10.11.2017

سكنى المحضون: قراءة في المادة 168 من مدونة الأسرة ذ. حساين عبود

سكنى المحضون:  قراءة في المادة 168 من مدونة الأسرة ذ. حساين عبود










سكنى المحضون:
 قراءة في المادة 168 من مدونة الأسرة
ذ. حساين عبود 
قاض بالمحكمة الابتدائية بميدلت


مقـدمــة: 
يشكل الزواج حالة اندماج وامتزاج بين الرجل والمرأة، وأعمق رابطة بينهما، يتولد عنها ارحب إطار لتبادل العلاقات الإنسانية بسكون كل واحد منهما إلى الآخر، واطمئنانه إليه على أساس من المودة والإخلاص في السر والعلن، ومهما بلغ حرص القانون على استتباب ديمومته، وتوطيد أركان الأسرة التي تنشأ عنه وتأمين المناعة لها ضد العواصف، فانه قد يظهر أن مسيرة الحياة المشتركة تعترضها عقبات ناشئة عن استحكام الخلاف والتباغض بين الطرفين. وتأسيسا على ذلك فان ديمومة رباط الزوجية لا يجب أن تكون قيدا لا سبيل للفكاك منه، لان إرغام الزوجين على البقاء في ظلالها والاستمرار على الحال الآنف الذكر، أمر شاق لا تتحمله الطبيعة الإنسانية وهو من باب التكليف بما لا يطاق. لذلك كان لزاما اتاحة إمكانيات للتخلص من قيد الزواج متى استحكم التشاحن والتنافر وغابت المعاشرة بالمعروف والسكنية. وحال قيام الزوجية، فان المساكنة بين طرفيها نتيجة طبيعية لعقد الزواج، ويكون ذلك ببيت الزوجية الذي يقع على الزوج من حيث الأصل إعداده وتهيئته وتأثيته، وعندها يقاسم الأبناء والديهما المسكن، ويكون أمر حضانتهم موكول إليهما معا في إطار مسؤولياتهما المشتركة لرعاية شؤون الأبناء. أما بحصول الفرقة طلاقا أو تطليقا فان هذه المسؤولية المشتركة تنتهي، وتمتد التداعيات إلى الأبناء الذين تصير رعايتهم موزعة بين المتفارقين حسب الأدوار، ويستأثر أحدهما أو غيرهما من الحواضن بحضانة الأبناء ويتولى الأب الولاية عليهم. ومقتضيات الحضانة بالجملة، الاعتبار فيها لمصلحة المحضون الفضلى، وما يحقق النفع له وهو ما استوجب إسنادها إلى من يشفق عليه ويتحمل المشقة في إرضائه ويألفه خاصة في الطور الأول من حياته الذي تنطبع تفاعلاته في ذهنه، ويكون لها بالغ التأثير في رسم ملامح شخصيته. وليس بالأمر الغريب أن نجد الشريعة الإسلامية تدعو الى البر بالوالدين والإحسان إليهما وجعل ذلك مقرونا بعبادة الخالق لقوله تعالى "وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانـا"(1).
ومقابل ذلك لا نجد دعوة صريحة إلى الاعتناء بالأبناء بنفس الإلحاحية والتأكيد، لتعلق الأمر بغريزة فطرية جبل عليها الخالق خلقه، حتى بالنسبة للعجم من الحيوان. وتعكس الحضانة مظهرا من مظاهر ايلاء العناية للطفولة لكفالة أسباب التنشئة السليمة لها، لان الطفل لبنة صغيرة عاجز عن القيام بشؤونه، ويحتاج إلى خدمة خاصة تناسب أطوار حياته، وتستوجب المشقة والتعب والتحمل من جانب، والإشفاق والمؤانسة من جانب آخر. ولا ريب في أن الأطفال لا يكون لهم دخل في حصول الفرقة بين والديهما، ولذلك ينبغي جعلهم قدر الإمكان في منأى عن التأثر بتداعياتها، وتعقيد وضعيتهم بتملص المفارق من واجباته إزاءهم، فلا ينضاف الى حرمانهم من الدفء العائلي فاجعة الحرمان من المسكن ليعانقوا الشارع ويسقطوا في براثن التشرد والضياع. فبعد الفرقة يكون المحضون في أمس الحاجة الى فضاء مكاني يأويه يحس فيه بالاستقرار وينعم فيه بالدفء، وتؤدى فيه رسالة تقويمه ورعايته. فقبل ذلك كان يعول على والده في الإيواء والمعاش فكيف ستصير وضعيته بعد الفرقة ؟ 
ومن منطلق أن التشريع ليس عملا اعتباطيا تقرره الصدفة، بل هو عمل واع تمليه الشروط العامة للمجتمع، وأن تطور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية يستوجب تطويرا موازيا للقانون، فإن المشرع عند إعادة تنظيمه لمقتضيات الحضانة ضمن أبواب مدونة الأسرة جاء بمستجدات ضمنها المادة 168 التي تنص: "تعتبر تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما. يجب على الأب ان يهيأ لأولاده الصغار محلا لسكناهم، أو أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه مراعية في ذلك أحكام المادة 191 بعده. لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون. على المحكمة ان تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذه هذا الحكم من قبل الأب المحكوم عليه". ويمكن إجمال أهم الأسباب التي أوحت بوضع هذه المادة فيما يلي:
 *التحول العميق الذي طال الأسرة، لان السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بها أثرت فيها بالغ التأثير، وأدت إلى تفكيك بنيتها من أسرة موسعة قائمة على محور قرابي ممتد على أساس من التضامن والتآزر إلى أسرة صغيرة تأوي الزوجين والأبناء الصغار فقط.
 *ضائقة الإسكان التي اتخذت منحى اكثر حدة وخطورة بسبب الاختلال البين في التوازن في سوق المساكن بين العرض المحدود والطلب المتزايد. وفي النادر من الأحوال تستطيع الحاضنة تدبير مسكن لنفسها ولمحضونيها يتوفر فيه الحد الأدنى من مقومات المعيشة الهادئة المستقرة.
* تغليب مصلحة المحضون على مصلحة غيره الذي هو اقدر على توفير المسكن.
 وتبقى سكنى المحضون من المباحث الفرعية للحضانة التي لم تتعرض لها مدونة الأحوال الشخصية التي تم نسخها، وهذا لم يمنع العمل القضائي من الاحتكاك بها في ضوء القضايا التي كانت تعرض عليه، مستندا الى الفقه كمصدر لتأصيل أحكامه(2)، والحديث عن الاجتهاد القضائي والتراث الفقهي الذي كان يرجع إليه يستوجب الوقوف عندما هو مكرس على صعيد بعض الشريعات المقارنة.
المطلب الأول: سكنى المحضون في الفقه والقضاء والتشريع المقارن.
 تستمد أحكام سكنى المحضون أهميتها من حيوية المسكن بالنسبة للإنسان وضرورته، تلبية لحاجة متأصلة لديه في البحث عن مأوى يحميه من الفضاء المفتوح وما يعرفه من ظروف قاسية وانعدام الآمان والخصوصية، ولذلك فتوفيره هو تحقيق لمطمح وإحدى أهم آمال الإنسان؛ ففي الماضي كان توفيره التزاما عائليا، وصار اليوم حقا للفرد إزاء الدولة التي عليها تأمينه.
 والسكن يقع ضمن دائرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ذات البعد الدولي، وقد جعلت هيئة الأمم المتحدة سنة 1987 سنة دولية لإيواء من لا مأوى لهم، وقد ارتقت به بعض الدول الى مصاف الحقوق الدستورية كدستور الجمهورية الفرنسية 4 أكتوبر 1958 ـ ودستور مصر لعام 1956.
 وإذا كان المسكن وتوفيره إشباع لحاجة أساسية، فان أهميته تزداد بالنسبة للمحضون الذي هو لبنة صغيرة عاجز عن تدبير أموره المعيشية من مأكل وملبس ومسكن. ولم تكن مدونة الأحوال الشخصية المنسوخة تتضمن إشارة صريحة إلى سكنى المحضون، ومع ذلك لم يكن موضوعا مجهولا نظرا وتطبيقا، وفي المقام الأول سنعرج على الحديث عن سكنى المحضون في الفقه الإسلامي، ثم الحلول التي بلورها الاجتهاد القضائي في التعامل معه وأخيرا الاستئناس بما هو مقرر على صعيد بعض القوانين المقارنـة.
أولا: سكنى المحضون في الفقه المالكـي:
 إن من أهم سمات الفقه الإسلامي تخصيص حقل الأسرة ببالغ الاهتمام، حتى صار فقه الأسرة من أوسع مباحثه وهو شامل محيط بالتفاصيل والجزئيات. ولعل هذه الإحاطة الشاملة هي الجاعلة من العلاقات الأسرية مشدودة أكثر من غيرها حتى في التقنين الوضعي(3) الحالي إلى هذا الفقه ليصير مرجعية لا يحيد عنها، وتبعا لذلك كلما عاش المغرب لحظة التشوف إلى إصلاح المقتضيات والأحكام المنظمة للعلاقات الأسرية إلا وتجددت الدعوة للوفاء لهذا الفقه، وعدم الخروج عن أحكامه.
وعلى الرغم من ان المشرع سلك أحيانا مسلكا انتقائيا باختيار بعض الأحكام من المذاهب الأخرى، فان الحديث هنا ينصرف بالأساس الى الفقه المالكي.
 وفيما يلي ما جاء في بعض المراجع الفقهية.
جاء في المدونة الكبرى للإمام مالك: "فمن رأى أن الحضانة حق للحاضن لم ير له أجرة ولا كراء في سكناه معه، لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكفله ويأويه الى نفسه ويجب له بذلك حق، ومن رأى أن الحضانة حق للمحضون أوجب للحاضن أجرة على حضانته إياه وكراء سكناه معه"(4).
وجاء في آخر فصل نفقة الرقيق والدابة والقريب وخادمه والحضانة من مختصر خليل " للحاضنة قبض نفقته والسكنى بالاجتهاد."(5) وجاء في معين الحكام على القضايا والأحكام لابن عبد الرفيع " ويلزم الأب إخدام ولده إذا اتسعت حاله لذلك، وكذلك يلزمه الكراء عن مسكنه، هذا هو القول المشهور المعمول به".(6) وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير " اما السكنى فمذهب المدونة الذي به الفتوى أنها على الأب للمحضون والحاضنة معا، ولا اجتهاد فيه، وقال سحنون سكنى الطفل على أبيه وعلى الحاضنة ما يخص نفسها بالاجتهاد فيها، أي فيما يخص الطفل وما يخص الحاضن وقيل توزع على الرؤوس ".(7) وفي ضوء هذه الآراء نخلص إلى أن فقهاء المذهب المالكي ليسوا على رأي موحد بخصوص من تلزمه سكنى المحضون، ويمكن إجمال هذه الآراء فيما يلي:
الرأي الأول: يقول بان سكنى المحضون والحاضن بالتبعية تقع بالكامل على الأب المحضون له، فهي مقررة للمحضون والحاضن تستفيد بملازمتها له.
الرأي الثاني: هو الذي يقول بالتشطير والتوزيع بالاجتهاد بين الملزم بالإنفاق على المحضون والحاضن فيما يخصه فالحاضنة رغم التصاقها بالمحضون ووجوب سكناهما معا، لا تعفى من إعداد السكن لنفسها، ولا يلزم مفارقها بان يوفره إلا في حدود حصة محضونه.




الرأي الثالـث: يجعل سكنى المحضون على الحاضنة وهو قول ابن وهب خلاف المشهور.
إن هذا الخلاف يجد أساسه في اختلاف مدلول النفقة عند الفقهاء، فمنهم من يجعلها شاملة للمأكل والملبس والمسكن وما يعتبر من الضروريات، ومنهم من يقصرها على المأكل والأمور الأخرى هي توابع له، وفي النظر إلى الحضانة أهي حق للحاضن أم للمحضون فمن اعتبرها حق للأول لم يخول له تبعا لذلك الأحقية في الحصول على السكنى، ومن اعتبرها حق للمحضون أعطى للحاضن أجرتها وكراء المسكن(8).
ثانيـا: الاجتهاد القضائي بخصوص سكنى المحضون: 
 إن تقييم الاجتهاد القضائي بخصوص مسألة ما، ليس بالأمر اليسير بل هو عمل يتطلب الروية وبعد النظر، للإحاطة بمغزى كل حكم في ضوء الملابسات المحيطة بالنازلة التي صدر بشأنها. إذ القضاء لا يضع المقتضيات العامة المجردة وانما ينظر في الجزئيات بما اشتملت عليه من أوصاف وخصوصيات لاستنباط أحكامها من الكليات بإظهار المقتضى المظنون انه كلمة القانون فيها. فالقضاء يصدر أحكام جزئية، لا يتعدى أثرها إلى غير المحكوم عليه ويتطلب يقظة وافرة وخبرة واسعة، لتطويع القانون مع النوازل على النحو الذي يحقق العدل. وتبقى قواعد القانون قواعد صماء لا تدب فيها الحياة إلا بعمل القضاء، وبه يشعر المتقاضين أن لهم في القانون مخرجا من الضيق وفرجا من الشدة.
ومع الإقرار بداية، أن الاجتهاد القضائي في مسألة سكنى المحضون غير متواتر على رأي موحد ومستقر عليه، فمن الصعب وصف ذلك بالتضارب والتناقض، لأن الاختلاف غير قائم بشأن اصل الحق وشروط استحقاقه، وإنما هو بين رأي يرجح عينية المسكن، وعدم إخلاء الحاضنة والمحضون من العين التي كان المفارق يتخذها بيتا للزوجية، حتى مع فرض نفقة للمحضون. ورأي يجعل المبلغ المفروض للمحضون على عاتق أبيه شامل لجميع العناصر بما فيها السكن، وما على الحاضنة باعتبارها اليد الماسكة للمحضون والتي تقبض النفقة نيابة عنه إلا تدبير المسكن بجزء من هذا المبلغ، ولا أحقية لها في اعتمار المسكن العائد للمحضون له.
وعلى الرغم من أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد، فان كل واحد من الاتجاهين يتضمن قدرا معينا من الصواب واختلافهما يجسد كون العمل القضائي عمل متطور نابذ للجمود، ومواكب للتطورات الحياتية، بإعمال العقل فيما لا نص فيه لتقرير حلول تقتضيها أوضاع الناس المتغيرة زمنا ومكانا، حتى ولو اعتمد على اضعف الآراء سندا كلما وجد فيها حلا ملائما، أو خالف أقوال مستقر عليها. ونشير إلى أن هذا الاختلاف يجد مبرره في غياب النص التشريعي، وانه في القليل من الأحوال يكون النزاع مثار بين الأب والمحضون، وإنما غالبا ما يكون في مواجهة الحاضنة ويصير حق المحضون أمرا فرعيا وتابعا، وتتمسك الحاضنة بصفتها ملتصقة بالمحضون ومستفيدة من الاعتمار بالتبعية. فالاتجاه الأول اعتمد مجموعة من التبريرات لتكريس أحقية الحاضنة في السكن بمعية محضونيها، في هذا السياق صدر عن المجلس الأعلى قرار(9)، اعتبر المحضون جزء وبعض من أبيه، وان اضطرار الابن للسكن هو جزء من اضطرار الأب، وفي قرار(10) آخر اعتبر أن السكنى من مشتملات النفقة وان اتفاق الحاضنة مع مفارقها على تقدير نفقة الأبناء وتعهدها بالإفراغ، غير ملزم لها لتعلق الأمر بحق المحضون الذي لا يمكن لها التنازل عنه، وفي ذات السياق صدر عنه قرار(11) بغرفتين نقض قرارا استئنافيا قضى بإفراغ الحاضنة من المسكن الذي تقيم فيه مع محضونيها، للاحتلال دون سند، دون تأكدها من أن قاضي التوثيق قد حدد سلفا في أمره بالنفقة مبلغا خاصا باجرة السكنى للمحضونين، أو أن الزوج قد هيأ لها ولمحضونيها بالتبعية مسكنا مناسبا لحالته المادية. والاتجاه الثاني يرى انه بمجرد انتهاء العدة تصير المفارقة أجنبية، وان بقاءها شاغلة لمسكن مفارقها يجعلها محتلة بدون موجب، وذلك يبرر إفراغها ففي قرار له(12) قضى برفض الطعن بالنقض المقام ضد القرار الاستئنافي القاضي بإفراغ الحاضنة من المسكن، لأنه بانتهاء العدة تفقد سند الاعتمار، وانه مخول لها المطالبة بنفقة الأولاد لا الاستمرار في احتلال منزل مفارقها. وفي نفس السياق وبتبرير أن القيام بالحضانة لا تأثير له على الحكم في الدعوى سار قرار(13) ليرد طلب النقض بعلة كفاية التعليل الذي اعتمدته محكمة الاستئناف في وصف المفارقة بالمحتلة. وأمام هذا الاختلاف ولأجل محاولة توحيد الاجتهاد انتهى الاجتماع الثاني لمجلس رؤساء الغرف بالمجلس الأعلى المنعقد بتاريخ 19/4/1995 بخصوص هذه المسألة إلى التمييز بين الفرضيات آلاتية: 
- إذا اختارت المطلقة قضاء عدتها ببيت الزوجية ولا أولاد لها، اعتبرت محتلة بدون سند شرعي بمجرد انقضاء عدتها.
- إذا كان لها مع المطلق ولد أو اكثر تجب نفقتهم عليه ولم يمكنها من السكن أو مقابله فلا مسوغ للحكم بالإفراغ.
- إذا كان القاضي قدر لهم النفقة الشاملة للسكن ومن غير نزاع استجيب لطلب الإفراغ لأنه لا يقضي للطالب بالحق مرتين.
 وتجدر الإشارة إلى أن هذا التباين كان ملحوظا على صعيد قضاء الموضوع، وحتى على صعيد القضاء الإستعجالي(14)، فكانت بعض الأوامر تستجيب لطلب الإفراغ المؤسس على كون المفارقة الحاضنة محتلة دون سند، والبعض الآخر يتمسك بعدم الاختصاص لان إثارة الحضانة سيفضي إلى مناقشة الأحقية في الحضانة والمساس بالموضوع. والاختلاف يجد أساسه في الفراغ التشريعي وتباين أراء الفقه المالكي الذي كان يمثل المرجعية التكميلية التي يستقي منها القضاء أحكامه، على الرغم من أن الكتاب الثالث من مدونة الأحوال الشخصية لم يكن مذيلا بقاعدة الإحالة على الراجح والمشهور وما جرى به العمل من مذهب الإمام مالك، وظهور صدى داخل العمل القضائي(15) للرأي القائل بعدم جواز الرجوع إليه لعدم التنصيص صراحة على ضابط الإحالة. فضلا على أن الحضانة اغلب مقتضياتها اجتهادية وتنشئة المحضون وتقويمه تمثل البغية وآليات تحقيق هذه البغية تختلف.
وبعد صدور مدونة الأسرة ودخولها حيز التنفيذ سار الاجتهاد القضائي(16) إلى أن البنت تجب لها على أبيها السكنى ما لم تتزوج، وتستفيد من هذا الحق بدار والدها وإنها ليست ملزمة قانونا باللجوء إلى القضاء للمطالبة به وفي قرار آخر(17) اقر المجلس صوابية القرار الاستئنافي الذي قضى بان وجود الحاضنة في الدار المطلوب إفراغها لا يوصف بالاحتلال لكونها حاضنة، وكرس أحقية المحضون في السكن دون اعتبار لسنه(18). 
ثالثا: سكنى المحضون في التشريعات المقارنة:
إن مدونة الأحوال الشخصية لم تكن تنظم سكنى المحضون بنص صريح، وإذا كنا قد رجعنا إلى الفقه المالكي باعتباره المرجعية التكميلية للعمل القضائي، فانه يجدر بنا الاستئناس بما هو مقرر في التشريعات المقارنة. ووقع الاختيار هنا على التشريعين المصري والتونسي. ويمثل الفقه الإسلامي المرجعية الأساسية لهما، مما يعطي قاسما مشتركا بينهما ومدونة الأحوال الشخصية. والقانون المصري يأخذ أحكامه من المذهب الحنفي بصورة أساسية، على خلاف القانون التونسي الذي استلهمها من الفقه المالكي.
سكنى المحضون في القانـون المصري:
إن أول تقنين نظم به القانون المصري سكن المحضون هو القرار الجمهوري بقانون عدد 44/79 بتعديل بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية، وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 4 ماي 1985 بعدم دستوريته بعلة انه صدر عن رئيس الجمهورية في غيبة مجلس الشعب، دون توفر الظروف الاستثنائية التي تعطي للسلطة التنفيذية وفق المادة 147 من الدستور إمكانية الحلول محل السلطة التشريعية، مضيفة أن إقرار مجلس الشعب له لا يطهره من العوار الدستوري الذي شابه، الأمر الذي حدا بالمشرع إلى إلغائه وإعادة تنظيم نفس الموضوع بموجب القانون 100 لعام 1985 والصادر بتاريخ 3/6/1985 والذي أضاف المادة 18 مكرر ثالثا للمرسوم بقانون 8 لعام 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية. مع ملاحظة أن هذا القانون تم التنصيص على تطبيقه بأثر رجعي ابتداء من تاريخ نشر الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا لا من تاريخ نشر القانون نفسه.وتنص المادة 18 مكررا ثالثا المضافة بموجب القانون 100 لعام 1985 على ما يلي:
 "على الزوج المطلق أن يهيأ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة، استمروا في شغل مسكن الزوجية دون المطلق مدة الحضانة، وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء العدة. ويخير القاضي الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها اجر مسكن مناسب للمحضونين لها. فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده، إذا كان من حقه الاحتفاظ به قانونا. وللنيابة العامة ان تصدر قرارا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه حتى تفصل المحكمة فيها".
 إن ما جاءت به هذه المادة هو تكريس واجب إعداد السكن المستقل المناسب على الأب المطلق لفائدة محضونيه وحاضنتهم، وهو مساير لما هو معول عليه في المذهب الحنفي. ومعلوم أن الأب لا ينوء به إلا في حالة عسر أبنائه الصغار.وقد وضعت المادة ضوابط أساسية منها أن يكون المسكن مناسبا لحال الزوج المطلق يسرا وعسرا، وان يكون مستقلا بطرد المطلق منه، ليستأثر به المحضونين وحاضنتهم، وأن إعداد هذا المسكن مقيد بأجل انتهاء العدة بالنسبة للمسكن المستأجر، بينما يبقى الأجل مفتوحا بالنسبة لحالة كون المسكن مملوكا له، وان وفاء الأب بالتزام إسكان محضونيه فيه تخيير الحاضنة بين الإسكان العيني أو قبض مبلغ مالي بهذا الخصوص وتتولى تدبير المسكن بنفسها، وانه في حالة عدم تدبير الأب للمسكن المستقل المناسب فان الحاضنة تستقل بالمسكن الذي كان بيتا للزوجية قبل الطلاق، وتستمر إفادتها على هذا النحو إلى حين انتهاء سن الحضانة الذي هو عشر سنين للذكور واثنا عشر سنة للإناث، وبعدها يضم المحضون إلى أبيه.
 والمادة أعلاه محل انتقادات ومآخذ الفقه يمكن إجمالها فيما يلي :
*إن عبارة مسكن الزوجية الواردة في المادة المذكورة عبارة تعوزها الصياغة القانونية الدقيقة لان الزوجية قد انقطعت بيقين، وان مسكن الزوجية يتقرر بموجب الزوجية أو أثناء العدة من طلاق(19) رجعي، بينما الأمر يتعلق بمسكن الحضانة، وان أحكام مسكن الزوجية تختلف عن أحكام مسكن الحضانة.
* إن غير ألام من الحواضن لا يتولين الحضانة إلا ولهن مسكن كن يقمن فيه، وقد تكون المحرمية قائمة بينها وبين المطلق فلماذا طرده من المسكن ؟ وهذا لا يتماشى في جميع الأحوال مع القاعدة الشرعية القائلة بأنه لا يضار والد بولده(20)، ولا يحقق غاية الحفاظ على وحدة الأسرة إذ ليس من السهل أن تبقى عاطفة الأبوة الصادقة قائمة بعد فرقة كانت الحاضنة تؤلب محضونيه على أبيهم.
*إن المادة تقيم تفرقة غير عادلة بين المحضونين من أم مطلقة وبين المحضونين من أم متوفاة أو حكم بالتفريق بينهما لسبب من الأسباب كالردة مثلا في إطار دعوى الحسبة التي صارت النيابة العامة تمارسها لوحدها، فالطائفة الأولى تستفيد من مقتضياتها بينما الفئة الثانية غير معنية بها.
*إن مسكن الزوجية قبل الطلاق قد يقيم فيه الى جانب المطلق ومطلقته وأبنائهما الصغار، أشخاص آخرين كالزوجة الثانية أو أصول الزوج واخوته، ويطرد المطلق لوحده بينما لا سند لطرد الباقي وقد يتحول هذا المسكن إلى فضاء للكيد مما يفوت غاية تفويت الاطمئنان للمحضون.
*قد تعمد المطلقة إلى إرهاق وإعنات مطلقها، بإلزامه ترك المسكن أو تأجير مسكن آخر لها ولمحضونيها، وقد تعمد إلى تمد يد فترة الحضانة بحكم من المحكمة للاستمرار في الانتفاع بالسكن وانه يمكن التصدي لذلك بإلزام الحاضنة بتوفير المسكن، لان امتداد الحضانة كان برغبتها، وفي بعض الأحيان تعمد بعض المطلقات إلى الارتباط بعد العدة بزوج آخر بمقتضى زواج عرفي ولا يستطيع المطلق أن يسقط حضانتها(21).
سكنى المحضون في التشريع التونسـي:
 ينص الفصل 56 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية على ما يلي: "مصاريف شؤون المحضون تقام من ماله إن كان له مال، وإلا فمن مال أبيه، وان لم يكن للحاضنة مسكن فعلى الأب إسكانها مع المحضون".
 لقد كرس هذا الفصل مبدأ عاما مفاده أن إنفاق الأب على ابنه الصغير مشروط بان يكون هذا الأخير فقيرا لا مال له، أما إذا كان ذا مال كان الأولى أن يتم الإنفاق عليه من ماله وان يشمل هذا الإنفاق جميع متطلباته بما فيه السكنى.
 والتزام الأب بإسكان محضونه وحاضنته بالتبعية له ضابطين أساسين هما:
عسر المحضون وفقره بعدم توفره على مال لتصريف شؤونه ودفع حاجته منه كأن يكون متوفرا على مسكن يفي بحاجته وعلى الحاضنة أن تسكن فيه وليس لها مطالبة الأب بشيء.
عدم توفر الحاضنة على مسكن يأويها رفقة المحضون، فإذا كانت متوفرة على المسكن الممكن أن تحضن فيه الصغير بسكناه معها تبعا لها، فإنها لا تستحق الإسكان.
 وموقف المشرع التونسي موافق لما قال به الفقيه الحنفي ابن عابدين، من أن لزوم إسكان المحضونين على الأب لا يتقرر إذا كان لحاضنتهم مسكن يمكن أن تحضن فيه، وهو رأي يحقق نوعا من التوازن بين المصالح الثلاث الذي قد تتزاحم بهذا الخصوص وهي مصلحة المحضون ومصلحة الحاضنة ومصلحة المحضون له.
 غير ان المادة المنوه بها اعلاه لم تحدد بدقة المقصود بعبارة "اذا لم يكن للحاضنة مسكن" هل يراد به ان تكون مالكة للمسكن ؟ أم يستوعب حتى حالة استئجارها للمسكن ؟ وحالة تنفيذ الأب لهذا الالتزام هل يكون بالتنفيذ العيني بتوفير مسكن وتهيئته ام يكن اداء مبلغ مالي لكراء هذا المسكن.
المطلب الثاني: سكنى المحضون وفق المادة 168 من مدونة الاسرة
 لقد نظم القانون العلاقات الأسرية، كجزء من العلاقات الإنسانية في مسارها العادي الذي يعرف الهدوء والطمأنينة والشد والجدب أحيانا، وفي مسارها غير العادي. والحضانة كإحدى أبواب الروابط العائلية قائمة بالأساس على رعاية مصلحة الأطفال، بعد تصدع الأسرة التي كانت محضنهم الطبيعي. وخصت مدونة الأسرة من مجموع الأربعمائة مادة التي تتألف منها، الحضانة بثلاثة وعشرين مادة وهو ما يعكس اهتمامها البالغ بها والمادة 168 تعتبر إحدى المستجدات التي أتت بها مقارنة مع قانون الأحوال الشخصية الذي تم نسخه.
 ونرى بداية أن عبارة "يجب على الأب أن يهيأ لأولاده محلا لسكناهم" لا تفيد بأي حال من الأحوال ضرورة تعدد المحضونين لينوء الأب بهذا العبء، وإنما يكفي الابن الواحد لإلزامه بهذا التكليف. ومتى تعدد المحضونين الذي هم في عهدة حاضنة واحدة من أباء مختلفين (22) يتولى كل واحد منهم القيام بهذا الواجب بالقدر الذي ينوب محضونيه، ولا يمكن لأي منهم أن يطالب بفصل محضونيه عن محضوني غيره، لأن حضانتهم جميعا تستوجب ملازمة الحاضنة الواحدة لهم. ويبقى من المتعذر على الحاضنة الواحدة تولى حضانة محضونين متعددين بمساكن منفصلة دون الأضرار بمصلحة البعض لفائدة البعض الآخر، وهو أمر غير مقبول. كما أن كثرة المحضونين لا تأثير له على قدرة الحاضنة وصلاحيتها للحضانة، بل قد يكون ذلك تمرسا على تحمل أعبائها والاعتياد عليها على احسن وجه(23).
 والأحقية في سكنى الحضانة مقررة لفائدة جميع الأبناء الذين هم في سن الحضانة ذكورا وإناثا، لا فرق في ذلك بين حصول الفرقة بين الأبوين بالطلاق أو التطليق أو الفسخ، وكذلك الأمر لمن تبتت بنوته بالاستلحاق أو بحكم قضائي استنادا إلى الشبهة، مادام أن المادة 157 من المدونة ترتب على هذه البنوة جميع نتائج القرابة للنسب وتستحق بها نفقة القرابة، والتي يعتبر السكن من مفرداتها وفق ما سيأتي. والذي يزكي الجزم بهذا الاتجاه ورود المادة 168 ضمن أحكام الحضانة لا ضمن أثار الطلاق، غير أن التنصيص في الفقرة الثالثة منها على انه "لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون قد يعتمده البعض، للقول بان سكنى المحضون مقتصرة على الأبناء الذين هم ثمرة زواج سابق ولا يستفيد منه غيرهم، ولكن هذا لا يمنع من القول بأنه مقتضى خاص بحالة بقاء الأبناء بالمسكن الذي كان بيت الزوجية لوالديه، وارتأى المشرع الإتيان بحكم يمنع تشريدهم وإفراغهم، ومتى سبق للمحضون أن استفاد من سكنى المحضون وانتفى نسبه بحكم قضائي فانه يحق للذي قضت المحكمة بنفي أبوته الرجوع عليه سواء بإجمالي المبلغ الذي أداه كأجرة للسكن، أو بتحديد المحكمة لقيمة المنفعة التي عادت على المحضون من خلال الإسكان العيني بخبرة مراعية لمواصفات المسكن وللمدة التي قضاها فيه.
 ومما تجدر الإشارة إليه أن المدة 168،لم تتحدث بالمطلق عن أحقية الحاضنة في الاستفادة من السكن وملازمة المحضون فيه، خاصة وان الحضانة خدمة تتطلب الالتصاق به بكيفية مستمرة لعجزه عن القيام بشؤونه، ولان الحضانة مقررة بسبب عجز المحضون عن قضاء أموره وتدبيرها، ومدارها نفعه ومصلحته وحفظه ورعايته، فانه لا يتصور أن يكون للحضانة مأوى مستقل عن المسكن الذي يقيم فيه المحضون، ولو قامت علاقة جوار بينهما، خصوصا في الطور الأول من حياته، وفي خلاف ذلك إهدار مصلحته التي هي ذات الاعتبار الأول، ومن هنا يطرح التساؤل ، هل تستفيد الحاضنة من هذا المسكن ؟ أم انه لا مبرر لاستفادتها، مادام أنها تتقاضى أجرة الحضانة التي هي غير السكن.
إن الحاضنة متفرغة لأ جل القيام بشؤون المحضون وخدمته وينبغي أن تكون ملازمة له، ولذلك فإنها تشاركه السكن، واستفادتها هي بالتبعية للمحضون، ولذلك فإنها غير ملزمة بالإسهام في تكاليف السكن الذي يأوي المحضون.
ومن منطلق أن القواعد القانونية يجب أن تكون على نحو أوفق لمصالح المخاطبين بها، فقد كرست الخيار بين أداء الأب المحضون له لالتزام إسكان المحضون بالتمكين والتوفير العيني للمسكن بتدبيره وتأثيثه وتهيئته، وإما بأداء مبلغ مالي كأجرة لاستئجار هذا المسكن، وقد تركت الأمر عاما من غير تحديد لمن هو مقرر هذا الخيار، ونرى انه لجميع الأطراف فبإمكان الأب أن يطالب بما هو أفيد لمصلحته، ويمكن للحاضنة باعتبارها اليد الماسكة للمحضون، ولها بحكم المادة 163 من مدونة الأسرة القيام بكل الإجراءات اللازمة للقيام بمصالحه، أن تطالب بأعمال هذا الخيار، والأمر كذلك مخول للنيابة العامة، كما أن للمحكمة من تلقاء نفسها تقرير ما تراه أوفق لمصلحة المحضون بتبرير ذلك، وليس في هذا ما يخالف الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية، لان الحضانة قائمة بالأساس على مصلحة المحضون. ومبرر صلاحية المحكمة في أعمال الخيار أن الحالات تختلف، والمحكمة عليها تقرير ما يناسب كل حالة بعد الإحاطة الوافية بملابساتها وظروفها، فالأب قد يكون مالكا لمساكن متعددة ويختار الإسكان العيني، والحاضنة قد تكون مالكة لمسكن خاص بها، فلماذا لا تستفيد فقط من أجرة تناسب ما ينوب المحضون من منفعة هذا المسكن، ومما يشجع على الإسكان العيني للمحضون أن الأب له حق الرؤية وكلما كان هو الذي اعد المسكن له إمكانية رؤيته فيه، وكلما كانت الحاضنة رفقة المحضون تقيم لدى الغير أمكن لهذا الأخير الاعتراض على حق الأب في الرؤية بمنزله، لأنه لا يجبر الشخص على استضافة من لا يرغب في استقباله.
 وكما سبقت الإشارة، فان للمحضون حقا على العين التي كانت من ذي قبل مسكن الزوجية لوالديه بان يبقى شاغلا لها ولا يفرغ منها حماية له من التشرد والضياع، وفي هذا تفضيل لمصلحة المحضون لان الحضانة تتزاحم بشأنها ثلاثة حقوق حق المحضون نفسه وحق الحاضنة وحق المحضون له، والكل يدور على نفع المحضون، ومتى تحقق في أمر ما وجب المصير إليه ولو خالف ذلك مصلحة غيره، لان حقه إلى الرعاية والحفظ أقوى من الحقين الآخرين، اللذين هما حقين تابعين وخادمين لحقه. وقد يكون من الاعتبارات في اختيار المسكن القرب من مكان دراسة الأبناء، وبعد حصول الفرقة ينبغي كذلك حماية هذا الوضع، وهو ما يستجيب له تكريس الخيار بين الإسكان العيني أو أداء أجرة تحددها المحكمة. لكن في الغالب الأعم من الأحوال فان الأبناء ووالدتهم لا يلزمون البيت الذي كان مسكنا للزوجية، ويعيش المتفارقين قبل الفرقة حالة انفصال، وقد تتخذ المحكمة في ضوء المادة 121 من مدونة الأسرة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب من الزوج الذي يسارع إلى التدليل على تعذر المساكنة، أو بناء على طلب الزوجة نفسها تدبيرا مؤقتا بإقامتها رفقة الأبناء لدى أحد أقاربها أو أحد أقارب الزوج، فكيف يمكن تفعيل مقتضى عدم الإفراغ من بيت الزوجية بعد أن كرست المحكمة نفسها خروج المحضون منها.
 كما أن المسكن قد يكون مملوكا للمفارقة الحاضنة نفسها، وقد يكون مملوكا للزوج أو موضوع علاقة كرائية من الغير، أو يشغله تبرعا أو إحسانا من الغير، وقد يكون مسكنا وظيفيا، ولذلك فان تفعيل الفقرة الثالثة وتفاعلها مع هذه الحالات وغيرها سيطرح نقاشات مستفيضة وحالات سيكون القضاء مدعو لمجابهتها والتصدي لها.
 وإذا كان للمحضون إمكانية البقاء في المسكن الذي كان مسكنا للزوجية، ولا يفرغ منه ما لم يوفر والده مسكنا بديلا أو تحدد المحكمة مبلغا ماليا يؤديه الأب لاستئجار المسكن، فلا يمكن الجمع بين الخيارين معا في آن واحد. وبالتبعية فالحاضنة تبقى شاغلة لنفس العقار ما دامت شروط الحضانة متوفرة فيها، والأصل أن الحضانة للام ما لم تحرم منها بحكم نهائي. ولا يقضى كذلك بالسكن على الأب أثناء العدة، لان المحضون ملازم لحاضنته المعتدة بالبيت الذي تقضي فيه العدة، ولا يأخذ هذا الأمر على إطلاقيته لان الحضانة قد تتولاها غيرا لمطلقة، وقد يكون التنازل عن سكنى العدة من ضمن بدل الخلع. وتأسيسا على ذلك فان المفارق بدوره له إمكانية الإقامة بنفس العين والتردد عليها، ولا يمكن طرده منها بخلاف ما كرسه القانون المصري وهو ما يؤدي إلى وضع شاذ بإقامة المتفارقين في سكن واحد ولا سند للعيش المشترك بينهما فيه، فكيف يمكن دفع غوائل الشهوة وما تدعو إليه من إتيان الفاحشة عبر الإقامة المشتركة تحت سقف واحد؟ ومن جهة أخرى فان مبتغى المشرع يضيع، لان إقامتهما في عين واحدة قد يحولها إلى مجال صراع وكيد كل واحد منهما للأخر وتفتقد بذلك شروط كفالة الهدوء والطمأنينة للمحضون.
 وتجدر الإشارة إلى أن استقلالية السكن في التقدير لا تكون إلا عندما تتولى الحاضنة الاستئثار بالحضانة لانتهاء الزوجية أما عندما تكون الزوجية قائمة فان السكن لا يخضع للتقدير المستقل، وإنما يفرض جملة واحدة مع باقي عناصر النفقـة(24).
 ويثار التساؤل حول أحقية الأبناء الذين حصل الطلاق أو التطليق بين والديهما قبل صدور مدونة الأسرة هل يستفيدون من هذا التقدير المستقل أم أن المبالغ المفروضة لهم شاملة للسكنى ؟.




أولا: علاقة سكن المحضون بانفاق والده عليـه:
 يعتبر الحفاظ على النسل بالإنجاب غاية من غايات الزواج فالأبناء هم ثمرة الزوج وميلادهم تتوطد به أركان الأسرة، وتتقرر به تكاليف وأعباء على والديهما. فالبنوة من صور القرابة الموجبة لإنفاق الشخص على غيره. وتأسيسا على ذلك فالأب ملزم قانونا بالإنفاق على أبنائه، وهذا الإنفاق يخضع لضابط عام مؤداه أن نفقة الشخص تكون من ماله، ولا سبيل لإلزام الغير ولو أبا بالإنفاق على صاحب الذمة المالية المعروفة الملاءة. فأصناف إنفاق الشخص على غيره - عدا نفقة الزوجة - مقررة للحاجة، وصاحب الحاجة تستوفى حاجته بالأولوية من ماله. والمال المقصود هو المال الحاضر الظاهر الذي لا نزاع فيه، والممكن التحصيل المباشر للنفقة منه ويخرج عن ذلك مثلا الدين غير الحال الآجل الذي للابن الصغير بذمة الغير، والحقوق التي هي موضوع منازعة.
 وحدد فقهاء المالكية نطاق النفقة الواجبة للبنوة في الولادة المباشرة باتفاق الأصل على فرعه. وهي نفقة مقررة للحاجة سواء كان ذلك للفقر أو الزمانة أو الأنوثة، فالحاجة تفيد انه لا مال ولا كسب يستغني به الابن عن إنفاق أبيه عليه وينضاف إلى فقر الابن وحاجته، شرط يسار الأب، وتكفي في ذلك القدرة على الكسب، مادام أن المدونة جعلت الملاءة مفترضة. والتزام الأب بالإنفاق على أبنائه يكون بما يحقق الكفاية لهم والعيش في المستوى اللائق بأمثالهم(25)، مع مراعاة إمكانيات الأب وحالته من غير إرهاق أو إعنات له. والكفاية تتأثر بمستوى الأسعار والوسط الذي يقيم فيه المستحق للنفقة لا الوسط الذي تفرض فيه النفقة الذي قد يكون غير الأول خلافا لما جاء بالمادة 189 من مدونة الأسرة.
ويجب على الأب الإنفاق على أبنائه سواء أثناء قيام الزوجية بينه وبين أمهم وبعد انتهائها فهل سكنى المحضون تدخل في عداد النفقة أم إنها مستقلة عنها ؟.
 في إطار الجواب عن هذا السؤال، يميل رأي من الفقه بالمقارنة(26) بين المادة 189 من مدونة الأسرة والفصل 118 من قانون الأحوال الشخصية، إلى أن السكن لم يعد عنصرا من عناصر النفقة، وان كل واحد منهما التزام مستقل عن الأخر، ولا ينبغي الخلط بينهما، وان عدم وفاء الأب بالالتزام بإسكان المحضون لا يخضع معه لجريمة الإمساك عمدا عن أداء نفقة محكوم بها، وهذا رأي له صدى حتى على صعيد القضاء إذ بمناسبة إحالة شكاية من طرف النيابة العامة للمحكمة الابتدائية بميدلت على مديرية العدل العسكري فحواها الامتناع عن أداء تكاليف سكنى المحضون من طرف عسكري، تلقت منها ردا فحواه أن السكنى مستقلة عن النفقة وأجرة الحضانة وان القانون الجنائي لا يجرم الامتناع عن أداء تكاليف السكنى.
 وهذا الرأي محل نظر للاعتبارات آلاتية: 
* إن عدم ذكر السكن ضمن عناصر النفقة بموجب المادة 189 ليس إقصاء له من دائرتها، لأنها لم تأت بتعريف بالماهية لها، ولا بتعداد حصري لعناصرها، وفي غياب تعريف تشريعي جامع لعناصر النفقة، لا مانع من أن تشمل عناصر أخرى غير المذكورة صراحة.
*إن المادة 189 من مدونة الأسرة جاءت في سياق الأحكام العامة لسائر أنواع النفقات وبما فيها نفقة الزوجة ولا يستساغ مثلا القول إنها لا تشمل السكنى، خاصة وان المادة 51 جعلت المساكنة الشرعية من الحقوق المتبادلة بين الزوجين وتكون في المسكن الذي يتدبره الزوج، ونفقة الأبناء حال قيام الزوجية بين والديهما شاملة المعاش والإيواء.
*إن السكن يعتبر من مفردات النفقة المستحقة للمحضون على عاتق أبيه والمشرع أراد فقط ضمان الاستقلالية له في التقدير، وذلك بصريح الفقرة الأخيرة من المادة 171 من مدونة الأسرة التي جعلت توفير سكن لائق من واجبات النفقة. والاستقلال في التقدير هو أمر له دواعي، لان قضاة التوثيق سابقا عند تحديد لوازم الطلاق، وقضاء الموضوع في قضايا النفقة، كانوا يقررون مبالغ زهيدة لا تستجيب لمطالب المحضون، مما أدى إلى تفشي ظاهرة تشرد أطفال الطلاق. وتماشيا مع هذا الاتجاه سار الاجتهاد القضائي إلى أن التقدير المستقل للسكن يبقى مشروطا بوجود أبناء تحت حضانة الأم وحدها وذلك لا يكون إلا بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
وصفوة القول أن سكن المحضون من مفردات النفقة الواجبة له على أبيه وتتمتع بجميع المزايا التشريعية المقررة لها من وجوب استيفاء محاولة الصلح وفق الفصل 180 ق.م.م والنفاذ المعجل بقوة القانون، والإعفاء من استخلاص الرسوم القضائية، وإمكانية المطالبة بها دون الاستعانة بخدمات محام، وأمام محكمة المدعى عليه أو محكمة المدعي باختيار الأول، ووجوب البت فيها داخل اجل شهر واحد، وإمكانية القضاء بسكن مؤقت وإمكانية المطالبة بمراجعتها زيادة أو نقصانا وتجريم الإمساك العمدي لامتناع الأب عن إسكان محضونه وفق الفصلين 480 و481 ق. ج......
 وينبغي في حالة التوفير العيني للمسكن من جانب الأب أو تحديد مبلغ لا يجاره تستخلصه الحاضنة لتسديد الكراء، أن يكون مناسبا للمستوى المعيشي الذي كان عليه المحضون قبل انتهاء الزوجية بين والديه، وان يراعي الإمكانيات المادية للأب وتحملاته العائلية، ولا يشترط فيه أن يكون مراعيا لمستوى الحاضنة المادي(27) يسرا أو فقرا، لان هذا المسكن جزء من نفقة الأب على ولده، لا اعتبار فيه لحال الحاضنة. وقد أعطت المادة 172 من مدونة الأسرة للمحكمة إمكانية الاستعانة بمساعدة اجتماعية لمعاينة السكن وإعداد تقرير عنه وما يوفره للمحضون من الحاجيات المادية والمعنوية. ومع الجزم بان السكن من عناصر النفقة وتسرى عليه أحكامه، فان ثمة قاعدة كرستها الفقرة الأخيرة من المادة 189 من مدونة الأسرة فحواها مراعاة الأعراف والعوائد السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة، فلا ينبغي أخذها على اطلاقيتها، لان المطالبة بالنفقة أو السكن كعنصر لها قد يكون أمام محكمة يختلف وسطها عن الوسط الذي يقيم فيه المستحق لها.
 والسكن المقرر للمحضون بموجب المادة 168، مرتبط بالنفقة لا بالحضانة، ولا يمكن التذرع هنا بكونها ربطته بوصفه محضونا، لان تحكيم المقاصد مقدم على التعلق بظاهر الألفاظ، فالمقاصد غاية الخطاب واللفظ وسيلته، ولذلك لا يمكن القول بان استيفاء سن انتهاء الحضانة الذي هو في جميع الأحوال سن الرشد للذكر والأنثى يترتب عنه إعفاء الأب من واجب الإسكان بصورة آلية، فمتى كان الابن يتابع دراسته فأحقيته في السكن كجزء من النفقة تستمر إلى حين بلوغه سن الخامسة والعشرين وكذلك الأمر بالنسبة للأنثى إلى حين زواجها أو تحقق طريق للكسب لها.
 وللأحكام الصادرة بشأن المسكن حجية مؤقتة قابلة للتغيير وبأن ترد عليها طلبات الزيادة والنقصان كلما قامت دواعي لذلك لان أحوال الناس تتغير يسارا وعسرا. ومفعول الحكم بالزيادة او النقصان يكون من تاريخ إقامة الدعوى لا من تاريخ تحقق العسر أو اليسر.
غير انه لا يمكن القول بان استيفاء سن انتهاء الحضانة في علاقتها بسكنى المحضون خالية من أي تقدير قانوني، لأنه متى بلغ هذا السن الذي هو سن إعفاء الأب من الإنفاق عليه كمبدأ عام، ينتهي به واجب إسكانه من جانب الأب، وإذا تحققت إحدى دواعي الاستمرار فان صفته في الاستفادة من السكن تتحول من محضون إلى مستحق للإنفاق فقط. والحاضنة في جميع الأحوال تفقد سند بقائها إلى جانب المحضون، واستمرارها في المسكن يجعلها محتلة له دون سبب، وللأب الأحقية في طلب إخلائها.
ونشير إلى أن غاية المادة 168 من مدونة الأسرة في تقريرها وجوب التقدير المستقل لمسكن المحضون هو عدم تعريضه للتشرد والضياع، والتعامل مع هذه المادة ينبغي أن يكون في نطاق هذه الغاية، ولا يمكن أن تكون سببا في إرهاق الأب وإعناته، ولا تحقيق مزايا اكثر مما توخته المادة، وقد نظر البعض(28) إلى هذه المادة بغير عين الرضا، بعلة إنها غير مراعية للواقع المعاش، وفيها إجحاف للفئات التي لا تتوفر إلا على دخل محدود أولا تتوفر عليه. إلا أن هذا التبرير محل نظر، لأنه إذا كانت أحوال الناس تختلف، فكذلك المساكن على أصناف شتى والمحكمة هي ذات الصلاحية في التقدير بالمعروف وما يحقق إشباع حاجة المحضون في السكن مراعية الوضعية المادية للأب.
 ومتى كانت الحاضنة تقاسم المحضون في السكن الذي وفره الأب عينا، أو بأداء مستحقاته الكرائية، فلا يمكن لها استغلاله في أغراضها الخاصة، ولا في ما يتنافى مع مصلحة المحضون وعليها توفير الطمأنينة له، فلا يمكن لها مثلا أن تأتي بزوجها الجديد لإسكانه فيه. ويبقى لوالد المحضون منعها من ذلك باعتباره وليا ولو كان هذا المسكن قد تم إعداده من مال الصغير، وقد يجعل القضاء من استغلال الحضانة للمسكن في ما يتعارض مع مصلحة المحضون سببا لإسقاط الحضانة عنها.
ثانيـا: حالات إعفاء الأب من إسكان المحضـون:
إذا كانت المادة قد أوجبت على الأب إسكان محضونه، فان هناك حالات يعفى فيها من هذا الالتزام من أهمها ما يلي:
* حالة يسار المحضون: 
فالسكنى من مفردات النفقة، وتبعا لذلك لا تتقرر على الأب إلا بعسر الابن. فإنفاق الأب عليه ليس امتياز له بل هو إحياء له وصونا له من الهلاك والضياع. ومتى كان للابن مال يفي بحاجته كان الإنفاق عليه من الغير ولو أبا من باب التفضل لا الواجب، لان من الأباء من يؤثر أبناءه على نفسه ويفيض عليهم بماله حماية لا موالهم من الضياع.
ويعفى الأب من هذا الالتزام من بداية الأمر إذا كان الابن موسرا، أو في وقت لا حق إذا طرأ هذا اليسار بالإرث أو الهبة أو الوصية، أو أن يكون للابن كسب، فالقانون يميز بين سن الشغل والسن الذي ينتهي عنده الإنفاق على الابن، فإذا كان الابن يتكسب بشغله حتى قبل سن انتهاء الإنفاق فان الأب يعفى من هذا الواجب.
* زواج البنت المحضونة:
 فسن الزواج مطابق تماما للسن الذي ينتهي عنده الإنفاق من حيث المبدأ، لكن القانون كرس إمكانية الإذن بزواج الفتاة القاصرة. ومتى صدر الإذن بزواجها وتزوجت فعلا فان الأب يعفى من واجب إسكانها بوجوب نفقتها على زوجها، وهذا الوجوب يكون بالبناء أو الدعوة إليه بعد العقد.
* زواج الحاضنة:
 طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 175 من مدونة الأسرة فان زواج ألام الحاضنة يعفى الأب من تكاليف سكنى المحضون وتبقى النفقة بباقي عناصرها واجبة فقط. والإعفاء هنا لا يقتصر على الحالات الأربع التي لا يسقط فيها الزواج الحضانة عن ألام، بل يشمل حتى حالة زواجها وعدم المطالبة بإسقاط الحضانة عنها أو سقوط الحق في هذه المطالبة، ويعفى الأب حتى في حالة زواج الحاضنة غير ألام، لان العلة مشتركة بين جميع هذه الحالات، لان المتزوجة تصير ملزمة بمساكنة زوجها في البيت الذي يتولى تدبيره. 
*حالة وفاة المحضون: إذا توفي المحضون سقط عن الأب واجب السكنى، وتنتهي أحقية الحاضنة في الاستفادة من المسكن بالتبعية.
*حالة كون البدل في الخلع شامل لسكنى المحضون:
 فقد يكون المقابل الذي إختلعت به المفارقة شاملا لنفقة الأبناء والسكنى من عناصرها، وتبعا لذلك يعفى الأب من تكاليف سكنى المحضون، ولا أحقية للام المفارقة في هذه الحالة بالمطالبة بها، وغني عن البيان انه إذا كانت ألام معسرة لا يمكن لها أن تتحمل بنفقة الأبناء لقاء الخلع. ومتى كان الخلع نتيجة الإكراه ولإضرار الزوج بها فيمكنها أن تطالبه بذلك مع نفاذ الطلاق، وقد يطرأ العسر على المفارقة بعد الطلاق ويعود الإنفاق إلى الأب بما في ذلك تكاليف السكنى مع أحقيته بالرجوع عليها بما أداه عنها.
*حالة إعسار الأب:
 إن إنفاق الأب على أبنائه الصغار مشروط بعسر الأبناء وفقرهم، وبيسار الأب والملاءة مفترضة، ومتى تحقق للمحكمة عسر الأب، فان الإنفاق والسكنى من عناصره على أبنائه يرتفع عنه كليا أو جزئيا، ومتى كان للأب محضون وزوجة هي غير مفارقته أم المحضون وضاق كسبه عن نفقتهما معا، فان نفقة الزوجة تقدم على نفقة الابن. 
 وإذا كانت الحاضنة تستفيد بالتبعية لمحضونها من السكن، فان أحقيتها تنتهي في ذلك إذا أتم المحضون الخامسة عشر سنة واختار الأب ليحضنه، وتضاف إلى ذلك حالة إسقاط الحضانة عنها بموجب حكم قضائي، وان استفادتها تستمر إلى حين بت المجلس الأعلى في الطعن بالنقض إذا أثير لتعلق الأمر بقضايا الأحوال الشخصية والنقض فيها موقف للتنفيذ وفقا للفصل 361 ق.م. م.
*حالة التزام الغير الإنفاق على الابن المحضون.
*حالة نفي نسب الابن المحضون عن أبيه بموجب حكم قضائي نهائي.
ونشير إلى أن الحضانة قد تتولاها مؤسسة لحضانة الأطفال، فهل لها أن تستفيد من أجرة المسكن، وان المسكن قد يكون مشاعا بين الأب ومفارقته فهل لها الرجوع على الأب بقدر حصة انتفاع الحضون منه ؟ 
 نرى أنه في الحالتين معا، يعفى الأب من تكاليف السكن.
ثالثا: سكنى المحضون بين المادة 168 ومقتضيات ظهير 25/12/1980
في غالب الأحيان يكون مسكن الزوجية مستأجرا قبل حصول الفرقة بين والدي المحضون، وفي تفاعل المادة 168 من مدونة الأسرة مع مقتضيات ظهير 25/12/1980، تطرح العديد من الإشكاليات. فعقد الكراء يمتاز بطابعه العائلي، لان رب الأسرة يتعاقد باسمه للإقامة بالعين مع باقي أفراد أسرته، إذ عند قيام الزوجية يقع عليه عبء تدبير المسكن، وتستمد الزوجة سند اعتمار هذا المسكن من الزوجية وما ينشأ عنها من واجب المساكنة، أما الأبناء الصغار فيقيمون فيه بعلة بنوتهم وكونهم من صلب المكتري الملزم بالإنفاق عليهم، ومع ذلك يبقى الزوج هو الطرف الأصيل في العلاقة الكرائية أعمالا لقاعدة نسبية آثار العقد بالنسبة لأطرافه، ومهما طالت إقامة الزوجة والأبناء لا تتولد أي أربطة مباشرة بينهم والطرف المكري، ولا ينشأ لهم أي حق على المحل المكرى.
 وإذا كان الامتداد القانوني لعقد الكراء وفق الفصل 18 من ظهير 25/12/1980، لا يتقرر للأبناء إلا بشرطي وفاة الأب، وإقامتهم الفعلية مع وجودهم تحت كفالته قبل الوفاة، فانه حال حياة الأب لا يقرر لهم القانون أي حق مستقل على العين المكراة. غير أن المادة 168 من مدونة الأسرة بتنصيصها" لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون "أعطت للمحضون حق على العين التي كانت من ذي قبل مسكن الزوجية لوالديه المتفارقين، بان يبقى شاغلا له ولا يمكن إفراغه صونا له من مخاطر التشريد، غير انه في ربط هذا المقتضى بالأحكام المنظمة للعلاقات الكرائية الواردة على المحلات السكنية يطرح السؤال هل يواجه به الأب فقط ؟ أم يسري حتى في مواجهة الطرف المكري ؟ 
 إن بقاء المحضون شاغلا للعين ولو بغير وجود والده المكتري الأصيل معه، وان كان لا يستقيم مع المقتضيات المنظمة للعلاقات الكرائية، هو وجود مستمد من القانون، ولا يمكن وصفه بالاحتلال، فالمحضون بعض من أبيه وفي تلبية حاجته إلى السكن تلبية لحاجة هذا الأخير، وكذلك الأمر بالنسبة للحاضنة التي تعتبر غريبة وأجنبية عن مفارقها بانقضاء مدة العدة، إذ بتبعيتها للمحضون، لها الأحقية في مقاسمته الإقامة بهذا المسكن طيلة مدة الحضانة. وإقامتها به لا يخول لها أي حق عليه فتصير مجبرة على الإفراغ لمجرد انتهاء الحضانة، حتى لو توفي الطرف المكتري قبل ذلك لان الامتداد القانوني لعقد الكراء يتقرر لفائدة المحضون فقط، إما الحاضنة فلا تشملها دائرة الأشخاص المنصوص عليهم بالفصل 18 من ظهير 25/12/1980، لان إقامتها موصوفة بالتبعية لحق المحضون فقط، ولكن قد يتقرر استمرارها فيه لوجوب الإنفاق عليها على الابن الذي كان محضونا باعتبارها أصلا له، وعند وفاتها تتقرر لها الأحقية في الاستفادة إلى الامتداد القانوني لعقد الكراء.
 مع عدم قيام أي علاقة مباشرة بين المحضون والمكري فان له الأحقية في الانتفاع بالعين طيلة مدة الحضانة. غير أن هذه الاستفادة تستوجب الوفاء المنتظم من جانب الأب بمبالغ الكراء.
 ومتى أخل بهذا الواجب جاز للمكري اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالإفراغ، ولا يعتبر المحضون غيرا بالنسبة للحكم الصادر بهذا الخصوص، وإنما هو حجة عليه ويواجه به ويلزم بالامتثال له وتنفيذ مقتضياته، ولا يسوغ له الطعن فيه بتعرض الغير الخارج عن الخصومة. وتجنبا لهذا الوضع يمكن للحاضنة أن تقوم بتسديد مبالغ الكراء مباشرة للمكري في اطار الفصل 237 ق. ل. ع. وتحتفظ بإمكانية الرجوع على والد المحضون بما أدته من مبالغ، وما قيل عن المحضون يسري على الحاضنة ما دام اعتمارها تابعا لحقه.
 ولأنه لا تنشأ أي علاقة مباشرة بين المحضون والطرف المكري، فان الدعاوى التي يقيمها المكري بسبب العين سواء كان ذلك لمراجعة السومة الكرائية، أو الإفراغ للاحتياج أو الإفراغ للهدم وإعادة البناء.... يجب أن تقام ضد والد المحضون، لأنه المكتري وهو الطرف الأصيل في عقد الكراء.
 وإذا كانت مقامة في مواجهة المحضون أو الحاضنة مباشرة كان مآلها عدم القبول. إلا انه إذا توفي والد المحضون قبل انتهاء الحضانة، فان امتداد العقد يتقرر لفائدة المحضون، وتقام الدعاوى في شخص وليه.
 بقي أن نشير إلى أن الحاضنة بإقامتها في مسكن الحضانة، قد تستعمله في أغراض منافية ومخلة بالآداب، ومع التسليم بان لوالد المحضون منعها من ذلك بصفته صاحب الحق الأصيل على هذا المسكن، وبصفته وليا على المحضون وان هذا الاستعمال يفوت عليه الاطمئنان والهدوء والتنشئة السليمة، فانه نرى أن ليس للمكري مقاضاتها مباشرة وإنما عليه مقاضاة المكتري الفعلي.
خاتـمـة:
تعكس المادة 168 من مدونة الأسرة جانبا من تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الروابط القانونية وإذا كان المحضون هو الجانب الضعيف الذي تقوم على مصلحته أحكام الحضانة، بما في ذلك توفير الهدوء والاطمئنان له، فان وضعية الأب المفارق ليست دائما على احسن حال، خصوصا عندما يكون وضعه المادي غير ميسور والحاضنة موسرة. فبقدر ما كان الفراغ التشريعي بخصوص سكنى المحضون في ظل مدونة الأحوال الشخصية المنسوخة أدعى إلى تباين مواقف القضاء، فان المادة أعلاه ستكون مثار العديد من ردود الفعل ووعاء للعديد من المنازعات.
 وإذا كنا لا نسعى إلى التنقيب عن الحالات التي تنطق ببعد هذه المادة عن إحقاق التوازن فان الإشكاليات التي ستطرحها ستعرف اتساعا في التطبيق العملي. ولان القضاء هو المطالب بالنزول بأحكامها من مستوى التجريد إلى مستوى التطبيق فعليه أن يلائمها مع أحوال المتقاضين لأنه كما تستنبط الأحكام من القانون تستبط كذلك من الواقع.