10.11.2017

الحضانــة وحــــق المحضــــون من خلال التطبيق العملي لمقتضيات مدونة الأسرة ذ. عبد المجيد العزوزي

الحضانــة وحــــق المحضــــون من خلال التطبيق العملي لمقتضيات مدونة الأسرة ذ. عبد المجيد العزوزي










الحضانــة وحــــق المحضــــون
من خلال التطبيق العملي لمقتضيات مدونة الأسرة
ذ. عبد المجيد العزوزي
قاضي بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية



مقدمـة:

الباب الأول: الإطار القانوني المنظم لحق الحضانة
الفصل الأول: مفهوم الحضانة وشروطها من خلال مدونة الأسرة 
الفصل الثاني: مدار الحضانة حق المحضون 
الفصل الثالث: دور القضاء في حمايـة مصلحة المحضون
الباب الثاني: حقوق المحضون 
الفصل الأول: حق المحضون والسفر به خارج ارض الوطن
الفصل الثاني: حق المحضون والانتقال به داخل المغرب
الفصل الثالث: حق المحضون وتنظيم الزيارة
خاتمة: 
مدى الفعالية والنجاعة في صيانة حقوق المحضون عملا وقضاء. 





مقدمـة:
تعتبر الحضانة أثرا من آثار الزواج، وهي من حق الزوجين معا اثناء قيام العلاقة الزوجية، ومن حق احد الأبوين او غيرهما حسب الأحوال، عند انفصام العلاقة الزوجية وبالنظر الى اهمية الحضانة، فقد أشار جلالة الملك في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية التي انعقدت بتاريخ 10-10-2003 الى ذلك عندما قال حفظه الله "لقد توخينا في توجيهاتنا السامية لهذه اللجنة، وفي ابداء نظرنا في مشروع مدونة الأسرة، اعتماد الاصلاحات الجوهرية التالية:..... ثامنا، الحفاظ على حقوق الطفل، وادراج مقتضيات الاتفاقية الدولية التي صادق عليها المغرب، وهذا مع اعتبار مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للأم ثم للأب ثم لأم الأم، فإن تعذر ذلك، فإن للقاضي ان يقرر اسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر اهلية...... ".
ومن هنا يتجلى مدى اهمية الحضانة في صون حقوق الطفل، سيما بعد انفصام العلاقة الزوجية، حيث يتم اسناد الحضانة لأحد الأبوين او غيرهما حسب الظروف المصاحبة لكل حالة على حدة، وانطلاقا مما سبق، سوف نتساءل عن الإطار القانوني المنظم لحق الحضانة من خلال مدونة الأسرة وندرج ذلك في الباب الأول من هذا العرض، ثم ننتقل الى الحديث عن حقوق المحضون              من خلال الباب الثاني، ونختم بعد ذلك بإبراز مدى الفعالية والنجاعة في صيانة حقوق المحضون عملا وقضاء.  
الباب الأول: الإطار القانوني المنظم لحق الحضانة:
لقد سبق للمشرع المغربي ان تناول احكام الحضانة من خلال قانون مدونة الأحوال الشخصية في الفصول من 97 الى 111، كما تطرقت مدونة الأسرة الجديدة الى نفس الأحكام من خلال المواد 163 الى 186، فما هو مفهوم الحضانة وشروطها من خلال مدونة الأسرة الحالية، وهل حق المحضون هو مدار الحضانة، وما هو دور القضاء في حماية مصلحة هذا الأخير، ذلك ما سنحاول التطرق اليه في هذا الباب من خلال ثلاثة فصول.
الفصـل الأول: مفهوم الحضانة وشروطها من خلال مدونة الأسرة:
المبحث الأول: مفهوم الحضانة:
الحضانة في اللغة من الحضن وهو الجنب، نقول تحتضن المرأة ولدها اذا جعلته في حصنها أي احد جنبيها، مما يفيد ان الحضانة هي ضم الولد أو الشيء الى الجنب قصد حمايته.
أما الحضانة في الفقه فهي حفظ الولد في مبيته ومؤونة طعانه وملبسه، ومضجعه وتنظيف جسمه، وهو ما عبر عنه المشرع المغربي في مدونة الأسرة من خلال المادة 163 التي تنص على: " ان الحضانة حفظ الولد مما قد يضره والقيام بتربيته ومصالحه، وعلى الحاضن ان يقوم قدر المستطاع بكل الإجراءات اللازمة لحفظ المحضون وسلامته في جسمه ونفسه، والقيام بمصالحه في حالة غيبة النائب الشرعي وفي حالة الضرورة اذا خيف ضياع مصالح المحضون ".
والحضانة بهذا المفهوم هي حفظ الولد القاصر الذي لم يبلغ بعد سن الرشد القانوني مما قد يضره عموما، والقيام بكل ما يتعلق بحماية ذاته وحاجياته ومصالحه المادية والمعنوية ورعايته الى حين بلوغه كاملا في عقله وجسمه.
المبحث الثاني: شــروط الحضانــة:   
نظرا لأهمية الحضانة واثرها على تربية الطفل ورعايته، فقد قيدها المشرع بشروط لابد من توافرها في شخص الحاضن، وهي المنصوص عليها في المادة 173 من مدونة الأسرة.
أولا – الرشد القانوني لغير الأبوين:
يشترط في غير الحاضن من الأبوين بلوغ سن الرشد القانوني المنصوص عليه في المادة 209 من مدونة الأسرة، وهو 18 سنة شمسية كاملة، مما يفيد ان الحاضن يجب ان يكون كامل الأهلية، بمفهوم المادة 206 من نفس القانون اعلاه.
ولعل المشرع لم يشترط هذا الشرط في الأبوين، اعتبارا ومراعاة لمقتضيات المواد الأخرى من مدونة الأسرة التي تسمح بزواج من لم يبلغ سن الرشد، وانسجاما مع المادة 22 التي تنص على ان "المتزوجان يكتسبان طبقا للمادة 20 اعلاه، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات..." ولعل من الحقوق التي يمكن التقاضي بشأنها ما يرتبط بالحضانة.
ثانيا – الاستقامة والأمانة: 
ويعني ذلك ان يكون الحاضن مستقيما في دينه وأخلاقه، حتى لا يؤذي المحضون ويؤثر فيه بسوء اخلاقه او بفسقه، كما يجب ان يكون امينا عليه في نفسه وعقله وماله.
ثالثا - القدرة على تربية المحضون وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا وعلى مراقبة تمدرسه:  
ويعيني ذلك ان يكون الحاضن قادرا على القيام بجميع مستلزمات المحضون، بأن يكون صحيح الجسم وسالما من الأمراض المعدية، وله من الامكانيات المادية والمعنوية وما يجعله يتكفل برعاية المحضون دينا وصحة وخلقا وتمدرسا.
رابعا – عدم زواج طالبة الحضانة الا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 174 و175:   
عدم زواج الحاضنة يختلف حسب ما اذا كانت هذه الأخيرة أما أم غيرها، وذلك حسب التفصيل المبين في المادتين 174 و175.
وتجدر الاشارة، الى ان القضاء يتحمل مسؤولية كبرى في التأكد والتحقق من توفر الشروط المذكورة اعلاه، في طالبة الحضانة، وذلك عبر القيام بمجموعة من التحريات والبحوث التي من شأنها الاطمئنان على مصلحة المحضون وسلامته، وهو ما تم تأكيده من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 173 اعلاه، التي تنص على "انه اذا وقع تغيير في وضعية الحاضن خيف منه الحاق الضرر بالمحضون، سقطت حضانته وانتقلت الى من يليه".
الفصل الثاني: مدار الحضانة، حق المحضون:
لقد اختلف الفقهاء حول الحضانة هل هي حق للحاضن او حق للمحضون، او لهما معا، فمن يرى انها للحاضن يتمسك بأن مستحق الحضانة يجوز له اسقاط حقه والتنازل عنه كما في خلع المرأة على اسقاط حضانتها، ومن يرى انها حق للمحضون، يتمسك بأن هذا الأخير يحتاج الى من يتولى شؤونه طالما انه عاجز لوحده ومفتقر الى غيره، ولا يمكن للحاضن التنازل عن حقه اذا توفرت فيه شروط الحضانة، اما من يرى انها حق مشترك بين الحاضن والمحضون، فيتسند الى ان الزام شخص معين بحضانة طفل ما، وهو غير راغب في ذلك، يعتبر في غير صالح المحضون، ولا بأس حينئذ في ان تنتقل الحضانة الى غيره ممن تتوفر فيهم شروط الحضانة، وهذا هو الرأي الظاهر، قال المتحف:
الحق للحاضن في الحضانة      وحال هذا القول مستبانـه
 لكونه يسقطها فتسقـط وقيل بالعكس فما ان تسقط
ولعل الرأي الأخير هو الذي أخذت به مدونة الأحوال الشخصية السابقة عندما نصت في الفصل 101 على أن: "اذا تساوى مستحقو الحضانة في الرتبة، فللقاضي حق اختيار الأصلح".
وهو نفس الاتجاه الذي سارت عليه مدونة الأسرة الحالية عندما خولت الحضانة للأم ثم للأب، ثم لأم الأم، وعند تعذر ذلك، تقرر المحكمة بناء على ما لديها من قرائن لصالح رعاية المحضون، اسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر اهلية، وذلك ما نصت عليه المادة 171، ومن ثم يتجلى ان مدونة الأسرة راعت مصلحة الحاضن الذي يكون اما أما او أبا او أما لأم، وراعت مصلحة المحضون عند تعذر وجود الحاضن من هؤلاء، عندما خولت للمحكمة صلاحية اختيار الحاضن من الأقارب الأكثر اهلية بعد مراعاة رعاية مصلحة هذا الأخير، ويتضح اخيرا ان المشرع من خلال مدونة الأسرة يميل الى ترجيح مصلحة المحضون.
الفصل الثالث: دور القضاء في حماية مصلحة المحضون:
يتضح من خلال استقراء المواد 163 الى 186 من مدونة الأسرة، ان المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة، يؤكد على الإشراف الفعلي للقضاء على حسن تطبيق الحضانة، مرورا بإسناد هذه الأخيرة الى من تتوفر فيه الشروط الضرورية لممارستها وأخذا بعين الاعتبار مصلحة المحضون التي يجب حمايتها، خاصة في غياب الأبوين، وهو ما نصت عليه المادة 165: "اذا لم يوجد بين مستحقي الحضانة من يقبلها، او وجد ولم تتوفر فيه الشروط رفع من يعنيه الأمر او النيابة العامة الأمر الى المحكمة، لتقرر اختيار من تراه صالحا من اقارب المحضون او غيرهم، والا اختارت احدى المؤسسات المؤهلة لذلك. "كما يمكن للمحكمة ان تعيد النظر في اسناد الحضانة اذا كان ذلك في مصلحة المحضون، هذا دون ان ننسى دور النيابة العامة التي اعطاها المشرع الصفة في تقديم جميع الطلبات الى المحكمة للحفاظ على حقوق المحضون، بما في ذلك المطالبة بإسقاط الحضانة بناء على ما يصل الى علمها من الأضرار التي قد يتعرض لها هذا الأخير، ومن هنا يتضح الدور المنوط للقضاء في حماية مصلحة المحضون، وذلك باتخاذ جميع الاجراءات الكفيلة بجعل المحضون يعيش في جو مناسب متمتعا بالرعاية الكاملة والمستمرة الى ان يصبح كامل الأهلية.




الباب الثاني: حقوق المحضون: 
سوف نتطرق في هذا الباب الى حقوق المحضون وعلاقتها بالسفر به خارج المغرب أو داخله، وذلك من خلال الفصل الأول والثاني، ثم نختم هذا الباب بالتعرض الى حق المحضون وتنظيم الزيارة من خلال الفصل الثالث.
الفصل الأول: حق المحضون والسفر به خارج ارض الوطن :
تطرق المشرع الى مسألة الانتقال بالمحضون خارج المغرب في المادة 179 من مدونة الأسرة، التي يتضح من مقتضياتها انه يمكن للحاضن ان يسافر بالمحضون خارج المغرب بعد موافقة النائب الشرعي، الا انه في غياب هذه الموافقة فإن لهذا الأخير او للنيابة العامة اللجوء الى المحكمة قصد استصدار قرار لمنع الحاضن من ذلك، سواء اثناء النظر في طلب اسناد الحضانة، او بواسطة قرار لاحق، وضمانا لتنفيذ هذا القرار اعطى المشرع للنيابة العامة مهمة السهر على ذلك باتخاذ الاجراءات اللازمة الكفيلة بذلك.
ونظرا لبعض الظروف التي قد تفرض ضرورة سفر المحضون رفقة حاضنه خارج ارض الوطن، فإن المشرع سمح لهذه الأخيرة ان تتقدم بطلب الى قاضي المستعجلات لاستصدار اذن بذلك، بعد التأكد من الصفة العرضية للسفر، ومن عودة المحضون الى وطنه.
ولعل مقتضيات المادة اعلاه، التي تعتبر من مستجدات مدونة الأسرة، جاءت لحماية حق المحضون من تبعات بعده على نائبه الشرعي، ولضمان قيام هذا الأخير بواجبه المتمثل في العناية بشؤون المحضون في التأديب والتوجيه الدراسي.
الا انه من خلال القضايا المطروحة على المحكمة، يستشف ان هناك اشكاليات لم تتعرض لها مدونة الأسرة، كما هو الشأن بالنسبة للحالة التي يكون فيها الحاضن والنائب الشرعي مقيمين بالخارج ويمتنع هذا الأخير من الاذن للحاضن قصد مرافقة المحضون الى محل الإقامة، ففي هذه الحالة نرى انه من مصلحة المحضون الانتقال للعيش مع حاضنه في الخارج وفي نفس الوقت بالقرب من نائبه الشرعي الذي يتسنى له ضمان العناية به في التأديب والتوجيه الدراسي، لأن المشرع عندما اشترط موافقة النائب الشرعي على السفر بالمحضون الى الخارج، فإن نيته كانت تنصب على الحالة التي يكون فيها النائب الشرعي يقيم داخل المغرب، وقد اصدرت المحكمة الابتدائية بالرشيدية حكما بتاريخ 08-12-2005 تحت عدد 3253، قضى بالإذن للمدعية باصطحاب ابنتيها المحضونتين الى مقر اقامتها بالديار الفرنسية بصفتها حاضنة عليهما، بعدما امتنع والدها الذي يقيم بفرنسا من السماح بمرافقة والدتهما الى الخارج.
وتجدر الإشارة الى ان احكام الاتفاقية المبرمة بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية الموقعة بالرباط بتاريخ 10-08-1981، تسمح للسلطة المركزية الممثلة في وزارة العدل في الدولة التي نقل اليها الطفل واحتفظ به فيها ان ترفع الى السلطة القضائية المختصة طلبا بتسليم الطفل الى الحاضن الممارس للحضانة.- انظر قرار المجلس الأعلى عدد 1158 المؤرخ في 30-111-2000 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 62 -.
كما صدر قرار حديث عن المجلس الأعلى قضى برفض طلب النقض المقدم ضد القرار الاستئنافي الذي قضى بتأييد الحكم المستأنف القاضي بإسقاط حضانة الأم بعد انتقالها بالمحضونيين الى السودان، بعلة ان ذلك يجعل من العسير على والد المحضون مراقبة احواله والقيام بواجباته، ذلك ان المسافة بين القطر المغربي ونظيره السوداني لا تساعد الأب على الاطلاع على احوال ولديه والسهر عليهما.
انظر القرار رقم 1 المؤرخ في 04 يناير 2006 ملف شرعي عدد 311/2/1/2004، منشور بمجلة المناهج عدد 09-10.
الفصل الثاني: حق المحضون والانتقال به داخل المغرب:   
تطرق المشرع المغربي إلى مسألة الانتقال بالمحضون داخل المغرب في المادة 178 من مدونة الأسرة التي تنص على أنه: "لا تسقط الحضانة بانتقال الحاضنة او النائب الشرعي للإقامة من مكان لآخر داخل المغرب، الا اذا ثبت للمحكمة ما يوجب السقوط، مراعاة لمصلحة المحضون والظروف الخاصة بالأب او النائب الشرعي، والمسافة التي تفصل المحضون عن نائبه".
فباستقراء هذه المادة، يتضح ان الانتقال بالمحضون داخل ارجاء المملكة لا يعتبر في حد ذاته من الأسباب المبررة لسقوط الحضانة، ما لم يثبت للمحكمة خلاف ذلك، ويراعى في ذلك مصلحة المحضون بالدرجة الأولى، والظروف التي تسهل على الأب او النائب الشرعي القيام بواجبه اتجاه المحضون.
و لعل تطور وسائل النقل والمواصلات عبر مختلف مناطق المغرب وما ينتج عن ذلك من سهولة زيارة وتفقد أحوال المحضون، هو الذي حذى بالمشرع الى ترك الحضانة لمستحقها، ما لم تكن هناك ظروف استثنائية تتعارض ومصلحة هذا الأخير وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي في ظل مدونة الأحوال الشخصية السابقة، حيث صدر قرار عن المجلس الأعلى بتاريخ 02-02-1994 تحت عدد 5289 ملف شرعي رقم 92/452، جاء فيه: "حيث ان الاستيطان في اية منطقة من مناطق المغرب، لم يبق فيه عسر على اب المحضون، بمعنى ان عنصر العسر في المراقبة في جميع مناطق المغرب، قد اصبح سهلا، نظرا للمسافات القريبة بين القرى والمدن بفضل انتشار وسائل النقل به، بمختلف انواعها.... كما ان انتشار المدارس والمستشفيات، وغيرها من الخدمات الاجتماعية اصبحت متوفرة في اغلب القرى فضلا عن المدن، مما يجعل انه لا خوف على المحضون مع امه من أي ضرر كان...". قرار غير منشور مأخوذ من احكام الحضانة لمحمد الكشبور، الطبعة الأولى 2004.
وقد اشار الناظم ابن عاصم الى احكام السفر بالمحضون في قوله:
وحيث بالمحضون سافر الــولي       بقصد الاستيطان والتنقـل
فذاك مسقــط لحـق الحاضنة إلا اذا صارت هناك ساكنة
الفصل الثالث: حق المحضون وتنظيم الزيارة:
تعرض المشرع لأحكام زيارة المحضون في المواد 180 الى 186، فتطرق الى امكانية اتفاق الأبوين على تنظيم هذه الزيارة حسبما يناسبهما معا، والا فإن على المحكمة التدخل من اجل تحديدها وضبطها زمانا ومكانا بالشكل الذي يضمن تنفيذها وعدم التحايل في ذلك، مراعية ظروف الأطراف وملابسات كل قضية على حدة، مع امكانية المتضرر من ذلك طلب المراجعة والتعديل حسبما يتلاءم وما استجد من ظروف.
وقد اكدت المادة 186 على ضرورة مراعاة مصلحة المحضون في تطبيق مواد هذا الباب المتعلق بتنظيم الزيارة، وجعلها فوق كل اعتبار، مما يسمح للمحكمة تبعا لسلطتها التقديرية، باتخاذ جميع الإجراءات المناسبة واللازمة لضمان ملاءمة الاتفاق المنظم للزيارة او المقرر المحدد لها لمصلحة المحضون. 
ولعل ابرز الإشكاليات المثارة بخصوص تطبيق احكام المواد اعلاه هي كما يلي:
أولا: الحالة التي يكون فيها محل اقامة الأب غير محل اقامة الحاضن:
فعندما تكون المحكمة قد حددت تنظيم الزيارة في كل يوم احد من الأسبوع، ويصادف ان الأب لم يعد يقيم في نفس المدينة التي تقيم بها الحاضنة، فإن هذا الأخير يتقدم بطلب من اجل تعديل المقرر المحدد للزيارة، بجعلها اربعة ايام متتالية كل شهر بدلا من يوم الأحد كل اسبوع، على اساس انه                لا يستطيع التنقل اسبوعيا الى مقر اقامة المحضون قصد استلامه.
و لا يخفى ان الاستجابة لهذا الطلب لا يكون في مصلحة المحضون خاصة عندما يكون هذا الأخير مازال في سن الرضاعة ويكون محتاجا الى رعاية الأم باستمرار كما انه حتى على فرض انه تجاوز سن الرضاعة، فإن متابعته للدراسة لا تسمح بانتقاله من محل سكناه ما عدا ايام الآحاد والعطل.
ثانيا: الحالة التي تمنع فيها الحاضن من تسليم المحضون للأب قصد زيارته على اساس انه مازال في سن الرضاعة:
وتبرز هذه الاشكاليات عندما يكون المحضون في سن الرضاعة، فتمتنع الأم الحاضن من تسليمه للأب تنفيذا للمقرر المحدد لتنظيم الزيارة، بعلة انه يحتاج الى الرضاعة ومزيد من العناية والرعاية، فيعمد الأب الى تقديم طلب يرمي من خلاله الى اسقاط الحضانة، على اعتبار ان الحاضنة اخلت بواجبها في تنفيذ الاتفاق او المقرر المنظم للزيارة، استنادا الى المادة 184 من مدونة الأسرة.
ففي هذه الحالة، يظهر انه يجب ترجيح مصلحة المحضون، التي تقتضي بقاءه مع الأم قصد ارضاعه في ظروف تضمن نموه في ظروف طبيعية، خاصة اذا كان الأب لا يتوفر على من يقوم بذلك مع مراعاة ملابسات كل قضية على حدة.
ثالثا: اثناء العلاقة الزوجية:
نصت المادة 164 من مدونة الأسرة على ان الحضانة من واجبات الأبوين، ما دامت علاقة الزوجية قائمة، " إلا أن الاشكالية المطروحة هي عندما ينتقل أحد الزوجين للاستقرار في مكان آخر، بعيدا عن بيت الزوجية، ويقوم باصطحاب الأبناء معه، فبعمد الزوج الآخر إلى المطالبة بإسناد حضانة الأبناء اليه، بعلة أن الطرف المدعى عليه ترك بيت الزوجية وأخل بالواجبات الملقاة على عاتقه بمقتضى عقد الزواج.
وقد قضى المجلس الأعلى بنقض القرار الاستئنافي القاضي بتسليم الولد لوالدته لتحضنه رغم بقاء العلاقة الزوجية بعلة ان الحضانة على الأولاد هي مشتركة بين ابويهما ما دامت الزوجية متصلة بينهما. انظر القرار رقم 561 الصادر بتاريخ 22-06-1999 ملف ح.ش 455/97، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى في الأحوال الشخصية والعقار عدد 13.
خاتمـة:
من كل ما سبق، يتضح ان المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة، اولى اهمية بالغة لمؤسسة الحضانة التي تعتبر من أهم آثار انفصام العلاقة الزوجية، قد جاء المشرع بعدة مستجدات تصب جلها في اتجاه مراعاة واعتبار مصلحة المحضون بالدرجة الأولى، وذلك انساجما مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب ومن ضمنها الاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب بموجب الظهير رقم 4-93-4 المؤرخ في 14-06-1993، مع تحفظه على مقتضيات المادة 14، مع الأخذ بعين الاعتبار أحكام الفقه الاسلامي عامة والفقه المالكي خاصة، في كل ما يتماشى والحياة الراهنة التي نعيشها.
وان المشرع لما اعطى للقضاء حق المراقبة والاشراف الفعلي على حسن تطبيق المقتضيات الواردة في باب الحضانة وسمح له باتخاذ جميع الاجراءات اللازمة التي تضمن نمو المحضون تحت حضانة من يوفر له الحماية والرعاية اللازمة التي تضمن نمو المحضون تحت حضانة من يوفر له الحماية والرعاية اللازمة، يكون قد افلح في ضمان الفعالية والنجاعة في صيانة حقوق الطفل المحضون وحمايتها، خاصة عندما اشار بصراحة الى ان المحكمة لها كامل الصلاحية في اختيار من تراه صالحا من اقارب المحضون او غيرهما، واختارت احدى المؤسسات المؤهلة لذلك، من خلال المادة 165 من المدونة.
وفي الأخير ارتأيت ان اختم هذا العرض بالإشارة الى قرار للمجلس الأعلى صدر حديثا في اطار مدونة الأسرة بخصوص التزام الحاضنة بتسليم المحضون الى ابيه حالة عجزها عن الانفاق عليه، فقد جاء في القرار الصادر بتاريخ 05 يناير 2005 تحت عدد 04 ملف شرعي عدد 449/2/2004، (منشور بمجلة المناهج عدد 9-10) ما يلي:" ولهذا فإنه ما دامت الطالبة قد التزمت في العقد......... بأن تسلم البنت............. الى مفارقها عند عجزها عن القيام بشؤونها من نفقة وكسوة وتطبيب، وادلت بلفيف لاثبات عجزها عن الانفاق، وعللت المحكمة قرارها بأن الطالبة اختلعت في عقد الخلع بما لها من متعة......... ثم ابرمت مع مفارقها.......... عقدا آخر التزمت فيه بتسليم البنت........ الى والدها المذكور عند عجزها عن الانفاق، وان العقد شريعة المتعاقدين وقضت بإلغاء الحكم المستأنف ورفضت الطلب، فإنها لم تخالف اية قاعدة ملزنة التطبيق...... ".
ولعل من أسباب سقوط الحضانة وقوع تغيير في وضعية الحاضن يخاف منه الحاق الضرر بالمحضون كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 173 من مدونة الأسرة، ويعتبر العجز عن الانفاق عن المحضون بعد تنازل الأم عن مستحقات المحضون والتزامها بتسليمه إلى الأب بعد عجزها عن الانفاق، من الظروف المستجدة في وضعيتها، ويصعب معها القيام بشؤون المحضون، مما يلحق ضررا بهذا الأخير، ويستوجب اسقاط الحضانة.