9.26.2017

جنحة الوشاية الكاذبة في التشريع الجنائي المغربي الأستاذ طيب محمد عمر

جنحة الوشاية الكاذبة في التشريع الجنائي المغربي الأستاذ طيب محمد عمر












جنحة الوشاية الكاذبة في التشريع الجنائي المغربي
الأستاذ طيب محمد عمر






لقد خصص الجزء الاول من هذا البحث المنشور على صفحات العدد 27 من هذه المجلة، لمحاولة تسليط بعض الأضواء، على جنحة البلاغ الكاذب في التشريع الجنائي المغربي، كقانون للجوهر، أرجئ بحث بعض المسائل المسطرية التي تثيرها دعوى البلاغ الكاذب الى عدد مقبل، شاءت الإرادة الإلهية ان يكون هو العدد الحالي، كما شاءت ان تتاح لي هذه الفرصة لتدارك الإشارة الى أمرين اثنين أولهما خطا مطبعي تسرب إلى الصفحة 27 من العدد المشار اليه، ويتعلق الامر بكتابة آية قرآنية يصحح طبعها كما يلي : { والله يشهد ان المنافقين لكاذبون}
 وثانيهما الانتباه إلى استعمال المشرع عبارة الوشاية الكاذبة في الفقرة الاولى من الفصل 445 واستعمال عبارة البلاغ الكاذب في الفقرة الثانية منه. وإذا كان التعبير المذكور أخيرا هو المستعمل في معظم التشريعات   العربية فيبدوا ان استعماله من طرف المشرع المغربي كان في محله، والخطأ وارد في استعمال عبارة الوشاية الكاذبة، لان الوشاية تحمل بين طياتها مفهوم الكذب، اذ الوشي لغة هو خلط لون بلون، منه قوله تعالى في سورة البقرة { لاشية فيها} أي ليس فيها لون يخالف سائر الوانها، والواشي في الكلام هو الكاذب فيه، وبالتالي فاستعمال كلمة الوشاية يغني عن اضافة كلمة " الكاذبة" ويبقى صحيحا التعبير بالبلاغ الكاذب.
 وبخصوص بحث بعض المسائل المسطرية التي يمكن ان تثيرها دعوى البلاغ الكاذب فمناقشتها تقتضي دراسة الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل : 445 من القانون الجنائي، وذلك ببيان متى يمكن الشروع في دعوى البلاغ الكاذب، واعتبار المتابعة عن الواقعة المبلغ بها متى كانت رائجة كمسالة فرعية بالنسبة لدعوى البلاغ الكاذب، ثم تناقش كيفية رفع دعوى البلاغ الكاذب جنحيا، ومختلف المساطر المشابهة لها، ورفعها مدنيا، مع تمييزها عن دعوى الضرر المبنية على اساس الخطأ التقصيري، وأخيرا اثبات كذب البلاغ فبعض الملاحظات حول نيابة محام عن مشتك ومدى مسؤولية هذا الأخير، ثم البيانات اللازم توافرها في الحكم القاضي بالمؤاخذة من اجل جنحة البلاغ الكاذب.
 متى يمكن الشروع في دعوى البلاغ الكاذب:
بمقتضى الفقرة الثانية من الفصل : 445 من القانون الجنائي. فان الوقائع المبلغ بها اذا كانت تستوجب زجرا جزائيا   او اداريا، فان المتابعة عن الوشاية، يمكن الشروع فيها اما عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ   ضده او عقب صدور امر أو قرار بعدم متابعته، او عقب حفظ الشكاية   بامر من احد رجال القضاء او الموظف او رئيس المبلغ ضده او مستخدمه المختص بالبت في الشكاية.
 ويبدو من دراسة هذه الفقرة ان المشرع قد استلهما   بعبارة " واذا كانت الوقائع المبلغ بها"، الامر الذي قد يطرح التساؤل حول الحالة المعاكسة وهي حالة الوقائع المبلغ بها، و التي لا تستوجب زجرا جزائيا او اداريا. 
 فاذا كانت المبادرة بالجواب عن هذه التساؤل تبدو في المتناول، بالقول، بعدم وجود الوشاية في مثل هذه الحالة، فان السؤال الثاني الذي   يمكن ان يطرح، هو حالة المبلغ الذي يرفع شكايته او وشايته الى الجهة المختصة، واثناء مسطرة البحث معه، يتراجع تلقائيا عن تصريحاته الاولى، ويدلي بالحقيقة المتجلية في كون ابلاغه كان محض وشاية، لانه كان يعلم براءة المشتكى به أو المبلغ عنه.
 ففي هذه الحالة لا نكون امام حكم نهائي بالبراءة او الاعفاء، ولا نصل كذلك الى مرحلة عدم المتابعة او الحفظ فهل للنيابة العامة ان تتابع من اجل الوشاية الكاذبة، او تجنح الى تطبيق مقتضيات الفصل : 264 المعاقب على اهانة السلطات العامة بالتبليغ عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها، او بتقديم ادلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية ؟ نعم ان النيابات العامة تجنح في الكثير من الحالات آلي المتابعة بمقتضى هذا الفصل، وفي هذه الحالة قد يحرم من اضر به فعل التبليغ من امكانية المطالبة بالحق المدني، ما دامت هذه المطالبة مشروطة بترتب الضرر مباشرة عن الجريمة موضوع المتابعة.

وأرى انه رغم خلو التشريع الجنائي المغربي من نص صريح يقضي بان المبلغ يعاقب ولو لم تقم دعوى   بما بلغ به، كما هو الحال في التشريع المصري ( الفصل 305) امكانية المتابعة من اجل الوشاية في مثل هذه الحالة وذلك استنادا على ان الثابت في الفقه   الجنائي   هو عدم اشتراط كون الواقعة المبلغ بها تؤدي بالضرورة إلى تحريك المتابعة الزجرية أو التأديبية ولكن يكفي ان تكون قابلة بوصفها المجرد لتحريك تلك المتابعة(1)، ثم ان المشرع قد استعمل تعبير الامكان، الامر الذي يفهم منه عدم سد باقي الابواب.
 وإضافة الى ذلك فهناك مبررات اخرى بعضها راجع الى القانون نفسه في فصله: 264 الذي يمكن ان يفهم منه، ومن الغاية في وضعه ضمن الباب المتعلق بالجنايات والجنح التي يرتكبها الافراد ضد النظام العام، ان مناط تجريم فعل التبليغ، هو تلك الاهانة التي تكون محلا لها السلطات العمومية، بدفعها الى القيام بتحريات وابحاث فاشلة، وكل ذلك دون ان يستهدف المبلغ شخصا معينا يكون نسب الواقعة اليه هو هدف التبليغ.
 ومن وجه اخر، وكاسلوب عملي بسيط للتعامل مع النصوص، يمكن القول بان فعل التبليغ قد يقبل اوصافا متعددة، يجب ان يوصف باشدها وهو في الحالة   جنحة الوشاية.
 بعد هذه الملاحظات الموجزة حول ما يمكن ان يثيره تحرير نص الفقرة الثانية من الفصل : 445 من اشكالات، يمكن القول بان دعوى البلاغ الكاذب تطبيقا لمقتضيات الفقرة نفسها يمكن الشروع فيها : 
        •مباشرة ولو لم تتحرك أية دعوى بشان الوقائع المبلغ بها. 
        •مباشرة بعد صدور حكم نهائي ببراءة المبلغ ضده او اعفائه. 
        •عقب صدور امر او قرار بعدم المتابعة. 
        •عقب حفظ الشكاية بامر من احد رجال القضاء. 
        •عقب حفظ الشكاية بامر من الموظف او رئيس المبلغ ضده او مستخدمه. 
 هذا ودون بسط النقاش حول تحليل كل فقرة مما سطر اعلاه، فان بعض المسائل المسطرية الجوهرية التي يمكن مناقشتها في هذا الإطار، تتلخص فيما يلي: 
هل ان الحكم النهائي بالبراءة وحده كاف، ام لا بد من البحث عن سبب هذه البراءة ؟
 في الجواب عن هذا السؤال يرى بعض الفقه بانه يجب البحث عن سبب البراءة فان كان هو عدم صحة الواقعة أو عدم صحة نسبها إلى من اسندت إليه، امكن الحكم بالمؤاخذة في دعوى البلاغ الكاذب متى توافرت باقي الشروط، أما ان كانت البراءة لسبب من اسباب الاباحة، أو انتفاء المسؤولية أو عذر   معف من العقاب، آو انقضاء المسئولية لاي سبب من اسباب الانقضاء، فيمكن أيضا الحكم بالادانة في دعوى البلاغ الكاذب.
 أما ان كانت البراءة سببها عدم كفاية الأدلة على ثبوتها الواقعة، وحكم بالبراءة لفائدة الشك، فرأي يذهب إلى إلزام المحكمة بالحكم بالبراءة، اذ مقتضى ذلك ان الواقعة تتارجح بين الثبوت وعدمه ومن حق المبلغ ان يستفيد من هذا الشك والتارجح، ما دام الشك يفسر لصالح المتهم، الا ان محكمة النقض المصرية ذهبت عكس ذلك مبررة حكمها بالقول " بان تشكك المحكمة التي طرحت عليها التهمة في الواقعة المبلغ عنها، لا يقطع بصحة البلاغ المقدم عنها او بكذبه، ولذا فانه لا يمنع المحكمة المطروحة امامها تهمة البلاغ الكاذب من ان تثبت هذه التهمة او تنفيها بحسب الاحوال طليقة من كل قيد 2).
 السؤال الذي نبادر بطرحه هو لماذا كل هذا النقاش الفقهي حول سبب الحكم بالبراءة، مادام ينزل منزلة قرار عدم المتابعة، وهو لا يحوز قوة الشيء المقضي به، لفتح باب رفع دعوى البلاغ   الكاذب، ومنزلة اجراء الحفظ الذي تقوم به النيابة العامة، وهو قرار غير معلل نهائيا، بل ان للنيابة العامة تطبيقا لمقتضيات الفصل : 38 من قانون المسطرة الجنائية، وفي اطار سلطة الملاءمة المخولة لها، ان تقتصر على ترك المحاضر والشكايات والوشايات، بموجب مقرر قابل دائما للالغاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)   انظروا الأستاذ جارسون في شرحه للفصل 373 الفقرات 99 وما يليها. 
2)   محكمة النقض قرار بتاريخ 24/1/1953 ( انظروا الصفحات ص 659 وما يليه من كتاب المشكلات العملية الهامة في الاجراءات الجنائية للدكتور رؤوف عبيد - الجزء الاول).
فاذا كانت النيابة العامة لا تبرر عادة مقرراتها بالحفظ سواء باسباب قانونية او موضوعية، ويمكن اقامة دعوى الوشاية الكاذبة عقب هذا الاجراء رغم كونه قابلا للالغاء فكيف تشترط في الحكم القضائي ان يكون مبنيا على هذا السبب او ذاك، والملاحظ في الاحكام القضائية نفسها انها لاعتبارات عملية ناتجة عن كثرة القضايا المعروضة على القضاء وقلة الإمكانات المخولة له، لا تعنى بالجانب التقني في التعليل، مكتفية بتبني محاضر الشرطة، وتطعيمها بعبارات الاقتناع والظروف والملابسات ... ثم كيف يشترط بالاحرى في الحكم القضائي ان يكون نهائيا.
 نعم قد يجاب عن ذلك بان الحكم الابتدائي القاضي بالبراءة قد تلغيه محكمة الاستئناف، وتدين، وقد ينقض المجلس الاعلى قرار هذه الاخيرة ويحيل، ولا شيء يمنع محكمة الاحالة من الحكم بالبراءة من جديد، ولذلك وجب انتظار صيرورة الحكم نهائيا. 
 ان هذه المبررات كلها منطقية، الا ان المشرع بفتحه امكانية رفع دعوى البلاغ الكاذب عقب صدور امر وقرار بعدم المتابعة طبقا لمقتضيات الفصل 196 من قانون المسطرة الجنائية، وان كان نهائيا أي ليس صادرا في اطار الفصل 201 بتقرير عدم متابعة جزئية، فانه لا يمنع من اعادة التحقيق اذا ظهرت ادلة جديدة ( الفصل 210)، او عقب اجراء الحفظ الصادر عن قاضي النيابة العامة،   واو عن الموظف، او رئيس المبلغ ضده، أو مستخدمه، لم يفترض مرور اجل كاف مثلا يمكن ان يعتبر معه ان عدم المتابعة اصبح " نهائيا " ولم تبق هناك امكانية تقديم ادلة جديدة من طرف صاحب الحق المدني، ان كان محركا للدعوى او النيابة العامة، او ان اجراء الحفظ قد اضحى نهائيا، نتيجة عدم التظلم منه اداريا، أو قضائيا، اذ لا شيء يمنع النيابة العامة لهذا السبب او ذاك، من العدول عن قرار الترك ورفع الاجراءات الى الجهة القضائية المختصة.
 اعتبارا لكل ما ذكر، يمكن القول بان المحكمة المعروضة عليها دعوى البلاغ الكاذب ينبغي ان تعتبر ان صدور حكم بالبراءة او الاعفاء او قرار عدم المتابعة او الحفظ مهما كانت الجهة التي اتخذته، ليس الا أرضية مسطرية لانطلاق دعوى البلاغ الكاذب، لا تقوم بحد ذاتها قرينة على كذبه، بل لها ان تتمحص بمعرفتها كل وقائع النازلة وظروفها، وتبحث بصفة خاصة عن توافر شرطي العلم بكذب الوقائع، او الاعتقاد بذلك، وتلقائية التبليغ.
 المسالة الفرعية: 
حيث انه بمقتضى الفقرة الأخيرة من الفصل : 445 من القانون الجنائي فان على المحكمة التي ترفع لها الدعوى بمقتضى هذا الفصل   ان تامر بوقف نظر دعوى البلاغ الكاذب، إذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لا زالت جارية وحيث ان مؤدى   هذه الفقرة ينسجم مع الفقرة السابقة لها، والمحددة كمنطلق للشروع في المتابعة عن البلاغ الكاذب، اما صدور حكم نهائي بالبراءة او الاعفاء واما صدور امر او قرار بعدم المتابعة او اتخاذ قرار بالحفظ من طرف النيابة العامة او الجهات الادارية المختصة.
 فكان لزاما بالتالي ان توقف المحكمة النظر في دعوى البلاغ الكاذب متى كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لا زالت جارية، ولا يصح هنا المبدا القائل بان قاضي الدعوى هو قاضي الدفع، لاسباب اهمها ان اساس دعوى الوشاية هو كذب الواقعة، وهو امر لا زال معروضا على الجهة المختصة للبت فيه، ثم ان تطبيق هذا المبدا قد يخلق بعض الصعوبات الناتجة عن ضرورة احترام   مبدا التقاضي على درجتين لان الايقاف يمكن ان يؤمر به ولو في المرحلة الاستئنافية، وأخيرا فان البت في كذب الواقعة قد يكون من اختصاص جهة مهنية او ادارية معينة. 
 هذا وان الايقاف المشار اليه لا يمكن رفض الطلب المقدم بشانه، بناء على ان كذب الواقعة المتعلق بها البلاغ، امر معروف لدى الجميع بل لا بد من توافر احد المنطلقات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل المذكور (3).
 كما تجدر الاشارة الى ان الايقاف المذكور يتعين على المحكمة ان تامر به تلقائيا ودون ضرورة لاي طلب، متى اتضح لها من ظاهر وثائق الملف ومشتملاته ان المتابعة عن الواقعة المبلغ به لا زالت جارية.
 ـــــــــــــــــــــــــــــ
3)   قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 10/1/1961، جوريس كلاسور الجنائي 61، 4، 26 جريدة القصر 1961، 1، 259)
ومفهوم المتابعة المشار اليه   يقصد منه بعد مقارنة فقرات الفصل 445، المتابعة الزجرية امام المحكمة الجنحية، ووجود مسطرة للتحقيق، او بحث تامر به النيابة العامة عقب شكاية مقدمة، اليها، او وجود مسطرة تأديبية تختص بها الجهة المعهود اليها قانونا باتخاذ إجراءات تأديبية ضد المبلغ عنه (4).
 ولما كان المسلم به قانونا ان الشخص المتضرر يمكنه ان يقيم الدعوى العمومية طبق الشروط المبينة في قانون المسطرة الجنائية، وذلك عن طريق الإدعاء المباشر فان من احدى الغايات التي سنت من اجلها هذه المسطرة هي تخويل المتضرر حق مواجهة قرار الحفظ المتخذ من طرف النيابة العامة لهذا السبب او ذاك، اعتبارا لسلطة الملاءمة المخولة له، وذلك عن طريق تحريك الدعوى العمومية مباشرة امام المحكمة المختصة.
 فان المحكمة التي تنظر في دعوى البلاغ الكاذب المرفوعة اليها تاسيسا على حفظ النيابة العامة للمحضر المتضمن للواقعة المبلغ عنها، يجب عليها ايقاف البت متى اتضح ان ذات الوقائع محركة بشانها دعوى عمومية بواسطة شكاية مباشرة.
 وقد يطرا في العمل ان تكون المحكمة المعروضة عليها دعوى البلاغ الكاذب هي نفسها المعروض عليها الشكاية المباشرة المتعلقة بصحة الوقائع او كذبها، ففي هذه الحالة يقتضي اشتراط المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 445 كمنطلق للشروع في المتابعة عن البلاغ الكاذب، صدور حكم نهائي، ضرورة الايقاف، وعدم امكانية ضم الملفين واصدار حكم واحد فيهما، اذ الحكم الذي سيصدر عنها في موضوع الشكاية المباشرة قد يتعرض للطعن فيه، وبالتالي لا يكون نهائيا.
 والمقصود بوقف النظر، حسب ما استقر على ذلك الاجتهاد القضائي هو عدم امكانية اصدار حكم في النازلة وبالتالي فان ما يوقف هو الحكم، وليس الدعوى، التي يمكن للمحكمة ان تتخذ بصددها بعض الاجراءات التحضيرية كالامر باجراء خبرة مثلا (5).
 اما عن مدة الايقاف، فانها تدخل في اطار السلطة التقديرية للمحكمة التي لها، طبقا لمقتضيات الفقرة الاخيرة من الفصل 260 من قانون المسطرة الجنائية، ان تحدد اجلا معينا يتعين فيه على الشخص المتهم الالتجاء الى المحكمة المختصة وان لم يفعل في الاجل المضروب او لم يدل بما يثبت متابعة اجراءاته بتت المحكمة في دعوى ( البلاغ) الكاذب (6).
 واذا لم تتحرك السلطة المختصة لمتابعة المبلغ عنه تأديبيا،   متى كانت الواقعة تستوجب زجرا اداريا او لم تتخذ النيابة العامة أي اجراء بشان الشكاية المرفوعة اليها الامر الذي ينزل منزلة الحفظ، فان المحكمة تسترجع حريتها الكاملة لتبت في دعوى البلاغ الكاذب حسب الوقائع المعروضة عليها.
 اما السلطة المختصة للبت في المتابعة عن الواقعة المبلغ بها، فهي، حسب مقتضيات الفقرو الثانية من الفصل: 445، اما السلطة القضائية في شخص محكمة الموضوع، او في شخص قضاء التحقيق، او النيابة العامة، او الجهة الإدارية او المهنية الموكول اليها قانونا الاختصاص للبت في البلاغ او الشكاية.
 ومما يشترطه القانون ومعه القضاء في الحكم الصادر بالبراءة أو الاعفاء هو ان يكون نهائيا، والقول نفسه يصدق بالنسبة للمقرر التاديبي، كما يشترط ان يكون ذلك الحكم او القرار أو الامر او الاجراء أو المقرر صادرا عن السلطة المختصة فعلا للبت فيه والممارسة لسلطتها بصفة قانونية، اذ لا حجية لحكم صادر عن حاكم الجماعة أو المقاطعة في جنحة تأديبية او جناية، كما لا حجية لقرار يتعلق بقاض مثلا ولم يصدر عن المجلس الاعلى للقضاء، او لمحام والمقرر صادر عن مجلس هيئة لم   يكن انتخابه سليما (7).




ــــــــــــــــــــــــــــــ
4)   ( انظروا قرار محكمة النقض الفرنسية – نقض جنائي بتاريخ 12/2/1958، جوريس كلاسور الجنائي   58، 4، 41).
5)   محكمة النقض الفرنسية، 2/12/1892، جوريس كلاسور الجنائي، موضوع البلاغ الكاذب الفقرة 67).
6)   قرار محكمة النقض الفرنسية 18/1/1913، 1916، 1، 180). 
7)   محكمة النقض الفرنسية قرار بتاريخ 22/2/1930، د جريدة القصر، 1930، 1، 467 و4 يناير 1951 : النشرة الجنائية رقم 9). 

والسؤال الذي قد يطرح كاشكالية مسطرية هو تعيين الجهة المختصة باصدار الحكم العارض عندما يشكل الفعل في ذات الوقت عملا جنحيا وخطا اداريا او مهنيا.
 في الجواب عن هذه السؤال يمكن تصور وقوع احدى الفرضيات التالية :
        •ان يبلغ الفعل الى جهة شرطية او قضائي، وحدها دون الجهة الإدارية، أو المهنية، وقد تعلم هذه الجهة بذلك بالبلاغ وتحرك المتابعة التاديبية، ففي هذه الحالة لا تنتظر محكمة البلاغ الكاذب، الا الجهة القضائية وحدها دون الجهة الإدارية او المهنية. 
        •ان ترفع الواقعة الى الجهة المختصة زجريا وفي الوقت نفسه الى الجهة المختصة اداريا ، ففي هذه الحالة يكفي للشروع في متابعة دعوى البلاغ الكاذب، الحكم الصادر عن الجهة الزجرية بالبراءة، ولو جنحت الجهة الإدارية أو المهنية الى المؤاخذة تاديبيا، اذ البلاغ الكاذب يقوم بمجرد مسخ الوقائع وتشويها، او كذب جزء منها فقط. 
        •أما ان وجهت الشكاية او الوشاية الى الجهة الإدارية وحدها، حتى وان كان للفعل ظاهريا، طابع الجنحة، فان حفظها للشكاية، او تقريرها عدم المتابعة او البراءة يكفي لانطلاق دعوى البلاغ الكاذب.
 ولا باس في هذه الصدد من فتح قوس للقول، بان المجلس الاعلى، وخلافا لما سبق له ان اقره بخصوص حجية الاحكام الجنحية على الجهات الإدارية او المهنية، من تركه لهذه الاخيرة حق تقدير ظروف النازلة للقول بوجود المخالفة من عدمه، رغم الحكم جنحيا بالبراءة (8)، فانه قد اصدر قرارات أخرى. تفيد كلها بان التصريح بعدم وجود المخالفات المذكورة في حكم حاز على قوة الشيء المقضي به، يترتب عنه انعدام اساس العقوبة التي أنزلتها الإدارة (9).
 ويمكن القول بهذا الصدد بان الحكم الجنحي بالبراءة ان كان مبنيا على عدم صحة الواقعة، أو عدم صحة اسنادها الى من نسب اليه أي نفي الواقعة، أو ن في اتصال الفاعل بها، كان مقيدا للجهة الوظيفية أو المهنية، اما ان كان مبينا على عدم كفاية الادلة، حق لهذه الاخيرة ان تستعمل سلطتها للقول هل ان الواقعة المنسوبة للشخص المنتمي لطائفة وظيفية أو مهنية معينة من شانها ان تمس بالقواعد التنظيمية لتلك الطائفة، وتشكل بالتالي مخالفة تأديبية.
         •كيفية رفع دعوى البلاغ الكاذب 
أولا : عن طريق شكاية مباشرة
ان دعوى البلاغ الكاذب يمكن إقامتها باحدى طريقتين، اما من طرف النيابة العامة، واما عن طريق شكاية مباشرة يرفع المتضرر. 
 ولما كانت هذه الجنحة تستهدف الشخص المبلغ عنه بالاساس، فانه النيابات العامة قلما تتحرك لاقامة الدعوة العمومية، لا سيما وان المتضرر هو الذي يكون على علم تام بمراحل القضية التي اتهم فيها كذبا، من حفظ للمحضر المتعلق بها، أو ابراء القضاء لساحته، فيكون هو السباق الى تحريك الدعوى عن طريق الشكاية المباشرة عادة.
 لذلك وجب استعراض مسطرة هذه الشكاية بايجاز.
1)   فمن حيث الاختصاص، يمكن لصاحب الشكاية المباشرة ان يرفعها حسب قواعد الاختصاص الثلاثي، اما الى المحكمة التي يقع في دائرة نفوذها اما محل اقتراف الجريمة ( التبليغ) واما محل اقامة الظنين او احد مشاركيه، واما محل القاء القبض عليهم ( الفصل 261 من قانون المسطرة الجنائية).
وبخصوص محل اقتراف الجريمة فقد استقر العمل القضائي على اعتباره محل اقامة الجهة المبلغ اليها (شرطة، نيابة عامة، وزارة …. الخ).
2)   ولقبول الشكاية المباشرة يجب الا يكون الفعل موضوع التبليغ قد مر عليه اجل التقادم. 
ـــــــــــــــــــــــــــــ
8)   قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية، 31/5/1971 في الملف الاجتماعي عدد 27714.
9)   قرار رقم 52 بتاريخ 9/12/1966، ملف اداري عدد 22071، وقرار بتاريخ 6/6/1977 ملف اجتماعي عدد 55449، وقرار عدد 350 ملف اداري عدد 73042 بتاريخ 27/4/1984.

 واذا كان التقادم لا يخلق اشكالا بخصوص مسالة الاجل الذي هو خمس سنوات، فان نقطة انطلاق التقادم هي التي كانت محل نقاش في العمل القضائي بفرنسا، بحيث اخذت بعض المحاكم كمنطلق للتقادم تاريخ تقديم الشكاية او الوشاية، واخذ بعضها الاخر تاريخ ثبوت كذب الوقائع، بينما ذهب الراي الراجح، مذهبا وسطا بين الاثنين وهو الاخذ بتاريخ وصول الشكاية الى الجهة الشرطية او القضائية او المهنية المختصة لاتخاذ اجراء بشانها، وكل ذلك ما لم يتم قطع التقادم او وقفه (10).
 3)   ان تتضمن الشكاية المباشرة هوية رافعها وهوية المشتكى به بكاملها، وبيان الوقائع وتاريخها ومكان اقترافها، والإشارة إلى الفصل 445 من القانون الجنائي، وبيان الضرر وعلاقته المباشرة بالجنحة، والانتصاب كطرف مدني. 
4)   اذا لم يكن رافع الشكاية المباشرة متمتعا بالمساعدة القضائية، وجب عليه ان يودع بكتابة الضبط المبلغ المحتمل انه ضروري لجميع صوائر المسطرة، والذي يحدد من طرف المحكمة، ثم يؤدي الوجيبة القضائية عن المبالغ المطالب بها، كما لو كان يرفع امام المحكمة المدنية. 
         •تمييز دعوى البلاغ الكاذب عن باقي المساطر 
ان دعوى البلاغ الكاذب، التي سبق الكلام من امكانية تحريكها بواسطة شكاية مباشرة، تتميز عن عدة مساطر ينظمها قانون المسطرة الجنائية، ومنها بصفة خاصة: 
 أ‌-    الدعوى المنصوص عليها في الفصل 96 من قانون المسطرة الجنائية : 
بمقتضى الفصل 99 من القانون المذكور فان صدور امر بعدم المتابعة بعد اجراء تحقيق بناء على المطالبة بالحق المدني، يمكن المتهم وكل الاشخاص الذين اشير اليهم في الشكاية ان يطلبوا من المشتكي تعويض الضرر طبق الكيفيات المبينة بعده، وذلك ان لم يقيموا عليه دعوى مدنية، وبصرف النظر عن متابعتهم اياه في شان " الوشاية الكاذبة" وتقيد دعوى تعويض الضرر خلال الثلاثة اشهر الموالية للتاريخ الذي يبلغ فيه المتهم الامر النهائي بعدم المتابعة، وترفع الدعوى بالاستدعاء المباشر الى   الغرفة التأديبية للمحكمة التي جرى فيها تحقيق القضية.
 يتضح من هذه المقتضيات القانونية انه : 
        •يجب ان تكون الدعوى العمومية امام قضاء التحقيق قد تم تحريكها من طرف المطالب بالحق المدني، وبالتالي فانها متى تحركت بالتماس من النيابة العامة فقد المتهم او من اشير اليه في الشكاية حق رفع هذه الدعوى (11).
        •يجب ان يكون الامر بعدم المتابعة نهائيا، أي متخذا من طرف قضاء التحقيق في اطار الفصل 196 من قانون المسطرة الجنائية لا امرا بعدم متابعة المتهم بصفة جزئية طبقا لمقتضيات الفصل: 201 من ذات القانون.
        •بمجرد صدور الامر النهائي بعدم المتابعة فان المتهم او من اشير اليه في الشكاية يمكنه للحصول على التعويض، اما سلوك الطريق المدني، وآنئذ لا يسوغ له طبقا لمقتضيات الفقرة الاولى من الفصل 11 من قانون المسطرة الجنائية، ان يتقدم بشكاية مباشرة امام المحكمة الزجرية، واما سلوك طريق الشكاية المباشرة امام الغرفة التأديبية للمحكمة التي جرى فيها تحقيق القضية، وذلك خلال الثلاثة اشهر الموالية للتاريخ الذي يبلغ فيه المتهم بالامر النهائي بعدم المتابعة.
 وحيث انه بصرف النظر عن النقاش الذي يمكن ان يثار حول الصعوبة العملية لتطبيق مقتضيات الفصل99، اعتبارا لنقل قضاء التحقيق الى مقر محكمة الاستئناف بعد تعديل قانون المسطرة الجنائية وهل يمكن رفع الشكاية المباشرة امام المحكمة الابتدائية ويوجه اليها ملف البحث الذي ختم بالامر بعدم المتابعة ليتاتى للفريقين   الاطلاع عليه، شريطة التزام مسطرة غرفة المشورة.
 بصر ف النظر عن كل ذلك، فان ما يمكن قوله هو ان هذه الدعوى تتميز عن دعوى البلاغ الكاذب، ولا تجب احداهما الاخرى، بحيث يمكن ممارستها معا، لان اساس الواحدة يختلف عن اساس الاخرى.
 ـــــــــــــــــــــــــــــ
10) قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 19/6/1956، النشرة الجنائية رقم 477، جوريس كلاسور الجنائي (56، 4، 114)، و30/5/1967 : النشرة الجنائية رقم 165، المرجع المذكور، (67، 4، 107).
11) المحكمة الجنائية بلاسين، حكم 7/6/1951، جريدة القصر 1951، 2، 300.

فدعوى الفصل 99 اساسها الخطا المدني فقط، طبقا لمقتضيات الفصل 77 من ظهير العقود والالتزامات، ولا حاجة في اطارها الى اثبات كذب البلاغ، بل يكفي اثبات التسرع في الشكاية، وان تصرف رافعها لم يكن تصرف "رب الأسرة" (12). 
 وفي قرار للمجلس الاعلى صادر في اطار الفصل 492 الاتي الكلام عنه، والذي لا فرق من حيث المبدا الذي اقره المجلس الاعلى، بينه وبين الفصل 99، ثم التاكيد على الاساس القانوني لهذين الدعويين، ومسطرتها بالقول: ان الفصل 492 بسنه دعوى لتعويض الضرر اللاحق بالمتهم المصرح ببراءته، لم يخرج عن المبدا العام للمسؤولية المدنية المنصوص عليها في الفصلين 77 و78 من قانون العقود والالتزامات.
 وان المتهم الذي برئت ساحته لا يمكنه الحصول على تعويضات الا اذا اثبت خطا الطرف المدني، وهو خطا لا يمكن افتراضه انطلاقا من الحكم بالبراءة (13).
 * * *
 ب‌- دعوى الفصل : 492 من قانون المسطرة الجنائية : 
ان هذه الدعوى مخولة للمتهم الذي صدر في شانه حكم بالبراءة او الاعفاء فله ان يرفع ضد المطالب بالحق المدني شكاية مباشرة امام المحكمة الجنحية التي تالفت منها الجنائية، وذلك خلال ثلاثة اشهر الموالية للحكم.
 واساس هذه الدعوى ومسطرتها لا يختلفان في شيء عن دعوى الفصل 99، وكل ما يمكن قوله بشانها هو انها يتعذر سلوكها اكثر من سابقتها بعد تعديل المسطرة الجنائية وانتقال محكمة الجنايات الى محكمة الاستئناف، مما اصبح معه من المستحيل تأليف محكمة جنحية في نفس الهيئة التي تالفت منها المحكمة الجنائية، كما ان مواجهة المطالب بالحق المدني بها ليست مشروطة بكونه هو محرك الدعوى العمومية، كما هو الشان في الفصل : 99، بل يكفي ان يثبت خطؤه اثناء المحاكمة الجنائية بلجوئه مثلا الى بعض المساطر أو الطلبات التي من شانها ان تطيل امد اعتقال المتهم الذي ابرا القضاء ساحته فيما بعد، كما انه ورغم سكوت الفصل : 492 عن بيان سبب البراءة او الاعفاء، فيمكن القياس على مقتضيات الفصل 381 من القانون نفسه، للقول بان البراءة، يجب ان يكون مبناها هو ان الفعل غير منسوب الى المتهم، أو لم تكن له صفة مخالفة للقانون الجنائي، ولا بأس من هذا القياس ما دامت غاية سن النصين واحدة ولم يميزها المشرع الا لاعتبارات تتعلق بالاختصاص، الامر الذي يستبعد باقي حالات سقوط الدعوى العمومية كموت المتهم او التقادم او العفو الشامل.
 * * *
 ج‌-   دعوى الفصل 381 من قانون المسطرة الجنائية:
ان هذا النص القانوني وكما سبق بيان ذلك يبيح للظنين مطالبة صاحب الحق المدني بتعويض الضرر الذي لحقه، بعد الحكم ببراءته اذا كان الفعل غير منسوب اليه، او لم تكن له صفة مخالفة للقانون الجنائي.
 ومسطرة هذه الدعوى التي يمكن وصفها بانها دعوى مقابلة يرفعها الظنين الذي يعتقد ان الفعل غير منسوب اليه او ليست له مخالفة للقانون الجنائي، ويلتمس بالتالي البراءة، فان توجيهها يكون اما كتابيا بتقديم مذكرة تتضمن المطالبة بالتعويض مع بيان خطا المطالب للحق المدني والضرر، والعلاقة السببية بينهما اضافة الى باقي الشكليات المطالبة بالحق المدني العادية، او شفويا مع احترام هذه الشكليات، وبيان ذلك العناصر (14).
 والتشابه بين هذه الدعوى ودعوى الفصل : 492، وهو الذي يميزها عن دعوى الفصل 99، هو انه ليس شرطا في الدعويين الأولى والثانية ان يكون المطالب بالحق المدني هو الذي حرك الدعوى العمومية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
12) محكمة النقض الفرنسية – قرار جنائي بتاريخ 14/1/1941، دالوز1941، 197.
13) المجلس الأعلى – الغرفة الجنائية - قرار عدد 901 بتاريخ 29/6/1961، مجموعة قرارات المجلس الاعلى في المادة الجنائية، الجزء الثاني، الصفحة 286، ومشار اليه على الصفحة 69 من كتاب الاستاذ فرانسوا بول بلان في شرح القانون الجنائي المغربي. 
14) لمعرفة مجال تطبيق الفصل 381 امام مختلف درجات المحاكم، يرجع لمقتضيات الفصول، 401، 412، 420، 432 من قانون المسطرة الجنائية. 

د- الدعوى العمومية المنصوص عليها في الفصل 600 من قانون المسطرة الجنائية : 
بمقتضى الفقرة الاخيرة من الفصل 600 من القانون المذكور، فان للمجلس الاعلى في البت في الطلب المرفوع اليه من طرف المدعى عليه لاجل التعويض عن الضرر الذي لحقه بسب الطعن الجزافي.
 وسبب هذه الدعوى كما هو واضح من النص المتعلق بها هو الطعن التعسفي الذي يرفعه احد الاطراف، ويلحق بالمطلوب في النقض ضررا. 
 هذا ولا بد ان يرفع الى المجلس الاعلى طلب من اجل التعويض، اذ لا يمكنه ان يبت تلقائيا، وان يكون ذلك الطلب قبل اصدار المجلس الاعلى لقراره، اذ بعد ذلك يرفع يده عن النازلة.
 اما عن اساس هذا الطلب فليس هو البلاغ الكاذب بل هو ترميم الضرر الناتج عن الطعن التعسفي الصادر عن فرقاء الدعوى العمومية باستثناء النيابة العامة. 
 كما تجدر الملاحظة بان طالب التعويض من اجل الطعن التعسفي ملزم باقامة الدليل على ما ادعاه (15).
 * * *
 ثانيا - الدعوى المدنية المؤسسة على مقتضيات الفصل 445 من القانون الجنائي : 
للمتضرر من جنحة البلاغ الكاذب ان يعزف، ان شاء، عن سلوك الطريق الجنحي بتقديم شكاية مباشرة، وذلك برفع دعواه أمام المحكمة المدنية في نطاق النص القانوني المذكور، ويبسط امام المحكمة شروط قيام هذه الجنحة، اذ ان جميع القواعد المتعلقة بالدعوى العمومية، تحكم الدعوى المدنية من حيث توافر شروط قيام الجنحة.
 وتتقيد المحكمة المدنية بنفس القيد المشار اليه في الفقرة الثالثة من الفصل المذكور، من حيث ضرورة وقف النظر في الدعوى، اذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لا زالت جارية(16)، كما لها ان تحدد للمدعى عليه اجلا لاستصدار قرار او حكم بات في شان الوقائع المبلغ عنها (17).
 واعتبارا لكون هذه الدعوى تختلف اختلافا تاما عن الدعوى المشار اليها في الفصول : 99 و381 و492 من قانون المسطرة الجنائية، فان سلوك هذه المساطر امام المحكمة الجنحية لا يمنع من المطالبة بالتعويض تاسيسا على مقتضيات الفصل 445 من القانون الجنائي (18).
 كما ان هذه الدعوى تتميز عن الدعوى المؤسسة على مقتضيات الفصل 77 من قانون العقود والالتزامات. 
والسؤال الذي يمكن ان يطرح هو حالة رفع الدعوى الى المحكمة المدنية تاسيسا على مقتضيات الفصل :    445، وتخلف احد شروط قيام الجنحة فهل يمكن للمحكمة ان تقضي بالتعويض على اساس ان الواقعة، وان لم تشكل بلاغا كاذبا، فانها تشكل خطا مدنيا ناتجا عن التسرع او التعسف في استعمال الحق ؟
 في الجواب عن هذا السؤال يرى بعض الفقه ان للمحكمة ان تبحث مد ى توافر الخطا المدني المستوجب للتعويض من عدمه في واقعة   التبليغ ذاتها، اعتبارا لكون التبليغ خطا مدني يستوجب التعويض اذا كان صادرا من قبيل التعسف في الاتهام، آو بقصد التعريض بسمعة المبلغ ضده، آو في القليل عن رعونة آو عدم تبصر (19).



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15) حكم المجلس الاعلى رقم 229 بتاريخ 12/3/1959 مجموعة قرارات المجلس الاعلى في المادة الجنائية (النشرة الفرنسية ) الجزء الاول ص 67.
16) ( محكمة النقض الفرنسية قرار مدني بتاريخ 3/8/1922 دالوز الدوري، 1926، 1، 150). 
17) ( محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 17/6/1927، جريدة القصر 1927، 2، 507).
18) ( محكمة النقض الفرنسية قرار بتاريخ 25/11/1938، جريدة القصر – 1939، 1، 204).
19) ( انظر كتاب الاستاذ رؤوف عبيد في جرائم الاعتداء على الاشخاص والاموال الصفحة 242).

والقول بمثل هذا الراي في التشريع المغربي يجد سنده في الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية الناص على ان القاضي يبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة، ولو لم يطلب الاطراف ذلك بصفة صريحة، او كما قضى المجلس الاعلى بذلك مؤكدا بان على القاضي ان يبت طبقا للقوانين المطبقة على النازلة، ولو طلب الاطراف تطبيق مقتضيات قانونية، غير ذات تطبيق على النازلة المعروضة على انظار المحكمة (20).
 ومما يجدر التذكير به ان لجوء المبلغ ضده الى المحكمة المدنية للمطالبة   بالتعويض في اطار الفصل : 445 لا يحول دون تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة ضد المبلغ.
* * *
الدعوى المؤسسة على مقتضيات الفصل77 من قانون العقود والالتزامات : 
استقلالا عن سلوك طريق الادعاء المباشر او رفع دعوى مدنية طبقا لمقتضيات الفصل 445، فان للمتضرر من شكاية تعسفية، ان يطالب رافعها بتعويض الضرر اللاحق به، تاسيسا على خطئه المدني المتجلي في تسرعه او تهوره.
 واساس هذه الدعوى هو نفس الخطا المؤسسة عليه دعوى الفصلين 99 و492 من قانون المسطرة الجنائية، أي الخطا الناتج عنه ضرر، مع قيام رابطة السببية بينهما. 
 وخلافا لما ذهب اليه المجلس الاعلى من القول بعد عرض وسيلة الطعن بالنقض على النحو التالي : 
" وحيث ينعى الطاعن على   المحكمة التطبيق الخاطئ للقانون، ذلك انه اقام الدعوى في نطاق الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود، الذي يسمح له بطلب التعويض عن الاضرار التي لحقته من جراء تصرفات الغير، وان الفصلين 99 و331 من قانون المسطرة الجنائية يطبقان على الدعوى المعروضة امام المحكمة الجنحية لا على الدعوى المعروضة على المحكمة المدنية …
 لكن، حيث ان المطلوب، لم يكن متدخلا في الدعوى المحكوم فيها ببراءته بوصفه مطالبا بالحق المدني، وان تقديمه للشكاية ضد الطاعن هو من باب المشتكي الذي هو حق كل مواطن، وانه ما دام للطاعن لم يثبت تعسفه في تلك الشكاية، فان المحكمة عندما قضت عن صواب برفض الطلب، تكون قد طبقت مقتضيات الفصل77 من قانون الالتزامات والعقود".
 فان الدعوى متى كانت مؤسسة على مقتضيات الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود فلا ضرورة لان يكون المدعى عليه قد سبق له ان انتصب كطرف مدني في الدعوى المحكوم فيها بالبراءة (21).
 وخلافا للدعوى المؤسسة على مقتضيات الفصل : 445 فان المحكمة المدنية لا تلتزم بوقف النظر، لان اساس الدعوى ليس هو كذب البلاغ، بل التسرع في التشكي كما سبق بيان ذلك (22).
 ويعطي الاجتهاد القضائي للمتضرر الخيار بين سلوك مسطرة الفصلين 99 و492، وبين سلوك مسطرة الفصل 77 من القانون المدني (23)، ومعنى ذلك ان المتضرر، متى سلك أمام المحكمة الجنحية مسطرة الفصلين المذكورين، فلا يمكنه بعد ذلك الرجوع الى القضاء المدني في اطار الفصل 77.
 * * *
        •إثبات كذب البلاغ 
تطبيقا للمبادئ العامة في مادة الاثبات، فان عبأه يقع على كاهل المدعي، وان الاصل هو البراءة. 
وفي جنحة البلاغ الكاذب يكون الظنين بها قد سبق له ان نسب لغيره ارتكاب فعل ما، يستوجب زجرا جزائيا واداريا، برفعه الشكاية او البلاغ الى الجهة المختصة للبت فيه بصفة مباشرة او غيره مباشرة، فيكون بذلك قد ادعى خلاف الاصل، الذي هو براءة ذلك المشتكى به او المبلغ عنه، فعليه عبء الاثبات يقع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
20) قرار الغرفة للمجلس الاعلى عدد : 93 بتاريخ 2/4/1982، ( مجلة المحاكم المغربية العدد 25).
21) قرار المجلس الاعلى عدد : 364 بتاريخ 5/5/1982 ملف مدني عدد 80039، منشور بالعدد 24 من ( مجلة المحاكم المغربية، مع تعليق للاستاذ عبد الله درميش، وهو يذهب الى نفس الراي).
22) ( محكمة النقض الفرنسية قرار بتاريخ 9/2/1932 دالوز الاسبوعي 1932، 204). 
23) ( محكمة النقض الفرنسية قرار جنائي بتاريخ 10/11/1934، النشرة الجنائية رقم: 168).

 وما دام البلاغ يمكن رفعه بكافة الوسائل، الكتابية والشفوية المباشرة وغير المباشرة، فان اثباته يكون بكافة الوسائل المقررة في قانون المسطرة الجنائية.
 واذا كان السؤال يمكن ان يطرح من الناحيتين النظرية والعملية، حول ضرورة توفر المحكمة الموضوع وهي بصدد البت في دعوى البلاغ الكاذب على نسخة الشكاية التي ابلغ بواسطتها الظنين، لتطلع على محتواها ويتبين لديها توافرها على جميع الشروط المتطلبة لقيام هذه الجنحة، وما يزكي ذلك من تخويل المشرع بمقتضى الفصل 30 من ظهير17 يناير1961 بشان تحديد الصوائر القضائية في الميدان الزجري، في مادة الجنح الضبطية والتأديبية للاطراف من حق طلب نسخ من الشكايات والبلاغات والقرارات على نفقتهم، بعد اذن النيابة العامة، وحتى لغير الاطراف الحق في تسلم نسخ الاحكام والقرارات طبقا للفصل31، وفي الجنايات اعطى مشرع المسطرة الجنائية في الفصل 458 للمتهم والمطالب بالحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية او وكلائهم الحق في اخذ نسخ على نفقتهم من جميع اوراق الملف. 
 فانه ومع ذلك، فالمتضرر من جنحة البلاغ الكاذب ليس ملزما بتزويد المحكمة بنسخة الشكاية أو البلاغ، ما دام اثباتها قد يجد سندا له من بين وثائق الملف كالمحضر المتضمن لتصريحات المشتكي او المبلغ، وكنسخة الحكم الصادر ببراءة المبلغ ضده، الامر الذي يثبت مادية صدور التبليغ عن الظنين.
 هذا وان ما قد يلفى بقرارات صادرة عن محكمة النقض الفرنسية قبل سنة 1943، من ضرورة اشتراط وجود نسخة من الشكاية او البلاغ   بملف المحكمة وهي تنظر دعوى البلاغ الكاذب، فان مرجع ذلك هو ان الفصل 373 من القانون الجنائي الفرنسي كان في اصله وقبل تعديله بتاريخ : 8/10/1943 يشترط لعقاب جنحة البلاغ الكاذب ان تتم بواسطة الكتابة، الا ان القضاء الفرنسي، وبعد تعديل التشريع، وصيرورته في نصه المشابه بالتمام لنص الفصل 445 من القانون الجنائي المغربي، لم يبق وفيا لاجتهاده السابق بضرورة اشتراط وجود نسخة من الشكاية الكتابية، بسبب التوسيع الذي عرفه نص الفصل 373، فاجاز اثبات وجود الكتابة بواسطة شهادة الشهود او القرائن لا سيما وان الامر لم يبق مقصورا على القضاء وحده بل شمل الجهات الادارية، والوظيفية، وحتى ارباب المعامل.
 هذا وما دام الكلام عن مقارنة النصين الفرنسي والمغربي، فان الدارس لقرارات المحاكم الفرنسية الصادرة قبيل تعديل النص سنة 1943 وبعده بسنوات، يلفي انها تدور في اغلبها حول وشاية بافعال ذات اتصال بالحرب وتوابعها، كالتعامل مع العدو، أو جرائم التموين، الامر الذي يمكن ان يعتبر في نظري السبب الداعي الى قول المشرع الفرنسي بامكانية حصول الوشاية بكافة الوسائل وامكانية مباشرة الدعوى المتعلقة بها بعد حفظ الشكاية من طرف النيابة العامة، او حتى من طرف رؤساء المبلغ ضده او رب العمل.
 فإذا كانت العلة المذكورة يمكن ان تعتبر واحدة من التي دعت الى تعديل النص وتوسيع مداه، فان القانون الجنائي المغربي لم تكن له مبررات لوضع ذات النص الفرنسي، الامر الذي يبقي الدور للقضاء لعدم التوسع في مفهوم الفصل 445، والتاكد من قيام كافة الشروط ولا سيما كذب البلاغ، اذ ليس كل   حفظ محضر من طرف النيابة العامة، او حكم بالبراءة يعني بصفة تلقائية ومباشرة    كذب البلاغ،   بل لابد من ابراز عنصر العلم بكذب الوقائع، او مسخها وتشويهها قصدا، أي ان يعلم المبلغ بان المبلغ عنه برئ مما نسبه إليه.
 وهكذا فمن اعتقد بصحة الواقعة وابلغ عنها، وتبين عدم صحتها، فليس بواش، كما ان من اشتكى من فعل ما وخانه دليل الاثبات، او احجم الشهود عن تدعيم اقواله، فما هو بالواشي، وبعبارة موجزة، فان مجرد العجز عن الاثبات لا ينهض حجة على كذب البلاغ.
 وتؤخذ الوضعية الاجتماعية للشخص المبلغ وسنه وثقافته والظروف البيئية المحيطة به، ماخذ الوسيلة التقديرية للقول بمدى علمه بكذب الوقائع من عدمه، علما بان التهور وحده لا تقوم معه الوشاية بقدر ما يمكن ان يكون اساسا للمساءلة المدنية.
وغني عن البيان ان المبلغ لا يقع على عاتقه عبء الاثبات بخصوص الواقعة التي ابلغ عنها، من حيث وجودها من عدمه، بقدر ما ينوء كاهله بعبء اثبات اعتقاده بصحة ما ابلغ عنه.
         •حول نيابة محام عن مشتك، ومدى مسئولية هذا الاخير. 
لقد اصدر القضاء الفرنسي القرارين الاتيين، واللذين يمكن تاسيسا عليهما تسليط بعض الاضواء على  هذا الموضوع، الذي لا يتسع المجال لبسط النقاش حوله: 
 القرار الاول : 
" ان الأقوال وحتى الكتابات الصادرة عن محام، لا يمكنها ان تسبب خطا الى موكله، ولا ان تشكل اساسا لدعوى البلاغ الكاذب ضده (24).
 القرار الثاني : 
ان المتهم الذي حررت الشكاية نيابة عنه وبناء على تعليماته، من طرف محام، والذي اكد بعد ذلك جميع الاتهامات الواردة في الشكاية، لا يقبل دفعه بان مسئوليته الجنائية غير مثارة (25).
 يتبين من هذين القرارين، ان اولهما يمكن ان يدخل في نطاق مناقشة حصانة الدفاع من جهة، وفي نطاق مبدا حرية المحامي في ابداء دفاعه على الوجه الذي يراه مناسبا، وكل ذلك استقلالا عن شخص موكله الذي لا يمكن ان يسال عن البلاغ الكاذب بناء على الوقائع التي قد يكون المحامي استعرضها في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته الكتابية (26)، وثانيهما وهو الذي قد يطرح   بعض الاشكالات، متى ادعى الشاكي دفعا لمسئوليته بانه عرض وقائع قضيته على المحامي الذي ينوب عنه، ودون ان يطلب منه سلوك الطريق الجنحي سلكه، وانتهى ببراءة المشتكى به.
 ففي هذه الحال، وبصرف النظر عن كون المحامي لا يمكن ان يسال شخصيا عن دعوى البلاغ الكاذب، طبقا لقواعد الوكالة بصفة عامة، ولقواعد المهنة واعرافها بصفة خاصة، ولكون دعوى البلاغ الكاذب تستهدف زجر التبليغ عن واقعة ثبت كذبها او مسخها، وعلم المحامي بها لنقلها الى السلطات القضائية المختصة، لم يات الا عن طريق موكله، فان المشتكي لا يقبل دفعه بانتفاء مسئوليته، خاصة وانه في غالب الاحوال ما يستدعى من طرف الضابطة القضائية للاستماع اليه، او قضاء التحقيق أو المحكمة الجنحية في اطار الشكاية المباشرة، ان ارتات ذلك، ويعتبر تاكيده للشكاية المرفوعة نيابة عنه من طرف المحامي تبنيا لها. 
 وتلافيا لكل هذه الاشكالات، فقد استقر العرف لدى محامي هيئة الدار البيضاء بصفة خاصة، على دعوتهم المشتكين الى توقيع الشكاية إلى جانب توقيع المحامي لها، بل ان بعض الاقدمين من الزملاء يلجأ إلى تحرير الشكاية باسم الموكل دون النيابة عنه، وبعد وضع الشكاية لدى الجهة القضائية المختصة، يدلي المحامي بنيابته عن الشاكي.
         •بيانات الحكم بالإدانة: 
ختاما لهذا البحث المتواضع، لابد من الاشارة الى ان الحكم القاضي بالادانة من اجل جنحة البلاغ الكاذب ينبغي ان يوضح صدور البلاغ عن شخص او اكثر، والوقائع المبلغ عنها، والجهة التي تم التبليغ اليها، مع بيان ما يفيد كذب البلاغ، والتعليلات التي استخلص منها ذلك، أي القصد الجنائي، ليتمكن المجلس الاعلى من مراقبة مدى مراعاة القانون من طرف محكمة الموضوع والوصف القانوني الذي تتسم به الوقائع المبنية عليها المتابعة الجنائية. 
  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
24) ( المحكمة المدنية بنيس، حكم بتاريخ 13/4/1953 جريدة القصر 1953، 2، 86). 
25) ( مجلة النقض الفرنسية قرار جنائي بتاريخ 25/4/1979 النشرة الجنائية رقم 148). 
26) ( انظروا الدراسة المنشورة بالعدد 16، 17 من مجلة المحاكم المغربية حول حصانة الدفاع في القانون المغربي للاستاذ عبد الكبير طبيح).

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 40، ص37