9.24.2017

المشروعية في البحث عن الأدلة الجنائية الدكتور الحبيب بيهي

المشروعية في البحث عن الأدلة الجنائية الدكتور الحبيب بيهي














المشروعية في البحث عن الأدلة الجنائية
الدكتور الحبيب بيهي




الدكتور الحبيب بيهي
أستاذ بكلية الحقوق بالدار البيضاء

أهمية الموضوع:
يعتبر البحث عن أدلة الإثبات، من بين المشاكل الرئيسية في قانون المسطرة الجنائية، ولا أدل على ذلك من أنه:" لا إدانة ولا عقوبة بدون إثبات"
هذا الإثبات يتميز في الميدان الجنائي بخاصتين أساسيتين: الأولى سيادة قرينة البراءة،  والثانية  العمل  مبدأ حرية الإثبات.

ويترتب  على  قرينة  البراءة،  أن  عبء  الإثبات  يقع  على  كاهل  سلطة  الاتهام  باعتبارها  الطرف  المدعي.
على أن عبء الإثبات، يتسم في الميدان  الجنائي  بصعوبة  خاصة، على  اعتبار  أن  الشك  يفسر  لفائدة  المتهم.
وبالنظر لهذا الاعتبار، يخشى من ميل سلطات التحري، نحو البحث عن الفاعلية، في مواجهة صعوبة الإثبات هذه.
هذه الفاعلية، قد تتحقق بالتجاء السلطات  المكلفة  بالبحث  عن  الأدلة، إلى كل الوسائل التي يضعها المجتمع رهن إشارتها.

على أنه يخشى أن تتعدى هذه السلطات، إطار المشروعية، وتلجأ إلى طرق غير  مشروعة، معتمدة على ما لها من حرية في التحري، علما بأن المشرع لم يحد لها أسلوبا أو نهجا محددا.

(*) نص العرض الشفوي الذي ألقي باليوم الدراسي المنظم من طرف شعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بالرباط، حول موضوع: "قانون المسطرة الجنائية بعد 30 سنة، بين النظرية والتطبيق".
(**) أستاذ محاضر بكلية الحقوق بالدار البيضاء

أما حرية الإثبات، فهي مترتبة عن طبيعة محل الإثبات ذاته، باعتباره ينص في الغالب، على وقائع مادية ونفسية، وما الإثبات سوى إعادة الخلق للصورة التي حصلت بها الوقائع، أي إنتاج تلك الوقائع من جديد، وإدراكها بطريق غير مباشر، عن طريق الدليل الذي يقطع بوقوعها.
والعلامة القائمة بين قرينة البراءة، باعتبارها تحمي حقوق المتهم، وبين حرية الإثبات باعتبارها تؤمن حق الدولة في العقاب، فتبدو من حيث أن كلا المبدأين يحد من إطلاق وغلواء الآخر. وبيان ذلك، أنه بقدر ما يصعب إقامة الدليل على ارتكاب الجريمة، بقدر ما يتعين تسهيل سبل التحري والبحث عن الدليل.

طرح المشكلة:
إن الصعوبة تكمن في إيجاد التوازن، بين حقوق المجتمع التي يتحمل عبء الإثبات، وبين حقوق المتهم الذي يتمتع بقرينة البراءة.
ولإقرار هذا التوازن، تبرز فكرة المشروعية في البحث عن الأدلة. وما من شك أن الالتزام بهذه المشروعية، من شأنه أن يؤمن المتهم في مواجهة كل تعسف محتمل، يرتكب باسم المجتمع أو لمصلحته.
على إن إقرار هذه المشروعية، يفترض احترام أسلوب معين في البحث والتحري، تصان فيه حقوق الفرد، ويؤمن فيه في ذات الوقت، حق المجتمع.
وبالرغم من أن أسلوب البحث عن الأدلة، قد تطور عبر العصور، واتجه نحو الاعتراف بإنسانية الإنسان، إلا أنه مع ذلك أبعد من أن يكون في مأمن من العسف والجور.
ويرجع السبب في ذلك، إلى القصور التشريعي، أي عدم كفاية النصوص من جهة، ولضعف الاجتهاد القضائي من جهة أخرى.

غير أن هذا القصور وذاك الضعف، لا يمنع من القول بأن ثمة معاهدات، ومواثيق دولية، ونصوص دستورية، ومقتضيات قانونية موزعة بين القانون الجنائي، وقانون المسطرة الجنائية، تضع عدى مبادئ في مجال احترام المشروعية في البحث عن الأدلة، غير أن هذه النصوص ينقصها التعرض للجزاء المقرر صراحة، لخرق المشروعية في البحث عن الأدلة.
إن تصور النصوص المنظمة للبحث عن الأدلة، هو نتيجة من نتائج مبدأ حرية الإثبات. فالمشرع لا يريد أن يعرقل مهام القائم بالبحث والتحري، حتى لا يعطل نشاطه، ويشل حركته  في صراعه مع الجريمة. ومن ثم فإن المشرع يفضل أن يسدل ستارا من الحياء، على بعض تصرفات المكلفين بجمع الأدلة، ولا أدل على ذلك من موقفه السلبي بشأن تسهيل إثبات الخروقات والتعسفات المحتملة من قبلهم.
على أن هذا الموقف السلبي، يفتح الباب على مصراعيه لكثير من الخروقات، المرتكبة باسم المجتمع، من لدن القائمين على جمع الأدلة، ولاسيما في مرحلة ما قبل المحاكمة.
وما من شك، بأن وضع تنظيم واضح دقيق في هذا المجال، من شأنه أن يحدد مهمة المكلف بجمع الأدلة، ويضفي المصداقية على تحرياته، ويؤمن في ذات الوقت، حقوق المتهم.

مفهوم المشروعية في البحث عن الأدلة
على انه لا يكفي وضع تنظيم محكم ودقيق في مجال البحث عن الدليل الجنائي، إذا لم يصحبه الاهتمام بالعنصر البشري، المكلف بتطبيق هذا التنظيم.
ومن ثم فإن مفهوم المشروعية، في البحث عن الأدلة الجنائية يجب أن يتسع، ليشمل مطابقة العمل للقانون من جهة، ومطابقته للضمير والاستقامة والنزاهة، من لدن المكلف بجمع الأدلة.
وعليه فالمشروعية في البحث عن الأدلة، تعني مطابقة العمل للقانون، ومطابقته أيضا للضمير الأخلاقي.
لذلك فالمشروعية تنطوي على عنصر قانوني، وعنصر أخلاقي.

وبين قصور التنظيم القانوني، وضعف الاجتهاد القضائي ونسبية الوازع الأخلاقي، نجد بأن حقوق المتهم تتهددها مخاطر شتى، خلال مرحلة البحث عن الأدلة.
ويمكن أن تتخذ هذه المخاطر، إما شكل جرائم ترتكب من طرف القائمين على التحري، بهدف الحصول على أدلة الإثبات، وذلك تغنيا بفكرة الغاية تبرر الوسيلة.
ويمكن أيضا أن تتخذ هذه المخاطر شكل خرق صريح للإجراءات أو الضمانات القانونية.
ونعالج في محورين اثنين، وجهي هذا الخرق، وذلك على النحو التالي:
- المحور الأول: الدليل الناتج عن الجريمة
- المحور الثاني: الدليل المحصل من إجراءات باطلة

المحور الأول:
الدليل الناتج عن جريمة

يمكن أن يكون الدليل المحصل عليه ناتج عن ارتكاب جريمة من طرف المكلف بجمع الأدلة.
ومن قبيل ذلك المحضر المحصل عليه نتيجة اعتقال تحكمي (الفصل 225 من القانون الحياتي)، أو إرشاد الشاهد للحصول على شهادة مزورة، أو إرشاد الخبير للحصول على تقرير يخالف الحقيقة، ولا يتسع المقام لاستعراض كافة التي فيها تحصيل الدليل نتيجة ارتكاب جريمة.

ويهمنا أن نقف عند الصورة الأكثر شيوعا، وهي حالة الدليل المحصل عليه نتيجة التعذيب أو الإكراه.
وفي هذا الصدد، نجد بأن المواثيق والمعاهدات الدولية، والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، تحرم كل أشكال التعذيب. والمشرع المغربي هو أيضا، يحرم هذا الفعل ويعاقبه، حسب صريح الفصل (23 من القانون الجنائي).
ويترتب على ذلك أنه إذا تبت للمحكمة، بأن التصريحات المدلى بها، سواء من المتهم أو الشاهد، قد تم تحصليها نتيجة لاستعمال التعذيب، فيتعين استبعاد تلك التصريحات لأنها تشكل إخلالا بمشروعية الدليل.

وحري بالمشرع المغربي، أن يضع نصا صريحا في هذا الصدد، اقتناء بالتشريع المصري الذي عدل المادة 302 من قانون الإجراءات بمقتضى القانون رقم 37 لسنة 1972 الصادر في 28/9/1972 وأصبحت هذه المادة كالتالي:
" يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة.

وكل قول يثبت أنه صدر عن أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة الإكراه أو التهديد يهدر، ولا يعول عليه".
وجدير بالذكر، أنه لا فائدة من وضع نصوص قانونية، لحماية الأشخاص من التعسف والشطط، ما دامت هذه النصوص معطلة لعدم التطبيق.
والملاحظ أنه رغم وجود هذه المقتضيات القانونية، التي تحرم وتعاقب على التعذيب، فإنه مازال يمارس، هو حقيقة لا مناص من التسليم بوجودها.

والملاحظ أيضا أن القضاة، اعتادوا على صرف النظر عن تمسك المتهمين بأنهم كانوا عرضة للتعذيب.
ولا يفوتنا أن نذكر بأن الأصوات، قد ارتفعت في كل أنحاء العالم، نستنكر ممارسة الإكراه والتعذيب، فثمة عدة ندوات دولية، وتقارير لمنظمات إنسانية، وأبحاث ومؤلفات تعالج الموضوع، ولا يتسع المقام لجردها واستعراضها.
ومع ذلك، ما تزال في عصرنا الراهن، أفواج المتهمين الماثلين أمام العدالة الجنائية، سواء في الدول المتقدمة أو النامية تؤكد بأنها كانت عرضة للتعذيب، وتدبي في ذات الوقت عجزها عن إقناع المحكمة والإثبات بالبرهان والدليل الذي يثبت ذلك.

إثبات هذه الظاهرة أمام المحاكم، وموقف القضاء من ذلكن تبقى هي المعضلة التي يتعين أن تتوجه الجهود لتدليلها.
إن وجود ظاهرة التعذيب، يرجع إلى السياسة الجنائية التي يختارها المشرع والتي تفضل غض الطرف، وتغليب مصلحة المجتمع.

إن صعوبة إثبات هذه الظاهرة، عامل أساسي في استفحالها، ومدعاة لسلطات البحث لممارستها في اطمئنان من كل متابعة، لاسيما إذا علمنا ضعف الرقابة القضائية على أعمال البحث التمهيدي.
لذلك نجد بعض التشريعات، خطت خطوة نحو كشف العنف والتعذيب، وذلك بإقرار حق المتهم في طلب إجراء فحص طبي عليه، بعد انقضاء 24 ساعة على وضعه تحت الحراسة. (لاحظ الفصل 64 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الصادر في 1958)، وحري بالمشرع المغربي أن يفتدي بهذا الاتجاه.
هذه الرقابة الطبية، يتعين تعزيها برقابة قضائية وبإرادة سياسية من لدن المشرع، حتى تكون الأدلة المحصل عليها، خالية من الشبهة، بعيدة عن التشكيك.

كما يحسن بالقضاء، أن يستعمل سلطته في تقرير الدليل، ويمكن المتهم الذي يتمسك كونه كان عرضه للتعذيب، من إثبات مزاعمه، بطريق المعاينة المباشرة، أو الخبرة الطبية إن اقتضى الحال علما بأن هناك أنواع من التعذيب ولا تترك أثر يذكر، وهو ما يعرف بالتعذيب النظيف (La torture propre ).

وفي هذا الصدد، لا يفوتنا أن ننوه ببعض المواقف المشرفة لقضائنا، (لاحظ على سبيل المثال قرار المجلس الأعلى الذي أيد فيه محكمة الموضوع فيما ذهبت إليه، من استبعاد المحضر بعدما ثبت لها بأن الاعتراف جاء وليد الإكراه والتعذيب، معتبرا بأن ذلك يدخل ضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع- القرار عدد 631 وتاريخ 24 دجنبر 1973 قضية 31065).

وفي اعتقادنا، أن القضاء، والقضاء وحده بإمكانه أن يكون حاميا للمشروعية، وهي كون مفخرة للوطن، فالمشرع قد حرم التعذيب وأخذ بمبدأ حرية الإثبات، واحتكم إلى ضمير القاضي وسلطة التقديرية وما على القضاء إلا أن يكون في مستوى الثقة التي وضعت فيه.

المحور الثاني
الدليل المحصل من إجراءات باطلة
هناك شروط يتعين مراعاتها أثناء تحصيل الأدلة، والدليل المحصل من إجراءات لم تحترم فيها شروطها، يعد دليلا مشوبا بعيب خرق المشروعية.
فهناك شروط يتعين مراعاتها خلال الوضع تحت الحراسة النظرية، أو خلال تفتيش المنزل، وأثناء إعداد المحاضر، وهناك شروط لتلقي الشهادة، أو إجراء الخبرة، أو القيام بالمعاينة. فإذا ما أسفرت التحريات عن دليل لم تحترم فيه شروطه الإجرامية، فهل يترتب على ذلك البطلان؟

وفقت التشريعات المقارنة، مواقف مختلفة بهذا الشأن فهناك من التشريعات من وضع نظرية عامة للبطلان، وجعل الإخلال بالقواعد الجوهرية للإجراءات مبطلا لها، (مثل التشريع المصري المواد 331 من ق.إ.ج).
هناك تشريعات أخرى لم تتعرض للموضوع (كالتشريح السوداني) بينما ثمة تشريعات أقرت بطلان إجراءات معينة دون غيرها، (التشريع السوري واللبناني).

أما عن موقف المشرع المغربي، فنجده موقفا متدبدبا وهكذا نجد بأن الإخلال بأحكام التفتيش، يؤدي إلى البطلان، (الفصل 64 من ق.م.ج)، وواضح أن بطلان التفتيش يترتب عنه بطلان الدليل المحصل خلاله. بينما نجد المشرع يلتزم الصمت بخصوص الاختلال بأحكام الوضع تحت الحراسة، وهو ما يثير مشكلة مشروعية الأدلة المحصلة خلالها، ولاسيما المحاضر المقامة، وما تتضمنه من تصريحات ومعاينات، وتحريات.
إن هذا الصمت العفوي، أو المقصود من طرف المشرع، إزاء مسألة بالغة الأهمية، ليفتح الباب لتضارب الرأي وقيام الخلاف بين الفقه والقضاء.

فبالنسبة لموقف الفقه، تجمع الآراء على أن إغفال المشرع لبيان الأثر المترتب على الإخلال بأحكام الوضع تحت الحراسة، لا يحول دون ترتيب البطلان كجزاء على هذا الاختلال، وذلك عملا بمقتضيات الفصل 765 م ق.م.ج، الذي قرر بطلان كل إجراء لم ينجز على الوجه القانوني، وإذا بطل هذا الإجراء، فإن الأدلة التي تم تحصيلها بسببه تبطل عملا بقاعدة ما بني على الباطل باطل.
أما بالنسبة لموقف القضاء، فنجد المجلس الأعلى، في تردد من أمره، فأحيانا يقرر البطلان (قرار عدد 356 وتاريخ
 6/3/1961، ق.م.أ. ص 183).

ونجد في قرارات أخرى، يقرر العكس، ويعتبر الإخلال بأحكام الوضع تحت الحراسة، أمر جائر، (قرار في 16 يوليوز 1972 ملف عدد 45/39- وقرار 2465 وتاريخ 28 مارس 1986 ملف جنائي 15582- م.ق.ق عدد 138- وتاريخ 26 فبراير 1988 ص 279).

وقد تعرض موقف المجلس الأعلى لانتقادات وجبهة، ولا يسعنا إلا أن نؤيدها آملين أن يتدخل المشرع لوضع نظرية عامة للبطلان في مجال قانون المسطرة الجنائية، على غرار ما تأخذ به بعض التشريعات المقارنة (كالتشريع المصري).

وفيما يخص إجراءات التحقيق الإعدادي، فقد نظم المشرع، حالات البطلان التي تمتد إلى الأدلة، أو الوثائق المستمدة من إجراءات باطلة، وتدور قواعد البطلان حول المساس بحقوق الدفاع ويترتب على البطلان حسب الوثائق المتضمنة للإجراء الباطل، وإيداعها بكتابة الضبط.

ويثور التساؤل في هذا الصدد، حول مشروعية الأدلة المحصلة بالخدعة أو الحيلة، كاستراق السمع للمكالمات، أو انتهاء حرمة المراسلات، أو التظاهر بمظهر  خادع من طرف الباحث، أو نصب الكمين لاستدراج المتهم نحو الوقوع في حالة التلبس.

وفي هذا الصدد، لم يعرض المشرع المغربي، بنص صريح لمشروعية الدليل المحصل على هذا الوجه، وإزاء الفراغ التشريعي. نعتقد بأنه حري بالقضاء المغربي، أن يحدو حدو القضاء المقارن، فيهدر الدليل المحصل بالحيلة أو الخدعة، ما دامت ترمي إلى خلق الجريمة، والتحريض على ارتكابها.

وأخيرا نصل إلى الخلاصة، والخلاصة ليست تلخيصا وإنما هي عبرة وموعظة.
 ولعل العبرة التي يمكن أن نستشفها من كل ما تقدم، هي أن حضارة الأمم لا تنعكس في جودة قوانينها وما تحتويه تلك القوانين من ضمانات وحقوق، وإنما تكمن في أخلاق، أو ضمائر أبنائها، وفي الإدارة السياسية لمشرعيها. وأن المشروعية في البحث عن الأدلة الجنائية، فرصة لاختيار هذه الضمائر، ونهج لضم جهود المشرع إلى جهود القائمين على تطبيق التشريع، ضمن سياسة جنائية تعترف للإنسان بكرامته، وتسعى إلى إيجاد التوازن بين حقوق المتهم وحق الدولة في العقاب.