10.09.2017

واقع التحكيم التجاري الدولي و افاق الاستثمار ذ / محمد ثكمنت أستاذ بكلية العلوم القانونية بسلا

واقع التحكيم التجاري الدولي و افاق الاستثمار ذ /  محمد ثكمنت أستاذ بكلية العلوم القانونية بسلا











واقع التحكيم التجاري الدولي و افاق الاستثمار
ذ /  محمد ثكمنت
أستاذ بكلية العلوم القانونية بسلا



مقدمة
يعيش المغرب في الوقت الراهن على آمال تحقيق التنمية البشرية إلا أن هذه الأخيرة، لا يمكن أن تتحقق إلا بتنمية اقتصادية للخروج من الأزمة التمويلية والتنموية، والتي تحتاج إلى رؤوس الأموال المنتجة التي تزيد من القوة الإنتاجية للدولة، إذ من الحقائق المسلم بها في كافة أنحاء العالم، أن أي اقتصاد قومي لا يستطيع أن يزدهر إلا بإنفتاحه على كافة دول العالم حتى يمكنه من الاستفادة من الوسائل العلمية والفنية والإمكانيات التكنولوجية التي يوفرها العلم الحديث. فالتنمية الاقتصادية في عالمنا المعاصر تحتاج إلى رأسمال لاستخدام الموارد الطبيعية والاستخدام المنتج للطاقات البشرية، وهوما يستلزم خبرات فنية ومعرفة علمية الشيء الذي يبرر ضرورة لجوء الدول النامية لمطالبتها وجلبها من المصادر الأجنبية عن طريق ما يسمى بالاستثمارات الأجنبية.    
فكل دول العالم المتقدمة والنامية بما فيها المغرب تتسابق على تقديم الحوافز والمزايا والتسهيلات والإعفاءات الضريبية والجمركية من جهة، وتثبيتها بقوانين ولوائح تتضمنها قوانين الاستثمار والمعاهدات الثنائية من جهة أخرى، وذلك من أجل توفير المناخ الملائم لتشجيع المستثمرين الأجانب على الاستثمار بهذه الدول. 
ويعتبر الاستثمار حسب المفهوم الاقتصادي وسيلة تهدف إلى خلق رأس المال و وسيلة للرفع من وسائل الإنتاج وخلق مناصب الشغل.
لذلك، تنامت أهمية الحديث عن مفهوم الاستثمار الأجنبي في ظل ما يسمى بعصر العولمة، إذ أصبح يشمل الأنشطة المتعلقة بحركة البضائع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص على اختلاف أنواعها.
إلا أن المستثمر الأجنبي الذي ينوي توجيه استثماراته ) المباشرة أو غير المباشرة(، يتولد لديه شعور طبيعي بالخوف على استثماراته من المخاطر الغير التجارية الشيء الذي يدفعه للحرص الزائد على الضمانات المتوفرة لحمايتها وخاصة منها القضائية و لا سيما ما يتعلق بآلية حل المنازعات التي تنشأ بين هيئة الاستثمار أو غيرها من أشخاص القانون العام في البلد المضيف مما يدفعه إلى اللجوء الى التحكيم التجاري الدولي لما يوفره له من ضمانات عامة و أخرى خاصة.




فإلى أي حد يمكن لضمانات التحكيم التجاري الدولي أن تساهم في تشجيع وجلب الاستثمارات الأجنبية؟
هذا ما سنناقشه وفق التصميم التالي:
الفصل الأول: ضمانات التحكيم التجاري الدولي العامة للمستثمر الأجنبي
الفصل الثاني: ضمانات التحكيم التجاري الدولي الخاصة للمستثمر الأجنبي


الفصل الأول: ضمانات التحكيم التجاري الدولي العامة للمستثمر الأجنبي

تتمثل هذه الضمانات في إعطاء المستثمر الأجنبي الحرية في اختيار الهيئة التحكيمية: -سواء كانت حرة أم مؤسساتية- التي تبت في النزاع الذي قد يثور أو الناشئ بينه وبين الدولة المتعاقدة أو مع إحدى المتعاملين معه من الخواص في الدولة المضيفة للاستثمار الأجنبي. واختيار القانون الواجب التطبيق من قبل الأطراف صراحة أو ضمنا أو تحديده من قبل الهيئة التحكيمية (المبحث الأول)، والتي غالبا ما تعمل على اختيار القانون الخاص الدولي ("La lex Mercatoria"   أو قانون التجارة الدولية) (المبحث الثاني).

المبحث الأول: حرية اختيار القانون الواجب التطبيق

إن حرية اختيار القانون الواجب التطبيق سواء فيما يتعلق بإجراءات سير المهمة التحكيمية (المطلب الأول) أو بجوهر النزاع (المطلب الثاني) تعد من بين أهم المبادئ العامة للتحكيم التجاري الدولي التي تشكل ضمانات للمستثمر الأجنبي تشجعه على استثمار أمواله دون التخوف من القواعد القانونية الإجرائية والموضوعية لدولة معينة والتي قد لا تخدم مصلحته.

المطلب الأول: حرية اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم

نميز في هذا المطلب بين الضمانات التي يستفيد منها المستثمر الأجنبي قبل صدور الحكم التحكيمي (الفقرة الأولى) ومن تلك التي يستفيد منها بعد صدور الحكم التحكيمي (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: قبل صدور الحكم التحكيمي

فبعد اتفاق أطراف الاستثمار الأجنبي على اللجوء إلى نظام التحكيم التجاري الدولي وقبل السير في الإجراءات التحكيمية يتطلب هذا الأمر إنشاء هيئة تحكيمية للبت في النزاع (أولا )، قبل اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات سير التحكيم (ثانيا)

أولا: اختيار الهيئة التحكيمية

إن الإجراءات الخاصة باختيار أو تعيين المحكم تختلف تبعا لنوعية التحكيم الذي يختاره الأطراف سواء تعلق الأمر بالتحكيم الحر (أ) أو بالتحكيم المؤسساتي (ب).



 أ- اختيار المحكمين في التحكيم الخاص (الحر)

يعود اختيار المحكم أو المحكمين لتشكيل المحكمة التحكيمية – من حيث المبدئ- إلى إرادة أطراف النزاع ،إذ يقوم الاختيار المباشر للمحكمين من قبل الاطراف على فكرة الثقة ،الشيء الذي يشكل الضمان الأكيد لسيرالمهمة التحكيمية.
وقد كرست هذه الحرية معظم القوانين العبر دولية التي تنظم العاملات التجارية الدولية بما فيها الاستثمارات الدولية،  و من أهم هذه القوانين اتفاقية جنيف لعام 1927 المتعلقة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، إذ اشترطت للإعتراف بها وتنفيذها إما أن تكون صادرة عن هيئة التحكيم المحددة في شرط أو مشارطة التحكيم أو التي  تم تكوينها وفقا لإرادة الطرفين أو طبقا للقانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم، وهو مكان التحكيم كقاعدة عامة (المادة 1/3).و هذا المضمون نفسه هو ما نصت عليه المادة 5/4 من اتفاقية نيويورك 1958 بشأن الاعتراف بالأحكام التحكيمية الأجنبية وتنفيذها.
ب- اختيار المحكم في التحكيم المؤسساتي

فاختيار المحكم في تحكيم المركز الدولي لفض المنازعات الناشئة عن الاستثمار بواشنطن يتم في ظل نصوص اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى والتي تقضي بأن يتم وفقا لإرادة الأطراف إذ يمكنهم تشكيلها من محكم واحد، أوعدد فردي في حالة التعدد ويتولى الأطراف أنفسهم اختيار المحكم الفيصل الذي يتولى الرئاسة، وليس المحكمان المختاران كما هو الحال في قواعد اليونسترال والقانون النموذجي لنظام غرفة التجارة بباريس.
ثانيا: اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات سير المنازعة.

تختلف طريقة اختيار القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم بحسب إذا ما اختار الأطراف اللجوء إلى التحكيم الخاص (أ) أو إلى التحكيم المنظم (ب).

أ‌- في التحكيم الحر

تكون لإرادة الأطراف في هذا النوع من التحكيم دورا رئيسيا في صياغة القواعد الإجرائية أو اختيار القانون الذي يحكم سير المنازعة سواء أكان هذا الاختيار صريحا أم ضمنيا حيث يمكن لأطراف النزاع اختيار قواعد متفرعة مأخوذة من بعض القواعد الدولية المعروفة في مجال التحكيم التجاري الدولي بخصوص منازعات الاستثمار.
ونشير إلى أنه إذا كان الأصل في حالات التحكيم الخاص أن يترك لأطراف النزاع الحرية في تنظيم إجراءات سير المنازعة فإن في الواقع من غير المألوف كثيرا أن يقوم  الخصوم بصياغة القواعد الإجرائية المفصلة التي تحكم سير المنازعة، سواء في العقد مثار النزاع أم في مشارطة مستقلة. 

وذلك راجع إلى عدم توقع الخصوم لكافة المسائل التفصيلية التي يثيرها سير المنازعة المطروحة أمام الهيئة التحكيمية. وإلى ما قد تجره تلك الصياغة الاتفاقية من اصطدام مع بعض القواعد الإجرائية الآمرة، أو تلك التي تتعلق بالنظام العام في دولة التنفيذ. والتي تشكل قيود حمراء يؤدي تجاهلها إلى إبطال الحكم التحكيمي. ومن ثم عدم إعطاء الصيغة التنفيذية للحكم التحكيمي.
الشيء الذي يترتب عنه أن الصياغة الاتفاقية لإجراءات سير المنازعة كثيرا ما تنصب أساسا على المبادئ التي تحكم المنازعة، مثال ذلك كيفية تشكيل هيئة التحكيم، سواء من حيث عدد الأعضاء- محكم واحد أو أكثر- أو اختيار رئيس هيئة التحكيم ومكان انعقاد التحكيم، وتاريخ إصدار القرار، والأغلبية التي يصدر بها القرار في حالة تعدد المحكمين، ونفقات التحكيم.

ب-في التحكيم المؤسساتي

يعبر الأطراف في الغالب عن إرادتهم في إيجاد حل للنزاع وفقا لقواعد التحكيم لإحدى المؤسسات أو لمراكز التحكيم. وقد اتبع مجال التحكيم التجاري الدولي لدى هيئات ومراكز التحكيم الدائمة، حيث أصبح إجباريا في الكثير من العقود الدولية ذات الشكل النموذجي والتي تعتبر إلى حدا ما محورا في التجارة الدولية مثل عقود المنشئات الصناعية والتوريدات الدولية والتي تنص على ضرورة فض المنازعات التي تنشأ بسببها أمام محكمة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية بباريس  وطبقا لإجراءاتها. كما يكون التحكيم إجباريا أمام هيئات ومراكز التحكيم الدائمة وفقا للوائحها، التي ترى أنها الأنسب، بغض النظر عن المكان الذي تدور فيه الجلسات وغيرها من الأعمال الإجرائية، تطبيقا لنصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعددة الأطراف.

الفقرة الثانية: بعد صدور الحكم التحكيمي

 تنتهي المهمة التحكيمية بصدور حكم تحكيمي يراد تنفيذه بالنسبة للطرف الذي صدر لمصلحته (المحكوم له) (أولا) فيما يمكن الطعن فيه من المحكوم عليه (ثانيا).

أولا: تنفيذ القرارات التحكيمية في ميدان الاستثمار

تختلف القواعد التي تحكم إجراءات الاعتراف بالأحكام التحكيمية وتنفيذها في ميدان الاستثمار بحسب ما إذا كانت صادرة عن مؤسسة تحكيمية متخصصة ووفقا لمقتضيات الاتفاقية التي أنشئت بموجبها هذه المراكز التحكيمية  الدائمة المتخصصة(أ)، وتلك الأحكام التحكيمية الصادرة عن الهيئات التحكيمية الدائمة العامة أو الهيئة التحكيمية في إطار التحكيم الحر(ب).

أ‌- تنفيذ الحكم التحكيمي الصادر عن مؤسسة متخصصة ووفق لمقتضيات الاتفاقية التي  أنشئ بموجبها المركز

عندما تطرح مسألة التنفيذ في مجال الاستثمار فإن التنفيذ يكون طوعيا – لا يثير أي إشكال- من الطرفين سواء من طرف المستثمر أم طرف الدولة المستقبلة للاستثمارات أو الطرف الخاص.
فحسب المبادئ العامة في ميدان التحكيم التجاري، فإن القرار التحكيمي في ميدان الاستثمارات الأجنبية ينظر إليه على أنه مماثل للحكم الأجنبي فكلاهما صادر عن "جهة" أو "سلطة لا تمثل الدولة المراد تنفيده فيها، و بالتالي يستوجب تذييله بالصيغة التنفيذية.
إلا أنه وبالنظر إلى تميز ميدان الاستثمار وخصوصية الأجهزة المختصة بالنظر في منازعاته، فإن هذه القاعدة قد يتخلى عنها أحيانا أو يتم تليينها تارة أخرى.
 ذلك أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 54 من اتفاقية واشنطن لسنة 1965  نجد أنها قد ألغت شرط تذييل الحكم التحكيمي بالصيغة التنفيذية، ولم يعد من الممكن أن يمتنع أي "نظام قانوني" لبلد متعاقد في اتفاقية واشنطن عن قبول قرار تحكيمي صادر عن هذا المركز. إلا أن ذلك لا يمنع الطرف الذي يسعى للاعتراف بالحكم أو تنفيذه من أن يقدم للمحكمة المختصة أو للجهة الأخرى التي قد تكون الدولة عينتها لهذا الغرض، صورة من الحكم مصادقا عليها من السكرتير العام ويجب على كل دولة متعاقدة أن تخطر السكرتير العام  بتعيين محكمة مختصة أو جهة أخرى لهذا الغرض وبكل تغيير لاحق في مثل هذا التعيين (الفقرة 2 من الفصل54 السابق الإشارة إليه أعلاه).

وقد تأثر محررو الاتفاقية العربية المتعلقة بتسوية نزاعات الاستثمار بين الدول المضيفة للاستثمار العربي ومواطني الدول العربية الأخرى بما جاء في اتفاقية واشنطن حيث يقضى الفصل 25 من هذه الاتفاقية أن القرارات التحكيمية الصادرة طبق أحكامها تكون ملزمة لأطرافها الذين يجب عليهم الامتثال لها وتنفيذها. 

ب- إجراءات تنفيذ الأحكام التحكيمية الصادرة عن جهة تحكيمية سواء كانت مؤسساتية عامة أم حرة.

يمكن تقسيم القواعد التي تحدد تلك الإجراءات بالنسبة للقرار التحكيمي الأجنبي إلى: قواعد الإتفاقيات الدولية(1)، والقواعد الوطنية(2).

1- تنفيذ القرارات التحكيمية بموجب الاتفاقيات الدولية 

 انصبت الجهود على المستوى الدولي على إيجاد وسائل قانونية واتفاقية لضمان تنفيذ أحكام التحكيم الدولي، انتهت بإبرام اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية سنة 1958 والتي حاولت إلى حد ما التوحيد بين التشريعات الوطنية والتخفيف من القيود التي تعترض سبل الاعتراف بالقرار التحكيمي وتنفيذه.
كما ساهمت في جعل القرارات التحكيمية الدولية قابلة للتنفيذ في الدولة غير تلك التي صدرت فيها. مع ترك مهمة تحديد إجراءات تنفيذ المقرر التحكيمي الدولي لقانون دولة القاضي كما أنها تلزم الدولة المتعاقدة-المادة الثالثة من الاتفاقية- بالاعتراف بحجية حكم التحكيم وتأمر بتنفيذه طبقا لقواعد المرافعات في الإقليم المطلوب فيه التنفيذ وهو ما كرسته المادة الأولى من اتفاقية جنيف لسنة 1961  ولكن شريطة ألا يكون الحكم الأجنبي صادر في ما لا يجوز التحكيم فيه طبقا لقانون البلد المراد تنفيذ القرار فيه أو مخالف للنظام العام.

2- تنفيذ القرارات التحكيمية الأجنبية بموجب القوانين الوطنية

خصص المشرع الفرنسي المواد (من1498 إلى1507)للقرارات التحكيمية الأجنبية، وبالرجوع إلى هذه المواد، يتبين أن المشرع أنزل القرارات التحكيمية الأجنبية منزلة القرارات التحكيمية الوطنية، ومن ثم فإن القرارات التحكيمية الأجنبية تقف على قدم المساواة مع القرارات التحكيمية الوطنية من حيث الرقابة القضائية.
أمابالنسبة للتشريع المغربي فإنه لا يضع ضابطا للتمييز بين القرارات التحكيمية الأجنبية و الوطنية. كما اختلف العمل القضائي في طريقة تعامله مع الحكم التحكيمي الأجنبي، فتارة يرفض طلبات تنفيذ الأحكام التحكيمية الأجنبية المقدمة إليه بناء على طلب وفقا لمقتضيات الفصل (148 من ق.م.م) لاعتبارها بمثابة أحكام قضائية أجنبية. وتارة أخرى اعتبر الحكم التحكيمي الأجنبي كالحكم  التحكيمي الوطني على أساس أن أحكام المحكمين لها صبغة تعاقدية ولا تصل إلى درجة القرارات القضائية.(بدون مراجع قرارات)

ولكن برجوعنا إلى مشروع 05-08 نجد أنه قد ألزم الطرف الذي صدر الحكم لفائدته في إطار التحكيم الدولي سواء كان حرا أم مؤسساتيا بتقديم طلب تذييله بالصيغة التنفيذية، ومن تم يمكن أن نقول بأنه اعتبره في مصاف الأحكام الوطنية، لأنه أعفى طالب التنفيذ من دعوى الأمر بالتنفيذ لإنزال الحكم التحكيمي الأجنبي منزلة الحكم التحكيمي الوطني.
ثانيا: الطعن في أحكام التحكيم الصادرة في ميدان الاستثمار

أ- إذا كان القرار التحكيمي صادر عن هيئة تحكيم حر (Adhoc) أو عن هيئة تحكيم مؤسساتية خاصة لم يقع إنشاؤها بمقتضى اتفاقية دولية متعلقة بالاستثمار، فإنه يخضع للقوانين الداخلية التي تتعلق بهذه المسألة، ففي تونس مثلا تسري عليه أحكام الفصل 78 من مجلة التحكيم، و لا تختص المحاكم التونسية بالنظر في الإبطال إلا إذا كان مقر التحكيم موجودا بتونس.
وهو نفس التوجه الذي سار عليه مشروع 05-08 في الفصل 48-327 إذا توفرت حالاته إلا أن إختصاص محكمة الإستئناف لا ينعقد إلا إذا صدر الحكم التحكيمي في دائرتها  شريطة أن ترفع دعوى البطلان داخل أجل 15 يوما على تبليغ الحكم القابل للتنفيذ.
ب- أما إذا كان القرار التحكيمي صادر في ظل إحدى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالاستثمار فإن الأمر يكون على خلاف ذلك حيث نلاحظ وجود نزعة عامة إلى التخلص من اختصاص المحاكم الوطنية في دعاوي الإبطال (الفصل 52 من اتفاقية واشنطن).

 المطلب الثاني: تحديد القانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع

يفضل المستثمر الأجنبي اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي الذي يخوله الحق في اختيار القانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع إما صراحة أو ضمنا (الفقرة الأولى) أو أن يفوض ذلك للهيئة التحكيمية (الفقرة الثانية).


الفقرة الأولى: تحديد القانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع من قبل الأطراف

يتم تحديد القانون الواجب التطبيق من قبل المحتكمين (أطراف النزاع) إما تحديدا صريحا (أولا) أو ضمنيا (ثانيا)

أولا: الإرادة الصريحة

فمن أهم الاتفاقيات الدولية التي تكرس دور إرادة أطراف منازعات الاستثمار في اختيار القانون الواجب التطبيق على تلك المنازعات، نجد اتفاقية واشنطن لعام 1965 الخاصة بتسوية المنازعات الناشئة عن الاستثمارات بين الدول ومواطني الدول الأخرى، وذلك في مادتها 4/1، حيث تقضي أن هيئة التحكيم تنظر في النزاع طبقا لقواعد القانون الذي حدده الطرفان وفي حالة عدم الاتفاق على ذلك فإنها تطبق قانون الدولة المتعاقدة...ومن ثم فهي تعطي الأولية للقانون المتفق عليه من قبل الأطراف المتنازعة. وبالتالي التزام المحكمين أو الهيئة التحكيمية بتطبيقه.

وهو نفس الاتجاه الذي ذهبت فيه المادة 19 من اتفاقية تسوية منازعات الاستثمارات بين الدول المضيفة للاستثمارات العربية وبين مواطني الدول العربية الأخرى الصادر سنة 1980، والمادة 7/1 من الاتفاقية الأوروبية لعام 1961.
كما أن معظم القوانين الوطنية في تنظيمها للتحكيم التجاري الدولي تقر بدور إرادة الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع، على رأسها القانون الفرنسي(المادة 1474 من قانون المرافعات الفرنسي)، ويماثل هذا المقتضى مشروع قانون رقم 05-08 المغربي، في فصله 41-327.
ثانيا: الإرادة الضمنية

إن تعيين القانون الواجب التطبيق من قبل الأطراف قد لا يكون بطريقة صريحة مما يستوجب على المحكم أن يبحث عن الإرادة الضمنية أو المفترضة لكي يتمكن من تحديد القانون الذي سيطبقه على النزاع، مستعملا في ذلك مجموعة من المؤشرات التي تنقسم إلى عامة كقانون محل إبرام العقد، وقانون محل التنفيذ، وأخرى خاصة كقانون محل إقامة المتعاقدين ومكان التحكيم، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى وإن كانت أقل أهمية كاللغة المعتمدة في العقد، والعملة الواجبة الدفع.

الفقرة الثانية: اختيار المحكمين للقانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع

يتمتع المحكم الدولي على خلاف القاضي الوطني، بسلطة تقديرية واسعة عند تحديد القانون الذي يحكم موضوع النزاع، ويعود سبب ذلك لغياب الإرادة الصريحة أو الضمنية للخصوم في اختيار هذا القانون، أو لرغبة الأطراف في منح هذه السلطة للمحكم الدولي أو لهيئة التحكيم.
ويكون للمحكم الخيار بين تطبيق القانون الذي تحدده قواعد الإسناد (أولا) أوإعمال المنهج الموضوعي المباشر (ثانيا).

أولا: تحديد الهيئة التحكيمية للقانون الواجب التطبيق عن طريق إعمال المنهج التنازعي

يمكن للمحكم الدولي - في إطار سلطته التقديرية- البحث عن القانون الواجب التطبيق على جوهر النزاع من خلال تطبيقه لقواعد التنازع المنصوص عليها في القانون الدولي الخاص، وقد أكدت هذا المبدأ بعض الإتفاقيات الدولية مثل الفقرة 1 من المادة 7 من الإتفاقية الأوربية للتحكيم التجاري الدولي الموقعة بجنيف سنة 1961.
 
ثانيا: تحديد القانون الواجب التطبيق من طرف الهيئة التحكيمية عن طريق اتباع المنهج المباشر

إن المنهج التنازعي بات في حكم المتجاوز مما يستدعي البحث عن حل يكون ملائما لمتطلبات التجارة الدولية بصفة عامة ولمتطلبات حل منازعات الاستثمارات الأجنبية بصفة خاصة، وإذا كانت القواعد الموضوعية في القوانين الداخلية لا تلبي ما يصبو إليه مجتمع التجار ورجال الأعمال الدوليين فإن قواعد من صنع هذا المجتمع تلزم المحكم الدولي بتطبيقها على النزاع، من منطلق أنه لا يملك قانون اختصاص يرجع إليه على خلاف القاضي الوطني، كما أنه لا يخضع لسيادة أي دولة ولا يحكم باسمها وأن سلطة المحكم الدولي في أعمال المنهج الموضوعي المباشر (قواعد القانون الخاص الدولي) تجد أساسها القانوني في العديد من الاتفاقيات الدولية كالمادة السابعة من اتفاقية جنيف 1961 و المادة 33 /3 من قواعد لجنة الأمم المتحدة للتحكيم التجاري الدولي "اليونستنرال" 1976 ، كما تؤكدها لوائح هيئات التحكيم الدولي كالمادة 39/2 من من لائحة تحكيم التجارة الخارجية لدى الغرفة الاقتصادية الاتحادية في جمهورية يوغسلافيا (16 يوليوز 1958) والتي تقضي بأن يؤسس المحكمون قرارهم على النصوص القانونية والأعراف التجارية، والمادة 47 من لائحة غرفة التجارة الخارجية بجمهورية ألمانيا الديموقراطية "سابقا" الصادرة في 4 يوليوز 1957.وكذلك الأنظمة القانونية الداخلية- بما فيها مشروع قانون رقم 05-08 المغربي .

تساهم مختلف القوانين الوطنية المقارنة في صياغة قواعد قانون التجارة الدولية بحسب الفرص القانونية المتاحة داخل كل دولة وحسب تصنيف هذه الأخيرة داخل الخريطة القانونية العالمية.
ومن أهم القواعد المنصوص عليها في القوانين الوطنية، والمعمول بها في نفس الوقت في مجال عقود التجارة الدولية، مبدأ سلطان الإرادة، العقد شريعة المتعاقدين. وهو ما يؤهل القوانين الوطنية لتعتبر مصدر من مصادر قانون التجارة الدولية. 

المبحث الثاني: ضمانات تطبيق القانون الخاص الدولي "قانون عبر دولي"

عادة ما يفضل خصوم منازعات الاستثمارات الدولية اللجوء إلى نظام التحكيم التجاري الدولي، وذلك بهدف الحصول على عدالة نوعية،- مختلفة عن تلك التي تعطيها المحاكم العادية –التي تستند على القواعد الموضوعية المباشرة الدولية القادرة على استيعاب مجموعة من المعطيات المتناقضة.

المطلب الأول: رغبة الخصوم في الخضوع القانون العبر دولي

سنحاول أن نتطرق في هدا المطلب لماهية القانون العبر دولي وخصائصه (الفقرة الأولى ) فيما سنعالج مصادره في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ماهية القانون العبر الدولي وخصائصه

أولا: ماهية القانون العبر الدولي.

بعدما ساد الاعتقاد بأنه لا يوجد إلا القانون الصادر عن دولة معينة، وأن العلاقات الدولية يجب أن يحكمها القانون الوطني شأنها في ذلك شأن العلاقات الداخلية. ومن تم يستوجب البحث عن القانون الوطني الذي يحق له أن يحكم علاقة دولية معينة أو تحديد مجموعة القوانين التي يحق لها أن تحكم مثل هذه العلاقات، بحيث ينفرد كل قانون بحكم إحدى جزئيات العلاقة المعنية ويتم تحديد هذا القانون وفق المنهج التنازعي الذي لا يستطيع الخصوم أن يعرفوا من البداية وعلى وجه اليقين ماهية القانون الذي سيحكم العلاقة.

قد اختلف الفقه حول تعريف قانون التجارة الدولية، لكن نرى من خلال هذا الاختلاف أن قانون التجارة الدولية، هو مجموعة من القواعد الموضوعية أو المادية المستقاة من مصادر متعددة، الاتفاقيات الدولية الخاصة، ومن مجموع العادات والأعراف التجارية والمهنية التي تنشأ بطريقة تلقائية و يكون موضوعها العمليات التجارية التي يقوم بها أشخاص قصد تحقيق مصالح توجد في بلدان مختلفة وهو نظام مستقل عن كل نظام قانوني داخلي.

ويتميز هذا القانون بمجموعة من الخصائص منها ما هو ذاتي ومنها ما يتعلق بالقواعد المشكلة لقانون التجارة الدولية.

ثانيا: خصائص قانون التجارة وقانون التجار الدوليين

يرى أنصار قانون التجارة الدولية أن هذا القانون يتميز بمجموعة من الخصائص الذاتية وأهمها أنه

1- قانون ازدواجي

ويقصد بذلك أن قانون التجارة الدولية هو قانون يتكون من مجموعتين من القواعد القانونية، بحيث تضم الأولى مجموعة من القواعد الموضوعية ذات التطبيق المباشر، دون إعمال قواعد الإسناد. ويتكون من جهة أخرى من قواعد التنازع موحدة ذات طابع دولي في ميدان المعاملات التجارية الدولية مع تغليب منهج القواعد الموضوعية المباشرة والناشئة عن الممارسات العملية لمجتمع التجار الدوليين والشائعة في وسطهم لعدم ارتباطها بأي قانون وطني. فقواعد التجار الدولي (Lex mercatoria) هو قانون لا يطبق إلا تطبيقا مباشرا بحيث أن كل قواعده موضوعية ومباشرة لحل منازعات التجارة الدولية دون إعمال المنهج التنازعي وذلك من أجل الحيلولة دون تطبيق القوانين الوطنية و هو الأمر الذي يشكل الهاجس الأساسي لدى مجتمع التجار الدوليين.

2- قانون من التجار و إلى التجار

قواعد هذا القانون هي نتاج تطور مجموعة من الممارسات المهنية التي يمارسها مجتمع التجارة الدولية والتي تشكل مجموعة من القواعد التي تكرسها المنظمات والمؤسسات المكلفة بتقنين هذه الممارسات والنص عليها في مجموعة من الاتفاقيات الدولية وتطبيقها من قبل الهيئات التحكيمية سواء الحرة أوالمؤسساتية، التي تطبق مقتضيات القواعد المعيارية التجارية الدولية على كل التجار الدوليين. 
بينما نرى بأن هذه الخاصية لا تتعلق بقانون التجارة الدولية فحسب، لأن هذا الأخير هو قانون موضوعي وليس شخصي حيث أن تطبيقه لا يتوقف على صفة القائم بالنشاط التجاري الدولي، ما إذا كان تاجرا دوليا أم لا، وإنما يتوقف على طبيعة هذا النشاط من حيث أنه نشاط تجاري ودولي وذلك اعتمادا على المعيار الموضوعي الذي يعتبر العمل تجاريا دوليا متى تعلق بمسألة تتعلق بمصالح التجارة الدولية.
ومن ثم نرى أن الخاصية (من التجار إلى التجار) يتميز بها قانون التجار الدولي ذلك لأنه قانون تلقائي النشأة.

3- ثنائية أبعاد القانون العبر الدولي

يتميز قانون التجارة الدولية بازدواجية البعد، بعد دولي وآخر إقليمي.



4- غاية القانون العبر الدولي
نشير في هذا الصدد إلى هذه الخاصية التي يتميز بها كل من قانون التجار الدولي ومن قانون التجارة الدولية واللذان يهدفان إلى تحقيق العدالة في وسط المعاملات التجارية الدولية، وإن كانت هذه الغاية هي نسبية، إذ تختلف باختلاف الزوايا، زاوية الدول النامية أو المتقدمة التي ينظر منها إلى هذه العدالة.

الفقرة الثانية: مصادر القانون العبر الدولي

تنقسم مصادر القانون العبر الدولي إلى نوعين من المصادر، منها ما هو وطني (أولا) ومنها ما هو دولي(ثانيا).

أولا: المصادر الوطنية للقانون العبر الدولي

أ- التشريع الوطني كمصدر لقواعد القانون العبر الدولي

تساهم مختلف القوانين الوطنية المقارنة في صياغة قواعد قانون التجارة الدولية بحسب الفرص القانونية المتاحة داخل كل دولة وحسب تصنيف هذه الأخيرة داخل الخريطة القانونية العالمية.
ومن أهم القواعد المنصوص عليها في القوانين الوطنية، والمعمول بها في نفس الوقت في مجال عقود التجارة الدولية، مبدأ سلطان الإرادة، العقد شريعة المتعاقدين. 

ب- القضاء الوطني:

يبرز دور القضاء في مجال التجارة الدولية، فيما يقوم به من تكريس لقواعد التجارة الدولية بمناسبة البت في المنازعات التجارية الدولية، بل قد يساهم في تطويرها من خلال الإجتهاد في المنازعات التي تفتقد إلى الحلول  في قواعد قانونية محددة في تشريعه الوطني، من أجل تجاوز  قصور  مشرعه الوطني.

ونشير في هذا الصدد إلى دور القضاء الفرنسي في إقرار مجموعة من القواعد ذات الأهمية البالغة في مسألة النظام العام الدولي والسماح للدولة باللجوء إلى التحكيم. 

ثانيا: المصادر الدولية للقانون العبر الدولي

من أهم مصادر القانون العبر الدولي التي تعنى بتنظيم معاملات التجارة الدولية، اختلف حول تسمية القانون الذي يمكن أن ينظم هذه المعاملات بين من يسميه أو يطلق عليه قانون التجارة الدولية الذي يشمل الاتفاقيات الدولية، إلى جانب مصادر قانون التجار الدولي الذي يعتبره أنصاره قانونا مستقلا بذاته (الأعراف الدولية، الاجتهادات التحكيمية، المبادئ العامة للقانون...)

الفقرة الثانية: التطبيق المباشر للقانون العبر الدولي: أساس التطبيق المباشر لقانون التجار الدولي.

يمكن أن نقول أن قانون التجار الدولي "La lex Mercatoria"، يطبق تطبيقا مباشرا إلا في حالة تخلف إرادة الأطراف عن تحديد القانون الواجب التطبيق صراحة أو ضمنيا، بحيث يصير قانون التجار الدولي بمثابة "قانون القاضي" "Lex Fori" بالنسبة للمحكم الدولي، إذ يكون هذا الأخير ملزما بتطبيقه دون القوانين الوطنية – خاصة أمام عدم وجود أي نص تشريعي أو اتفاقي أو وطني يمنعه من هذا التطبيق، كما أن أطراف النزاع وخاصة المستثمر الأجنبي، يفضل اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي من أجل الهروب من القضاء الرسمي لعدم توفره على المؤهلات الفنية والعلمية من جهة، ومن القوانين الوطنية لعدم ملائمتها لحل منازعات التجارة الدولية بما فيها منازعات الاستثمارات الأجنبية من جهة أخرى.
ونضيف أنه في حالة تحديد قانون آخر يتعارض مع مصالح التجار الدولية، كقانون واجب التطبيق من قبل أطراف النزاع فإن إرادة الأطراف تفقد إلزاميتها ويكون للمحكم صلاحية تطبيق أحكام "La Lex Mercatoria" لأن المحكم الدولي وهو يبت في نزاع يتعلق بالتجارة الدولية، لابد أن يأخذ بعين الاعتبار العادات والأعراف المتبعة في هذا المجال وهو ما تكرسه مجموعة من التشريعات الاتفاقية والوطنية.

المطلب الثاني: تمييز قانون التجار الدولي عن قانون التجارة الدولية

إن أول ما نود الإشارة إليه هو أن كل من قانون التجار الدولي "الجديد" وقانون التجارة الدولية ا يتضمن قواعد موضوعية مباشرة موحدة الهدف المتمثل في تنظيم الروابط ذات البعد الخاص الدولي باعتبارهما قانونيين دوليين، هدفهما تجنب تطبيق قواعد القانون الدولي الخاص، الذي تنتهي بالإحالة على قوانين وطنية غير مؤهلة لحل منازعات رجال الأعمال الدوليين ومع ذلك فإن هناك اختلاف بين كل من قانون التجار الدولي وقانون التجارة الدولية على مجموعة من المستويات: على مستوى الظهور، والتكوين، ومجال التطبيق والقيمة القانونية لكل من القانونيين.

الفقرة الأولى: الاختلاف على مستوى الظهور

يرجع أصل قانون التجار الدولي الجديد إلى ما كان يعرف "بقانون التجار" "La loi des Marchands" وهو القانون العرفي الموحد الذي كان يحكم المعاملات التجارية الدولية قبل ظهور حركة تقنين التشريعات الوطنية.وقد مر قانون التجار الدولي الجديد بالراحل التالية: 

المرحلة الأولى: مرحلة بروز قانون التجار الدولي.

توصف هذه المرحلة بالعصر الذهبي "لقانون التجار" الذي يتشكل من مجموعة موحدة من القواعد مصدرها "الممارسات التجارية الدولية والمبادئ العامة والعقود النموذجية والاجتهادات التحكيمية وتعمل على تطبيقها جهة تحكيمية والذي يخلقه ويبدعه مجتمع التجار على المستوى الدولي وفقا لمتطلباته وحاجياته، التي لا تقوى التشريعات الوطنية على إشباعها.


المرحلة الثانية: مرحلة تراجع قانون التجار الدولي.

 تمتد هذه الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، والتي عرف فيها قانون التجار نوعا من التراجع، باعتباره قانون خارج سيادة القوانين الوطنية.
إذ أن الفئات السياسية المسيطرة في هذه المرحلة اعتبرت هذا القانون نوعا من الفوضى القانونية. ولسد النقص القانوني لتنظيم العلاقات الخاصة الدولية أو العلاقات التجارية الدولية عملت على سن قواعد القانون الدولي الخاص الذي يتضمن مجموعة من الآليات (قواعد الإسناد) التي من خلالها يتم تحديد القانون الواجب التطبيق.
وهكذا فإذا كان المنهج التنازعي قدم مجموعة من الحلول في مجال المعاملات الخاصة ولكن بالنسبة لطائفة من العلاقات الخاصة الدولية (خصوصا في مجال الأحوال الشخصية) من جهة، فقد لوحظ عجزه على احتواء أو تنظيم شق آخر من العلاقات الخاصة الدولية وهي العلاقات بين الخواص، تجار دوليين سواء الطبيعيين أم المعنويين (الشركات..) والعلاقات بين الدولة والخواص والتي تكون فيها الدولة أو إحدى المؤسسات التابعة لها والتي ظهرت مع تطور وازدهار التجارة الدولية مثل المشروعات الدولية المشتركة أو العقود البترولية أو عقود الاستثمار بين الدولة المضيفة للاستثمار وشخص خاص أجنبي.
فأصبح البحث عن حل آخر يساير حل المنازعات المتعلقة بالعلاقات التجارية الدولية، ويتمثل هذا الحل في البحث عن قواعد موضوعية مباشرة تتماشى مع واقع التجارة الدولية.
وترتب عن الاقتناع بضرورة خلق قواعد موضوعية مباشرة لتنظيم عقود التجارة الدولية اتجاهان: 

الاتجاه الأول: حاول إعادة إحياء قواعد قانون التجار الدولي وأصبح يطلق عليها بقانون التجار الدولي الجديد La nouvelle Lex Mercatoria  أما الاتجاه الثاني يطلق عليه قانون التجارة الدولية، إلا أننا نرى بأن قانون التجار الدولي La nouvelle Lex Mercatoria كان سباقا في الظهور لقانون التجارة الدولية، حيث ظهر الأول في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكرسته الحاجة الضرورية لمجتمع التجار الدوليين في معاملاتهم التجارية الدولية لما يتمتع به من مجموعة من الخصائص التي تؤهله لحل منازعاتهم. وقد ساهم التحكيم الدولي في تكريس هذه القواعد عن طريق إلزام مجتمع التجار الدوليين باحترامها وخلقها قواعد أخرى من خلال ما يسمى بالاجتهادات التحكيمية والتي تعتبر مصدرا من مصادر القانون الخاص عبر دولي (قانون التجار الدولي).
وقد تولد لدى أنصار قانون التجارة كذلك اقتناع بضرورة سد الفراغ التشريعي الذي تتسم به الأنظمة القانونية بقبولها بوجود قانون تجاري دولي يتمتع بنوع من الاستقلالية والذاتية عن باقي فروع القانون الوطني، وذلك من خلال المصادقة على بعض النصوص القانونية ذات الأثر الدولي أو بمساهمة الأجهزة القضائية في تدعيم قواعد قانون التجارة الدولية بالاعتماد عليها في الأحكام الصادرة عنها كمرحلة من مراحل الاعتراف بأهلية هذا القانون واختصاصها في تنظيم دولي للتجارة الدولية الخاصة.
وقد انتعش العمل القانوني في مجال التجارة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية (النصف الثاني من القرن العشرين)، بحيث تعددت المنظمات والهيئات التي تعمل بشكل دائم على تنظيم معاملات التجارة الدولية، أهمها لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية والتي تعمل في إطار ما أقره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في المبدأ السادس عشر من مبادئه العامة.

الفقرة الثانية: على مستوى نطاق التطبيق

تميز قانون التجار الدولي عن قانون التجارة الدولية على مستوى نطاق التطبيق حيث يطبق الأول على التجار الدوليين بحكم انتمائهم إلى حرفة التجارة الدولية أو لنشاط تجاري دولي معين ومن ثم يمكن أن نقول أن قواعده شخصية تطبق على كل رجل أعمال دولي (بما فيهم المستثمرين الدوليين) سواء كان شخصا طبيعيا أم معنويا، أي يتم تطبيقه أو إعماله طبقا للمعيار العضوي أو الذاتي.
في حين أن قانون التجارة الدولية يتسم بالموضوعية أي أن قواعده لا تطبق فقط على التجار وإنما تطبق على التجار وغير التجار، ذلك لأن الهدف من قواعده هو تنظيم المعاملات التجارية الدولية بغض النظر – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – عن صفة القائم بالنشاط التجاري الدولي وإنما يتوقف على طبيعة هذا النشاط من حيث أنه نشاط تجاري ودولي، و ذلك اعتمادا على المعيار الموضوعي وبالتالي يعتبر العمل تجاريا دوليا متى تعلق بمسألة تتعلق بمصالح التجارة الدولية.

الفقرة الثالثة: على مستوى المضمون والإلزامية

إن جميع العناصر والمصادر التي يتكون منها قانون التجار الدولي تشكل في نفس الوقت مصادر قانون التجارة الدولية. و يأتي على رأسها الاتفاقيات الدولية التي تضفي عليه، حسب أنصار قانون التجارة، الصبغة القانونية و بالتبعية الصبغة الإلزامية للقواعد التي يتضمنها. ولكن إذا كان أنصار قانون التجارة الدولية يضفون الصبغة القانونية لقانون التجارة الدولية، وينفونها أو على الأقل ينقصون من القيمة القانونية لقانون التجار الدولي والذي يشكل جزء من قانون التجارة الدولية بشكل مستقل عن الأخير؛ فإننا نرى في ذلك نوعا من العبث لإعطاء الصفة القانونية لقانون التجار الدولي باعتباره جزء من قانون التجارة الدولية في حين تنزع عنه هذه الصفة بشكل مستقل والحال أن قانون التجار الدولي هو السباق في الظهور، والأكثر ملائمة لحل منازعات التجارة الدولية نظرا لما تتميز به مصادره من قوة إلزامية والتي تتجسد في الشعور لدى مجتمع التجار الدوليين بالحاجة الضرورية لهذه القواعد والتي لم تعد تطبق بمقتضى إرادة الأطراف.
ومن أهم ما تتميز به قواعد قانون التجار الدولي التلقائية في النشأة ومواكبة تطور المعاملات التجارية الدولية، عكس الاتفاقيات الدولية التي تعتبر الأساس الذي يتميز به قانون التجارة الدولية فهي تتسم بالجمود وعدم مواكبة التطور في مجال التجارة الدولية لأن تعديل أو تغيير بنودها يجب أن يخضع لمجموعة من الإجراءات الرسمية من جهة ثم إنها لا تغطي كل الأنشطة التجارية الدولية.
ومن ثم يمكن أن نقول بأن دورالاتفاقية الدولية في مجال العلاقات الخاصة ذات الطابع الدولي هو دور احتياطي فقط، أضف إلى ذلك أنه إذا كانت الاتفاقيات الدولية تحتل مركز صدارة مصادر قانون التجارة الدولية لدى أنصار قانون التجارة الدولية المتأثرين بالنظرية اللاتينية والجرمانية، فإنها تفقد هذه الصدارة لدى أنصار قانون التجارة الدولية المتأثرين بالنظرية الأنجلوسكسونية.

الفصل  الثاني: ضمانات التحكيم التجاري الدولي الخاصة للمستثمر الأجنبي

أصبحت الدول النامية في الآونة الأخيرة تنهج سياسة جلب الاستثمار الأجنبي بتوفيرمجموعة من الضمانات القانونية بمقتضى قوانين الاستثمار الداخلية للدولة التي يرغب في التعامل معها. لكن تلك الضمانات تبقى غير كافية في نظره  لتأمين استثماره ضد المخاطر الغير التجارية ما لم تتقرن بوسيلة قضائية بديلة عن القضاء الرسمي المتمثلة في التحكيم التجاري الدولي التي توفر له بالإضافة إلى الضمانات العامة التي يستفيد منها كل تاجر دولي أو مستثمر أجنبي سواء تعاقد مع الدولة المضيفة للاستثمار أو إحدى المؤسسات التابعة بها أم مع شخص آخر يخضع للقانون الخاص، ضمانات أخرى خاصة يستفيد منها المستثمر الأجنبي كلما تعاقد مع الدولة أو إحدى مؤسساتها العامة والمتمثلة في إمكانية مخاصمة الدولة والتمثيل ضدها.
وبما أن التحكيم التجاري الدولي أصبح يفرض نفسه في ميدان الاستثمار، لم يبق لمختلف  الدول بما فيها النامية وخاصة المغرب إلا أن تقر و تعترف للدولة بأهلية اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي التي تضمن للمستثمر الأجنبي إمكانية مقاضاتها في حالة وقوع النزاع وتنفيذ الحكم التحكيمي الصادر ضدها (المبحث الأول) أمام جهات تحكيمية متخصصة للبت في المنازعات بين الدول المضيفة للاستثمار ورعايا الدول الأخرى (المبحث الثاني).

المبحث الأول: مقاضاة الدولة المتعاقدة مع المستثمر الأجنبي والتنفيذ ضدها


يترتب عن الاعتراف للدولة بالأهلية للجوء إلى التحكيم عن طريق إبرامها لاتفاق التحكيم مع المستثمر الأجنبي  تنازلها عن حصانتها القضائية وضد التنفيذ الشيء الذي يضمن له حق مقاضاة الدولة المضيفة للاستثمار (المطلب الأول) وتنفيذ الحكم التحكيمي الصادرضدها (المطلب الثاني)

  المطلب الأول: مقاضاة الدولة المتعاقدة مع المستثمر الأجنبي

ومن هذا المنطلق إذن عملت تشريعات بعض الدول النامية كتونس ومصر.. على تجاوز القيد الذي كانت تفرضه على الدولة ومؤسساتها العمومية للجوء إلى التحكيم بمقتضى نصوص صريحة تضمنتها القوانين الجديدة المنظمة للتحكيم التجاري الدولي.
إلا أن هناك بعض التشريعات مازالت تفتقد إلى اتخاذ موقف صريح وإيجابي تجاه أهلية الدولة ومؤسساتها العامة لاعتماد التحكيم، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع المغربي (الفقرة الأولى) بحيث لا يمكن مقاضاة الدولة من طرف المستثمر الأجنبي إلا إذا أبرمت اتفاق التحكيم الذي يسقط عنها حصانتها القضائية (الفقرة الثانية).



الفقرة الأولى: أهلية الدولة في اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي.

سنتطرق في هذه الفقرة، كيف عالجت القوانين المقارنة القيد الوارد على أهلية الدولة للتحكيم (أولا) ؟ ثم  سنرى كيف تعامل المشرع المغربي مع مسألة أهلية الدولة للجوء إلى التحكيم (ثانيا)؟

أولا: أهلية الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة للجوء إلى التحكيم في القوانين المقارنة

إن أغلب التشريعات في البلدان النامية ذهبت إلى حرمان الدولة ومؤسساتها الحكومية من إمكانية اللجوء للتحكيم، لأنها تود الحفاظ على سلطة الفصل في النزاع الذي قد ينشأ عنها بواسطة قطاعها الوطني.
ولقد ساد الاعتقاد لمدة طويلة بأن التحكيم الدولي ليس إلا آلية من آليات النظام الرأسمالي يهدف إلى منع القضاء الوطني في الدولة المضيفة للاستثمار من الفصل في هذه المنازعات.
فمبدأ منع الدولة ومؤسساتها العمومية من اللجوء إلى التحكيم لتسوية منازعات التجارة الدولية عامة ومنازعات الاستثمار على وجه الخصوص، ارتبط بالمفهوم الليبرالي القديم للدولة، الذي يقصر دورها على حماية الاقتصاد الوطني دون التدخل فعليا في تسيير دواليبه، إلا أن هذا التوجه لم تعتمده تشريعات الدول النامية فقط، بل على العكس من ذلك فقد تشددت في البداية قوانين بعض الدول المتقدمة في تقييدها لحرية الدولة ومؤسساتها العمومية للدخول في عملية التحكيم.
غير أنه إذا كان منع الدولة من اللجوء إلى التحكيم في تشريعات الدول المتقدمة يستمد أساسه من اعتبارات قانونية محضة، تتجسد فيما إذا كانت الدولة مستعدة للتخلي عن امتيازات القانون العام التي تتمتع بها، وقبول طرح النزاعات التي تنشأ بسبب مشاركتها في الحياة الاقتصادية على أنظار التحكيم، مع أن سيادة الدولة لا تتماشى مع طبيعة التحكيم، فإن موقف الدول النامية من أهليتها للدخول طرفا في اتفاقيات التحكيم تتداخل فيها الاعتبارات القانونية السالفة الذكر واعتبارات سياسية بالأساس، ذلك أن هذه الدول تنظر إلى التحكيم على أنه امتداد للسيطرة التي تفرضها الدول المتقدمة، ووسيلة للتحكم في استغلال الموارد الطبيعية للدول النامية.
ويعتبر القانون الفرنسي من التشريعات التي كانت تتشدد في تقييد حرية الدولة والأجهزة التابعة لها من الدخول كطرف في اتفاقات التحكيم ( المادة 1004 من قانون المسطرة المدنية القديم) ،وقد أكد القضاء الفرنسي في الأول المنع ذاته في العديد من القرارات.
إلا أن مواقف القضاء الفرنسي بخصوص أهلية الدولة للتحكيم، ستتغير وفي هذا الإطار أصدرت استئنافية باريس قرارا بتاريخ 10 أبريل 1957 بخصوص قضية myrtoon steanchip جاء فيه: إن المنع الوارد على أهلية الدولة للتحكيم مقصورا على العقود الداخلية ولا ينطبق على العقود ذات الطابع الدولي".
وأيدت محكمة النقض الفرنسية هذا الاتجاه في قرار صادر عنها في قضية SAN CARLO بتاريخ 14 أبريل 1964، معتبرة أن هذا الخطر يتعلق بالنظام العام الداخلي وليس بالنظام العام الدولي، وبالتالي فإنه لا يقف عقبة أمام المؤسسة العامة للجوء إلى التحكيم.
غير أن التشريع الفرنسي سيخضع لصيرورة التطور بشأن أهلية الدولة للجوء إلى التحكيم ويحسم نهائيا هذه المسألة حيث نص في قانون المسطرة المدنية الجديد، على أنه لا يمكن أن يتعرض على اتفاقية التحكيم التجاري الدولي، مهما كان القانون المطبق، لكون الاتفاق قد أبرم من طرف الدولة أو من طرف شخص من أشخاص القانون العام (المادة 473).
وقد تأثرت غالبية التشريعات العربية بالموقف الفرنسي الذي كان يمنع الدولة ومؤسساتها من اللجوء للتحكيم، كالقانون التونسي عدد 42 لسنة 1993،وقانون التحكيم الجديد لسنة 199... 
هكذا تكون هذه التشريعات قد وضعت حدا للتخوف، أو على الأقل للتردد الذ طبع قوانينها الداخلية ، اتجاه التحكيم، بإعلانها بصفة نهائية قبول لجوء الدولة إلى التحكيم وإلغائها القيد الوارد على أهليتها، متى تعلق الأمر بعقود تجارية ذات طابع دولي، بما فيها العقود التي تبرمها الدولة المضيفة للاستثمار مع مستثمر أجنبي.
 لكن ما هو موقف المشرع المغربي من أهلية الدولة للتحكيم؟

ثانيا: أهلية الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة للجوء إلى التحكيم في القانون المغربي

اختلف الفقه بين من يرى عدم جواز لجوء أشخاص القانون العام إلى التحكيم سواء تعلق الأمر بعقود وأموال خاضعة للقانون العام أو خاضعة للقانون الخاص وذلك استنادا إلى الفصلين (9 و306) من قانون المسطرة المدنية.
ومن أنصار هذا الرأي الأستاذ محمد الوكيلي المتأثر بالقانون الفرنسي حيث دافع عن رأيه في أطروحته حول موضوع تحكيم البنك الدولي لتسوية خلافات الاستثمار بين الدولة وشخص خاص أجنبي، والذي يرى أن هناك تعارضا ما بين الفصل 9 والفصل 306 من ق م م وطالب بتعديل هذا النص بما يسمح للدولة باللجوء للتحكيم في جميع الحالات التي تتعامل فيها كفرد عاد سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي ونجد أن بعض الفقه المغربي لا يساير هذا التأويل الذي ينطبق في نظره على القانون الفرنسي والجزائري والتونسي لا على القاضي المغربي ومن أنصار هذا الرأي الأستاذ شكري السباعي.
كما أن الاجتهاد القضائي المغربي لم يتعرض لمسألة أهلية الدولة للتحكيم إلا في قضية واحدة صدر فيها عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 26 يوليوز 1923.
حيث جاء فيه: "وحيث إن قرارا عاما أو خاصا صادرا عن السلطة الرئيسية هو وحده الذي يمكن من توسيع سلطات الممثلين القانونيين للدولة بما في ذلك الترخيص باللجوء إلى التحكيم، وتخفيض قيود الرقابة المفروضة، من النيابة العامة وحيث يستنتج من ذلك أن اتفاق التحكيم الذي أبرمه المدير العام للأشخاص العمومية مع كل من حارسي ففي دون أن يرخص له بصورة قانونية يعد باطلا ولا يمكن أن يعتبر بمثابة أساس لقرار تحكيمي صحيح".
وواضح من خلال هذا القرار أن القضاء المغربي إبان الحماية كان منسجما
 مع القضاء الإداري الفرنسي الذي يتطلب صدور قوانين ترخص للإدارة باللجوء للتحكيم.
لكن أمام عجز الأجهزة القضائية عن ضمان حقوق المستثمر، عملت الدولة المغربية على توفير الضمانات القانونية الكفيلة بتشجيع الاستثمار لتحقيق التنمية الاقتصادية، وذلك بسنها نصوص خاصة( كالتقنين البترولي لسنة 1958 ، قانون المالية 1982 ، ظهير 17 يناير 1983 حول الاستثمارات الصناعية و ميثاق الاستثمار (القانون رقم 95-18)) ترفع الحضر الوارد على الدولة ومؤسساتها العمومية بخصوص اللجوء للتحكيم لأنه أصبح ضرورة اقتصادية تفرضها إكراهات التقدم الاقتصادي.

الفقرة الثانية: الحصانة القضائية

إن ما يترتب على ولوج الدولة ميدان التجارة الدولية هو ارتباطها بعقود الاستثمار، وإذا كانت منازعات الاستثمار، تتميز بالتعقيد بصفة عامة، فإن تلك التي تكون الدولة طرفا فيها تصبح أكثر تعقيدا نظرا للحساسية المرتبطة بظهور الدولة كشخص اعتباري يتمتع بالسيادة، وهكذا فإن المستثمر يتخوف من التعاقد مع الدولة أو إحدى المؤسسات العامة التابعة لها والمتمتعة بالحصانة القضائية فيما إذا ما أراد مخاصمتها أمام قضائها الوطني الذي ينظر إليه المستثمر الأجنبي بعين الريبة خوفا من تحيزه إلى دولته باعتبارها طرفا في المنازعة، من جهة وتمسكها بحصانتها من جهة أخرى.

أولا: أساس الحصانة القضائية ونطاقها

يرجع الغالب من الفقه والقضاء لتأسيس الحصانة القضائية على مبادئ القانون الدولي العام الخاصة بسيادة الدول، وباستقلالها والمساواة بينها، مما أدى إلى وجود عرف دولي مستقر يعترف للدولة بالحصانة القضائية في مواجهة القضاء الوطني للدول الأخرى، وفي مواجهة الهيئات التحكيمية.

ثانيا: أثر اتفاق التحكيم على الحصانة القضائية للدولة

إن الفقه عموما، يتجه إلى أنه لا يوجد أي مبرر لأن تتمسك الدولة بحصانتها القضائية، أمام  الهيئة التحكيمية. ذلك لأن نظام التحكيم هو نظام خاص لا ينتمي إلى سيادة أية دولة أجنبية، فالأحكام الصادرة عن الهيئة التحكيمية لا تصدر بإسم سيادة أي دولة أجنبية كماأن المحكم الدولي لا يحمل إسم دولة معينة حتى يمكن القول أنه يشكل مساس بسيادة الدولة الطرف في النزاع.
و من جهة أخرى فإن تمسك الدولة بحصانتها القضائية أمام قضاء التحكيم يتعارض مع مبدأ حسن النية المتطلب في تنفيذ الالتزامات التعاقدية، ذلك أن قبول الدولة لاتفاق التحكيم يلزمها بتسوية المنازعات المتعلقة بعقود الاستثمار أمام هيئة التحكيم فقط، ومن ثم فإن تمسكها بالحصانة القضائية يعتبر إخلال صريح من جانبها لما سبق وأن التزمت به.
ونخلص في الأخير إلى أن اتفاق التحكيم في عقود الاستثمارات بين الدولة المضيفة للاستثمار وشخص أجنبي خاص، يفيد تنازل الدولة عن حصانتها القضائية تنازلا ضمنيا، وبغض النظر عن طبيعة هذه العقود  تجارية أو إدارية –  وهو ما يشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار خاصة في الدول النامية، بحيث يمكن له أن يضمن حقوقه وأمواله التي يتنازع فيها مع الدولة دون أن تتمسك بحصانتها القضائية

المطلب الثاني: ضمانة التنفيذ ضد الدولة

إن تطور الاجتهاد في هذا النطاق، أفرز اتجاه حديث يذهب إلى ضرورة تخلي الدولة عن قاعدة الحصانة ضد إجراءات التنفيذ المطلقة فيما يتعلق بالأعمال والتدابير التي تطال الأموال المخصصة لأهداف تجارية. 
معتمدا في ذلك على الاجتهاد القضائي الفرنسي، الذي لم يعترف بالدفع بالحصانة ضد إجراءات التنفيذ على الأموال التي تعود إلى دولة أجنبية (إيران، ليبيا، تشيكوسلوفاكيا...)
بينما نرى بأنه لا يمكن للدولة المضيفة للاستثمار أو إحدى الأشخاص التابعين لها المتمتعين بحق الحصانة أن يتمسكوا بها في مواجهة المستثمر الأجنبي سواء كانت الأموال محل النزاع تدخل ضمن الأموال العامة أو الخاصة (التجارية). بعدما تكون قد قبلت رضائيا باللجوء إلى التحكيم التجاري، كما أن تمسك الدولة بهذه الحصانة على أساس استقلال الحصانة التي تنص عليها المادة 32/4 من اتفاقية فيينا1981 سيبقى وسيلة احتيالية للدولة ،  لأن فيه نوع من العبث لأنها من جهة تقبل بمحكمة التحكيم ومن جهة أخرى تمتنع عن التنفيذ عن طريق تمسكها بالحصانة ضد إجراءات التنفيذ بعد صدور الحكم التحكيمي ضدها.

كما يترتب عن إدراج شرط التحكيم في عقود الاستثمار المبرمة بين الدولة المضيفة للاستثمار ومستثمر أجنبي تنازل الدولة أو إحدى الأشخاص التابعين لها والمتمتعين بميزة الحصانة القضائية عن هذه الأخيرة، وهو ما يعتبر في نفس الوقت تنازلا ضمنيا عن حصانتها ضد إجراءات التنفيذ، الشيء الذي يترتب عنه اعتبار الدولة المعنية طرف عادي في النزاع، وبالتالي يكون الحكم التحكيمي الصادر ضدها قابل للتنفيذ.

المبحث الثاني: الهيئات التحكيمية الدولية المختصة بتسوية منازعات الاستثمارات                   الأجنبية (المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار)

رغم تعدد مراكز التحكيم على المستوى الدولي فإن اختصاصها يبقى مقصورا على الفصل في النزاعات التي تنشأ بين أطراف ينتمون للقانون الخاص ويبقى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار الجهة الوحيدة المتخصصة بتسوية  هذا النوع من المنازعات. 
ويعتبر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، الذي أنشئ بموجب اتفاقية واشنطن لسنة 1965 تحت رعاية البنك الدولي للإنشاء والتعمير، الجهة القانونية الوحيدة المختصة بتسوية منازعات الاستثمار التي تنشأ بين المستثمر الأجنبي  والدولة المضيفة للاستثمار.
تقتضي دراستنا لدور المركز الدولي في تسوية منازعات الاستثمار، مناقشة شروط اختصاص المركز في (المطلب الأول)، ثم الوقوف على مدى إلزامية تحكيم المركز الدولي للاستثمار في (المطلب الثاني).

المطلب الأول: شروط اختصاص المركز الدولي

سنحاول في هذه الفقرة التطرق للشروط المتعلقة بأطراف النزاع (الفقرة الاولى)، ثم الشروط المتعلقة بموضوع النزاع (الفقرة الثانية )
الفقرة الاولى: الشروط المتعلقة بأطراف النزاع

لا يسمح للدولة بأن تكون طرفا في إجراءات التحكيم أمام المركز إلا إذا كانت متعاقدة، أي طرفا في اتفاقية واشنطن، كما يمتد اختصاص المركز حسب المادة 25 أعلاه إلى أية جماعة عمومية أو منظمة تابعة لها، إلا أنه يتعين على الدولة المتعاقدة أن تقوم بتعيين هذه الجماعات والمنظمات حتى يتمكن المركز من بسط اختصاصه على النزاع.

الفقرة الثانية : الشروط المتعلقة بموضوع النزاع

تشترط المادة 25 في فقرتها الأولى أن تكون المنازعة ذات طابع قانوني، وأن تكون لها علاقة مباشرة بأحد الاستثمارات، إلا أن الاتفاقية لم تحدد المقصود "بالمنازعات ذات الطابع القانوني" وكذا مفهوم "الاستثمار" وهذا من شأنه أن يفتح المجال حول تفسيرها...

والملاحظ أن ترك الحرية للأطراف في إضفاء وصف الاستثمار على موضوع اتفاقهم من شأنه إعطاء مرونة كبيرة في تطبيق الاتفاقية.

المطلب الثاني : اختصاص تحكيم المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بين الاختيارية والإجبارية.

اختلف الفقه حول رضائية (وجود عقد) (الفقرة الاولى) أو إلزامية (بدون عقد) اللجوء إلى هذا المركز عند توفر الشرطين السابقين (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى: ضرورة وجود العقد 

يستند الاتجاه الذي يستلزم وجود عقد أو اتفاق لانعقاد الاختصاص للمركز الدولي على مبررات تشريعية (إتفاقيات دولية) (أولا) وعلى أحكام قضائية (ثانيا).

أولا-على مستوى التشريع الإتفاقي

تعتبر موافقة الأطراف على اختصاص المركز بنظر النزاع حجر الزاوية بالنسبة لاختصاص المركز. 
وقد استند هذا الاتجاه على ما ورد في مقدمة اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطن الدول الأخرى الموقعة في 18/3/1965 . خاصة المقتضى الذي يقول: "...ومع تقدير أن الدولة الموقعة لا تعتبر بمجرد التصديق على هذه الاتفاقية أو قبولها أو إقرارها- وبغير رضاها- ملزمة بعرض أي نزاع للتوفيق أو التحكيم..."
ومن ثم فإنه لا يكفي-حسب هذا الاتجاه- تصديق الدولة على الاتفاقية لإلزامها باستخدام التسهيلات التي يقدمها المركز. إذ لكل دولة كامل الحرية في أن تقرر موافقتها أو عدم موافقتها على عرض المنازعات الناشئة أو المستقبلية لاختصاص المركز المذكور. وفي المقابل يتمتع المستثمر الخاص بنفس الحرية إلا أنه يجب في جميع الحالات أن يكون الرضا موجودا في وقت تقديم الطلب إلى السكرتير العام للمركز.

ثانيا-الاجتهاد القضائي

يرى أنصار التحكيم الرضائي، أن اتجاه رياح اتفاقيات حماية الاستثمار تقود إلى التحكيم الإلزامي الذي كاد يترسخ، لتتحول مراكز التحكيم إلى محاكم قضائية من نوع جديد إلى أن صدر حكم عن محكمة الإستئناف بباريس في 1/06/99  الذي وضع حدا لتهميش التراضي في التحكيم.
وقد صدر الحكم المشار إليه أعلاه بمناسبة الفصل في النزاع بين الشركة اللبنانية" شركة خياط" التي أبرمت سنة 1985 عقدا للتمثيل التجاري الحصري مع شركة طيران دولة رومانيا "Tarom".
ويضيف الحكم حسب هذا الاتجاه، أن الاتفاقية الدولية إذا كانت تنشئ إلتزاما بالخضوع للتحكيم على عاتق المشتغلين في مجال الاقتصاد فإن رضى الدولة لا يقوم مقام رضى رعاياها. وأن الاتفاقية لا توفر إلا رخصة اللجوء إلى التحكيم بالنسبة لمواطنيها.

الفقرة الثانية: عدم وجود عقد 

اعتمد هذا الاتجاه بدوره على أساس تشريعي اتفاقي (أولا) واجتهادات تحكيمية (ثانيا).


أولا-الأساس التشريعي الإتفاقي

نرى مع أنصار هذا الاتجاه أن إبرام اتفاقيات الاستثمار بين الدول خاصة الأطراف في اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى يجعل التحكيم في منازعات الاستثمار أمام المركز المنشئ بمقتضى هذه الاتفاقية إلزاميا دون إدراجه في عقد الاستثمار (أي اللجوء إلى هذا المركز بدون عقد).
ونعتبر أن مصادقة الدول المضيفة للاستثمار أو الدولة التي يحمل المستثمر الأجنبي جنسيتها، مقتضيات هذه الاتفاقية التي تتضمن بندا  يشير إلى إحالة الخلافات إلى التحكيم، هو اعتراف ضمني باللجوء إلى مركز التحكيم بواشنطن. وإلا فما الغاية من المصادقة على هذه الاتفاقية إذا كان يشترط ضرورة الاتفاق على اللجوء إلى هذا المركز في شكل شرط ليعرض النزاع المستقبلي أو مشارطة التحكيم ليعرض النزاع الناشئ بين أطراف عقود الاستثمار المبرمة بين الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمر الأجنبي. ومن هنا يمكن أن نقول باختصاص هذا المركز فقط بتوفر الشرطين السابق الإشارة إليها. (المتعلقة بالأطراف وبموضوع النزاع). دون حاجة إلى اتفاق الأطراف على ذلك.
وهو نفس الاتجاه الذي سار فيه مركز واشنطن بمناسبة بته في منازعات الاستثمار بحيث يعتبر نفسه مختصا لحسم نزاعات الاستثمار.
والنص الذي صار أساس للتحكيم الإلزامي هو الذي يرد عادة في اتفاقيات الاستثمار، مثلا المادة 6 من اتفاقية حماية الاستثمار الموقعة بين فرنسا وسنغافورة بتاريخ 8 شتنبر 1975 والتي تنص على ما يلي:
"إن الطرفين الموقعين يعطيان الحق لكل مستثمر أي من الجهتين بتقديم مراجعة تحكيمية أمام المركز الدولي لحسم الخلافات في موضوع الاستثمار، في حالة ما إذا نشأ أي خلاف بين المستثمر والطرف المتعاقد الذي على أرضه يجري الاستثمار، وفي حال لم يعالج هذا الخلاف في مهلة ثلاثة أشهر".

ثانيا-الاجتهادات التحكيمية:

 إن أول حكم صدر من مركز واشنطن التحكيمي كان على أساس اتفاقية ثنائية لحماية الاستثمار المبرمة بين المملكة المتحدة وسيريلانكا والموقعة في 13 شباط (فبراير) 1980. والنزاع وقع بين شركة AAPL من هونغ كونغ (التي كانت مؤجرة لانكلترا في ذلك الوقت) وموضوعها حفظ المأكولات البحرية: الجنبري، فقد حصل أن هدمت قوات سريلانكا المسلحة معامل الشركة، فاعتمدت الشركة اتفاقية الاستثمار بين أنكلترا وسريلانكا المذكورة والتي مد مفعولها إلى هونغ كونغ في 14/1/1981. وأسست شركة AAPL عليها دعوهاالتي تقدمت بها أمام مركز تحكيم واشنطن لحسم خلافات الاستثمار ، حيث طالبت بتعويض عن هدم القوات السريلانكية لمعاملها فتكون قد بنت دعواها على اتفاقية استثمار وليس على عقد تحكيمي.
واعتبر المحكومون أنفسهم مختصين وبنوا حكمهم على اتفاقية الاستثمار في غياب العقد التحكيمي.
وتوالت أحكام التحكيم الإلزامي لمركز تحكيم واشنطن. حيث فصل الحكم الصادر عن مركز واشنطن بتاريخ 21/2/1997 في النزاع بين شركة AMT ضد جمهورية الزئير. وتفصيل النزاع أن أفرادا من جيش الزئير هدموا ونهبوا شبكة معامل عائدة لشركة أمريكية واعتبر المحكمون أنفسهم مختصين للنظر في النزاع على أساس اتفاقية حماية الاستثمار المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الزئير، وقد ورد في الحكم التحكيمي:"..بما أنه بالعودة إلى المادة الخامسة والعشرين الفقرة 2 من الاتفاقية (التي تحيل خلافات الاستثمار على مركز واشنطن)..يتبين بوضوح أن الولايات المتحدة وجمهورية الزئير قد توافقتا على أن الخلافات مثل تلك المعروضة على المحكمة التحكيمية يمكن عرضها أمام مركز تحكيم (واشنطن) الذي أنشأته اتفاقية حسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى، فيكون كل طرف من جهته قد وافق على اختصاص مركز واشنطن. ولكن هذه الموافقة ليست آلية لكل إجراءات الفصل في الخلافات إذ أن الأطراف المعنيين بالنزاع (أي الدولة ومواطن الدولة الأخرى) يبقيان أسياد إجراءات المحاكمة التي ستطبق لحل الخلاف الناشئ.



خاتمة :

لقد أصبح التحكيم التجاري الدولي يفرض نفسه على الساحة الدولية في مجال التجارة والاستثمار، ليس ذلك فحسب، بل دفع بالدول التي كانت قوانينها تمنع اللجوء إلى هذا التحكيم، إلى تغيير توجهها وذلك استجابة إلى ضغوط المستثمرين الأجانب المدعمون من قبل الدول المتقدمة، من أجل تحقيق نوع من التوازن في المراكز القانونية بين الدولة المضيفة للاستثمار أو إحدى مؤسساتها العامة التابعة لها كأشخاص معنوية والمستثمر الأجنبي. 
لذلك نرى ضرورة اعتراف قانوننا الوطني بأهلية الدولة للجوء إلى التحكيم التجاري الدولي وإخراج مدونة تحكيم مستقلة متضمنة لمقتضيات متعلقة بالتحكيم التجاري الدولي وعدم إدراجه في ق.م.م.م على غرار ما ذهبت فيه التشريعات المقارنة بما فيها العربية كمصر (قانون التحكيم لسنة 1994) ومجلة التحكيم التونسية... تمكن المستثمر الأجنبي من الاطلاع عليها بشكل مستقل وبسهولة تشجع على الاستثمار ببلادنا، من أجلالدفع  بعجلة الاقتصاد إلى الأمام في إطار تحقيق التنمية الاقتصادية المعتمدة على سياسة الاستثمار.