9.27.2017

سلطة قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم التي تسلتزم شكوى من المجنى عليه دراسة مقارنة

سلطة قاضي التحقيق  في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم  التي تسلتزم شكوى من المجنى عليه دراسة مقارنة












سلطة قاضي التحقيق  في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم 
التي تسلتزم شكوى من المجنى عليه دراسة مقارنة





المحامي الدكتور صالح الحسون

المقدمة:
تعمد بعض التشريعات إلى عدم جواز تحريك  الدعوى الجزائية من قبل قاضي التحقيق مباشرة ما لم تقدم شكوى، لاعتبارات  متعددة منها  مصلحة أولي الشأن، فيترك لأولئك الذين تضرروا من الجريمة  أن يقرروا تحريك دعواهم، ومن تم فلهم أن يقدموا على ذلك.

وقد لا يجد  المتضرر فائدة من رفع الشكوى كأن يكون في رفعها حصول بعض الأضرار  به كإساءة سمعته، أو أن رفعها يسبب له ضررا يفوق الضرر  المترتب  على عدم  معاقبة المجرم، فيترك له تقدير مدى ملاءمة رفع الدعوى أو التغاضي عن الجريمة، وقد حدد  المشرع العراقي  الجرائم التي لا  يجوز لقاضي  التحقيق تحريك الدعوى  الجزائية فيها  مباشرة  إلا بعد  تقديم  شكوى (1).

وتعرف الشكوى بأنها  طلب ـ سواء أكان شفهيا أم تحريريا ـ يعبر فيه المجني عليه أو المتضرر من الجريمة  أمام الجهة  المختصة  عن رغبته  في اتخاذ الإجراءات  القانونية بحق مرتكب الجريمة (2).

ورغم أن قانون  أصول المحاكمات  الجزائية  نظم الأحكام  الخاصة بالشكوى  وذلك  في المادة  الثامنة منه إلا أنه لم يشر إلى المقصود  بالشكوى رغم أنه ذكر  في المادة  التاسعة بأن تقديم الشكوى (يتضمن الدعوى  بالحق الجزائي، وهو طلب اتخاذ الإجراءات الجزائية ضد مرتكب الجريمة، وفرض العقوبة عليه، وتتضمن  الشكوى  التحريرية الدعوى بالحق  المدني  ما لم يصرح المشتكي بخلاف ذلك).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أنظر المادة  الثالثة من قانون أصول المحاكمات  الجزائية  رقم 23 لسنة 1971 المعدل.
(2)يكاد الإجماع أن ينعقد بين الفقهاء على الوحدة في تعريف الشكوى من حيث المضمون رغم اختلاف الألفاظ فيعرفها  البعض بأنها  )إبلاغ المجني عليه أو وكيله النيابة العامة  أو أحد أفراد الضبط القضائي عن جريمة  معينة لمعاصرة الإجراءات  القانونية) حسن  صادق المضفاوي ـ أصول الإجراءات الجنائية ـ الطبعة الثانية، 1961 ص 75. بهذا المعنى محمد الفاضل الوجيز في أصول المحاكمات الجزائية الجزء الأول الطبعة الثالثة 1965 ص 532، أحمد فتحي سرور أصول قانون الإجراءات الجنائية القاهرة 1969 ص 485، رؤوف عبيد مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري الطبعة الثامنة 1970 ص 61 سمدي بسيسو أصول المحاكمات الجزائية علما وعملا 1965 ص 87 مأمون محمد سلامة ـ الإجراءات الجنائية في التشريع  الليبي ص 116.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ويتضح من ذلك أن المشرع لم يشرط شكلا خاصا للشكوى  فقد تكون شفوية أو تحريرية، غير أنه يترتب على كل  منها أحكاما معينة، فإذا كانت  تحريرية يفهم منها أن المجني  عليه عبر عن رغبته  بالتدخل في الدعوى الجزائية، بعد أن يتم  تحريكها  من قبل قاضي التحقيق بصفة مدعي بالحق المدني مطالبا  بالتعويض عما أصابه من ضرر جزاء ارتكاب الجاني لجريمته.
ويقصد المشرع من هذه  القرينة حماية المدني عليه. لأن الأخير قد يتصور أن  المطالبة بالحق المدني سيمنع السلطة من معاقبة مرتكب الجريمة، وعليه  فإنه يضحي بالحق المدني مقابل معاقبة  المتهم بالعقوبة  المقررة  في القانون (3).

أما إذا كانت  الشكوى  شفوية فإن ذلك  يدل على أن المجني عليه لا يرغب التدخل بالدعوى  الجزائية بصفة مدع بالحق المدني بعد تحريكها ضد المتهم، أو أنه يرغب في إعلان تدخله  ومطالبته بالتعويض بعد ذلك أمام المحكمة الجزائية مباشرة، أو يطالب بالتعويض أمام المحكمة المدنية (4).

وإذا كان الأصل العام أنه ليس لقاضي  التحقيق تحريك الدعوى  الجزائية  في بعض الجرائم ما لم تقدم شكوى كما رأينا، إلا أن  هذا الأمر ليس مطلقا تماما بل ترد عليه بعض الاستثناءات. فلو تساءلنا مثلا ما  هو موقف قاضي التحقيق من الجرائم المرتكبة قبل تقديم الشكوى، أي هل له أن يأمر بجميع  الاستدلالات؟. وإذا قدم المشتكي شكواه فالأمر لا لبس فيه إذا كانت  الجريمة المرتكبة من الجرائم البسيطة أعني غير المرتبطة بأية جريمة  أخرى، ولكن ما هو الحال لو كانت  الجريمة التي تستلزم الشكوى مرتبطة بأخرى والمجني عليه لا يريد تحريكها. وما هو موقف قاضي التحقيق أيضا عندما تكون الجريمة التي لا يجوز  له حق تحريكها  إلا بناء على  شكوى  متلبسا بها؟. هذا ما سنناقشه تباعا.

المبحث الأول
سلطة قاضي التحقيق في تجميع الاستدلالات في الجرائم التي لا تحرك إلا بناء على شكوى

أورد المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية نصا جاء فيه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(3)عبد الأمير المكيلي ـ أصول الإجراءات  الجنائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية ـ  الجزء الأول بغداد 1975 ص 72.
(4)سامي النصراوي ـ دراسة في أصول المحاكمات الجزائية الجزء الأول بغداد 1976 ص 92.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أ ـ لا يجوز تحريك الدعوى الجزائية إلا بناء على شكوى  من المجني عليه أو من يقوم مقامه قانونا  في الجرائم الآتية ... إلخ.
ورغم اختلاف الفقهاء  في تحديد وقت تحريك الدعوى الجزائية  إلا أن  أرجح الآراء من يرى  أن تحريك الدعوى الجزائية  يبدأ عند القيام بإجراءات التحقيق(5). وهنا يرد التساؤل الآتي. هل أن لقاضي التحقيق أن يأمر بجمع  الاستدلالات الجرائم التي يتوقف تحريكها على شكوى من المجني عليه؟

أثار هذا الموضوع جدلا في الفقه المصري وكان لهذا الجدل مبرراته، ذلك أن  قانون الإجراءات الجنائية المصري لم يكن دقيقا في صياغته فقد نصت المادة  الثالثة منه على أن ( لا يجوز أن ترفع  الدعوى  الجزائية إلا بناء على شكوى  شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي في الجرائم المنصوص عليها في المواد 185، 274، 277، 279، 293، 303، 306، 307 و308 من قانون العقوبات وكذلك في الأحوال التي ينص عليها القانون).

والمعروف في الفقه الجنائي أن رفع الدعوى الجزائية يعتبر مرحلة  ثانية من مراحل الدعوى الجزائية وهو يختلف عن تحريكها باعتبار التحريك المرحلة الأولى  التي تمر بها الدعوى الجزائية (6). وهنا تساءل الفقهاء فيما إذا كان بالإمكان تحريك الدعوى  الجزائية، أو بتعبير آخر فيما إذا كان بالإمكان لسلطات التحقيق القيام بإجراءات التحقيق السابقة على رفع الدعوى الجزائية وهي كالتوقيف والتفتيش وسماع الشهود والكشف وغير ذلك من الإجراءات  الأخرى؟

ولعل ما أثار الجدل هو اقتصار قانون الإجراءات الجنائية في المادة الثالثة من قانون العقوبات (وكذلك في الأحوال  التي ينص عليها القانون) الآنفة الذكر على خطر رفع الدعوى الجزائية فقط. بينما في المادة الثامنة والتاسعة المتعلقة بقيود رفع الدعوى الأخرى وهي الطلب والإذن نص على عدم جواز رفع الدعوى في الحالات الأخرى. أو اتخاذ إجراءات فيها إلا بعد الحصول على الطلب أو الإذن فقد نصت المادة التاسعة منه على أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(5)أنظر في تفصيل ذلك مؤلفنا قضاء والتحقيق في العراق دراسة مقارنة  ص 199 وما بعدها.
(6)أنظر في تفصيل مراحل الدعوى الجزائية مؤلفنا ـ المرجع السابق ص 199 وما بعدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(2 ـ في جميع الأحوال التي يشترط فيها القانون لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى  أو الحصول على إذن أو طلب من المجني عليه أو  غيره ولا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم  هذه الشكوى أو الحصول على هذا  الإذن أو الطلب).
وهنا تساءل الفقهاء فيما إذا  كان يفهم من ذلك أن المشرع المصري قد خص الشكوى بأحكام خاصة  مختلفة عن الإذن والطلب بحيث قصر أثرها، حين استلزم أن ترفع الدعوى فيها دون الإجراءات السابقة (7).

ذهب معظم الفقه المصري إلى القول بأنه لا يجوز القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق في الجرائم التي يجب تقديم شكوى فيها، وبنى  هؤلاء رأيهم على أن الاعتبارات التي حدت بالمشرع لاستلزام الشكوى في جرائم معينة لرفع الدعوى بأنها تقوم أيضا بالنسبة لأي إجراء من إجراءات التحقيق السابقة على مرحلة  رفع الدعوى الجزائية، لأن في إجراء التحقيق في الدعوى قبل رفعها دون شكوى من المجني عليه قد يحقق الأثر الضار الذي أراد المشرع تفاديه باستلزام شكوى من الطرف المتضرر، ومن هنا يتبين أن المشرع المصري يحظر أيضا اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق في الجرائم التي استلزم فيها الشكوى، رغم أنه  عبر عنه تعبيرات غير دقيقة في المادة التاسعة يعتبر حكما عاما لجميع الأحوال  التي سيكون فيها قيد على حرية النيابة في رفع الدعوى سواء أكان هذا القيد في صورة شكوى أو في صورة طلب أو إذن، ولا يمكن القول أن المشرع المصري أراد أن يخرج الشكوى من حكم هذه المادة. غير أنه يجوز اتخاذ كافة الإجراءات السابقة على تحريك الدعوى الجزائية دون تقديم الشكوى وهي إجراءات الاستدلال، ذلك أن جميع إجراءات الاستدلال التي يقوم به عضو الضبط القضائي هي ليست من إجراءات التحقق، وإنما تعتبر إجراءات ضبط المكلف بها جميع رجال الشرطة من أعضاء الضبط القضائي. ومع ذلك يجوز لعضو الضبط القضائي القيام بأي عمل من أعمال التحقيق التي تخول له استثناء، لأن

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(7) مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 121-122.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

جمع الاستدلالات لا يدخل في الدعوى ولا يعتبر تحريكا له (8).
وقد أخذ القضاء المصري  أيضا بهذا الرأي رغم عدم وضوح قصد المشرع كما رأينا (9). فقد قضت محكمة  النقض المصرية بأن (المقرر في القانون أن الإجراءات الاستدلال أيا كان من يباشرها لا تعتبر  من إجراءات الخصومة الجنائية بل هي من الإجراءات الأولية التي لا يرد عليها قيد الشارع في توقفها على الطلب أو الإذن، رجوعا إلى حكم الأصل في الإطلاق وتحريا للمقصود في خطاب الشارع وتحديدا لمعنى الدعوى الجنائية على الوجه الصحيح دون ما سبقها من الإجراءات المهددة لنشوئها إذ لا يملك تلك الدعوى غير  النيابة العامة وحدها).

أما الجانب الآخر عن الفقه فيرى عدم جواز اتخاذ أي إجراء كان حتى  جمع الاستدلالات (10).
وقد كان لاختلاف الرأي في الفقه المصري  الأثر الكبير على دقة وصياغة نص المادة الثالثة من قانون  أصول المحاكمات الجزائية العراقي حيث  تقول (آ ـ لا يجوز تحريك الدعوى الجزائية إلا بناء على شكوى من المجني عليه أو من يقوم مقامه قانونا في الجرائم الآتية...) ومعروف أن التحريك هو المرحلة الأولى من مراحل الدعوى الجزائية، ورغم أن هذا النص يوحي بجواز جميع الاستدلالات في مثل هذه  الجرائم إلا أن نص المادة الثامنة  من قانون أصول المحاكمات الجزائية حسم الأمر وذلك بقوله (إذا اشترط القانون لتحريك الدعوى الجزائية تقديم  شكوى،  فلا يتخذ أي إجراء ضد مرتكب الجريمة إلا بعد تقديم الشكوى) وهو أمر يؤكد حظر جمع الاستدلالات حتى ولو كانت ضرورية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(8)أحمد فتحي سرور ـ المرجع السابق ص 494، مأمون محمد سلامة المرجع السابق  ص 125، فوزية عبد الستار شرح قانون الإجراءات الجنائية 1977 ص 103،  محمود مصطفى ـ شرح قانون الإجراءات  الجنائية الطبعة الحادية عشرة 1976 ص 78.
(9)أشار إلى ذلك مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 126 هامش رقم 17.
(10)رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ص 65، عوض محمد عوض، ص 110 حيث افترض أن المادة  التاسعة نصت على منع اتخاذ أي إجراء في الدعوى قبل تقديم الشكوى على حين أن نص المادة المذكورة لم يرد فيه أي تعبير عن الشكوى صراحة، أشار إلى ذلك مأمون محمد سلامة المرجع السابق ص 122 هامش رقم (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الثاني
سلطة قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية في الجريمة المرتبطة بجريمة أخرى إحداهما تستلزم الشكوى

إذا كانت الجريمة المرتكبة من الجاني من الجرائم البسيطة، فلا يثير الموضوع أية صعوبة إذ ليس لقاضي التحقيق أن يحرك الدعوى الجزائية فيها بناء على شكوى  من المجني عليه كما قلنا سابقا. إلا أن الذي يحدث في الحياة العملية أن يرتكب الجاني أكثر من جريمة، يتطلب القانون الشكوى لتحريك الدعوى عن إحداها دون الأخرى. فمثلا قد يرتكب شخص جريمة الزنا مع امرأة متزوجة في منزل زوجها، وهنا نكون أمام فعلين إجراميين هما فعل الزنا، وفعل انتهاك حرمة مسكن بدون إذن، أو أن يرتكب الزوج جريمة الزنا في منزل الزوجية وعند مشاهدته من قبل زوجته يقوم بضربها بغية الفرار، أو أن يرتكب شخص جريمة الزنا بصورة علنية، وهنا يثور التساؤل عن مدى سلطة قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية عن الجرائم المرتبطة الأخرى التي تستلزم الشكوى؟
للإجابة على هذا  التساؤل ينبغي أن نفرق بين ثلاثة فروض من الارتباط (التعدد) (11) هي:
1 ـ التعدد الحقيقي:
ويقصد به أن يرتكب الجاني عدة جرائم قبل الحكم عليه نهائيا من أجل واحدة منها، وقد تكون الجرائم المكونة لهذا التعدد من نوع واحد وصنف واحد كان يرتكب الجاني عدة جرائم سرقة، أو عدة جرائم قتل وتسمى هذه الحالة بحالة تكرار الجرائم، وقد يكون صنف هذه الجرائم واحدا

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(11)يقصد بتعدد الجرائم حالة ارتكاب نفس الشخص جريمتين أو أكثر قبل الحكم عليه نهائيا من أجل واحدة منها، انظر في تفضيل ذلك السعيد مصطفى السعيد ـ العقوبة ص 155، على أحمد راشد تفريد العقاب ص 55، عبد العزيز محمد ـ شرح قانون العقوبات  العراقي القسم العام ص 344، محمود نجيب حسين ـ شرح قانون العقوبات اللبناني ص 615، الفونس ميخائيل حنا ـ تعدد الجرائم وأثره في العقوبات والإجراءات وأثره في العقوبات والإجراءات رسالة دكتوراه القاهرة 1963 على حسين الخلف ـ نظرية تعدد الجرائم في القانون الجنائي والمقارنة دراسة مع التعمق ـ محاضرات مطبوعة على آلة الرونيو ألقيت على طلبة الدراسات العليا ـ كلية القانون ـ جامعة  بغداد عام 1974.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

إلا أنها تختلف من حيث النوع، كحالة ارتكاب الشخص جريمة  سرقة وجريمة احتيال، وكثيرا ما تكون  هذه الجرائم مستقلة بعضها عن بعض، كأن يرتكب الجاني جريمة سرقة  ثم جريمة خيانة أمانة، دون أن تكون بينهما أية رابطة وقد نص على هذا النوع من التعدد قانون العقوبات في المادة 143 حيث تقول (أ ـ إذا ارتكب شخص عدة جرائم ليست مرتبطة ببعضها  ولا تجمع بينها وحدة الغرض قبل الحكم عليه من أجل واحدة منها، حكم عليه بالعقوبة المقررة لكل منها وتنفذ جميع العقوبات عليه بالتعاقب ... إلخ).
وفي مجال بحثنا قد يرتكب الجاني جريمتين في آن واحد كأن يسب المجني عليه ويضربه، ولا جدال في أن هذا التعدد يعتبر تعددا حقيقيا، أي كل جريمة مستقلة عن الأخرى. ولهذا فإن قاضي التحقيق يكون حرا في تحريك الدعوى الجزائية  في الجريمة التي لا تتطلب شكوى (كالضرب في المثال السابق) دون انتظار تقديم شكوى في الجريمة الأخرى (السب) (12)

2 ـ التعدد الصوري:

ويقصد به  أن يرتكب الجاني فعلا واحدا ويؤدي إلى نتائج جنائية متعددة، أو أوصاف قانونية مختلفة  أو متكررة، وذلك بأن  ينتهك الفاعل  بفعله الواحد عدة نصوص قانونية أو نص واحد مرات متعددة، ومثال التعدد الصوري أن يطلق شخص رصاصة عمدا يقصد القتل فيقضي على حياة شخص ويجرح آخر أو أن يرمي شخص قنبلة  فيؤدي إلى القضاء على حياة أشخاص وجرح آخرين, أو أن يعتدي شخص على عفاف امرأة في الطريق العام. وقد نص على هذا النوع من التعدد في المادة 141 من قانون العقوبات حيث تقول (إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي  عقوبتها أشد، والحكم  بالعقوبة بالمقررة لها وإذا كانت  العقوبات متماثلة حكم بإحداها).

ولا يثير الأمر صعوبة إذا كانت  الجرائم المرتكبة بنتيجة فعل واحد لا يتطلب تحريكها  شكوى من المجني عليه، إلا أن الأمر يكون صعبا ودقيقا إذا كان الفعل الواحد  قد أدى إلى ارتكاب جريمتين إحداها لا يجوز  تحريك

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(12)فوزية عبد الستار ـ المرجع السابق ص 91، مامون محمد سلامة المرجع السابق ص 129، أحمد فتحي سرور ـ المرجع السابق ص 91 محمود مصطفى ـ المرجع السابق ص 79، رؤوف عبيد المرجع السابق ص 68.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعوى الجزائية فيها إلا بناء  على شكوى من المجني عليه كمن يزني بامرأة في الطريق العام، ففي هذه  الحالة أدى الفعل إلى ارتكاب جريمتين أولهما جريمة الزنا المنصوص عليها في  المادة 377 من قانون العقوبات، أيضا. فهل يجوز لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عن جريمة الفعل الفاضح العلني، مادام أن جريمة الزنا لا يجوز  له حق تحريك الدعوى الجزائية فيها إلا بناء على  شكوى؟

القاعدة في مثل هذا النوع من التعدد هي أن العبرة بالوصف الأشد طالما أن الجريمتين قائمتان حسبما نصت على ذلك المادة 141 من قانون العقوبات كما رأينا. وفي المثال السابق يجب على قاضي التحقيق قبل تحريك الدعوى الجزائية أن يتبين أي الجريمتين أشد عقوبة فإن كانت جريمة الزنا فليس له حق تحريكها مادامت تمتاز بالوصف الأشد. ذلك لأن تحريكها يتطلب شكوى من المجني عليه كما قلنا سابقا (13). أما إذا كانت الجريمة التي تمتاز بالوصف الأشد لا تتطلب شكوى  من المجني عليه فلقاضي التحقيق الحرية الكاملة في تحريك الدعوى الجزائية، مثال ذلك مواقعة الزوج لامرأة كرها في منزل الزوجية، ففي هذه  الحالة حقق سلوك الزوج الزاني جريمتين هما الزنا ومواقعة أنثى بدون رضاها، ولما كانت جريمة  المواقعة بدون الرضا أشد عقوبة من جريمة الزنا فيجوز لقاضي التحقيق تحريكها (14).

3 ـ التعدد الذي لا يقبل التجزئة:

ويقصد به أن يرتكب الشخص جرائم متعددة ولكنها  ترتبط بعضها ببعض برابطة قوية، تجعل منها جميعا وحدة أو كلا غير قابل للتجزئة، كأن يرتكب شخص جريمة ثم يعمل على الانتفاع منها أو إخفاء معالمها، فيتطلب منه ذلك ارتكاب جرائم أخرى، كل منها يعاقب عليها القانون بعقوبة خاصة إذا ما ارتكبت على انفراد (15). كمن يصاب ابنه بمرض التيفوس وبعد موته

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(13)تعاقب المادة 377 الشخص الزاني بالحبس، وتعاقب المادة 401 من يرتكب الفعل الفاضح للحياء بالجنس مدة لا تزيد على ستة أشهر.
(14)مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 130، رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ص 67، فوزية عبد الستار ـ المرجع السابق ص 91 أحمد فتحي سرور ـ المرجع السابق ص 493-493.
(15)علي حسين الخلف ـ المرجع السابق ص 108.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

يدفنه سرا، ففي هذه الحالة يعتبر الشخص مرتكبا لجريمتين الأولى عدم التبليغ عن إصابة ابنه بمرض معد، والثانية عدم التبليغ عن الوفاة ودفنه بدون إذن السلطات المختصة.

والمثل التقليدي الذي يضرب لمثل هذا النوع من التعدد حالة أن يختلس موظف مالا ثم يزور الدفاتر الرسمية لإخفاء هذا الاختلاس، ثم يقوم بإعدام هذه الدفاتر ليحول دون مراجعة حساباته، وعند القبض عليه وترحيله  في إحدى قطارات سكة الحديد يشعل النار في العربة التي يركبها، ففي هذه الحالة ارتكب أربع جرائم الأولى  اختلاس أموال الدولة، والثانية تزوير  في الأوراق الرسمية، الثالثة إتلاف الأوراق الرسمية الرابعة الحريق العمد، وفي مثل هذه الجرائم تكون  كل جريمة  جزء مكملا للجريمة الأخرى التي بدورها  تكون الجزء الآخر من الجزئين أو الأجزاء هذه يتكون الحسم الجنائي الذي بناه الجاني لتحقيق الغرض الذي  كان يصبو إليه (16).

وقد نصت على ذلك المادة 142 من قانون العقوبات حيث تقول (أ ـ إذا وقعت عدة جرائم ناتجة عن أفعال متعددة ولكنها مرتبطة ببعضها ارتباطا لا يقبل التجزئة، ويجمع بينها وحدة الغرض وجب الحكم بالعقوبة المقررة لكل جريمة والأمر بتنفيذ العقوبة الأشد دون سواها  ولا يمنع ذلك من تنفيذ العقوبات التبعية والتكميلية والتدابير الاحترازية المقررة بحكم القانون أو المحكوم بها بالنسبة للجرائم الأخرى). ولا يثير الأمر أية صعوبة بالنسبة لقاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية إذا كانت تلك الجرائم المرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة لا تستلزم الشكوى لكون الحكم واضحا في المادة 142 من قانون العقوبات كما رأينا. ولكن ما الحل لو كانت بين تلك الجرائم جريمة لا يجوز  تحريك الدعوى الجزائية فيها إلا بناء على شكوى من المجني عليه؟

كمن يدخل منزلا بقصد ارتكاب جريمة فيه، أو حالة ارتكاب جريمة الزنا والاعتياد على ممارسة الدعارة، أو كمن يزور عقد زواج لإخفاء جريمة الزنا؟

ذهب رأي إلى القول بأن مناط حرية قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية يتوقف على الجريمة ذات الوصف الأشد، كما في حالة التعدد المعنوي، بمعنى أنه إذا كانت الجريمة الأشد  هي التي يتوقف فيها تحريك

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(16)علي حسين  الخلف ـ المرجع السابق ص 109.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الدعوى الجزائية  على شكوى من المجني عليه، فلا يجوز اتخاذ أي إجراء  من إجراءات التحقيق قبل التقدم بالشكوى، أما إذا كانت الجريمة الأشد هي التي يتوقف فيها تحريك الدعوى الجزائية على شكوى من المجني عليه، فلا يجوز اتخاذ أي إجراء من إجراءات  التحقيق قبل التقدم بالشكوى، أما إذا كانت الجريمة الأشد لا يستلزم لتحريك الدعوى الجزائية فيها شكوى  فيكون لقاضي التحقيق الحرية الكاملة في تحريك الدعوى الجزائية كحالة التزوير في عقد الزواج بقصد إخفاء جريمة الزنا. ففي هذه الحالة  يجوز لقاضي التحقيق تحريك  الدعوى  الجزائية عن جريمة  التزوير دون التقيد بشكوى من المجني عليه (17).

ولكن إذا لم تقع إحدى الجريمتين أو سقطت أو امتنع الدعوى عنها فلا يبقى سوى جريمة  واحدة يجوز لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عنها، متى كان القانون لا يقيدها بشكوى أو طلب أو إذن وسواء كانت هذه الجريمة  هي الأشد أو الأخف.

أما الرأي الثاني فيرى أنصاره ـ أن القول بأنه في حالة الجرائم المرتبطة  ارتباطا لا يقبل التجزئة يتوقف تحريك الدعوى الجزائية فيها على الجريمة ذات الوصف الأشد، فإن كانت الجريمة ذات الوصف الأشد لا يجوز تحريكها إلا بناء على شكوى امتنع على قاضي التحقيق تحريكها وبعكسه يجوز له تحريكها لا يمكن التسليم به لسببين أولهما  (أن حكم المشرع هنا يختلف عن حكمه بالنسبة للتعدد المعنوي ـ ففي حالة التعدد المعنوي لا يكون هناك إلا فعل واحد له أكثر من وصف يتقيد به المشرع بالوصف الأشد، أما في حالة التعدد الحقيقي فهناك جريمتان بينهما ارتباط وثيق وهذا الارتباط لا ينفي أن لكل منهما أركانها وذاتيتها والغرض في الاعتداد بالجريمة الأشد والحكم بعقوبتها أن تكون الجريمتان معروضتين على القضاء "ليقضي بعقوبة الجريمتين لانقضاء الحق في الشكوى أو تعذر رفعها لأن الشكوى عنها لم تقدم بعد فإن للجهة المختصة بتحريك الدعوى الجزائية  أن ترفع الدعوى عن الجريمة  الأخرى التي لا تتقيد  بالشكوى سواء أكانت الجريمة ذات العقوبة الأشد أم الأخف".

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(17)من أنصار هذا الرأي ـ مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 121 محمود مصطفى ـ المرجع السابق ص 80، أحمد فتحي سرور المرجع السابق ص ظد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

والسبب الثاني أن الأخذ بهذه الوجهة من النظر يؤدي إلى إسباغ نوع من الحماية على الجاني حيث نجد هذا الرأي قيد الشكوى المقررة بالنسبة يشمل الجريمة الأخف بغير سند من القانون، فضلا عن منافاة هذا الوضع للعدالة حيث يصبح من يرتكب الجريمتين أوفر حظا ممن يرتكب إحداهما فحسب لمجرد أن المشرع يشترط لرفع الدعوى  عن أشدهما تقديم الشكوى ولم تقدم (18).

وفي رأي أصحاب هذا الرأي أنه يجوز لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عن الجريمة التي لا يستلزم المشرع فيها شكوى المجني عليه أيا كانت عقوبتها، وقد تبنت محكمة  النقض المصرية هذا الرأي في العديد من أحكامها، فقد قضت  (أن قيد تحريك الدعوى الجنائية أمر استثنائي ينبغي عدم التوسع في تفسيره وقصره على أضيق نطاق سواء بالنسبة للجريمة التي خصها  القانون بضرورة تقديم الشكوى فيها. أو بالنسبة إلى شخص المتهم، دون الجرائم الأخرى المرتبطة بها، والتي لا تلزم فيها الشكوى، ولما كانت جريمة الاشتراك في تزوير عقد الزواج التي أدين المتهم بها مستقلة في ركنها المادي عن جريمة الزنا التي اتهم بها، فلا ضير على النيابة  العامة إن هي باشرت حقها القانوني في الاتهام وقامت بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها تحقيقا لرسالتها، ولا محل لقياس هذه الحالة بما سبق أن جرى عليه (19).

أما في القانون العراقي فلم نجد نصا  يعالج هذه الحالة الأمر الذي يجعلنا نميل إلى الرأي الذي يرى بأنه بوجه عام يسترد قاضي التحقيق كامل حريته عن الوصف الذي لا تقييد لحريته فيه، فيسير في إجراءات التحقيق ويحرك الدعوى الجزائية طبقا لما يراه  محققا لرسالته حتى ولو كانت  نفس الواقعة تحتل وصفا آخر يلزم لتحريك الدعوى الجزائية عنها شكوى من المجني عليه. وإذا كان ما ذكرناه سابقا يكاد يكون قاعدة عامة استقر الفقه والقضاء على الأخذ بها، إلا أن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة لجريمة الزنا، ذلك لأنها  تتعلق بالشرف والسمعة، وأن تحريك الدعوى الجزائية في جريمة مرتبطة بها ارتباطا لا يقبل التجزئة يتطلب بالضرورة تناولها، الأمر الذي قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(18)فوزية عبد الستار ـ المرجع السابق ص 92-93.
(19)أشار إلى هذا القرار محمود مصطفى ـ المرجع السابق ص 80 فوزية عبد الستار ـ  المرجع السابق ص 93 هامش رقم (2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ 

يتعارض مع نية المشرع، في الحالات التي يبغي المجني عليه السكوت عنها، وعدم تقديم الشكوى فيها، درء لما قد يمسه في سمعته، ولذا فإنه لا يجوز لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عن الجريمة الأخرى إلا إذا قدمت شكوى من المجني عليه في الجريمة  الزنا، شريطة أن تكون بعض أركان الجريمة التي لا يشترط فيها الشكوى لا تقوم إلا بتوافر أركان جريمة الزنا، وهي صورة التعدد المعنوي، كجريمة الزنا في الطريق العام، فلا تقوم جريمة الفعل الفاضح العلني إلا بتناول فعل الزنا، أما إذا كان الأمر على العكس، أي لا تتوافر الرابطة المذكورة فلا محل لشل يد قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية، في الجريمة الأخرى كمن يرتكب جريمة القتل بقصد الفرار من عقوبة جريمة الزنا، إذ بالإمكان إثبات أركان جريمة القتل دونما الحاجة للبحث في قيام جريمة الزنا (20)، فقد قضت محكمة النقض المصرية "سواء أكانت نية المتهم الإجرامية من دخول منزل غيره قد تعينت بما ظهر من رغبته في ارتكاب الزنا،  أم كانت لم تتعين فالعقاب واجب في الحالتين (21)".


المبحث الثالث
سلطة قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم المشهودة التي يستلزم تحريكها شكوى من المجني عليه

الجريمة المشهودة، عبارة عن تقارب زمني بين وقوع الجريمة وكشفها، والصورة المثلى للجرمية المشهودة،  هي الجريمة التي تكشف حال ارتكابها،  ولذلك تسمى بالتلبس على هذه الحالة، وإنما أضاف إليها أحوالا أخرى تتميز بأم كشف الجريمة لم يقع أثناء ارتكابها وإنما بعد ارتكابها بزمن يسير. وتسمى بحالة التلبس الاعتباري (22).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) حسن صادق المرصفاوي ـ المرجع السابق ص 83.
(21)قرارها في 17/2/1934 مجموعة القواعد القانونية الجزء الثالث ص 404.
المشهودة انظر بحثنا ـ الجريمة المشهودة مجلة قوى الأمن الداخلي ـ العدد  42 لسنة  1980.
(22)توفيق الشاوي ـ فقه الإجراءات الجنائية الطبعة الثالثة 1954 ص 388.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

والتلبس حالة تلازم الجريمة نفسها لا شخص مرتكبها (23). وقد أجاز المشرع لعضو الضبط القضائي القيام بإجراءات التحقيق استثناء في الجرائم المشهودة، والاعتبارات التي دعت المشرع إلى توسيع سلطة عضو الضبط القضائي ترجع إلى أمرين أولهما الاستعجال، لأن كشف حالة التلبس يصحب غالبا بظهور بعض الأدلة، ومعرفة المتهم ويخشى إذا لم يتمكن عضو الضبط القضائي من المحافظة على هذه الأدلة، ألا يستطاع فيما بعد العثور على المتهم ولا على الأدلة. وثانيهما مكنة احتمال الخطأ والتعسف، لأن ظهور الأدلة والمتهم في حالة  التلبس يستبعد معه اتهام عضو الضبط القضائي بإجراءات تعسفية، أو مبالغته في اتخاذ إجراءات لا مبرر لها وهذان الاعتباران يفترض القانون توفرهما في جميع حالات الجرائم المشهودة التي حددها القانون، فلعضو الضبط القضائي كلما توفرت حالة من تلك الأحوال اتخاذ إجراءات التحقيق في الحدود التي رسمها له المشرع (24).

وإذا كانت هذه الصلاحيات منحت استثناء لعضو الضبط القضائي للمبررات التي أشرنا إليها. فهي أصلا من اختصاص قاضي التحقيق. ولا تثير أية صعوبة عندما تكون الجريمة المشهودة لا تستلزم الشكوى لغرض تحريكها، إلا أن الأمر يختلف تماما عندما تكون الجريمة المشهودة مما يتطلب تحريكها شكوى من المجني عليه، فهل لقاضي التحقيق تحريكها أو على الأقل القيام ببعض الإجراءات كالمحافظة على معالم الجريمة أو القبض على المتهم أو تفتشيه؟ أم أن الخطر في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم التي تستلزم شكوى من المجني عليه  جاء عاما؟ ومن تم ليس لقاضي التحقيق اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق ولو لم يكن فيها تقييد لحرية  المتهم؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(23)كان قانون تحقيق الجنايات المصري يستعمل عبارة (تلبس الجاني) محمد مصطفى القللي ـ أصول قانون تحقيق الجنايات الطبعة الأولى 1935 ص 176 وقد عدل القانون عن هذا التعبير واستعمال بدله عبارة (الجريمة المتلبس بها) لاستبعاد الشبهة التي كان  يثيرها النص القديم ولتأكيد فكرة أن التلبس حالة عينية لا حالة شخصية، وقد كان مشروع القانون الذي وضعته الحكومة يستعمل عبارة (الجريمة المشهودة) وهي أدق في أداء المعنى والوضوح ولكن عدل عنها لعد سبق استعمالها ـ أحمد محمد إبراهيم ـ قانون الإجراءات معلقا عليه 1965 ص 50، وللمزيد من التفاصيل حول الجريمة.
(24)مؤلفنا أحكام التفتيش وآثاره في القانون العراقي ـ الطبعة الأولى مطبعة الأديب البغدادية 1980 ص 333-234.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أثار هذا الموضوع خلافا في الفقه المصري في ظل قانون تحقيق الجنايات الملغى (25)، مما دعا المشرع المصري في قانون  الإجراءات الجنائية الحالي إلى أن يلتفت إلى هذه الناحية، ويعالجها في المادة 39 منه والتي تنص على أن (فيما عدا الأحوال المنصوص عليها  في المادة 9 فقرة ثانية من هذا  القانون، فإنه إذا كانت  الجريمة المتلبس بها مما يتوقف رفع الدعوى فيها على شكوى فلا يجوز القبض على المتهم إلا إذا صرح بالشكوى من يملك تقديمها، ويجوز في هذه الحالة أن تكون الشكوى لمن يكون حاضرا من رجال السلطة العامة). إلا أن هذه المعالجة كونت  مذهبين، المذهب الأول، ويرى أصحابه أن مقتضى هذا النص أنه في الأحوال التي تلزم فيها الشكوى من المجني عليه، فإن حالة  التلبس تبيح لسلطة التحقيق اتخاذ الإجراءات المختلفة التي قد تراها عدا القبض على المتهم، ومعنى ذلك أن لسلطة التحقيق أن تأمر بجمع الاستدلالات وأن تسمع أقوال الشهود وتجري الكشف قبل تقديم الشكوى ولأعضاء الضبط القضائي مباشرة سلطاتهم الخاصة  بحالة التلبس، ولكن يجب عدم القبض على المتهم. وتقاس على القبض الإجراءات الأخرى الماسة بشخص المتهم (26).

أما المذهب الثاني فيرى أنصاره بأنه  يستفاد من المفهوم المخالف لنص المادة 39 من قانون الإجراءات الجنائية  أن المحظور فقط هو القبض حتى تقديم  الشكوى، أما عدا القبض من إجراءات التحقيق فيجوز  لعضو الضبط القضائي اتخاذها حتى قبل  تقديم الشكوى (27).

وفي العراق لم يثر هذا الموضوع  الهام اهتمام الفقهاء العراقيين إذ لم تجد أحدا من هؤلاء قد بحثه والسبب في ذلك حسب اعتقادنا هو أن المشرع العراقي قد حسمه تماما، ذلك أن المادة الثامنة من قانون  أصول المحاكمات الجزائية نصت على أن (إذا اشترط القانون لتحريك الدعوى  الجزائية تقديم  الشكوى  فلا يتخذ أي إجراء ضد مرتكب الجريمة إلا بعد تقديم الشكوى).
والواقع أن لفظه "إجراء" جاءت مطلقة فهي تشمل إجراءات  الاستدلال

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(25)رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ص 69.
(26)رؤوف عبيد ـ المرجع السابق ص 69-70.
(27)مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 127، عوض المرجع السابق ص 110.
 عبيد ـ المرجع السابق ص 69-70.
(27)مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 127، عوض المرجع السابق ص 110.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

وإجراءات التحقيق ومعنى ذلك أنه حتى في الجرائم المتلبس بها رغم أهمية جمع الأدلة فيها، ليس لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية فيها إذا كانت تستلزم شكوى من المجني عليه. إلا أن الذي تجب الإشارة إليه أن هذه القاعدة ليست مطلقة بل نجد أن المشرع العراقي خرج عنها في حالات معينة حيث أجاز تحريك الدعوى الجزائية من قبل القاضي في بعض المخالفات والجنح ولو توقف تحريكها على شكوى من المجني عليه خاصة في الجرائم المرتكبة في قاعة المحاكمة أثناء نظر الدعوى حسبما نصت على ذلك المادة 159 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث تقول (إنه إذا ارتكب شخص في قاعة المحاكمة أثناء نظر الدعوى جنحة أو مخالفة جاز للمحكمة أن تقيم الدعوى عليه في الحال، ولو توقفت إقامتها على شكوى وتحكم فيها بعد سماع أقوال ممثل الادعاء العام إن كان موجودا ودفاع الشخص المذكور أو تحيله مخفورا على قاضي التحقيق بعد تنظيم محضر بذلك) والسبب الذي دفع المشرع للخروج على القاعدة هو الحفاظ على هيبة المحكمة وكرامة القضاء من الاعتداء.


المبحث الرابع
سلطة قاضي التحقيق في تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم التي تظهر أثناء التحقيق ولم يرد ذكرها بالشكوى ويستلزم القانون
في تحريكها شكوى من المجني عليه

أثناء قيام قاضي التحقيق باتخاذ إجراءات التحقيق في جريمة وقعت وبناء على شكوى مقدمة من المجني عليه يكشف التحقيق عن وقائع جديدة تشكل جريمة أيضا، إلا أن تحريك الدعوى الجزائية فيها يستلزم شكوى من المجني عليه أيضا، فهل لقاضي التحقيق في مثل هذه الحالة حرية التصرف في تحريك الدعوى الجزائية عن هذه الجريمة الجديدة  التي ظهرت مباشرة، أم أن الأمر يتوقف على تقديم شكوى من المجني عليه؟ أن حل هذه المسألة يختلف باختلاف طبيعة تلك الجرائم، فإذا كانت غبر مرتبطة بأي أنواع الارتباط التي أشرنا إليها سابقا فإنه ليس لقاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عن الجريمة التي تكشف عنها  التحقيق ما لم  يتقدم المجني عليه بشكوى، وهذا الأمر مستفاد من نص المادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يقول (إذا  اشترط القانون لتحريك الدعوى الجزائية تقديم شكوى فلا يتخذ أي إجراء ضد مرتكب الجريمة إلا بعد تقديم الشكوى).

أما إذا كانت تلك الجرائم مرتبطة ارتباطا صوريا (التعدد الصوري) ويحصل ذلك عندما يحقق السلوك الإجرامي جريمتين يلزم بالنسبة لكل منهما شكوى، وقدمت الشكوى عن إحداهما دون الأخرى فهل لقاضي التحقيق سلطة تحريك الدعوى الجزائية عن الجريمة التي لم تقدم بشأنها شكوى عندما تكون ذات الوصف الأشد؟

يتوقف الأمر  على عدد المجني عليهم في هذا النوع من التعدد، فإذا  كان المجني عليه شخصا واحدا وقدمت الشكوى عن الجريمة الأشد فهي تعتبر منصرفة أيضا إلى الجريمة الأخرى، ذلك أن التعدد الصوري يقوم على وحدة الجريمة وهي ذات العقوبة الأشد كما رأينا، ذلك أن تقديم الشكوى عن هذه الجريمة يفترض انسحابه ضمنا على الجريمة ذات العقوبة الأخف، ما لم يصرح الشاكي بغير ذلك في شكواه (28).

وقد أخذت محكمة النقض المصرية بهذا الرأي فقد قضت (أن الطلب ـ هو كالشكوى في هذا الخصوص،  لا  يشترط فيه أن يكون مقصورا على الوقائع  المحددة التي كانت معلومة وقت صدوره دونما يكشف عنها التحقيق عرضا، بل أنه يشمل الواقعة بجميع أوصافها وكيوفها القانونية الممكنة ـ كما ينبسط على ما يرتبط بها إجرائيا من وقائع لم تكن معلومة وقت صدوره متى تكشفت عرضا أثناء التحقيق وذلك بقوة  الأثر العيني للطلب ـ أو الشكوى ـ وقوة الأثر القانوني للارتباط (29). وإذا قدمت الشكوى عن الجريمة ذات الوصف الأخف فليس لقاضي التحقيق أن يحرك الدعوى الجزائية عن الجريمة ذات الوصف الأشد، لأن على  قاضي التحقيق أن يتقيد بالواقعة التي حددها الشاكي بشكواه (30).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(28)أحمد فتحي سرور ـ المرجع السابق ص 496، مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 150-151.
(29)قرارها في 7 مارس 1967 ـ مجموعة أحكام محكمة  النقض السنة 18 ص 334.
(30)مأمون محمد سلامة ـ المرجع السابق ص 151.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أما إذا كان المجني عليه في الجريمتين شخصان مختلفان، ومثال ذلك أن يرتكب الشخص المتزوج جريمة الزنا مع امرأة متزوجة ففي هذه الحالة يعتبر الزوج  الذي زنت زوجته مجنيا عليه وتعتبر الزوجة التي زنا زوجها مجنيا عليها، وإذا قدمت الشكوى من المجني عليهما وهما الزوج بالنسبة لزوجته والزوجة بالنسبة لزوجها، فيجب على قاضي التحقيق تحريك الدعوى الجزائية عن الجريمة ذات الوصف الأشد وهي جريمة الاشتراك في الزنا، أما إذا لم يتقدم الزوج المجني عليه بشكواه فلا يجوز تحريك الدعوى الجزائية إلا بصدد جريمة زنا الزوج دون جريمة  الاشتراك في جريمة زنا الزوجة (31).


نقلا عن مجلة القضاء التي  تصدرها نقابة المحامين في الجمهورية العراقية  العدد الرابع السنة الثانية والأربعون صفحة 69.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(31)يذهب جانب من الفقه إلى القول، بأنه يجب علنيا أن نفرق ما إذا كانت الشكوى قد قدمت عن الجريمة الأشد، فيجوز إجراء التحقيق بالنسبة للجريمة الأخف، لأن الشكوى تنصرف للاثنين معا، الأشد صراحة وهي تشمل الأخف، أما إذا قدمت شكوى بالنسبة للجريمة الأخف، فلا يجوز تحريك الدعوى الجزائية بالنسبة للجريمة الأشد، ذلك أن سلطة التحقيق مقيدة بمضمون شكوى الشاكي. مأمون محمد سلامة ـ  المرجع السابق 151 وهذا الرأي محل نظر لأن حكم المشرع هنا يختلف عن حكمه بالنسبة للتعدد المعنوي، ففي حالة التعدد المعنوي لا يكون هنالك إلا فعل واحد له أكثر من وصف فيعتمد المشرع بالوصف الأشد أما في حالة التعدد الذي لا يقبل التجزئة فهناك جريمتان بينهما ارتباط وثيق وهذا الارتباط لا ينفي أن لكل منهما أركانهما وذاتيتهما فوزية عبد الستار ـ المرجع السابق ص 92.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة المحامي عدد 12 صفحة 9