10.09.2017

النيابة العامة واستعمالها للوسائل القانونية الجديدة في التحري عن الجرائم الأستاذ هشام موحسن

النيابة العامة واستعمالها للوسائل القانونية الجديدة  في التحري عن الجرائم الأستاذ هشام موحسن














النيابة العامة واستعمالها للوسائل القانونية الجديدة  في التحري عن الجرائم
الأستاذ هشام موحسن




أصبح العالم المعاصر، يعرف تحولات على مختلف الأصعدة سواء الاجتماعية منها أو الاقتصادية أو الثقافية، و كذا تطورا مهما في الوسائل التكنولوجية، مما جعل المشرع يخول للنيابة العامة الاستعانة بهذه التقنيات لتتبع وضبط الجناة، وهكذا أصبحت النيابة العامة تقوم بالتقاط المكالمات و الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد.
 ولا يخفى على أحد خطورة هذا الإجراء على الحياة الخاصة للأفراد، لهذا يطرح إشكال حول مشروعية التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد ؟ خاصة أن الدستور المغربي نص صراحة في المادة 11:" على عدم جواز انتهاك سرية المراسلات"، وجدير بالذكر أن المشرع المغربي قد منح إمكانية التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد إلى جهة قضائية تتمثل في قاضي التحقيق والوكيل العام للملك، غير أن هذا الأخير لا يمكنه أن يتخذ هذا الإجراء إلا إذا كانت هناك ضرورة تستدعي ذلك مع وجوب توجيه ملتمس كتابي إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف.
و إذا كان المشرع المغربي قد ساير معظم التشريعات المقارنة التي عملت على استخدام الوسائل الحديثة في محاربة الجريمة، فإن التساؤل يبقى مطروحا حول الضمانات الكفيلة باحترام مراسلات الأفراد وحياتهم الخاصة ؟ 
بالإضافة إلى ما سبق أصبحت النيابة العامة تقوم بسحب جواز السفر وإغلاق الحدود باعتباره إجراء احترازيا بغية منع المجرمين من الفرار، حيث اشترط المشرع المغربي مجموعة من الشروط، غير أن الاشكال المطروح يبقى حول مدى إمكانية التوفيق بين حرية الفرد في التنقل وبين مصلحة المجتمع في منع المتهم من الفرار ؟ 
وهكذا ارتأينا أن نعالج هذا الموضوع على الشكل التالي:
المطلب الأول: التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد.
المطلب الثاني: سحب جواز السفر وإغلاق الحدود. 

المطلب الأول: التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد
عمل المشرع المغربي على تعزيز وسائل عمل النيابة العامة من خلال منحها إمكانية التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد، من أجل محاربة الجرائم الخطيرة والمنظمة، وإلقاء القبض على المجرمين الذين ما فتئوا يستخدمون التكنولوجية الحديثة في مشروعاتهم الإجرامية، مسايرا بذلك التشريعات المقارنة التي عملت على الاستعانة بالوسائل التكنولوجية الحديثة لرصد وضبط المجرمين وقد نظم المشرع المغربي التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد في المواد 108 إلى  116 من ق.م.ج.
ومما تنبغي الإشارة إليه أن التصنت عن المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد، هو خرق لمقتضيات للدستور المغربي والمواثيق الدولية، إذا لم تكن هناك ضمانات لحماية سرية المراسلات والحرية الشخصية، وقد آثار هذا الإجراء جدلا كبيرا سواء على المستوى الدولي أو الوطني.
وهكذا ارتأينا أن نعالج هذا المطلب على لشكل التالي:
الفقرة الأولى : التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد في التشريع المغربي
الفقرة الثانية : التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد على المستوى الدولي ومدى                  
               مشروعيتها
الفقرة الأولى : التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد في التشريع المغربي
جاء المشرع المغربي بمقتضيات جديدة تتجلى في التقاط المكالمات و الاتصالات عن بعد، من أجل مكافحة الجريمة، وقد منح هذه الآلية لكل من قاضي التحقيق والوكيل العام للملك.




أولا : مفهوم التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد
لم يقم المشرع المغربي بتعريف مصطلح التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، ولقد أحسن صنعا حينما ترك هذه المهمة للفقه، لاسيما أن هذه التقنيات تعرف تطورا سريعا من حين لآخر.
 ويمكن تعريف" الالتقاط" بأنه أخذ العلم بالاتصال أو المراسلة بدون موافقة المرسل أو المستقبل.
وبالرجوع لقانون 96-24  المتعلق بالبريد والمواصلات الصادر بتاريخ 97-8-7،    نجده يستعمل بعض الألفاظ المشابهة للمصطلحات الواردة في قانون المسطرة الجنائية وبالخصوص "الخدمة الهاتفية "ويقصد به النقل المباشر والاني للصوت عبر شبكة أو شبكات عامة .
حيث ثم استعانة المشرع بهذه الوسيلة من خلال ما أكدته الدراسات العلمية الحديثة التي توصلت إلى أن الصوت يعد من الصفات المميزة في تحديد شخصية الإنسان، فلكل شخص صوت خاص به كما هو الشأن بالنسبة لبصمات الأصابع .
كما أن مصطلح" المواصلات"يقصد به كل إرسال أو بث أو استقبال رموز أو إشارات أو مكتوبات أو صور أو معلومات كيفما كان نوعها بواسطة أسلاك أو بصريات أو راديو كهرباء أو أنظمة أخرى مغناطيسية.  
ويمكن القول مما سبق ذكره أن مصطلح الاتصالات عن بعد يشمل جميع التقنيات الحديثة من أقمار اصطناعية وانترنيت وفاكس وتلكس ، غير أن ما يلاحظ في هذا الإطار أن المشرع المغربي قد استبعد الوسائل التقليدية من الاطلاع عليها كالرسائل، وعلى المستوى التشريع المقارن نلاحظ أن التشريع المصري قد حدد الأشياء التي يمكن الاطلاع عليها سواء الحديثة منها أو التقليدية .

ثانيا: الجهات الموكول لها إمكانية التنصت
لقد استهل المشرع المغربي المادة 108 من ق.م.ج بمنع التقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، منسجما بذلك مع مقتضيات الفصل 11 من الدستور الصادر بتاريخ 1996 الذي جاء فيه : "لا تنتهك سرية المراسلات".
غير أنه استثناء من القاعدة السالفة الذكر منح إمكانية التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد لكل من قاضي التحقيق و الوكيل العام للملك، ففيما يخص قاضي التحقيق؛ فقد خوله المشرع هذه الإمكانية كاختصاص أصيل شريطة توفر حالة الضرورة التي يبقى له السلطة في تقديرها، وهكذا يمكن له أن يأمر بالتقاط المكالمات الهاتفية و كافة الاتصالات المنجزة بواسطة الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها.
و يبدو أن المشرع لم يضع أي حدود لصلاحيات قاضي التحقيق، وفتح له إمكانية استعمال وسيلة التصنت في مختلف الجرائم، وهذا أمر غير  مقبول نظرا لمساسه بالحرمات الخاصة للأفراد، و قد كان من الأجدر حصر التنصت على الجرائم الخطيرة فقط حفاظا على حريات الأفراد.
و يبدو أن المشرع قد منح هذه الإمكانية أيضا لقضاة التحقيق المتواجدين في المحكمة الابتدائية، لأنه ذكر قضاة التحقيق بصفة مطلقة وهو عكس ما ذهب إليه البعض بأن هذا الإجراء مقتصر على قضاة التحقيق لمحكمة الاستئناف. 
 أما فيما يخص الوكيل العام للملك فقد منحت له هذه الإمكانية حيث يمكن تمييز بين حالتين :
الحالة الأولى: يقوم الوكيل العام للملك بالتقاط المكالمات والاتصالات عن بعد تحت قيدين هما وجود ضرورة تقتضي ذلك، مع توجيه التماسا كتابيا إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف لإصدار أمر بالتقاط المكالمات و تسجيلها وأخذ نسخ منها،   و يكون ذلك في جرائم محددة واردة على سبيل الحصر، وتثمل في: جرائم أمن الدولة، أو الإرهاب، أو العصابات الإجرامية، أو القتل، أو التسميم، أو الاختطاف، أو أخذ الرهائن، أو تزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام، أو المخدرات و المؤثرات العقلية، أو جرائم الأسلحة و الذخيرة و المتفجرات، أو حماية الصحة.
الحالة الثانية: :يمكن فيها  لوكيل الملك بصفة استثنائية أن يأمر كتابة بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها وحجزها في حالة الاستعجال القصوى متى كانت ضرورة البحث تقتضي التعجيل، خوفا من اندثار وسائل الإثبات في الجرائم الإرهابية  الماسة بأمن الدولة أو المخدرات أو المؤثرات العقلية، أو جرائم الأسلحة والذخيرة والمتفجرات أو الاختطاف أو أخذ الرهائن.
أما فيما يخص جرائم العصابات الإجرامية، أو القتل، أو التسميم، أو التزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العامة، أو حماية الصحة، فلا يمكن للوكيل العام للملك أن يأمر كتابة بالتقاط المكالمات الهاتفية بدون التماس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، بحيث يجب عليه أن يشعر فورا الرئيس الأول بالأمر الصادر عنه، ويصدر هذا الأخير خلال 24 ساعة تقريرا إما بتأييد أو تعديل أو إلغاء قرار الوكيل العام للملك، وفي حالة إلغاء قرار الوكيل العام للملك بالتقاط المكالمات فيتم  توقيف هذا الإجراء على الفور، ولا يقبل المقرر الصادر عن الرئيس الأول بهذا الشأن أي طعن، وعلى المستوى التشريع المقارن يلاحظ أن المشرع المصري قد سار في نفس النهج الذي سلكه المشرع المغربي حيث اشترط صدور أمر قضائي بالتقاط المكالمات من أجل صون الحرية الشخصية و الحياة الخاصة للأفراد، وهو ما ثم تكريسه على مستوى العمل القضائي المصري. 
وفي هذا الصدد يثار إشكال مهم، حول أحقية وكلاء الملك في التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة عن بعد ؟ أم يتم إخبار الوكيل العام للملك من قبل وكلاء الملك لكي يصدر أمرا بالتقاط لمكالمات؟
 يبدو أن المشرع المغربي قد منح إمكانية التقاط المكالمات والاتصالات للوكيل العام للملك ولم يمنحها لوكلاء الملك، لكن بالرجوع إلى الجرائم المبينة أعلاه نجدها تدخل في خانة الجنح و الجنايات، وبالتالي فان الدعوى سترفع لزوما من طرف وكلاء الملك بالمحكمة الابتدائية، لهذا يمكن القول أن المشرع قد وقع في سهو. 
كما يطرح تساؤل حول إمكانية التنصت على المحادثات التليفونية المجرات بين المحامي والمتهم ؟
يمكن القول إن احترام السر المهني يتطلب أن تكون المحادثات غير مراقبة بين المحامي وموكله، إلا إذا تجاوز نطاق الدفاع وأصبح فاعلا أو شريكا له، فإنه في هذه الحالة يصبح التنصت مشروعا . 
ثالثا : الإجراءات الواجب اتخاذها لالتقاط المكالمات و الاتصالات 
تجدر الإشارة إلى أن التقاط المكالمات يتم من خلال إصدار أمر،  إما عن قاضي التحقيق أو الوكيل العام للملك وهذا الأمر يتضمن:
- كل العناصر التي تعرف بالمكالمة الهاتفية أو بالمراسلة المراد التقاطها وتسجيلها أو أخذ نسخة منها أو حجزها، وعلى جميع المعلومات والوثائق الضرورية التي تعرف بالجريمة.
- الجريمة التي تبرر ذلك .
- المدة التي تتم فيها العملية يجب أن لا تتجاوز أربعة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة.
وهكذا يخول للوكيل العام للملك أو لقاضي التحقيق أو لضابط الشرطة القضائية الذي تعينه، أن يطلب من كل عون مختص وضع جهاز للالتقاط، سواء كان هذا العون تابعا لوصاية الوزارة المكلفة بالاتصالات والمراسلات من خلال أية مصلحة أو مؤسسة عمومية أو مستغل خصوصي لشبكة أو مزود مسموح له بخدمات الاتصال، وبعد ذلك يحرر محضر عن كل عملية من هذه العمليات، سواء من طرف السلطة القضائية المكلفة بالبحث أو التحقيق، أو ضابط الشرطة القضائية المكلف من طرفها مع تحديد تاريخ بداية العملية وتاريخ نهايتها،  وبعد ذلك يتم تحرير محضر آخر بنقل محتويات الاتصال كتابة التي لها علاقة بالجريمة ويوضع في ملف القضية، وإذا كانت وسيلة التخاطب تمت بلغة أجنبية، فإنه يتم الاستعانة بترجمان لنقلها إلى اللغة العربية. 
أما إذا تم استعمال رموز وألغاز ففي هذه الحالة يتم الاستعانة بذوي الاختصاص لفكها. 
ويبقى السؤال المطروح هل هذه الوسيلة ـ التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد ـ آلية لضبط الجناة، أم وسيلة للإثبات يتم اعتمادها أمام المحاكم؟
       نبادر بالإجابة إلى أن هذه الآلية أصبحت من ضمن وسائل الإثبات بصريح المادة 286 ق.م.ج التي نصت على أنه يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات إذا روعيت الضمانات المقررة لتسجيل المحادثات الهاتفية، ولقد أحسن المشرع صنعا حينما نص على إمكانية إبادة التسجيلات والمراسلات الموجودة لدى قاضي التحقيق أو النيابة العامة عند انصرام أجل تقادم الدعوى العمومية أو بعد اكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به، ويتم تحرير محضر عن ذلك وحفظ ملف القضية.       
 وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد وضع عقوبات زجرية في صلب قانون المسطرة الجنائية، مع العلم أن المكان الطبيعي لنص على هذه العقوبات هو القانون الجنائي، وهكذا عاقب كل شخص قام بوضع وسائل مهيأة لانجاز التقاط أو تبديد أو استعمال أو نشر مراسلات بواسطة الاتصال عن بعد، و كل عون من أعوان السلطة القضائية أو أجير لدى شبكة عمومية للاتصالات أو لدى مزود بخدمات الاتصالات قام بمناسبة ممارسة مهامه بالكشف عن وجود  التقاط أو أمر، أو ارتكب أو سهل التقاط أو تبديد مراسلات بواسطة الاتصال، بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة 10.000 إلى 100.000 أو بإحدى هاتين العقوبتين،  وتكون العقوبة أشد في الجرائم الإرهابية حيث تتراوح العقوبة من خمس سنوات إلى عشر. 
ويجب الانتباه إلى أن المشرع المغربي في القانون الجنائي قد عاقب كل موظف عمومي أو أحد أعوان الحكومة أو المستخدمين في إدارة البريد أو وكلائها في حالة فتح أو اختلاس أو تبديد رسائل عهد بها إلى مصلحة البريد من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 200 إلى 1000 درهم، ويعاقب بنفس العقوبة كل مستخدم أو وكيل لإدارة البرق إذا اختلس أو بدد برقية أو أذاع محتوياتها. 
كما يحرم مرتكب الجريمة من مباشرة جميع الوظائف العامة والخدمات العمومية لمدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تتجاوز عشر سنوات. 
الفقرة الثانية : موقف التشريعات المقارنة من إجراء التنصت
يمكن القول أن جل التشريعات الدولية لجأت إلى الوسائل الحديثة التي من بينها التطور الحاصل في الاتصالات المنجزة عن بعد وتسخيرها لمحاربة الجريمة عن طريق التصنت على المكالمات، غير أنها اختلفت حول الجهة التي يمكن تخويلها صلاحية إجراء هذا التدبير إلى ثلاث هيئات:
- النوع الأول : منح هذه الإمكانيات للسلطة القضائية وحدها، ومن بين هذه التشريعات نجد القانون الألماني والسويسري والبلجيكي والايطالي والنمساوي  والمصري و المغربي، ففي التشريع الألماني مثلا اعتبر سرية المراسلات والمكالمات هي الأصل وأجاز التنصت بأمر قضائي في إطار جرائم محددة  وحدد شروطا من بينها :
- وجود أدلة تدعو للاعتقاد بضلوع الشخص في جريمة خطيرة.
- أن يكون التنصت هو الوسيلة الوحيدة للقيام بالأبحاث.
   - أن تقوم النيابة العامة بذلك لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد. 
أما بالنسبة للقانون الايطالي فقد حدد بموجب المادة 266 من قانون الإجراءات الجنائي لسنة 1989 خمس حالات يسمح فيها للنيابة العامة باللجوء لتنصت على المكالمات الهاتفية  وهي: الجرائم المتعلقة بالتهريب، وجرائم الخطيئة المعاقب عليها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو السجن الذي يزيد حده الأقصى عن خمس سنوات وجرائم الاعتداء على الإدارة التي لا تقل عقوبتها عن خمس سنوات. 
- النوع الثاني : منح هذه الإمكانية للسلطة التنفيذية في شخص وزير الداخلية، ومن بين هذه التشريعات نجد القانون الانجليزي الذي يعتبر منع التقاط المكالمات هو الأصل، واستثناء يمكن التنصت لضرورة حماية الأمن القومي والمصالح  الاقتصادية للمملكة ومنع الجرائم الخطيرة ، وذلك من خلال قرار صادر عن  وزير الداخلية لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بمقتضى أمر معلل. 
لكن هذا الموقف عرف عدة انتقادات من لدن عدة جهات، الأمر الذي أدى إلى صدور قانون مراقبة الاتصالات الانجليزي سنة 1985 حيث نصت المادة19 منه على أنه :"يعد الشخص مرتكبا لجريمة إذا قام عمدا بمراقبة الاتصالات في حالة إرسالها عن طريق البريد أو عن طريق الاتصالات العامة، وفي حالة الإدانة يعاقب الشخص بالغرامة أو السجن أو العقوبتين معا". 
- النوع الثالث: منح هذه الإمكانية للسلطة القضائية والتنفيذية، ومن هذه التشريعات القانون الاسباني والفرنسي، ففي القانون الفرنسي نجده قد تبنى اللجوء إلى التنصت بمقتضى قانون 91-646 الصادر بتاريخ 10 يونيو1991 المعدل للمادة 100 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية، إذ منح لقاضي التحقيق الحق بأن يأمر بالتقاط المكالمات، كلما تعلق الأمر بجناية أو جنحة تساوي عقوبتها سنتين حبسا لمدة أربعة أشهر، بشرط أن يكون القرار مكتوبا، ومحددا لهوية الشخص المراد التقاط مكالمته، ونوع الجريمة المرتكبة، كما يسمح نفس القانون بالتصنت الأمني بترخيص من الوزير الأول لوزير الداخلية للمحافظة على الأمن الوطني.
الفقرة الثالثة : مشروعية التقاط المكالمات والاتصالات عن بعد
مما ينبغي التأكيد عليه في بداية الأمر أن هناك اختلاف حول مشروعية التنصت بمختلف الوسائل الحديثة بين مؤيد ومعارض لهذا الإجراء، فالاتجاه المعارض استند على مجموعة من الحجج من بينها:
  - اعتبار التنصت وسيلة تمس حقوق الإنسان وحريته الخاصة،  وهو ما أكده القضاء المغربي في عدة أحكام صادرة عنه، وبرر أحد المدافعين عن هذا الاتجاه بالقول التالي : " فإذا كان الجناة يستعملون وسائل غير مشروعة للوصول إلى أهدافهم الدنيئة، فإن المؤسسات القضائية لا يجب عليها اتباع نفس الأسلوب باعتبارها رمزا للعدالة والاستقامة، ولهذا يجب عليها أن تصدر أحكاما مبنية على أساس سليم ومشروع ولا تلجأ إلى التحايل وخرق القانون". 
 - يعتبر التنصت جريمة يعاقب عليها، لاسيما أن الأصل هو البراءة إلى أن يثبت العكس، ولهذا اعتبر هذا الاتجاه الإجراء باطلا ولو بإذن القاضي. 
  - ليس من الأكيد أن تسجيل صوت معين هو لشخص معين لأن بعض الأصوات تتشابه أحيانا .
  - عدم وجود ضمانات كافية تؤكد أن ما جاء في التسجيل هو مطابق للحقيقة، فمن الناحية الفنية يمكن تغيير أو حذف أو نقل كلمة من الشريط المسجل إلى موضع آخر وإعادة تركيب الجمل بمهارة فائقة، وهذا ما يعرف بالمونتاج الذي يؤدي إلى تشويه الحقيقة،  وهذا اتجاه جاء منسجما مع أغلبية المواثيق الدولية من بينها:
  - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته 12التي نصت على أنه : "لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة ...أو في مراسلاته ...".
  - العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته 17 التي نصت على أنه:"لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في خصوصياته أو....أو مراسلاته...".
  - الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في مادتها 8 التي نصت على : "كل إنسان له الحق في احترام حياته الخاصة والعائلية ومنزله ومراسلاته...". 
وفي هذا الصدد أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان معارضتها للاستعانة بوسائل التنصت، واعتبرتها من بين الأسباب التي تهدر حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة. 
كما أن الدستور المغربي في الفصل11 نص صراحة على احترام الحرية الخاصة للأفراد. 
أما بالنسبة للاتجاه المؤيد فيرى بأن الدولة لها الحق في استعمال التقنيات الحديثة و الالتجاء إلى مختلف وسائل التصنت للسيطرة على الوضع، وترقب المجرمين، للحفاظ على الأمن العام، كما أن الخبراء في مقدرتهم تمييز الأصوات عن غيرها من خلال تحليل الذبذبات الصوتية، كما هو الحال بالنسبة للتوقيع، شريطة تقنين هذه الآلية وتقييدها بشروط صارمة وبنوع معين من الجرائم وخلال فترة محددة. 
 وفي هذا الإطار أجازت محكمة النقض الفرنسية استعمال التسجيل الصوتي بوصفه دليلا في الإثبات شريطة أن لا يتعارض التسجيل الصوتي مع حرمة الأسرار الشخصية،  وفي هذا السياق ثم "التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة في دجنبر 2000 المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والتي تتخذ من شبكات الحواسب والاتصالات السلكية واللاسلكية وسيلة لتنفيذ مختلف الجرائم". 
وفي هذا الصدد اعتبر المشرع المغربي هذا الإجراء تدبيرا استثنائيا لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات خاصة، وعليه يجب وضع ضمانات حقيقية كفيلة بتحقيق توازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. 
 وفي اعتقادي، يمكن القول أن من المفيد الاستفادة من وسائل التقدم العلمي في التحقق من الجرائم شريطة عدم، الاعتداء على الحرمات الخاصة للأفراد.






المطلب الثاني: سحب جواز السفر وإغلاق الحدود 
لقد خول المشرع المغربي للنيابة العامة إمكانية سحب جواز السفر وإغلاق الحدود كإجراء احتياطي لوضع حد لخطوات المشتبه فيهم داخل حدود ترابية معينة وعدم فرارهم من وجه العدالة.
وجدير بالذكر أن هذا الإجراء يعتبر من الوسائل التي تمس بالحقوق الطبيعية التي من بينها حرية المواطنين في التنقل 
وحتى ينسجم هذا التدبير مع هذه الحقوق المتعارف عليها عالميا، عمل المشرع المغربي في المادة 40 من ق.م.ج على تقييده بمجموعة من الضوابط، كأن يتم هذا الإجراء داخل أمد معين، وأن تكون هناك ضرورة تقتضي ذلك، وأن يتعلق الأمر بجرائم تتجاوز سنتين أو تعادلها.
لكن التساؤل يبقى مطروحا حول الحدود التي يسمح فيها بسحب جواز السفر وإغلاق الحدود ؟ ومدى فعالية هذا الإجراء في الحد من الجريمة ؟
وهكذا ارتأينا أن نعالج هذا المطلب على الشكل التالي: 
الفقرة الأولى: شروط سحب جواز السفر وإغلاق الحدود.
الفقرة الثانية: السلطات التي لها حق سحب جواز السفر وإغلاق الحدود.

الفقرة الأولى: شروط سحب جواز السفر و إغلاق الحدود
إن اللجوء إلى سحب جواز السفر من طرف النيابة العامة يقتضي توفر مجموعة من الشروط  وهي: 
1- أن يتعلق الأمر بجنحة تأديبية يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أكثر مما يعني أن هذا الإجراء يسري على معظم الجرائم.
2- أن تكون ضرورة البحث التمهيدي تقتضي هذا الإجراء، وتبقى سلطة النيابة العامة هي التي تحدد وجود ضرورة من عدمها.
3- يجب ألا تتجاوز مدة الإجراء شهرا واحدا ، وهذا شيء جميل، في حين نفاجأ بإمكانية تمديد هذا الأجل إلى غاية انتهاء البحث التمهيدي، إذا كان الشخص المعني بالأمر هو المتسبب في التأخير، وهذا فيه نوع من إهدار ضمانات المتهم.
وينتهي مفعول إجراء إغلاق الحدود، وسحب جواز السفر في كل الأحوال، بإحالة القضية على هيئة الحكم أو التحقيق أو باتخاذ قرار بحفظ القضية، ويبقى هذا الإجراء بديلا عن الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي.
الفقرة الثانية: السلطات التي لها حق سحب جواز السفر وإغلاق الحدود
لقد أعطى المشرع المغربي لكل من النيابة العامة وقضاة التحقيق والمحكمة الحق في سحب جواز السفر وإغلاق الحدود بمقتضى المواد 40 و 49 و 182 من ق.م.ج، للحيلولة دون فرار المتهم، حيث كانت ترتكب الجرائم في السابق ويلذ المجرمون بالفرار وتبقى السلطات مكتوفة الأيدي.
وإذا كان الدستور قد جعل حق التنقل من الحقوق الأساسية للفرد، فهذا لا يعني عدم تقييد هذا الحق بما يلائم المصلحة العامة والمصلحة الخاصة في تتبع المجرمين، ويجب الاحتياط في اللجوء إلى هذا الإجراء للتضييق على الأشخاص لسبب من الأسباب. 
ولهذا وضع المشرع المغربي مجموعة من الضمانات، من بينها تحديد الأجل، فإذا تم الإبقاء على هذا الإجراء بعد انتهاء المدة نكون أمام إجراء تعسفي. 
ونظرا لكون سحب جواز السفر وإغلاق الحدود قد يساهمان في المس بحريات الأشخاص فقد اقترح البعض الاكتفاء بإغلاق الحدود كإجراء لتعقب المجرمين دون اللجوء إلى سحب جواز السفر، على اعتبار أن هاته الوثيقة ستبطل وظيفتها. 
في حين نعتقد بأن إغلاق الحدود إذا كان يعني منع أي مواطن مغربي أو أجنبي مشتبه فيه من مغادرة التراب الوطني عبر نقط العبور، فإنه يمكن أن يكون للمشتبه فيه أكثر من جواز سفر إذا كانت له أكثر من جنسية، وبالتالي يصبح إغلاق الحدود غير كاف لوحده.
ومن الناحية العملية فإن تدبير إغلاق الحدود يكون مجديا أكثر من سحبجواز السفر، لأن بإمكان الأجنبي الحصول على جواز سفر من سفارة بلاده، ولقد أحسن المشرع المغربي حينما نص على الإجراءين معا لمنع المشتبه فيه من الفرار، وتبقى للشرطة القضائية هي المعنية من تنفيذ القرارات الصادرة في هذا المجال واتخاذ الاحتياطات اللازمة للكشف عن إمكانية وجود أكثر من جواز سفر. 
وتجدر الإشارة إلى أن إغلاق الحدود يعتبر من التدابير المتخذة بمناسبة وضع المشتبه فيه تحت المراقبة القضائية،  كما يتم اللجوء إلى حجز جواز السفر وإغلاق الحدود إذا ما تم تعيين محل الإقامة الإجبارية إذا تعلق الأمر بأجنبي.
وفي الأخير يتحتم على الجهات المعنية إرجاع جواز السفر وفتح الحدود إلى المشتبه فيه عند انتهاء أجل الإجراءين.