد نِسباً او حصصا محددة لكل طرف، إنما ترك لهما الحرية الكاملة لاختيار نظامٍ لتوزيع وتدبير هذه الأموال. هذه الاموال التي وان جاء في نص المادة أنها الأموال التي تكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية فإنه بإمكان الطرفين الاتفاق على الاشتراك حتى في الأموال التي اكتسبت قبل قيام العلاقة الزوجية، ما دام المبدأ هو حرية المتعاقدين، وما دام القيد الوحيد الذي أورده المشرع بهذا الشأن هو ضرورة تضمين هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج. وقد تكون هذه الوثيقة رسمية متى حُررت من طرف موثق أو عدلين ، هذا الشيء الذي يعطي الاتفاق حجية أكثر قوة حيث لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور وإذا ثبت زورها فلا يتم الأخذ بها من طرف القضاء. كما قد يضمن هذا الاتفاق في ورقة عرفية وتكون لها في هذه الحالة قوة اثباتية بين المتعاقدين، الشيء الذي يجعلها معرضة لفقدان حجيتها متى تم انكارها من قبل أحد الأطراف.

إن تنصيص المشرع على تضمين هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة له العديد من الدلالات، حيث يظهر حرص المشرع على احترام قدسية عقد الزواج الذي يعتبر ميثاقا غليظا في التشريع الاسلامي ، كما أن تضمين هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة يمكّن من احتفاظ هذا العقد بحجيته حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية، اذ أن تضمينه في عقد الزواج يطرح إشكالا حول مدى مشروعية ذاك الاتفاق بعد فسخ عقد الزواج. ثم انها دعوة للزوجين الى التريث واكتساب أموالهما بفضل مجهوداتهما وبعد ذلك الاتفاق على استثمارها وتوزيعها ان وقع الطلاق.

ويتضح كما سبق ذكر ان هذه القاعدة قاعدة مكملة، فما دام أن للطرفين الحرية الكاملة في التصرف بأموالهم طبقا لمبدأ استقلالية الذمة المالية لإبرام العقد، كما يؤكد ذلك استعمال المشرع عبارة "غير أنه يجوز..." أي أن المشرع هنا يتحدث عن قاعدة مكملة يجوز الاتفاق على مخالفتها، فمن الناحية القانونية ليس هناك ما يمنع عدم الاتفاق مطلقا.

لكن الإشكال الذي يطرح في هذه الحالة وكيف يمكن للطرف المتضرر إثبات مساهمته في تنمية أموال الأسرة في الحالة التي تنتهي فيها العلاقة الزوجية؟

الفقرة الثانية: إثبات المساهمة في تنمية أموال الأسرة في حالة عدم وجود اتفاق مسبق

 إذا كان وجود اتفاق مسبق لتقسيم الاموال المكتسبة اثناء الحياة الزوجية لا يطرح اي إشكال فيما يتعلق بمسالة الاثبات، وإذا كانت غاية المشرع من إقرار امكانية الاتفاق التعاقدي على تقسيم الاموال المكتسبة اثناء الزواج هي تبديد او على الاقل التقليل من الخلافات التي تطرأ بهذا الشأن، وكذا تسهيل الإثبات على الطرف المتضرر، فإن هذه الغاية لا تتحقق عند عدم وجود هذا الاتفاق بالتالي يطرح إشكال الإثبات على الطرف المطالب بحصته من تلك الأموال.

 ولأجل هذا يتم الرجوع الى القواعد العامة للإثبات، كما أن القاضي يكون ملزما بمراعاة عمل كل واحد من الزوجين ومساهمته في تحمل أعباء الأسرة أي ان للقاضي سلطة تقديرية بهذا الشأن يقوم بموجبها بتحديد نسبة استحقاق كل طرف حسب العمل الذي قام به لتنمية أموال الأسرة.

 لكن قبل إثارته مسألة الإثبات لابد أن يتوفر شرطان ملزمان للقاضي يمكن استخلاصها من المادة 49، حيث يجب أن تكون الاموال المراد تقسيمها قد اكتسبت أثناء قيام العلاقة الزوجية وان لا تكون من الاموال العارضة ، كما يجب مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدم من مجهودات وما تحمل كل منهما من اعباء 

أما بالنسبة لوسائل الاثبات فقد أحال المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 49 من مدونة الأسرة أحال المحكمة والطرفين الى القواعد العامة للإثبات المنصوص عليها في الفصل 404  من قانون الالتزامات والعقود، كما نص المشرع في الفصل 399 من ذات القانون على ان إثبات الالتزام يقع على مدعيه، أي أن الزوج الذي يدعي حقه     و مساهمته في تنمية أموال الأسرة هو من يقع عليه إثبات ادعاءاته بكافة وسائل الإثبات المنصوص عليها قانونا، هذه الوسائل التي يمكن تقسيمها إلى الوسائل المنصوص عليها في ظهير الالتزامات والعقود بالإضافة الى وسائل أخرى إجرائية.

أولا: الوسائل المنصوص عليها في ظ.ل.ع:

سنقتصر على شهادة الشهود واليمين الحاسمة،

شهادة الشهود: حيث يشترط المشرع لقبول شهادة الشهود أن يكون اللفيف واضحا ومستفسرا ، إذ جاء في قرار لمحكمة النقض  " وإذا ما تم الاستدلال باللفيف لإثبات المشاركة في اموال الزواج، وجب ليعتد به ألا يكون ناقصا في الاعتبار القانوني، كأن يأتي عاما غير مرتكز على مستند خاص."

اليمين: على عكس شهادة الشهود التي تخضع للسلطة التقديرية للقاضي فإن اليمين الحاسمة تكون ملزمة له، وقد جاء في حكم لابتدائية تطوان  قضى برفض طلب الزوجة وإبقاء صائر الدعوى على عاتقها، بعد أداء المدعى عليه اليمين الحاسمة على عدم مشاركة المدعية بأي مبلغ مالي في بناء المنزل موضوع الدعوى.

ثانيا: الوسائل الإجرائية للإثبات

حيث نص قانون المسطرة المدنية على ما سماه إجراءات التحقيق ، ويمكن في دعوى اقتسام الأموال المكتسبة الاعتماد على الخبرة كوسيلة للإثبات، فالخبرة إجراء يتمكن من خلاله القضاء من الوصول الى إثبات واقعة يدعوها أحد الخصوم او ينفيها بفضل تخصص التقني أو الفني الذي يميز الخبرة عن غيره .

وفي دعوى اقتسام الأموال المكتسبة غالبا ما يتم الاستعانة بخبير اقتصادي أو عقاري من أجل تحديد مساهمة كل طرف في تنمية أموال الأسرة، وبالتالي تحديد حصته منها.

المبحث الثاني: النفور الاجتماعي من عقد الاتفاق على تقسيم الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية

كانت لمرجعية المشرع الإسلامية دور هام في بناء مقتضيات المادة 49 من مدونة الاسرة، اذ قبل صدورها كان القضاء يبث في هذه القضايا معتمدا على مجموعة من الأعراف والقواعد الفقهية، حيث نجد مثلا في منطقة سوس جنوب المغرب مما يسمى بـ "حق الكد" والسعاية وفي منطقة غمارة بشمال المغرب مصطلح "حق الشقا"  كما يسمى بـ"تمازالت" أو "إزرف" هذا الأخير الذي كان عرفا أمازيغيا جرى العمل به حتى قبل دخول الاسلام للمغرب .

غير أنه بالرغم من هذه المرجعيات وبالرغم من التنصيص القانوني بهذا الشأن، فإننا مازلنا نلاحظ نفورا اجتماعيا واضحا من هذه المسألة الشيء الذي يظهر من خلال التراجع الواضح لعدد الأزواج المبرمين لمثل هذا الاتفاق (المطلب الأول)، مما يدفع الى التساؤل حول الأسباب المفسرة لعدم توثيق الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: قلة عدد حالات الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية.

لا أحد ينكر أن الإقبال على توثيق الاتفاقات على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج يعيش مرحلة اضمحلال منذ التنصيص عليه، فحسب العديد من الدراسات يُلاحظ أن عدد الاتفاقات المنعقدة بشأن تدبير أموال الأسرة 

 تمثل نسبة شبه منعدمة أمام عدد عقود الزواج التي تبرم في المغرب، فمقابل أكثر من 244 ألف عقد زواج سنة 2005 (أي بعد سنة من التنصيص القانوني على إمكانية الاتفاق) لم يتم توثيق عقد اقتسام الأموال المكتسبة إلا من قبل 295 من الأزواج بالمغرب أي بنسبة 0,12% من مجموع المتزوجين، بينما بلغ عدد المتزوجين سنة 2013 أكثر من 306 آلاف عقد زواج، بيد أن عدد الموثقين لاقتسام الأموال المكتسبة انحصر في 1520 عقد أي بنسبة 0,50% 

والجدول أسفله  يبين تطور هذه الحالات على مدى عشرة سنوات منذ إصدار مدونة الأسرة:

 


كما نجد في دراسة انجزتها مؤسسة الزهراء على عينة من النساء المطلقات والارامل أن نسبة 100% من هذه العينة لم تقم بتوثيق عقد تدبير الاموال المكتسبة اثناء الحياة الزوجية. 

حيث جاء في الدراسة "ظهرت محاولات محتشمة للتوثيق لكنه كان نقاشا شفهيا أو مرتبطا بقضايا محددة، ولا يشمل كامل مساهمة المطلقة او الأرملة في تنمية ثروة الأسرة سواء عبر كدا وسعاية خارج البيت او عبر الخدمة الباطنية داخله."  وهو الشيء الذي يوضح عدم الإقبال الواضح من طرف الزوجين على اتخاذ هذه الخطوة وتوثيق الاتفاقات التي قد يتم إبرامها بشكل شفهي فقط مما يثير كما سبق إشكالات عويصا في إثباتها.

  الملاحظ أن أغلب حالات الاتفاق تنتمي إلى المجال الحضري الشيء الذي حول مدى معرفة سكان المجال القروي بهذه المقتضيات وأيضا دور الوعي الاقتصادي والحقوقي في الإقبال على هكذا اتفاقات على أرض الواقع. 

لكن رغم كل هذه الإحصاءات، يقع التناقض عندما نلاحظ ان شرائح المجتمع تعبر بأغلبية ساحقة عن قبولهم لفكره اقتسام الأموال المكتسبة اثناء قيام الزوجية. حيث جاء في بحث أنجزته وزارة الاسرة سنة 2016 ان 84% من المستجوبين الذين فاق عددهم 23 مليون شخص يعبرون عن قبولهم لمقتضيات المادة 49، بل وعن استعدادهم لتطبيقها على أرض الواقع. هذا الشيء الذي يظهر من خلال الجدول التالي :

 


إن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من خلال هذه الاحصاءات هو أن عدد وثائق تدبير الأموال المكتسبة اثناء قيام العلاقة الزوجية يبقى متواضعا مقارنة مع عدد الزيجات المبرمة، ومقارنة مع القبول الذي تحظى به المادة 49 لدى عموم المواطنين والمواطنات، وذلك على الرغم من الارتفاع الطفيف الملحوظ سنة 2013. 

إن هذه الاحصاءات قد لا تعكس الواقع الحالي في غياب احصاءات حديثة لتجديد النظرة حول هذا الموضوع، بالتالي يجب على الوزارة المعنية ان تعمل على إنجاز إحصاءات مستمرة حول مثل هذه المواضيع، فهي من جهة تساعد في فهم مدى تفاعل المواطنين مع المقتضيات القانونية، ومن جهة اخرى فهي وسيلة لتقييم القوانين التي يتم إصدارها. 





المطلب الثاني: الأسباب المفسرة لعدم توثيق الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية

إن الأسباب الكامنة وراء قلة عقود اقتسام الأموال الزوجية المبرمة عديدة لا يمكن حصرها، حيث أن العامل الثقافي في المجتمع المغربي وحده يشكل سببا رئيسيا أمام هذه الندرة في إبرام مثل هذه الاتفاقات في العديد من الحالات (الفقرة الأولى) كما يضاف إلى ذلك العامل المعرفي الذي يلعب فيه العدلان دورا مهما (الفقرة الثانية).


الفقرة الأولى: دور العامل الثقافي في نفور الزوجين من عقد اتفاق تقسيم الأموال المكتسبة

إن الطبيعة الثقافية المحتشمة للمجتمع المغربي سبب من بين الأسباب العديدة للنفور الاجتماعي من إبرام عقد اقتسام الأموال المكتسبة أثناء الزواج.

 فحتى وإن كانت تحكم هذا الشأن مجموعة من الأعراف سابقا، والتي كانت تؤدي إلى نفس النتيجة التي يرنو إليها المشرع في المادة 49 من مدونة الأسرة، فإن الشيء الذي يقف حاجزا أمام الزوجين لعدم إبرام هذه الاتفاقات هي الصورة المغلوطة المأخوذة عن العقد الخاضع لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" كما أن الظرفية الزمنية لإثارة مسألة الاتفاق على التدبير الأموال الزوجية غير مناسبة بتاتا.

يعزى أيضا عدم قبول الزوجين إبرام هذا الاتفاق وعدم مطالبة النساء بتوثيق مساهماتهن في تمويل الأسرة إلى وطأة التقاليد أو الحرج أو خوفاً من تقويض استقرار الأسرة ، حيث تقاليد المجتمع المغربي تنزه العلاقة الزوجية عن كل ما هو مادي وبالتالي تحجم الزوجة عن إثارة هذه المسألة في بداية الزواج أو أثناءه . يضاف لك كون الشاب المغربي عندما يتقدم إلى خطبة شابه فإنه يعتقد اعتقادا تاما انه سيكون المكلف والمسؤول امام الله وامام عائلته ومجتمعه على توفير المال والسكن وكافة شروط حياة الأسرة التي تنوي تأسيسها حتى وإن كانت زوجته تعمل خارج البيت في التربية الدينية واخلاق الرجل المغربي أن يمد يده لمال زوجته ابدا الا القليل وهو موجود في أي مجتمع . 

   من جانب اخر فإن النساء ينفقن على الأسرة، لكن في مجالات غير قابلة للقياس ، الشيء الذي يعسر مسألة الإثبات في حالة المطالبة بالنصيب المستحق من الاموال المكتسبة اثناء العلاقة الزوجية كما أن "الزواج عن حب أو علاقة قرابة أو جوار يعزز الثقة وحسن الظن بين الزوجين، مما يجعل الحديث عن الأمور المادية يتوارى إلى الخلف ".



الفقرة الثانية: العامل المعرفي ودور العدلان في نفور الزوجين من عقد اتفاق تقسيم الأموال المكتسبة.

يشكل العامل المعرفي أيضا سببا رئيسيا في التراجع الواضح عن عقد الاتفاقات حول تدبير الاموال المكتسبة، حيث أن الفهم السيء لمضامين مدونة الأسرة وخاصة المادة 49 منها من طرف غالبية المواطنين وكثرة الأمية وقلة الحملات التحسيسية المستمرة سواء من طرف وسائل الاعلام بمختلف في مشاربها او من طرف الممثلين عن المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الحقوقي من محامين وقضاة.

 كما يعزى ذلك الى غياب الوعي القانوني الناتج عن مجموعة من الاعراف والتقاليد التي ترسخت في اللاوعي الجماعي للمجتمع المغربي وهو الذي يفسر الرفض التلقائي لكل جديد ولو كانت فيه مصلحة محققة وظاهرة للزوجين .

علاوة على كل هذا يعتبر العدول أيضا من المسؤولين عن عدم الإقبال على توثيق عقود الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة الزواج أثناء الزواج.

وهذا ما اتضح من خلال تقرير 2016 الصادر عن وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية. حيث أن أغلبية المواطنين يجهلون أن المادة 49 تلزم العدول بإشعارهم بإمكانية توثيق عقد لتدبير الاموال الزوجية إذ ان نسبة العالمين بإلزامية الإخبار الواقعة على عاتق العدول لم تتجاوز 27 %. 

ثم ان نسبة كبيرة بلغت نسبة %42.5 من المستجوبين الذين شملتهم هذه الدراسة، يعتقدون أن العدول لا يقومون بالواجب الملقى على عاتقهم بأخبار الطرفين امكانية توثيق عقد تدبير الأموال المكتسبة .

من جانب اخر ترى مؤسسة منتدى الزهراء  ان من بين الاسباب الواردة في جل المقابلات التي اجرتها من خلال دراستها ان العدول المكلفين بإخبار المتعاقدين لا يقومون بذلك، حيث يجد السادة العدول حرجا في الموضوع بسبب حساسية اللحظة عند الأزواج.




خاتمة:

 بجهد متواضع ودراية محدودة، حاولنا مقاربة هذا الموضوع مركزين على النص القانوني المؤطر له، وعلى مجموعة من الدراسات والاحصاءات التي تثبت ان الاقبال على توثيق عقود تدبير الاموال المكتسبة اثناء الحياة الزوجية ما فتئ يعيش نوعا من النذرة الشيء الذي ارجعناه الى مجموعة من الأسباب التي من بينها الطبيعة الثقافية والمستوى العلمي للمجتمع المغربي والجهات التي كلفت بتنزيل هذه المقتضيات.

ان الشيء الواضح من خلال تطرقنا الى هذا الموضوع أن تنظيم العلاقات المالية بين الزوجين عموما والأموال المكتسبة خلال العلاقة الزوجية خصوصا، مازال متأخرا مقارنة بما آلت إليه الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مغرب العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين.

 فما يبدو من خلال وجهة نظرنا الجد متواضعة أنه على المشرع أن يعيد النظر في الحيز الزمني الذي خصصه للتطرق الى تقسيم الاموال المكتسبة أثناء الزواج، بحيث ان إثارة هذه المسالة من قبل من قبل العدول مباشرة بعد إبرام العقد قد أثار أظهر نوعا من النفور سواء من قبل العدول أنفسهم أو من قبل المقبلين على الزواج او حتى من قبل باقي المواطنين.

فقد كان ليكون من الافضل لو تم التطرق لمسالة تقسيم الاموال المكتسبة في الكتاب الثاني من المدونة التي الذي يتعلق بانحلال ميثاق الزوجية وآثاره، وجعلها قاعدة آمرة، بحيث عند اللجوء الى مسطرة حل ميثاق العلاقة الزوجية يكون واجبا على القضاء حينها النظر الى أموال الزوجين وإعطاء كل زوج حقه بالقدر الذي ساهم به دون الحاجة إلى وجود اتفاق مسبق، ودون الحاجة إلى اثارة هذا الموضوع من قبل الأطراف. ليكون ذلك تفعيلا قانونيا لعرف حق الكد والسعاية الذي جرى العمل به في القضاء المغربي.




تعليقات