9.19.2017

الظاهرة الإجرامية "أساليب الرصد والمواجهة" الأستاذعبد الواحد إمام مرسي•

الظاهرة الإجرامية "أساليب الرصد والمواجهة" الأستاذعبد الواحد إمام مرسي•












الظاهرة الإجرامية
"أساليب الرصد والمواجهة"
الأستاذعبد الواحد إمام مرسي•







المقدمة

توافر الأمن في مجتمع ما يحقق سعادة لهذا المجتمع، ويمنحه فرص التقدم، ويجعله قبلة للناس من كل حدب وصوب، للعيش فيه أو العمل به، ونقيضه الخوف والجوع، وقد صور لنا القرآن الكريم المقارنة بين الحالتين، في قوله تعإلى: (وضرب الله مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)( ).

الآثار التي تتركها الجريمة الواحدة في نفس الضحية، وأسرته وعلى المجتمع ككل أمر يدركه الجميع، فما بالنا إذا تعددت الجرائم، وتكررت في مكان محدود، والتي تعرف بالظاهرة الإجرامية فالاثار اعم وأخطر. لذلك لم يكن غريبا أن يتشدد المشرع في جميع دول العالم، في عقاب مرتكبي هذه الجرائم، فيما يطلق عليه الفقه الجنائي بـ التعدد المادي والحقيقي للجرائم، وعلى نفس المنوال سار المشرع الإتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

من هنا تمثل الظاهرة الإجرامية تحديا لجهاز الشرطة، إلا أنه للأسف الشديد، هناك قصور لدى أفراد الشرطة في معرفة ماهية الظاهرة، وعناصر تكوينها، وطرق ردها ومؤشرات التنبؤ بها، والتصدي لها ومواجهتها. لذا كان موضوع بحثنا، "الظاهرة الإجرامية" لأهميتها سواء من الناحية القانونية، أو العملية، حتى أنها أصبحت أحد أهداف علم الجريمة، ولذلك فإن البعض يعرفه بأنه علم "دراسة الظاهرة الإجرامية"( ). أدعو الله أن أكون قد وفقت في إبراز أهميتها، ولا سيما أنها لم تنل ما تستحقه من دراسة في مراجعنا القانونية والشرطية بما يجب أن يكون.

تمهيد

موضوع البحث: يتناول "الظاهرة الإجرامية"، في محاولة للتعرف على أسبابها، وكيفية رصدها ومؤشرات التنبؤ بها، وطرق التصدي لها، لما لها من خطورة على أمن الأفراد والمجتمع.

مشكلة البحث: يتعرض البحث لمواجهة مشكلة هامة وهي إهمال الشرطة، التصدي للظواهر الإجرامية – في بدايتها – رغم ظهور مؤشراتها في الأفق، مما يؤدي إلى إنتشارها، ومن ثم زعزعة الأمن، وصعوبة إقتلاعها بعد ذلك.
أهداف البحث:  يهدف البحث إلى :

بيان الأخطار والأضرار المترتبة على الظواهر الإجرامية.
تحديد العناصر الأساسية، المكونة للظاهرة الإجرامية.
بيان طرق رصد الظاهرة الإجرامية، حتى يمكن وأدها في بدايتها قبل إستفحالها.
يهدف البحث إلى توجيه رجال الشرطة، إلى اهمية علم الإحصاء الجنائي، كعنصر هام في كشف الظاهرة الإجرامية.

أهمية البحث: يهدف البحث إلى تحقيق النتائج التالية:

إن موضوع "الظاهرة الإجرامية"، من الموضوعات الهامة، لرجال الشرطة، حيث تبرز خطورة مرتكبيها الإجرامية، الأمر الذي يقتضي سرعة التصدي لها، منذ بدايتها بحسم وحزم.

أن آلية العمل الشرطي التي كانت معروفة ومستقرة خلال السنوات الماضية، بدأت معالمها في التغير، في ظل العلم والمعرفة، الأمر الذي يتطلب مواجهة الظاهرة الإجرامية بالإسلوب العلمي القائم على التخطيط المنظم، سواء في تحديدها أو في القضاء عليها.

بجانب ذلك تبرز أهمية أخرى للبحث يستمدها من التغيرات والتطورات التي يشهدها عالم اليوم والتي أدت بدورها إلى حدوث تغيرات إجتماعية، ولا سيما في الأفعال المخلة للأمن، ومن المنتظر أن نشهد "ظواهر إجرامية" حديثة، لم تكن معروفة من قبل، والبحث يلقي الضوء على كيفية التعامل مع هذه الظواهر من بداية ظهورها، وتحجيمها، والقضاء عليها، قبل إنتشارها.

يبرز البحث أهمية تحقيق جانب الردع العام، لما في القضاء على الظاهرة الإجرامية، من تطبيق الأحكام القضائية المتعلقة بالعقوبات في حالة التعدد المادي للجرائم، ومن شأن ذلك القضاء على فئة خطرة من المجرمين.

يلقي البحث الضوء على أهمية التعرف على الأساليب والعوامل التي تؤدي إلى بروز وظهور الظاهرة الإجرامية، الأمر الذي يمكن التنبوء بها وتوقعها، ومن ثم يمكن لرجال الشرطة اتخاذ إجراءات المنع، للحيلولة دون حدوث هذه الظواهر الإجرامية.

فروض البحث:  يسعى البحث لإختبار الفروض التالية:

1. القصور الشديد في التعامل مع الظواهر الإجرامية.
2. أسلوب تقييم عمل رجال الشرطة، وأثر ذلك في إهمال التعامل مع الظاهرة الإجرامية بالإسلوب المناسب.
3. الحاجة الشديدة للتوسع في تطبيق الإحصاء الجنائي للوقوف على مسار الجرائم والوقوف على الظواهر الإجرامية.
4. الظواهر الإجرامية وخطورتها واضرارها على الأفراد والمجتمع، وزعزعة الثقة بين أجهزة الأمن والمجتمع.

منهج البحث:  إعتمد الباحث المنهج "المكتبي" بالرجوع إلى الأدبيات والمراجع العربية على ندرتها، ولا سيما في المجال الشرطي، حيث إن مراجع الفقه الجنائي تناولت الظاهرة الإجرامية في مجال العقوبات بإعتبارها أحد نماذج التعدد "المادي" كما تناولتها، مراجع علم الإجرام في مجال دراسة الأسباب التي تدفع المجرم إلى ارتكابها، واسباب تكوينها، ومن هنا كان لإعتمادنا على خبرتنا العملية في مجال البحث الجنائي، بالشرطة المصرية لمدة خمسة وعشرين عاما، وكمدرس لمادة التحقيق والبحث الجنائي في كلية الشرطة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أمر هام جدا في إظهار الجوانب والآثار العملية لموضوع البحث.


محتويات البحث:

القسم الأول:  الإطار النظري :

المبحث الأول:  ماهية الظاهرة الإجرامية.

المطلب الأول: مفهومها وعناصرها وأنواعها.
المطلب الثاني: تكوين الظاهرة الإجرامية وخصائصها.


المبحث الثاني: رصد الظاهرة الإجرامية ومواجهتها:

المطلب الأول:  التنبؤ بالظاهرة الإجرامية.
  المطلب الثاني:  أساليب مواجهة الظاهرة الإجرامية.

القسم الثاني: الإطار التطبيقي

النتائج

التوصيات

المراجع

القسم الأول
الإطار النظري
المبحث الأول
ماهية الظاهرة الإجرامية

يعد الوقوف على مفهوم الظاهرة الإجرامية أمرا ضروريا، حيث ان مضمونها يختلط بكثير من المصطلحات القانونية، والشرطية، حتى أن الجريمة بمفردها تعد في حد ذاتها ظاهرة.

المطلب الأول
مفهومها وعناصرها وأنواعها


يقتضي تحديد مفهوم الظاهرة الإجرامية، تعريفها في اللغة العربية، والإنجليزية كمدخل اساسي للتعرف على مفهومها ومعناها.

الفرع الأول
تعريف الظاهرة الإجرامية

‌أ- في اللغة العربية :  يقال "ظهر" الشيء ظهورا أي تبين وبرز بعد خفاء، وظهر على الحائط ونحوه اي علاه، وظهر على الأمر:  أي أطلع، وفي التنزيل العزيز إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم .، و "ظاهر" بين الثوبين مظاهرة، و "ظهارا" أي طابق بينهما، ولبس احدهما على الآخر، و "ظاهر" فلانا اي عاونه.

من التعريف اللغوي يمكن القول إن الظاهرة الإجرامية هي:  "الجرائم التي برزت بعد خفاء، وتتطابق بضروة تكاد أن تلبس كل واحدة منها الأخرى".

‌ب- في اللغة الإنجليزية:  نجد أن كلمة ظاهرة في اللغة الإنجليزية PHENOMENON، وتعني واقعة أو حادثة نادرة أو شخص فائق البراعة ، فالظاهرة الإجرامية، تعني "الحادثة النادرة التي يتصف مرتكبها بالبراعة".

من التعريف السابق يمكن القول إن التعريف في اللغة الإنجليزية يتجه إلى صفة هامة في الظاهرة الإجرامية، وهي "الندرة" والنظر إلى مرتكبها بأنه " شخص فائق البراعة"،  وفي حين كان المعني في اللغة العربية، أدق من حيث المضمون كما سنرى في التعريف الاصطلاحي.

‌ج- التعريف الاصطلاحي: اتجه خبراء البحث الجنائي في تحديد مفهوم الظاهرة الإجرامية بأنها "تكرار وقوع نوع معين من الجرائم في أماكن معينة بأسلوب إجرامي واحد، خلال فترات زمنية متلاحقة" ، ويعرفها خبراء علم الجريمة "بأنها تكرار وقوع الفعل الإجرامي مع تماثل الإسلوب في حالات تعددها، سواء في فترة زمنية واحدة، أو على فترات زمنية في منطقة جغرافية واحدة، أو تتعدد المناطق الجغرافية، سواء اتحد الاشخاص الفاعلون لها أم اختلفوا .

‌د- تمييز الظواهر الإجرامية عن غيرها من أنواع التعدد في الجرائم:

قد يتعدد النشاط الإجرامي، ويتكرر إلا أنه لا يشكل ظاهرة إجرامية معينة، وليس معنى ذلك أنه يقل أهمية عنها فكلاهما ينم عن خطورة إجرامية، ويقتضي إجراءات مواجهة قوية، ونتعرض لتلك الحالات لتمييزها و فك الإرتباط بينهما.

‌أ. الجرائم المركبة:  قد يرتكب الجاني جريمة قتل لكي يسرق أموال المجني عليه، مثل قيام الجناة بقتل طفلين، وإغراقهما بالترعة، وذلك بقصد سرقة المواشي التي كانت في حراستهما، فالقصد هنا "سرقة المواشي"،  وحتى يتمكنوا من ذلك ارتكبوا جريمة "قتل" فالقتل مكمل للسرقة، وقد يقتل المجني عليها بعد اغتصابها، لكي لا ينكشف امره، وقد يزور في الدفاتر الرسمية لإخفاء جريمة اختلاس، وقد ورد هذا النوع من الارتباط في المادة (32) من قانون العقوبات المصري في الفقرة الثانية منه، والتي تنص على انه ".... وإذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة بحيث لا تقبل التجزئة وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة لا تقبل التجزئة، والحكم بالعقوبة المقررة الاشد لتلك الجرائم، من النص يتضح أن مناط الارتباط هنا يتطلب توافر شرطين، وحدة الغرض وعدم القابلية للتجزئة، وقد أكدت محكمة النقض المصرية هذا التفسير في حكم لها " لما كان من المقرر أن مناط تطبيق الفقرة الثانية من المادة (32) من قانون العقوبات ان تكون الجرائم قد انتظمتها خطة جنائية واحدة بعد أفعال مكملة لبعضها البعض بحيث تتكون منها مجتمعة الوحدة الإجرامية التي عناها المشرع بالحكم الوارد في الفقرة المشار اليها، وان تقدير قيام الارتباط بين الجرائم هو مما يدخل في موضوع الدعوى .

هذا التعدد في النشاط الإجرامي يتفق مع الظاهرة الإجرامية في وحدة الغرض والهدف من النشاط الإجرامي، إلا انهما يختلفان في :

إختلاف عدد الضحايا في الجرائم:  فالمجني عليه شخص واحد في الجرائم المركبة أو المقترنة في حين أن المجني عليه في الظواهر الإجرامية متعدد ومختلف باختلاف الجرائم.
إختلاف مكان وزمان الجرائم:  ففي الجرائم المركبة والمرتبطة، تقع في زمن واحد وفي مكان واحد، أو في مكان قريب من الفعل الإجرامي الأول، بحيث يمكن القول إنهما مكان واحد، بعكس الظاهرة التي تحدث خلال فترات زمنية متلاحقة، وفي أماكن مختلفة ذات طبيعة معينة قد تكون متجاورة أو متباعدة. وقد أكدت محكمة النقص المصرية ذلك في حكم لها بقولها (... وكانت الوقائع كما اثبتها الحكم المطعون فيه، وعلى ما يسلم به الطاعن في طعنه تشير إلى ان الجرائم التي قارفها وقعت على عدة أشخاص مختلفين، وفي تواريخ وأمكنة وظروف مختلفة، وهو ما يفيد بذاته ان ما وقع منه في كل جريمة لم يكن وليد نشاط إجرامي واحد فإن ذلك لا يتحقق به الارتباط الذي لا يقبل التجزئة موضوع الدعوى الحالية، وبين الجريمتين الاخريين موضوع الدعويين المشار اليهما ".

وقد سار المشرع الاتحادي في المادة 88 من قانون العقوبات في دولة الإمارات العربية المتحدة على نفس المنوال بقوله "إذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها ارتباطا لا يقبل التجزئة وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم .

‌ب. التعدد المادي أو الحقيقي للجرائم:  يقصد بهذا النوع من التعدد تعدد الانشطة الإجرامية للجاني، بحيث يقع بكل منها جريمة قائمة بذاتها، وقد تكون هذه الجرائم متماثلة كما لو ارتكب الجاني مجموعة من جرائم القتل، أو السرقة، أو الضرب، وقد تكن متنوعة كما في السرقة، والقذف ، والقاعدة العامة التي أوردها المشرع الاتحادي في قانون العقوبات الإماراتي، في الفقرة الأولى من المادة 91 أن إرتكاب شخص لعدة جرائم تتوافر بشأنها الاحكام الخاصة بالتعدد المادي يستوجب أن تطبق عليه العقوبات المقررة لكل منها وتنفذ العقوبات بالتعاقب، وإذا كانت متنوعة وجب تنفيذ عقوبة السجن أولا ثم عقوبة الحبس، واورد المشرع استثناء من هذه القواعد العامة في المادة 91 حيث وضع حدا اقصى للعقوبات السالبة للحرية، ونص المادة (88) في تطبيق العقوبة الأشد ويلاحظ هنا ان الظاهرة الإجرامية تعد احدى صور التعدد المادي، في حالة تماثل النشاط الإجرامي، كما لو ارتكب الجاني مجموعة من جرائم سرقات المساكن أو السيارات، وغير ذلك من الجرائم المتماثلة.

‌ج. التعدد المعنوي: ويقصد به تعدد النتائج الإجرامية الناتجة عن نشاط واحد، كما لو حدث نتيجة سرقة الجاني للمنقولات تلف منقولات اخرى. هذا التعدد يختلف عن الظاهرة الإجرامية، التي يتعدد فيها النشاط الإجرامي، وقد يحدث خلال ذلك النشاط تعدد في النتائج ويمكن القول إن التعدد المادي أوسع دائرة من الظاهرة الإجرامية التي تعد إحدى صوره، في حين أنها أوسع نطاقا من التعدد المعنوي.


الفرع الثاني
عناصر الظاهرة الإجرامية وأنواعها

1. العناصر المكونة للظاهرة الإجرامية:

من التعريف السابق للظاهرة الإجرامية، يمكن القول إن عناصرها المكونة لها تتكون من :

أولا: تكرار وتعدد وقوع الفعل الإجرامي:

العنصر الأساسي في تكوين الظاهرة الإجرامية هو التكرار والتعدد، فحادث واحد لا يشكل ظاهرة إجرامية. وشرط التعدد لا يستلزم عددا محدودا من الجرائم، ولكن يكفي أن يرتفع معدل إرتكاب نوع معين من الجرائم بصورة غير معهودة أو مسبوقة.

     ثانيا:  أن ينصب التكرار على نوع معين من الجرائم:

أن تتطابق الجرائم المتكررة، بحيث يمكن القول إنها تكاد تكون واحدة، من شدة تماثلها، ولكي يتحقق ذلك التماثل، لا بد من توافر شرطين:

أ‌- وحدة محل الجريمة:  يجب أن يكون محل الجرائم المتكررة واحدا، كأن تقع على انسان، مسكن، متجر، سيارة، أو خزينة... الخ.

ب‌- وحدة الهدف من الجريمة:  الشرط الثاني ان يكون الهدف الأساسي من ارتكاب هدفا واحدا، مثل قتل إنسان، إغتصاب، سرقة نقود، أو اجهزة كهربائية. ... الخ.

ثالثا:  وحدة الإسلوب الإجرامي:

الإسلوب الإجرامي MODUS OPERANDI ودائما يرمز اليه (M-O) وهو عنصر هام في تحديد الظاهرة الإجرامية، وقد اتفق خبراء البحث الجنائي، على مجموعة من المعايير يمكن من خلالها تحديد الإسلوب الإجرامي وهي:

محل الحادث CLASS – WARD ، موضع الدخل Entry ،الآلات التي يستعملها الجاني MEANS الهدف من الجريمة أو موضوعها  OBJECT، وقت الإرتكاب TIME، ملابس الجاني STYLE ،قصة الجاني TALE ،الشركاء PAL ، طريقة التوجه لمسرح الجريمة أو الهروب منه TRANSPORT
البصمة النفسية أو ماركة الجاني TRADE – MARK. ومما لا شك فيه أن هذه النظرية هامة جدا لرجال الشرطة، حيث إن كل مجرم محترف يتخصص في جريمة معينة وهو يرتكبها بطريقة خاصة به وحده يرى أنها اسهل الطرق، فيصبح أسلوبه في ارتكاب الحوادث واحدا في كل مرة يقارف فيها الجريمة، هذا الإسلوب يظل لاصقا به بحيث لا بد وأن يأتيه عند كل حادث، فيصبح علامته المميزة TRADE MARK  .
رابعا:  مكان الإرتكاب:

مسرح الجريمة الذي يتخذه المجرمون مكانا لإرتكاب جرائمهم امر هام جدا، في تحديد الظاهرة الإجرامية، ويتم تحديد مكان مسرح الجريمة من خلال:

أ‌- أن يكون المكان ذات طبيعة خاصة:  فقد يكون المكان منطقة صناعية أو تجارية أو سكنية، اي يتسم المكان بصفات محددة.
ب‌- أن يكون المكان مرتبطا بمحل الظاهرة أو هدفها أو مرتكبيها:  فقد يكون الجناة مقيمين بالمكان أو احدهم مقيما به، أو يترددون عليه، وقد يكون محل الجرائم الشقق السكنية في المناطق الجديدة.

خامسا: توقيت إرتكاب الجرائم:

الظاهرة الإجرامية ترتكب خلال فترات زمنية متلاحقة، لا يفصل بين جريمة واخرى فترة زمنية كبيرة، بل من سمات الظاهرة ان يكون الفرق الزمني متقاربا بين الجرائم وكلما قرب الزمن يبن الجرائم كانت الظاهرة أخطر.

2. أهم أنواع الظواهر الإجرامية:

بعدما بينا أهم عناصر الظاهرة الإجرامية، يمكن القول إن انواعها تختلف باختلاف المعيار الذي تستند اليه والاساسي في تكوينها:

‌أ- بحسب النشاط الإجرامي:

وهو أكثر الأنواع شيوعا في العمل، حيث ترتبط الظاهرة بنوع النشاط الإجرامي، فإذا كانت الظاهرة متعلقة بسرقة السيارات مثلا، يقال "ظاهرة سرقة سيارات" وكذلك الحال في سرقة المساكن والمتاجر. ... الخ، فيقال ظاهرة سرقة مساكن، ظاهرة سرقة متاجر.

‌ب- بحسب مكان الارتكاب:

يعد البعد الجغرافي والمكاني للظاهرة عنصرا مهما في تكوينها، وقد تكون الظاهرة الإجرامية، "ظاهرة عامة" شاملة لكافة حدود الدولة، مثل تعاطي المخدرات،  أو الإرهاب وقد تكون عامة لمجتمع معين داخل اقليم الدولة، مثل "ظاهرة الثأر" في الوجه القبلي في جنوب مصر.

‌ج- بحسب وقت الإرتكاب: 
هناك ظواهر إجرامية ترتبط بفترة زمنية معينة ذات عوامل مهيأة لنشوء الظاهرة مثالها، ظاهرة سرقة السيارات في الإجازات والعطلات الدراسية والصيفية، ظاهرة سرقة المساكن صيفا، فتكون الظاهرة الإجرامية "موسمية" أما الظواهر الإجرامية غير مرتبطة بفترة معينة، فهي "ظاهرة غير موسمية".
قد تكون الظاهرة الإجرامية مستمرة إذا استغرقت فترة من الزمن، يطلق عليها ظاهرة مستمرة، مثالها قيام عصابة مكونة من اربعة اشخاص بسرقة عدد 16 شقة سكنية بمنطقة الرفاعة حيث استغلوا إهمال قاطنيها بتركهم لأبواب الشقق مفتوحة وكانت حصيلة مسروقاتهم كمية كبيرة من المصوغات ، وقد تكون "ظاهرة متقطعة" وذلك إذا توقفت فترة، ثم عادت للظهور مرة أخرى.


المطلب الثاني
تكوين الظاهرة الإجرامية وخصائصها

الفرع الأول
الاسباب المؤدية للظاهرة الإجرامية

الظاهرة الإجرامية تشبه الظواهر الطبيعية أو إنتشار الأمراض الوبائية، وكلاهما يرتكز في تكوينه على مجموعة من العوامل، فمثلا ظاهرة المد والجزر تعتمد على حركة الشمس والقمر، وظهور مرض وبائي يستند إلى توافر بيئة مناسبة وملائمة لظهور المرض، كذلك الحال بالنسبة للظاهرة الإجرامية حيث تساعد على ظهورها عوامل عديدة من أهمها:

أولا:  عوامل شخصية:

فقد تدفع الضائقة المالية التي يمر بها شخص ما إلى ارتكاب جرائم متعددة، ولا سيما إذا وجد سهولة في اقترافها أو رفقاء السوء الذين يشاركونه، كذلك الحال بالنسبة للمفرج عنهم من السجون أو النوعيات الخطرة الذين لا يجدون عملا فيلجؤون لارتكاب الجرائم طلبا للمال وإنتقاما من المجتمع بل قد يساعد المجني عليهم في نشوء الظاهرة الإجرامية بإهمالهم الشديد، مثل تركهم منقولات بداخل السيارات، وترك مساكنهم فترات طويلة.

من أمثلة ذلك ظاهرة تعرض بعض الفتيات أثناء سيرهن صباحا بميدان "رمسيس" بوسط القاهرة عام 1981م، من مجهولين،  بإلقاء مادة ملتهبة على ملابسهن من الخلف مما يؤدي إلى كشف عورتهن، واصابتهن بحروق، وبالكشف على مرتكبي هذه الظاهرة تبين أن أحدهما يعاني من سوء معاملة زوجة الأب منذ طفولته، والثاني كان يحب فتاة إلا انها تزوجت من غيره، وهكذا كان الدافع لديهما هو الإنتقام من النساء بإستعمال "حامض كبريتيك مخفف".

ثانيا:  عوامل مكانية:

الأرض الفضاء النائية أو الأماكن المظلمة قد تؤدي إلى انتشار ظاهرة إجرامية، مثل جرائم السرقات بإكراه، أو الاغتصاب، بل قد يؤدي نشوء ظروف جديدة بمكان ما إلى ظهور ظاهرة إجرامية، مثل تحويل منطقة معينة إلى "سوق تجاري" أو افتتاح العديد من المحلات التجارية يؤدي إلى نشوء ظاهرة سرقات متاجر. .. الخ.

فقد انتشر في مدينة القاهرة إنشاء عربات ثابتة كجمعيات استهلاكية صغيرة، تبيع المواد الغذائية بأسعار زهيدة، في الأماكن المجاورة للحدائق المفتوحة، ومع بداية ظهورها انتشرت "ظاهرة سرقة المواد الغذائية" من داخل هذه الجمعيات، وبضبط مرتكبها، تبين انه يستغل الحديقة، والظلام الدامس ليلا بها في ارتكاب جرائمه والهروب بالمسروقات.

ثالثا:  عوامل اجتماعية

العصبية القبلية قد تؤدي إلى "ظاهرة الثأر"، كما هو الحال في جنوب مصر، كذلك انتشار البطالة، والفقر في مجتمع ما قد تؤدي إي بزوغ الظواهر الإجرامية المختلفة.

رابعا:   عوامل اقتصادية:

صدور قرارات اقتصادية جديدة من شأنها ان تؤدي إلى نشوء ظاهرة إجرامية مثل تحرير التجارة، والسماح للأجانب بتكوين شركات توظيف أموال، يؤدي إلى ظهور "ظاهرة النصب" أو ظاهرة تهريب الأموال" أو "النصب على البنوك".

خامسا:  عوامل سياسية:

انتشار المظاهرات في منطقة معينة، قد يؤدي إلى انتشار ظاهرة السرقة، استغلالا لهذا الموقف السياسي.


الفرع الثاني
سمات الظاهرة الإجرامية

تتصف الظاهرة الإجرامية بسمات، وخصائص محددة يمكن إجمالها في :

1. الظهور الفجائي:  تتصف بالبروز الفجائي في منطقة ما كان يسودها الأمن، أي لم تكن موجودة من قبل، حيث يشعر بها الجميع مواطنين ورجال شرطة.
2. وضوح الظاهرة:  من خصائصها الوضوح التام ببروزها على السطح، سواء نتيجة تعرض ممتلكات العديد من المواطنين للسرقة، أو في الارتفاع المفاجئ في معدل جرائم معينة.
3. وحدة الهدف والغرض:  للظاهرة الإجرامية هدفا واضحا، فقد يكون الهدف منها سرقة النقود، أو سرقة المصوغات، أو سرقة السيارات للنزهة. .. ألخ.
4. تعدد المجني عليهم:  من شأن تعداد و تكرار النشاط والفعل الإجرامي أن يؤدي إلى تعداد الضحايا أو المجني عليهم، فمثلا ظاهرة سرقات السيارات، يعني تعدد المجني عليهم، من اصحاب السيارات التي تعرضت للسرقة.
5. الخطورة الإجرامية لمرتكبي الظاهرة الإجرامية:  يكشف أسلوب ارتكاب الظاهرة الإجرامية، عن مدى خطورة مرتكبيها، حيث يبرز تحديهم للأمن بأسلوب صارخ، وحرصهم على إرتكاب جرائمهم، والهروب من الشرطة.
6. البراعة الفائقة للجناة في إرتكاب الظاهرة:  تنم الظاهرة الإجرامية عن براعة الجناة في الإسلوب الإجرامي حتى انه في حالة تعدد الجناة نجد ان هناك توزيعا جيدا للأدوار.
7. القدرة على الإنتشار:  تتصف الظاهرة الإجرامية بخاصية خطيرة وهي قدرتها على الإنتشار السريع، وتتسع دوما منطقة إرتكابها، ولذلك فإن إهمال التصدي الفوري لها امر خطير جدا، ويعقد من مواجهتها، فقد تمتد إلى أكثر من مكان جغرافي.
8. سهولة السيطرة عليها في بدايتها:  قلنا  من قبل ان الظاهرة الإجرامية تشبه الوباء المرضي، الذي يمكن السيطرة عليه، إذا أمكن تشخيصه بدقة في بداية ظهوره وهكذا يمكن الانتباه اليها في بداية نشوئها حيث تكون محدودة النطاق، معالمها اكثر وضوحا، ومن ثم يمكن القضاء عليها بسهولة، أما التأخر في كشفها يصعب من ضبط مرتكبيها.


المبحث الثاني
رصد الظاهرة الإجرامية ومواجهتها

كلما تم التوصل إلى الظاهرة الإجرامية، في بداية ظهورها على السطح، أدى ذلك بصورة كبيرة إلى سهولة السيطرة والقضاء عليها، ومن هنا تبرز أهمية رصد نشوء الظاهرة لرجال الشرطة.

المطلب الأول
التنبؤ بالظاهرة الإجرامية

إتفق علماء علم الجريمة، وخبراء البحث الجنائي، على مجموعة من الطرق والوسائل التي يجب استخدامها للتنبؤ ورصد وجود الظاهرة الإجرامية مع الوضع في الاعتبار ان جميع الوسائل مرتبطة ببعضها.

الفرع الأول
أساليب رصد الظاهرة الإجرامية

هناك عدة أساليب يمكن من خلالها رصد الظواهر الإجرامية على النحو التالي:

أولا:  الملاحظة المنظمة: تقوم هذه الملاحظة على اختيار وانتقاء وعزل للوقائع التي تهم الباحث الجنائي في ميدان عمله، من بين آلاف الوقائع الاخرى التي تتشابك معها  وهذه الملاحظة تعتمد على جهود وخبرة الباحث الجنائي من اجل تفسير الظاهرة.

وأولى مراحل الملاحظة حسي يعتمد على ما تراه عين الباحث الجنائي، خلال المعاينات التي يجريها للحوادث المختلفة، وتحليلها فقيام الباحث الجنائي بالانتقال ومعاينة الحوداث، يعد أحد أهم وسائل الرصد، حيث يستطيع من خلالها ملاحظة التطابق والتماثل بين الجرائم في الإسلوب الإجرامي، وتوقيت ارتكابها، واماكن وقوعها.

ثانيا:  الاستعانة بالاجهزة الفنية (المختبر الجنائي):

يقدم العلم خدماته لرجال الشرطة والبحث الجنائي، وذلك من خلال عمل المختبرالجنائي في مضاهاة الآثار المرفوعة من الحوادث المختلفة، وتطابقها في بعض الحوادث المبلغ بها يؤدي إلى:

تحديد الحوادث التي تشكل ظاهرة إجرامية، فمثلا العثور على آثار متطابقة في عدد من حوادث سرقات المساكن، يدل على أن مرتكبيها هم ذات الجناة، وانهم يشكلون ظاهرة إجرامية.
تحديد الظاهرة الإجرامية، رغم اتساع مكانها، بحيث تشمل عدة مناطق جغرافية، كما لو تطابق الآثار المرفوعة من سرقة مسكن في أبو ظبي، مع سرقة مسكن في دبي، مع اخر في رأي الخيمة، هنا يمكن القول بوجود "ظاهرة إجرامية في سرقة المساكن" على الرغم من انها قد لا تبدو واضحة امام اجهزة البحث في كل إمارة على حدة.
يساعد المختبر الجنائي في القضاء على الظاهرة الإجرامية، وذلك من خلال مضاهاة الآثار المرفوعة من الحوادث، على ما يتم ضبطه، من المتهمين في حوادث متماثلة، ولنا أن نتخيل مقدار هذه الخدمة التي يقدمها رجال المختبر الجنائي، في حالة إذا كان المتهم المضبوط قد تم ضبطة مثلا في إمارة الشارقة، في حين انه شريكا في ظاهرة إجرامية في إمارة العين مثلا، فالوصول اليه من شأنه حل طلاسم هذه الظاهرة الإجرامية – وهو ما كان ليتحقق لأجهزة البحث في الإمارة الأخيرة معرفته دون عون رجال المختبر – بالوقوف على شركاء المتهم المضبوط، وضبطهم ومن ثم القضاء عليها.

ثالثا:  المصادر السرية:

يقاس نجاح ضابط البحث الجنائي، بتعدد مصادرهم من الجمهور أو الثقاة  أو المرشدون السريون "المخبرون السريون" ، أو متابعة النوعيات الخطرة من مسجلين ومفرج عنهم، والوقوف على وسائل تعيشهم ومشروعيتها،  فقد تصل إلى الباحث الجنائي في هذه المصادر معلومات عن حدوث عدة جرائم في منطقة معينة ومرتكبيها.

رابعا:  الإحصاءات الجنائية:  

يعد الإحصاء الجنائي من اهم وسائل الرصد، ويقصد به – في راي الباحث – " مجموعة البيانات الأساسية المتعلقة بالجرائم، مع دراستها وتحليلها، واستنباط النتائج الهامة منها، ورغم تلك الاهمية الا ان هناك معوقات سلبية تحول دون الاستفادة الكاملة من هذا العلم في هذا المجال، كعدم اقتناع بعض رجال البحث بأهميته، أو بمعنى أدق رغبتهم في عدم الكشف عن حقيقة الموقف الجنائي، في نطاق اختصاصهم الوظيفي، خشية التعرض للوم في قيادتهم، فيلجؤن إلى إمداد جهات الرقابة والمتابعة المختصة بالإحصاء الجنائي بمعلومات غير صحيحة عن الجرائم، أو تغير وصف الوقائع مثل تجنيح   الجنايات، أو تغير الوصف والقيد في جنح السرقة إلى تبديد أو إتلاف أو غير ذلك من القيود والأوصاف، حتى لا تدرج في الإحصاء.

خامسا:  تقارير الرأي العام وإتجاهاته:

تبدو أهمية تقارير الرأي العام في الوصول إلى حقيقة الموقف الجنائي، ومسار الجريمة في مجتمع ما ومن أهم صور تقارير الرأي العام شكاوى المواطنين، إلى الجهات المسؤولة أو ما ينشر عبر وسائل الإعلام المختلفة، عن الأوضاع الأمنية في مكان ما.

سادسا:  التقارير الدورية الصادرة من الذين يرتبطون بالأمن:

يمكن الوقوف على حقيقة الظاهرة الإجرامية من خلال التقارير المحررة، مثال: التقارير التي يحررها أفراد الدوريات، عما شاهدوه من أحداث أو أي معلومات وردت إليهم خلال عملهم من وقوع حوادث ولم يبلغ عنها، أو التقارير الخاصة بالاختصاصيين الاجتماعيين العاملين بالجهات الشرطية، أو مؤسسات الأحداث أو السجون.


الفرع الثاني
مؤشرات التنبؤ بالظاهرة الإجرامية

مما لا شك فيه أن وسائل رصد الظاهرة الإجرامية، أسهل كثيرا من التنبؤ بها، حيث إن وسائل الرصد تعتمد على امور حسية ووقائع مادية يمكن ادراكها، على عكس مؤشرات التنبؤ، التي يعتريها كثير من الصعوبات، إلا انه يمكن للباحث الجنائي الإعتماد على مجموعة من المظاهر المرتبطة بعناصر تكوين الظاهرة الإجرامية أو العوامل المؤدية لتكوينها:

أولا: المظاهر المرتبطة بالعناصر الأساسية للظاهرة الإجرامية:

1. المظاهر المتعلقة بالنشاط الإجرامي:

قد يتضمن البلاغ الأول عن واقعة معينة، ما يتيح للباحث الجنائي، أنه يمثل بداية ظاهرة إجرامية، وذلك من خلال النشاط الإجرامي، فمثلا سرقة سيارة في منطقة لم يحدث فيها حوادث سرقات سيارات من قبل ينبئ بإحتمال تكرار هذه الحوادث.

2. من حيث الإسلوب الإجرامي:

قد يشير الإسلوب الإجرامي لحادث ما، إلى انه بداية لبروز ظاهرة إجرامية مثل:

استخدام اسلوب مبتكر في إرتكاب الواقعة، مثال:  إلقاء مواد ملتهبة على الفتيات اثناء سيرهم لكشف عوراتهن، أو غير ذلك من الأساليب المبتكرة. العثور على بصمة نفسية  بمكان الحادث، لم تظهر في حوادث سابقة. أستخدام اساليب حديثة في الدخول لمسرح الجريمة أو الهروب منه، أو أدوات حديثة لم تستعمل من قبل في إرتكاب حوادث سابقة.

3. من حيث زمان ومكان الإرتكاب:

حدوث جريمة في وقت أو مكان ما لم يشهد جرائم من قبل، ينبىء ببداية ظهور ظاهرة إجرامية، مثال: حدوث جريمة سرقة مسكن نهارا، في منطقة لم تشهد سرقات مساكن يشير إلى بداية ظهور "ظاهرة إجرامية".

4. من حيث أطراف الجريمة:

قد يكون الضحية الأولى للجريمة "المجني عليه" شخصية مرموقة ذات مركز اجتماعي معين، فذلك يشير إلى ضرورة توقع الباحث إلى احتمال تعرض شخصيات مماثلة لذات الجريمة، كما حدث في القاهرة من تعرض بعض المطربين عام 1970 م لحوادث سرقات من داخل مساكنهم حتى اطلق على مرتكب هذه الظاهرة "لص الفنانين".

ثانيا: المظاهر المرتبطة بالعوامل المكونة للظاهرة الإجرامية:

قد تستجد عوامل اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية جديدة من شأنها ان تشير للباحث بالتنبؤ ببداية ظاهرة إجرامية، مثال ذلك الإستغناء عن عدد من العاملين في أحد المصانع وتوقفهم عن العمل، كذلك صدور قرارات جديدة تيسر التعامل مع البنوك، كذلك ارتكاب جرائم بأسلوب مبتكر في دولة ما.





المطلب الثاني
أساليب مواجهة الظاهرة الإجرامية

إذا كانت الجريمة تشكل إخلالا خطيرا بالأمن، وإحساس المواطنين بعدم الاطمئنان، فما بالنا بالظاهرة الإجرامية التي تحدث فيها الجرائم بصورة متكررة، خلال فترة زمنية محددة وفي منطقة معينة، مما لا شك فيه أن خطرها لا يقتصر على منطقة حدوثها، بل يمتد إلى كافة المناطق المجاورة، بصورة أشد فتكا ودمارا، فيزداد شعور الأفراد بعدم الأمن وضعف جهازهم الأمني.

الفرع الأول
السيطرة على الظاهرة الإجرامية

الظاهرة الإجرامية كالوباء الفتاك، فهي لا تقل خطورة عن سائر الأوبئة مثل الطاعون، والكوليرا، وغيرهما وأولى درجات التصدي اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع ظهورها، بالقضاء على كافة الظروف المهيئة لظهورها والسيطرة عليها وتحجيمها ومنع امتدادها إلى مناطق اخرى.

أولا:  إجراءات الضبط الإداري "المنع – الوقاية"

إجراءات المنع هي الضمان الأكيد لمنع إنتشار الظواهر الإجرامية والحد منها، وأكد ذلك قانون الشرطة والأمن الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة رقم 12 لسنة 1967، المعدل بالقانون الاتحادي رقم 6 لسنة 1989 في المادة 6 على اختصاصات هيئة الشرطة "حماية دولة الاتحاد من الداخل، مكافحة الجرائم والأفعال التي من شأنها المساس بصالح الدولة وأمنها، ومنع وقوعها، وضبط مرتكبيها في حالة وقوعها، وجمع الأدلة الموصلة إلى ادانتهم والقيام بأعمال التحقيق التي يعهد بها إليها طبقا للقانون".

ويمكن القول إن أهم إجراءات المنع تتمثل في :

1. تكثيف المرور في المناطق ذات الطبيعة الخاصة، مثل " الأسواق – المناطق التجارية – منطقة محلت بيع المصوغات. .. الخ".
2. القيام بحملات عامة، ونوعية – أي تستهدف نوعيات معينة من الخطرين – مختلفة المدة طويلة أو متوسطة أو قصيرة الأجل.
3. توعية أفراد الحراسات الخاصة والمعينين على العقارات والمحلات التجارية، والملاهي والفنادق، بالحوادث التي تقع، وأوصاف مرتكبيها، ومداومة المرور عليهم للوقوف على مدى يقظتهم.
4. مداهمة البؤر والأوكار الإجرامية ، وضبط المترددين عليها، وإزالتها، لما في وجودها من خطورة على الأمن باعتبارها اماكن تجمع للخطرين.
5. توسيع حالات الاشتباه، بما لا يخل بالمعاملة الحسنة مع المواطنين، ومن شأن ذلك تحقيق الردع، لمن تسول له نفسه ارتكاب الجرائم.
6. مداومة المرور على الأماكن التي يلجأ اليها المجرمون لتصريف متحصلات جرائمهم، من ملاه ليلية أو ما يماثلها من أماكن، وتجنيد العاملين بها للاستفادة من معلوماتهم.
7. الاستعانة بوسائل الإعلام المختلفة في توعية المواطنين بالإجراءات التي يجب ان يتبعوها لحماية انفسهم وأموالهم، كذلك توعيتهم بالجرائم التي تحدث،  وكيفية التصدي لها.
8. الاستعانة بالمصادر السرية الموثوق بها من مخبرين "مرشدين" سريين، أو الثقاة في الإرشاد عن الجرائم التي تحدث ولم يبلغ بها، أو مرتكبي الجرائم.
9. تكثييف الجهود في مجال تنفيذ الأحكام، وضبط الهاربين، حيث أن تنفيذ الحكم محصلة جهود مضنية لرجال الشرطة في التنوصل لمرتكبي الجرائم.

ثانيا:  إجراءات التحكم في الظاهرة الإجرامية والسيطرة عليها:

إذا ظهرت الظاهرة الإجرامية رغم إجراءات المنع التي اتخذتها الشرطة، يأتي الدور الهام في التصدي لها بالسيطرة عليها ومنع انتشارها بالإضافة إلى كشفها، ومما هو جدير بالذكر أن كلا الإجراءين يسيران معا جنبا إلى جنب، دون تفضيل أو أسبقية لأحدهما على الآخر، ونتناول الآن الجانب الأول وهو شق السيطرة والتحكم في الظاهرة الإجرامية، ويمكن ايجازها في:

الخطوات التخطيطية المكتبية:

تخصيص ملف للظاهرة الإجرامية يحتوي على جميع الوقائع الخاصة بها، ويفضل ضم صور جميع تحقيقات هذه الوقائع، حتى يمكن الرجوع إليها عند الحاجة إلى أي معلومات.

تفريغ الوقائع الخاصة بالظاهرة الإجرامية في صورة جدول "انظر الجدول رقم 1" يتم تدوين البيانات الأساسية، بتسلسل يبدأ من الواقعة الأولى تليها الثانية، وهكذا....  تبدأ الخطوة التالية في تحليل الجدول، ونقطة البدء، تحديد أماكن الحوادث، بأسماء الشوارع، ثم المنطقة التي تضم هذه الشوارع، ثم المنطقة المجاورة "انظر الشكل رقم (1) على النحو التالي:

شارع (أ)،  شارع (ب)، شارع (ج)، شارع (د) وهكذا بالترتيب تقع هذه الشوارع بالمنطقة الأولى، وهي المنطقة التي تتخذها الظاهرة مسرحا لها – قد تكون الظاهرة في اكثر من منطقة في هذه الحالة يتم توسيع نطاق منطقة الظاهرة – والتي يحدها من الشمال شارع (ف) الغرب شارع (ق) ومن الجنوب (ك) ومن الشرق (ل)، ثم يتم تعيين حدود المنطقة المجاورة الثانية بذات طريقة المنطقة الأولى.
الخطوات التنفيذية العملية:

يتم اختيار الأفراد الذين سوف ينفذن الخطة بصورة جيدة، ويتم توعيتهم بكافةالمعلومات بالظاهرة من توقيتها، وأماكنها، وأسلوب المجرمين في الإرتكاب، وكافة المعلومات التي تم التوصل اليها عن مرتكبيها من اوصاف، أو طريقة توجههم لمسرح الجريمة والهروب منها.

تعد المنطقة الأولى هي منطقة العمليات، حيث يتم تكثيف التواجد الأمني (السري – النظامي) وخاصة في فترات ارتكاب الظاهرة يستفاد من الجدول في تحديد الوقت ويتم اتخاذ الإجراءات التالية في هذه المنطقة:

تقسيم المنطقة إلى مربعات صغيرة:  وهذه بدورها تقسم إلى شوارع محددة للأفراد.

يعين بكل منطقة سيارة دورية راكبة، تقوم بالمرور وتوسيع حالات الاشتباه، مع التركيز على من تتطابق اوصافه مع المجرمين أو في اسلوبهم، كما لو إعتاد المجرمون حمل حقيبة بداخلها ادوات ارتكاب الجرائم.

يعين بكل شارع أكمنة سرية متحركة، مجهزة لاسلكيا، ومسلحة تسليحا كاملا.

القيام بحملات توعية بهذه المناطق تستهدف ضبط النوعيات الخطرة، مع التركيز على النوعيات المعروف عنها ممارسة ذات الإسلوب الإجرامي المماثل لنوع اسلوب الظاهرة.

القيام بأكمنة ثابتة على منافذ المنطقة الأولى – أي منطقة الحوادث – من النظاميين والسريين من أفراد البحث الجنائي، وعمل اكمنة متحركة بالشوارع، التي وقعت بها الظاهرة من أفراد سريين.

يتم تقييم ما اسفرت عنه الخطة يوميا، وتحديد وفحص ما تم التوصل اليه من نتائج، وتصويب الأخطاء التي تحدث اثناء التنفيذ أولا باول، ومحاسبة المقصرين، ولا سيما اذا استمرت الظاهرة في منطقة حدوثها رغم هذه الاجراءات الامنية. 


شكل رقم 1

تحديد منطقة الظاهرة الإجرامية

شــــارع (ل)
شــــارع (ف)
شــــارع (ق)







شــــارع (ب)


شـــارع (أ)


شــــارع (ج)
حوادث 
الظاهرة









شـــ ـارع (د)


شــــارع (ك)



أما فيما يتعلق بالمنطقة المجاورة، وهي التي يحتمل أن ينقل أفراد الظاهرة الإجرامية نشاطهم إليها، فيتم تسيير الدوريات الراكبة مع توسيع حالات الإشتباه والقيام بحملات عامة، وتوعية طويلة الأجل.
وهناك عدة ملاحظات هامة في هذه المرحلة : 
قد تؤدي هذه الإجراءات إلى ضبط مرتكبي الظاهرة أو أحد أفرادها، لذا ينبغي الإهتمام بمن يتم ضبطة خلال هذه الإجراءات، بمضاهاة بصماته على الآثار المتخلفة في الحوادث، واجراء التحريات عنه في مسكنه أو عمله، والوقوف على وسائل تعيشه، وسبب تواجده في مكان ضبطه ولا سيما إذا لم يكن مقيما به مع عرضه على الشهود الذين شاهدوا مرتكبي هذه الظاهرة.

بل قد تؤدي هذه الإجراءات إلى توقف مؤقت لهذه الظاهرة، فيجب الا يتوقف الباحث عن إجراءاته، بل يبحث أسباب التوقف، فقد يكون المتهمون قد تم ضبطهم بمعرفة الأفراد ولكن أهمل فحصهم، أو تم ضبطهم في منطقة أخرى بمعرفة باحث جنائي آخر، ويمكن الاستفادة من المختبر في ذلك الشأن – كما سبق أن وضحنا – فإذا تبين عدم ضبطهم، لا يهدأ الباحث حتى يتمكن من ضبطهم، لأن الخطورة كل الخطورة في عدم الضبط، فهدوء الظاهرة المؤقت يشبه البركان الذي يهدأ مؤقتا، ثم يثور بقوة فيلقي بحممه في كل مكان هنا حال عودة مرتكبيها بعد التوقف لشعورهم بالحاجة الشديدة إلى "المال" مما يجعلهم اكثر نشاطا.

الإهتمام بهذه الإجراءات في أيام ووقت حدوث الظاهرة، ليس معناها عدم القيام بها في غير هذه الاوقات، بل يستمر القيام بإجراءات أمنية ولكن ليس بهذه الكثافة – لضمان تركيز الأفراد مثل زيادة الدورية الراكبة بتقسيم المنطقة إلى منطقتين، ثم القيام بحملات عامة ونوعية مباغته على هذه المنطقة قصيرة الأجل.
















جدول رقم (1)
حصر جرائم الظاهرة الإجرامية



رقم المحظر تاريخ الواقعة تاريخ إكتشاف 
الواقعة 
ومكانها بيانات 
المجني عليه أسلوب 
الإرتكاب الآلات المستخدمة في إرتكاب الواقعة نوعية المسروقات الآثار التي تم العثور عليها بيانات الشهود ملاحظات
........ جنح
........ لسنة 
2002م الساعة ص/م
تاريخ. ./../2002 الموافق السبت الساعة ص/م تاريخ. ./../2002م الموافق الجمعة بالشقة رقم. .....
بالبناية رقم. .... الإسم/.....
الجنسية....
المهنة.....
مقيم. .... كسر باب
بإستخدام آلة حادة أو تسلق نافدة أو مفتاح مصطنع. ... الخ آلة حادة أو مفتاح مصطنع أو. ..... الخ مشغولات ذهبية أو نقود أو أجهزة كهربائية. .. الخ عثر على بصمة أصبع أو بصمة نفسية أو بقعة دم تحمل فصيلة A الإسم /.... 
الجنسية/....
المهنة/....
محل إقامته 
.... رقم 
تليفونه. ... أي بيانات 
اخرى يمكن 
اضافتها


الفرع الثاني 
القضاء على الظاهرة الإجرامية


خطورة الظاهرة الإجرامية أمر لا شك فيه، والقضاء عليها ضرورة أمنية وإجتماعية، وبجانب هذه الأساليب الوقائية السابق شرحها فهناك إجراءات تتعلق بكشفها:

1. المتابعة المستمرة للمسجلين الخطرين، والمفرج عنهم من السجون، والوقوف على وسائل تعيشهم مع التركيز على النوعيات التي تمارس نشاطا إجراميا، مماثلا لذات النشاط الإجرامي في الظاهرة الإجرامية.
2. النشر عن المسروقات – والواردة في جدول الظاهرة – التي استولى عليها مرتكبو الظاهرة من متحصلات جرائمهم،  لدى المتعاملين في المثاليات (تجار المصوغات الذهبية – تجار الأجهزة الكهربائية – تجار التحف. .. الخ) وتوعيتهم بظروف الظاهرة، وتجنيدهم للإرشاد عن المتهمين عن عرض المسروقات عليهم.
3. الاستفادة من الآلات التي قد يعثر عليها في بعض حوادث الظاهرة أو التي قد تخلى عنها الجناة، وتحديد صناع هذه الأدوات أو المصانع والمحلات التي تقوم بتصنيعها أو بيعها، في محاولة للتوصل إلى مرتكبي هذه الظاهرة.
4. تجنيد المصادر السرية المختلفة الموثوق بها،  في محاولة للوصول إلى مرتكبي هذه الظاهرة أو اي معلومات تؤدي إلى الوصول اليهم.

القسم الثاني
الإطار التطبيقي
ظاهرة سفاح المطرية

موجز جرائم الظاهرة الإجرامية :

تخلص وقائع هذه الظاهرة الإجرامية في أنه في الفترة من 25/3/1985م، حتى 29/9/1985م، وقعت تسع حوادث قتل لذكور بمنطقة (أرض البرج) دائرة أقسام شرطة المطرية والسلام بشرق مدينة القاهرة، وجميع الحوادث تمت بأسلوب الخنق باليدين، وكان الباعث الدافع على إرتكابها "السرقة" على النحو الوارد تفصيليا بالجدول المرفق رقم (2).

عناصر تكوين الظاهرة الإجرامية:

التكرار والتعدد: عدد الحوادث تسع (9) حوادث.

نشاط إجرامي واحد: قتل "إزهاق روح إنسان".

الإسلوب الإجرامي:  الخنق باليد أو بإستخدام حبل أ, قطعة قماش.

الباعث الدافع: السرقة وأن الجاني يختار ضحاياه من المواطنين البسطاء.

مكان الحوادث:  منطقة ارض البركة – دائرة اقسام الشرطة (عدد 6 حوادث بالمطرية – عدد 3 حوادث بقسم السلام)، وجميعها أرض فضاء بإستثناء الحادث الأول حيث عثر على الجثة ملقاة بترعة التوفيقية، والأماكن مختارة بعناية فائقة، لبعدها عن الطرق العامة، وانعدام التواجد الأمني بها، ويلاحظ ان الجاني ارتكب الحادث الثامن بذات منطقة الحادث الأول.

زمن الإرتكاب:  توقيت الحوادث في الفترة من (25-3-1985) إلى ( 3-10-1985م) أي حوالي سبعة أشهر فقط أو أقل قليلا.

خطة المنع والسيطرة:

تم وضع خطة بحث عاجلة لإيقاف الظاهرة، كهدف مبدئي، وكشفها، والقضاء عليها كهدف نهائي على النحو التالي:

جدول رقم (2)
حصر حوادث الظاهرة الإجرامية
(سفاح المطرية)

م رقم المحظر تاريخ البلاغ تاريخ الإرتكاب مكان الواقعة بيانات
المجني عليه الإسلوب الإجرامي نوعية
المسروقات الآلات
المستخدمة
1 إداري المطرية 29/3/1985م 25/3/1985م ترعة التوفيقية-المطرية أحمد......
سجل مدني المنيا خنق بالضغط على الرقبة بقطعة قماش سرقة نقود قطعة قماش حول الرقبة المجني عليه
2 إداري المطرية 22/4/1985م 15/4/1985م حقل قمح بأرض الشيخ علي بالمرج محمد حمدي علي جمعة تعفن رمي عدم الجزم بسبب الوفاة ساعة يد + حافظة نقود -
3 إداري السلام 2/5/1985م 2/5/1985م أرض قضاء بمنطقة الأباصير-قسم السلام مجهول خنق بحبل-والجثة مقيدة اليدين بقطعة قماش من الصوف ساعة يد + حافظة نقود حبل من الكتان 
4 إداري السلام 11/7/1985م 6/7/1985م حقل نخيل بمنطقة البركة أبو الإسعاد –المحلة الكبرى الخنق بمنديل ساعة يد + حافظة نقود عثر على مبلغ 5 قروش
5 إداري المطرية 3/8/1985م - شاطي مصرف الكراكة مجهول تعفن رمي عدم الجزم بسبب الوفاة سرقة حافظة النقود منديل حول الرقبة
6 إداري المطرية 1/9/1985م 30/8/1985م حقل ذرة – كفر الباش عامل معماري –بمدينة نصر تعفن رمي، عدم الجزم بسبب الوفاة سرقة النقود منديل حول الرقبة
7 إداري المطرية 7/9/1985م - حوض المتحدة – طريق المرج- القلج الزراعي عبد التواب – اطسا- الفيوم الخنق – الجثة مقيدة اليدين من الخلف. سرقة النقود كيس من الورق يستخدم في اعمال البناء
8 إداري المطرية 24/9/1985م 23/9/1985م حديقة فواكه – بركة الحاج إبراهيم – مقيم بالمطرية الخنق بكوفية خاصة بالمجني عليه سرقة النقود كوفية المجني عليه 
9 إداري السلام 3/10/1985 30/9/1985م حديقة بأرض الشيح منطقة البركة مجهول الخنق بالضغط على الرقبة باليدين سرقة النقود -

1. إنشاء حزام أمني حول مناطق الإرتكاب، وذلك بتتبع مسار الحوادث التي أرتكبت، فالجرائم ارتكبت في محيط لا يتجاوز ثلاثة كيلومترات.

2. تكوين دوريات مشتركة بين القوات النظامية والسرية، مع تحديد نقاط ارتكاز وربطها لاسلكيا بغرفة عمليات قسمي شرطة المطرية، والسلام تحت رئاسة قيادة واحدة.

3. تعيين عدد من الأكمنة السرية على المنافذ، والمداخل المؤدية للمناطق الزراعية، ومحطات السكك الحديدة، ومواقف السيارات العامة القريبة من منطقة الحوادث.

4. تقسيم منطقة الإرتكاب إلى اربعة قطاعات، يتولى المرور على كل قطاع ضابط مباحث ومعه قوة مناسبة في محاولة للحصول على قدر وفير من المعلومات عن الظاهرة ومرتكبيها.

5. توعية أصحاب الحقول والأراضي الزراعية بتلك الحوادث، وتجنيدهم للأخبار عن أي مشاهدات لأشخاص غرباء داخل أراضيهم.

خطة الكشف عن الظاهرة:

تم وضع خطة بحث للقضاء على الظاهرة، والكشف عن مرتكبيها، وضبطهم، وتعتمد على المحاور الرئيسة التالية:

أ‌- بالنسبة لمكان الظاهرة الإجرامية:

فحص المقيمين بمنطقة الظاهرة،  والمترددين عليها، في الأوقات المعاصرة لتوقيت ارتكاب الظاهرة، في محاولة للوصول إلى الجاني من بينهم، أو الحصول على شاهد رؤيا لأحد هذه الوقائع.  فحص النوعيات الخطرة من مسجلين خطرين، والمفرج عنهم حديثا، من المقيمين بتلك المنطقة، والمجاورة لها، مع التركيز على ذوي النشاط الإجرامي المماثل (قتل – سرقة – بالإكراه – نشل – نصب). حصر وفحص الوقائع السابقة المماثلة التي حدثت من قبل في منطقة العثور، ومحاولة الربط بينها، وحوادث الظاهرة الإجرامية، في محاولة للتوصل إلى معلومات تفيد في الوصول إلى الجناة.

تحديد خط السير المحتمل الذي يسلكه الجاني في الدخول إلى منطقة الحوادث والخروج منها، في محاولة للحصول على قدر وفير من المعلومات عنه.
ب‌- بالنسبة للمجني عليهم:

الوقوف على ظروف المجني عليهم، وتاريخ غيابهم، ومحاولة إيجاد علاقة بينهم جميعا، وعلاقتهم بمنطقة الظاهرة الإجرامية.
الوقوف على الخلافات والخصومات التي بين المجني عليهم، واخرين وترقى لارتكاب الحوادث.

ج‌- المسروقات:  

الوقوف من مناقشة اهالي المجني عليهم على نوعية المسروقات، ونشرها بين تجار المثليات في محاولة لضبط الجاني.

د‌- الإسلوب الإجرامي:

فحص المسجلين والمفرج عنهم من السجون، من ذوي النشاط الإجرامي المماثل "قتل – سرقة بإكراه – نصب. .. الخ" مع التركيز على المقيمين منهم بمنطقة الظاهرة والذين يترددون عليها، وكذلك على المنطقة المتاخمة لها.

ذ‌- تجنيد المصادر السرية الموثوق بها: في محاول للوصول إلى قدر وفير من المعلومات عن الظاهرة أو مرتكبيها.

ما أسفرت عنه خطة البحث:

أثناء السير في تنفيذ هذه الإجراءات لاحظت إحدى سيارات المرور بمنطقة الظاهرة، والتابعة لقسم المطرية، وجود مشاجرة بين شخصين، ادعى أحدهم انه "شرطي سري" بقسم الطرية وانه اشتبه في الثاني، ويحاول اقتياده للقسم إلا انه يرفض، وبمناقشة الثاني قرر بأنه حال وقوفه على محطة الأتوبيس، فوجئ بالأول يخبره انه مطلوب لمباحث قسم المطرية، واثناء سيرهما فوجئ به يدلف به إلى الطريق الزراعي، فرفض استكمال السير لأن الطريق مغايرة لإتجاه القسم، فحدثت مشاجرة بينهما.

تم اقتيادهما لقسم شرطة المطرية، حيث تبين ان أوصاف الشخص الذي إدعى بأنه شرطي سري كانت قريبة مما أدلى به بعض الشهود عن اوصاف المتهم، فضلا عن انه ليس شرطيا سريا بقسم المطرية، وبالكشف الفني عنه تبين انه مسجل خطر سرقات عامة، تحت رقم 567 بندر ديروط – أسيوط فئة (ب) وانه سبق اتهامه في عدد 7 حوادث نصب آخرها القضية آخرها رقم 4607 جنح ملوي 1980م.

بمواجهة المتهم اعترف بإرتكابه الجرائم المكونة للظاهرة بالإضافة إلى ارتكابه عدد (2) قضايا أخرى مقيدتين ضد مجهول، تبين أن الأولى مقيدة تحت رقم 286 جنايات قسم شرطة شبرا الخيمة لسنة 1985 .




الدروس المستفادة:

يمكن القول إن أهم الدروس المستفادة تتمثل في :

أن عدم الجزم بسبب الوفاة ليس معناه ان الواقعة ليست جنائية، حيث إن جميع رجال البحث الجنائي بمجرد ورود الصفة التشريحية "بعدم الجزم" يغلقوا ملف القضية، اعتمادا على أنها تحفظ في النيابة، ويؤثرون الراحة، وهو امر جد خطير، فهو بذلك منح مجرم قاتل الحرية الكاملة بلا عقاب، وأن يعث في الأرض فسادا، مما يجعله يستمرئ ارتكاب الجرائم، وبذلك تبدأ ظاهرة إجرامية في الاستفحال نتيجة إهمال رجال الشرطة.

رغم تشابه عدة حوادث في منطقة واحدة (عدد 6) حوادث بقسم المطرية، و(3) حوادث بقسم السلام، إلا أن ضباط المباحث لم يقوموا بأي إجراءات حاسمة، إلا بعد تسع حوادث، ولنا أن نتصور إذا قام رجال الشرطة بإتخاذ الإجراءات المطلوبة في بداية هذه الحوادث، النتيجة الأكيدة هي بالطبع ما كان المتهم يقدم على ارتكاب هذا العدد من الجرائم وسقوط مزيد من الضحايا.

غياب التنسيق بين الجهات الشرطية سواء على نطاق قسم شرطة المطرية، وقسم شرطة السلام حيث إن الربط بين الحوادث كان من شأنه ان يؤدي إلى ضبط المتهم. إهمال رجال الشرطة فحص وقائع الغياب، حيث يكتفون بالنشر عن الغائب فقط، دون بذل أي جهد في فحص ظروف الغياب وملابساته، على الرغم من ان الاهتمام بهذه الوقائع، قد يكشف عن جريمة مثل: خطف أو قتل الخ.

النتائج

نخلص من البحث بالنتائج التالية:

1. إهمال إدراج "الظاهرة الإجرامية" في مناهج البحث الجنائي بالمعاهد والكليات الشرطية، إعتمادا على أنها تندرج في مناهج دراسة قانون العقوبات، بإعتبارها إحدى صور التعدد المادي للجرائم أو التعدد الحقيقي للجرائم. 
2. إن كثيرا من رجال البحث الجنائي يغفلون العناصر الأساسية المكونة للظاهرة الإجرامية ومؤشرات التنبؤ بها، رغم ما يترتب عليها من آثار قانونية، وأمنية خطيرة حيث ما زال يسود العمل الشرطي في جميع انحاء الوطن العربي الإسلوب التقليدي في تقييم وقياس معدل اداء ضباط البحث الجنائي، الذي يعتمد على "الإسلوب الكمي" في عدد الحوادث التي تحدث في نطاق اختصاصه الوطيفي، الأمر الذي يؤدي إلى قيام بالكثيرين منهم إلى محاولة اخفاء حقيقة الوضع الأمني بمحاولة تغيير الوقائع، سواء في وصفها وتكييفها القانوني أو حتى في قيدها والنتيجة الحتمية مزيد من الأخطار الامنية وانتشار الظواهر الإجرامية.
3. رغم دخول العالم الألفية الثالثة، والذي يشهد منذ منتصف القرن الماضي "ثورة علمية"،  إلا أن كثيرا من الجهات الشرطية، في الوطن العربي تغفل اهمية الإحصاء الجنائي، في تقييم العمل الشرطي، والوقوف على مسار الجريمة صعودا وهبوطا، وما يشكل منها الظواهر الإجرامية، وعناصرها الأساسية، على الرغم من توافر خبراء هذا العلم الهام في الوطن العربي عامة، في اجهزة الشرطة خاصة.
4. رغم التطور الذي شهده العالم العربي في جميع المجالات، إلا ان علاقة المواطنين بالشرطة ما زالت يسودها كثير من السلبية، حتى أن كثيرا من المواطنين الذين يتعرضون لحوادث يحجمون عن إبلاغ الجهات الشرطية لأسباب كثيرة منها تعرضهم للوم من بعض أفراد الشرطة، أو تضييع وقتهم في اتخاذ الاجراءات أو التنقل بين الجهات الشرطية والقضائية المختلفة، الامر الذي يستلزم العمل الدائم على إتخاذ كافة السبل نحو تحسين العلاقة بينهما.


التوصيات

نوصي من خلال البحث بالاتي:

1. الاهتمام بتدريس موضوع "الظاهرة الإجرامية" في مناهج البحث الجنائي، في المعاهد والكليات الشرطية، على كافة مستوياتها، وألا يكتفي بما يدرسه الطالب عنها في مادة قانون العقوبات، فالوضع القانوني للظاهرة رغم اهميته الكبرى، لا يغني عن معرفة كافة جوانبها العملية من وسائل تحديدها والتنبؤ بها، والتصدي لها. 

2. إرتباطا بما سبق نرى ضرورة الاهتمام بتدريس "الإحصاء الجنائي" وكيفية الاستفادة منه في تحليل الجرائم، واستخدام المنهج العلمي في التصدي لها، والعالم العربي لديه كثير من العلماء والخبراء في ذلك المجال، فضلا عن وجود إدارات في جميع إجهزة الشرطة العربية للاحصاء الجنائي ولكن للاسف الشديد يقتصر دورها على اصدار تقرير امني سنوي فخم!! ونرى ضرورة تفعيل دور هذه الإدارات في دراسة الجرائم كل فترة ولتكن شهرية، واخطار الجهات بكافة ما تستخلصه من نتائج ومتابعتها.

3. نرى ضرورة إعادة النظر في نظم تقييم ووسائل قياس أداء ضباط البحث الجنائي، بدلا من الإسلوب التقليدي، القائم على "النظام الكمي" – الذي يرتكز على عدد الجرائم التي تقع، والجرائم التي يتم ضبطها، حيث يلجأ الضابط إلى ترجيح مجهوداتهم في الضبط، وتقليل حجم الجرائم التي تقع بشتى الأساليب مما يؤدي إلى حدوث إخلال أمني بإستخدام الإسلوب العلمي بقياس الأداء على الجهد الحقيقي للباحث الجنائي، في منع الجرائم وكشفها.

4. آن الأوان للتنسيق بين الشرطة النظامية من جهة، والشرطة السرية من جهة أخرى، والتنسيق بين أجهزة البحث الجنائي المختلفة من جهة ثالثة، فطبيعة العمل الشرطي تقوم على التكامل، فلا يجوز الفصل بين إجراءات المنع، التي تعد الاختصاص الاصيل للشرطة النظامية، وإجراءات الكشف التي تعد العمل الأساسي لأجهزة البحث الجنائي، فكثيرا من الوقائع تصل للشرطة النظامية بإعتبارها الجهات المختصة بتلقي البلاغات ولا تخطر جهات البحث بها، مما يؤدي إلى مشكلات امنية تفقد اجهزة الامن بسببها الكثير.

5. زيادة توعية المواطنين بالإبلاغ عن كافة الوقائع التي يتعرضون لها، والميل إلى الانتقال اليهم عند تعرضهم لحوادث، تيسيرا عليهم، مع اتخاذ كافة الإجراءات الواجبة احتراما لمشاعرهم، وتوفيرا لوقتهم، وبث الثقة بينهم وبين جهازهم الأمني.

المراجـــع

1. الأستاذ / عبد الواحد إمام مرسي – البحث الجنائي التطبيقي – كلية الشرطة – أبو ظبي – عام 1999م.

2. اللواء / شفيق عصمت – قاموس الشرطة – مكتبة لبنان – بدون سنة نشر.

3. اللواء / محمود السباعي – تخطيط وإدارة عمليات الشرطة – ج1 – مطابع كوستا – القاهرة – 1986م.

4. المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – ج2 – ط3 – سنة 1958 م.

5. د. أحمد عبد العزيز النجار – الظاهرة الإجرامية – دراسة – إصدارات مركز البحوث والدراسات الأمنية والاجتماعية – الإدارة العامة لشرطة أبو ظبي – بدون سنة نشر.

6. د. عمر سالم – مذكرات في قانون العقوبات الاتحادي – كلية الشرطة – ابو ظبي- 1999م.

7. د. فؤاد ذكريا – التفكير العلمي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر – 1996م

8. عميد / محمد فؤاد رحمو – مذكرات في التحقيق الجنائي – كلية الشرطة – مصر – 1991م.

احكام قضائية:

1. أحكام محكمة النقض المصرية – الطعن رقم 6822 لسنة 53ق – جلسة 18 مارس 1984م.

2. أحكام محكمة النقض المصرية – الطعن رقم 2260 لسنة 49ق – جلسة 2/4/1980 – س 31 – 474 – مج فني.

دوريات:
جريدة الإتحاد – أبوظبي – دولة الإمارات العربية المتحدة – العدد الصادر 12/12/1999