1.02.2018

كتاب القوانين الجنائية الخاصة النظرية العامة دكتور أحمد عبد الظاهر pdf

كتاب القوانين الجنائية الخاصة النظرية العامة  دكتور أحمد عبد الظاهر pdf









كتاب القوانين الجنائية الخاصة النظرية العامة  دكتور أحمد عبد الظاهر




المقدمة 



الجريمة ظاهرة قديمة قدم الإنسان ذاته. إذ ترتبط في نشأتها بظهور الإنسان على وجه الأرض. وهكذا، تحدثنا الكتب السماوية عن أن أبشع صور الإجرام قد عرفت طريقها إلى المجتمع في ابسط صوره، حيث قتل أبناء آدم – قابيل وهابيل – أحدهما الآخر( ). والجريمة ظاهرة ضارة بالفرد والجماعة على السواء. ولذلك، كان من الطبيعي أن لا يقف المجتمع مكتوف الأيدي إزاءها، وأن يسعى إلى توقيع الجزاء المناسب على مرتكبها. 

وقد بدأ النظام العقابي في كافة الدول بمجموعة يسيرة من الجرائم، يمكن ردها إلى مقتضيات حماية القيم الجوهرية للمجتمع وكذلك المصالح الأساسية لمجموع الأفراد في هذا المجتمع. وكان من الممكن في هذه المرحلة من مراحل تطور القسم الخاص من قانون العقوبات الاحاطة بالجرائم التي يتضمنها هذا الفرع. فلم تكن هذه الجرائم تتجاوز صور الاعتداء على الحياة أو سلامة الجسم، كما في القتل والجرح والضرب؛ والاعتداء على مال الغير، كما في السرقة وخيانة الأمانة؛ والاعتداء على العرض، كما في الاغتصاب؛ وحفنة قليلة أخرى من الجرائم.

ومع تطور المجتمع، اتسع نطاق التجريم والعقاب، حيث اضطرد تدخل المشرع بتجريم صور سلوك تعبر عن مراحل التطور الجديدة التي يعيشها المجتمع. فالانتقال من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي استتبع بالضرورة ظهور جرائم جديدة كجريمة إفشاء سر التصنيع، وجرائم القتل الخطأ الناشئ عن حوادث السيارات، أو مخالفة أصول الخبرة الفنية التي تفرضها مهن معينة، أو استعمال الآلات بصفة عامة. كما مضى تطور قانون العقوبات في منحى آخر حضاري. إذ انشغل المشرع بحماية الأفراد ليس فحسب في حياتهم وسلامة أبدانهم وأموالهم وأعراضهم، بل كذلك في اعتبارهم وكرامتهم وحريتهم. فظهرت جرائم القذف والسب والبلاغ الكاذب واستخدام القسوة مع الأفراد وتعذيب المتهمين لحملهم على الاعتراف وتقييد حرية الأفراد بغير حق.

واستجاب المشرع الجنائي كذلك إلى التطور الناشئ عن اتساع دور الدولة في المجتمع، وتشعب دورها بحيث غدت تتدخل في كافة مجالات النشاط الإنساني. ولهذا كان من الطبيعي تجريم الأفعال الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج كجرائم التجسس أو التخابر مع جهات أجنبية. وكان من الضروري ظهور ما أطلق عليه فيما بعد بجرائم المصلحة العامة. فاعتبار الوظيفة العامة إحدى ركائز النشاط الإداري في الدولة الحديثة استوجب تجريم أشكالا من السلوك التي تخل بنزاهة هذه الوظيفة، كما هو الحال بالنسبة لجرائم الرشوة. وظهرت كذلك جرائم الاعتداء على الأموال العامة التي لا تخص فرداً بعينه، بل تعد ملكاً للمجتمع بأسره ممثلاً في الدولة، كجرائم الاختلاس والاستيلاء على المال العام أو تسهيل هذا الاستيلاء للغير أو طلب أو أخذ غير المستحق من جانب عمال الدولة حال قيامهم بتحصيل الرسوم، أو التربح أو الإضرار بأموال الدولة. وفي نفس السياق، كان من اللازم تجريم صنوف السلوك التي تهدر الثقة في المحررات الرسمية أو العرفية التي يتداولها الأفراد فيما بينهم، لما لها من أهمية في تيسير حياتهم في المجتمع. ولهذا جرم المشرع التزوير بكافة أنواعه في الأوراق الرسمية والمحررات العرفية واستعمال هذه الأوراق أو المحررات المزورة. كما جرم المشرع تزييف العملات وأنواع شتى من الغش والتقليد.

ومع ظهور شبكة الانترنت أو الشبكة العنكبوتية كما يطلق عليها البعض، بدأت تظهر طائفة مستحدثة من الجرائم هي جرائم المعلوماتية أو جرائم الحاسب الآلي أو الجرائم الالكترونية. ومع بزوغ رياح العولمة، وما نتج عنها من تذويب للحدود بين الدول وتحرير للأسواق وإزالة القيود المحيطة بها، بدأت تبدو في الأفق جرائم جديدة أطلق عليها غسل الأموال( ). وقد حدا ذلك بالبعض إلى القول بأن صدور تشريعات تجرم عمليات غسل الأموال يعد أحد أهم سمات النظام العالمي الجديد خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر( ). كما أدى التقدم التكنولوجي إلى ظهور وسائل جديدة لارتكاب جرائم تقليدية. ولعل أبرز مثال على ذلك التزوير في صورة المحرر، والذي يفترض استخدام آلات التصوير الضوئي للمستندات في اقتراف عملية التزوير( ). ومثال ذلك أيضا استخدام التليفون والبريد الالكتروني في ارتكاب جرائم السب والقذف والنصب والاحتيال. 



وقد استتبع هذا التضخم «الكمي» في عدد الجرائم التي يتضمنها القسم الخاص من قانون العقوبات تطورا في «الكيف»، وهو ما تمثل في استقلال طوائف معينة من الجرائم بذواتها وتفردها بأحكام خاصة بها، حتى أضحت في النهاية فروعا خاصة داخل القسم الخاص( ). ويبدو مستساغا اليوم القول بأن عددا كبيرا من الجرائم يعاقب عليه بمقتضى قوانين خاصة، لا يتضمنها قانون العقوبات بمعناه الضيق. وفي تعبير آخر، يمكن القول بأن القسم الخاص من قانون العقوبات قد تحول تحت ضغط التطور إلى أقسام خاصة، يضم كل منها طائفة من الجرائم تشترك في وحدة المصلحة القانونية التي ابتغى المشرع حمايتها. وتستقل هذه الجرائم بأحكام موضوعية وإجرائية تقتضيها طبيعتها، وقد تختلف عن الأحكام العامة التي تسري على باقي أنواع الجرائم( ). 

وهكذا، ظهرت عشرات من التشريعات الجنائية الخاصة التي تحتوي على عدد من الجرائم يفوق جرائم القسم الخاص من قانون العقوبات، وتمثل معالجة خاصة لنوع محدد من الإجرام( ). وتشكل هذه القوانين الجنائية الخاصة موضوع الدراسة التي نحن بصددها.

أهمية الدراسة
«مما لا شك فيه أن جمهور الناس ممن لا يتصلون بالقانون إلا عرضا وبقدر، بل وخاصتهم ممن تدخل دراسة القانون في عملهم، أصبحوا يضيقون بحالة السيولة الزائدة التي تصدر بها القوانين في الكثير من الدول في وقتنا المعاصر، ومن تشعب المواد التي تصدر فيها وما يترتب على ذلك من قيام الصعوبة لدى أولئك وهؤلاء في ملاحقتها والتعرف على أحكامها وما هو نافذ وغير نافذ منها»( ). ويمكن التعبير عن ذلك باستخدام مصطلح التضخم التشريعي (inflation législative)( ). ويطلق بعض الفقه على هذه الظاهرة اصطلاح التضخم الجنائي (L'inflation pénale)( )، مؤكدا أنها إحدى صور التضخم التشريعي بصفة عامة، والذي تعاني منه باقي أفرع القانون الأخرى. ولكن الظاهرة تبدو مقلقة أكثر في المجال الجنائي، لما لهذا الأخير من خصوصية، ليس أقلها أن القانون الجنائي يمس الناس في حرياتهم( ). فقد أضحى من المتعذر حصر النصوص الجنائية، لفرط كثرتها وتناثرها. إذ أصبح من النادر أن يصدر تشريع جديد يعالج موضوعا ما دون أن يستعين بسلاح التجريم والعقاب، مما أفضى إلى تضخم تشريعي جنائي، بكل ما يحمله ذلك من آثار سلبية على إدارة العدالة الجنائية برمتها( ).

وإذا كان العلم بالنصوص المتفرقة بين قوانين وتشريعات مختلفة غدا أمرا صعبا، حتى على المتخصصين، فإن حسم مسألة التنازع بين هذه النصوص ومعرفة النص واجب التطبيق على الواقعة الإجرامية لا يقل صعوبة. وما يزيد الأمر صعوبة أن المشرع قد ينص على ذات الجريمة في أكثر من قانون جنائي خاص، وبحيث يكون ذات السلوك الإجرامي خاضعا لقانون العقوبات العام وواحد أو أكثر من القوانين الجنائية الخاصة. وهذه الصعوبة تزداد إذا علمنا أن المشرع الجنائي يلجأ عادة – في القوانين الجنائية الخاصة – إلى مبدأ الإلغاء الضمني، وليس الإلغاء الصريح، بحيث يقرر إلغاء كل حكم يخالف الأحكام الواردة به( )، الأمر الذي يستلزم البحث فيما إذا كان النص التجريمي الخاص الوارد في قانون ما قد ألغى نصا تجريميا خاصا واردا في قانون آخر أم لا. ومن هنا، تبدو أهمية هذه الدراسة، التي تحاول الوقوف على ماهية القوانين الجنائية الخاصة ومبررات وجودها، وبيان حدود العلاقة بينها وبين قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية.

من ناحية ثانية، يلاحظ أن الفقه الفرنسي قد أسهب في دراسة القوانين الجنائية الخاصة، بحيث نجد مؤلفات عديدة تتناول كافة الجرائم الواردة في تشريعات خاصة. على النقيض من ذلك، نادرة هي المؤلفات العربية التي تتناول بالبحث والتحليل التشريعات الجنائية الخاصة. وربما يرجع ذلك إلى كثرة تعرض هذه التشريعات للتعديل والتبديل والتغيير. بل أن بعضها ألغي فعلا ولم يعد له وجود بعد انقضاء الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي اقتضت وجوده. ومن ثم، قد يخشى الفقيه أن ينفق الوقت والجهد في دراسة قانون جنائي خاص، وما إن ينتهي منه حتى يحدث تعديل تشريعي لنصوص هذا القانون، الأمر الذي يقلل كثيرا من قيمة الدراسة أو البحث. بل أن التعديل قد يأتي قبل الانتهاء من الدراسة، ومن ثم يتعين على الباحث أن يعاود البحث والتحليل من جديد، حتى تأتي الدراسة مواكبة لأحدث التعديلات التشريعية. ورغبة في التغلب على هذه العقبة، آثرنا أن تكون دراستنا عبارة عن نظرية عامة للقوانين الجنائية الخاصة، بحيث نجتهد في بيان الأصول العامة والمبادئ الرئيسية الحاكمة لهذه القوانين. بل أننا عمدنا إلى أن نغوص في أعماق السياسة التشريعية، وذلك بالبحث في مدى انطباق أصول السياسة التشريعية السليمة على ظاهرة القوانين الجنائية الخاصة. ولا نغالي هنا إذا قلنا بأنه على الرغم من تعدد الدراسات الفرنسية في موضوعات القوانين الجنائية الخاصة، فإن هذه الدراسات تهتم بدراسة كل طائفة من الجرائم الخاصة على حدة، دون محاولة تأصيلها والتوصل إلى نظرية عامة بشأنها جميعا.   

الدراسة المقارنة للموضوع
ينتهج هذا البحث أسلوب الدراسة المقارنة، بحيث لا نكتفي بتحليل النصوص التشريعية في القانون المصري، وإنما نتناول أيضا التشريعات العربية الأخرى التي تيسر الإطلاع عليها. ولما كانت مصادر البحث في مجال الدراسات القانونية تتمثل في التشريع والقضاء والفقه، فلن نقتصر على دراسة النصوص التشريعية في كل قانون، وإنما سنحاول قدر الامكان الرجوع إلى الأحكام القضائية والمراجع الفقهية المتعلقة بالتشريعات موضوع الدراسة.

وبناء على ما سبق، سنقوم بدراسة نصوص وأحكام التشريعات الجنائية الخاصة في القانون المصري، وذلك في إطار الرغبة في تأصيلها وبيان النظرية العامة الحاكمة لها. وبالنظر لكثرة هذه التشريعات وتعددها، بحيث يصعب الإلمام بها جميعا والوقوف على كل نص فيها، لذا نرى من المناسب الاقتصار على أهم هذه التشريعات، مثل قانون الأسلحة والذخائر رقم لسنة ، وقانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955م( )، وقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960م( )، وقانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966م، وقانون المرور رقم 66 لسنة 1973م، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994م( )، وقانون غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002م، وقانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002م( )، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003م( )، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد رقم 88 لسنة 2003م( )، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم 3 لسنة 2005م، ومشروع قانون الإرهاب.

من ناحية أخرى، سيرى القارئ عبر صفحات هذا البحث مدى التركيز على دراسة التشريعات الجنائية الخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويرجع ذلك لسبب شخصي، يتمثل في ظروف تواجدي في إمارة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عملت مستشارا قانونيا بوزارة الداخلية لمدة ست سنوات تقريبا، وأعمل حاليا في وظيفة «خبير قانوني» بدائرة القضاء في إمارة أبو ظبي. وقد أتاح لي هذا العمل الإطلاع على كافة التشريعات السارية في دولة الإمارات العربية المتحدة. بل أنني لا أجافي الحقيقة إذا قلت بأنه قد أتيح لي شرف المشاركة بالرأي والإعداد والصياغة في العديد من التشريعات الجنائية الخاصة الصادرة اعتبارا من سنة 2004م.

كذلك، سنحاول من خلال هذه الدراسة تحليل بعض التشريعات الجنائية الخاصة في الدول العربية الأخرى، ولاسيما القانون القطري والقانون البحريني والقانون الكويتي والقانون العماني والقانون الليبي.

غير أن الدراسة المقارنة للقوانين العربية لا تكتمل صورتها بغير دراسة بعض التشريعات الأوربية، الأمر الذي يسهم في إثراء المقارنة ويعين على فهم أحكام التشريعات العربية وإدراك أوجه الخلل فيها( ). وفي هذا الصدد، نعتقد من المفيد التعرض بالدراسة للتشريعات الجنائية الخاصة في النظام القانوني الفرنسي. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب؛ أولها، أن القانون الفرنسي يعد المصدر التاريخي لغالبية التشريعات العربية. وثانيها، أن الفقه الفرنسي أسهب في الدراسات المتعلقة بالتشريعات الجنائية الخاصة، إلى الحد الذي دفع العديد من الفقهاء إلى القول بوجود فروع لقانون العقوبات. أما ثالثها، فيتمثل في أن المشرع الفرنسي قد أصدر مؤخرا قانون عقوبات جديد، وهو القانون المؤرخ في ، والذي بدأ العمل به اعتبارا من أول مارس 1994م. ومن شأن ذلك أن يعطينا فكرة عن بعض أسباب صدور التشريعات الجنائية الخاصة، وعن مآلها عند الشروع في استصدار قانون عقوبات جديد، وما إذا كان من المناسب أن يتم إدماجها في قانون العقوبات ذاته أم تبقى كتشريعات قائمة بذاتها. 

خطة الدراسة
لكي تكتمل الفائدة المرجوة من هذا البحث، ولكي يتسنى الاحاطة بكافة جوانب النظرية العامة للقوانين الجنائية الخاصة، نرى من الملائم تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة أبواب، مسبوقة بفصل تمهيدي عن ماهية القوانين الجنائية الخاصة. ويتناول الباب الأول القوانين الجنائية الخاصة من منظور السياسة التشريعية، وذلك بالبحث في مدى انطباق مبدأ ضرورة التجريم على القوانين الجنائية الخاصة، ومدى ملائمة بعض القوانين الجنائية الخاصة، ومدى ملائمة بعض النصوص الجنائية الخاصة، ومدى صواب أسلوب الإحالة في التجريم والعقاب. أما الباب الثاني، فيركز على الأحكام العامة للقوانين الجنائية الخاصة، وذلك ببيان العلاقة بينها وبين قانون العقوبات من ناحية، وبيان العلاقة بينها وبين قانون الإجراءات الجنائية من ناحية أخرى. ويتعلق الباب الثالث بدراسة بعض الإشكاليات التي يثيرها تطبيق القوانين الجنائية الخاصة. ونعني بذلك ظاهرة التنازع الظاهري بين النصوص، وتحديد الطبيعة القانونية للغرامة المنصوص عليها في بعض التشريعات الجنائية الخاصة، لاسيما في المجال الضريبي والجمركي. 

وعلى هذا النحو، تتضح خطة البحث في هذا الموضوع، كما يلي:
فصل تمهيدي: ماهية القوانين الجنائية الخاصة.
الباب الأول: القوانين الجنائية الخاصة من منظور السياسة التشريعية.
الباب الثاني: الأحكام العامة للقوانين الجنائية الخاصة.
الباب الثالث: إشكاليات تطبيق القوانين الجنائية الخاصة.