كتب قانونية

9.12.2017

الأسس النفسية للسلوك الإجرامي الدكتور عبد السلام بنحدو

الأسس  النفسية  للسلوك الإجرامي الدكتور عبد السلام بنحدو












الأسس  النفسية  للسلوك الإجرامي
الدكتور عبد السلام بنحدو
أستاذ بكلية الحقوق - مراكش

إذا كانت النظريات الاجتماعية تساعدنا على تحديد الجريمة كظاهرة عامة وتحاول أن تبرز بعض الأسباب والدوافع للجريمة، فان علماء الإجرام لا يقف طموحهم العلمي عند هذه المجهودات، وإنما يذهبون في تفكيرهم إلى أن الجريمة ، و هي ذات طبيعة مركبة، لا يمكن أن تتم دراستها والوقوف على أسبابها إلا إذا سلطنا الأضواء على مجامل النفس البشرية و التركيبات الشعورية و اللاشعورية التي تدفع إلى ارتكاب الجرائم وأهمية علم النفس الجنائي تكمن في دراسة الخصائص و الجوانب النفسية للمجرم. وهذه الدراسة، بالرغم مما تمكه من فوائد نظرية وعلمية ، نظرا للكشوفات، وكذا تبيان خصائص وطبائع النفس البشرية وحالها من تأثير على السلوك البشري ، فان علماء الإجرام وعلماء النفس يتفقون على أن دراسة الجريمة كظاهرة فردية مبنية على هذه الخصائص إنما تتعلق بحالة عدم التوافق الاجتماعي أو بحالة عدم السواء، ولذلك نجد أن العالم فرويد يقرر بان الذات السوية التي تماثل بصفة عامة السواء هي نوع من المثالية التي لا وجود لها .

فعلاقة النظريات النفسية بعلم الإجرام تفرض الاهتمام بالجريمة كظاهرة فردية وتستوجب الفحص العيادي أو الاكلينيكي للمجرم و الكشف الطبي على نفسيته وجسمه وأمراضه العقلية توصلا إلى تشخيص مصدر الجريمة و الوقوف على أسبابها والقدرة على التنبؤ بمدى احتمال السقوط ثانية في الإجرام، مما يستتبع ذلك رسم خطة علاجية لمجانبة المجتمع ويلات الجريمة ومساوئها . و هذه هي خصائص علم الإجرام الخاص أو العيادي الذي يعتمد على التشخيص والتنبؤ خطة العمل و التقويم (1) .
وبالرغم مما يوجد من صعوبات للتفريق بين علم الإجرام  والعوامل النفسية كأسباب للجريمة، فان علم النفس الجنائي استطاع أن ينفذ إلى أغوار النفس البشرية

ويحدد خصائصها بل ويكشف عن مقوماتها التي تدفع إلى الإجرام. و يمكن أن نقف على العلاقة بين علم النفس بمفهومه العام وبين السلوك الإجرامي كموضوع له انطلاقا من تعريف الأول و تحديد الثاني . فقد ذهب الأستاذ محمد فتحي إلى تعريف علم النفس بأنه: "العلم الذي يبحث في ملكات العقل ومظاهر التفكير و الظواهر النفسية المختلفة، الشعوري منها وغير الشعوري، وجمع وتحصيل ما نحصل عليه من معلومات عنها، سواء عن طريق المشاهدة أو التجربة أو التحليل ، ورد هذه الظواهر إلى قوانين نفسية عامة يمكن استخدامها في الحياة العملية استخداما صالحا موفقا" (2) .

و ما يلفت النظر في هذا التعريف هو انه تعرض، بالإضافة إلى مواضيع علم النفس المعروفة، إلى أدوات البحث العلمي وهي المشاهدة و التجربة و التحليل . وهذه المصادر، وما تمثله من تفرعات وتخصصات في هذا الميدان، كتداعي الأفكار الذي يحصل من المشاهدة ، و تحديد الظواهر النفسية و ضبط قوانينها عن طريق علم النفس التجريبي ومنه علم النفس الجنائي الذي يحصل من التجربة (3) ، و التعرض إلى دراسة الظواهر الفكرية اللاشعورية أو مركبات النفس الدفينة التي لا علاقة لها بالتحليل . فعلم النفس، إذن ، لم يعد علما فلسفيا أو نظريا محضا ، بل اصبح علما قائما على أدوات البحث العلمي ومفاهيم إجرائية لا تقل قيمتها عن تلك التي تستعمل في سائر العلوم الطبيعية الأخرى (4) .

أما العالم لاكاش، فيعرف علم النفس الجنائي بأنه هو العلم الذي يتناول السلوك الإجرامي تناولا سيكولوجيا ويستخدم الطرق الكبيرة للتناول في علم النفس المعاصر من معالجة عيادية للحالات الفردية ودراسة السلوك كما يعيشه الشخص ويدركه وذلك اعتمادا على أساليب الملاحظة و المقابلة و الاختبارات السيكولوجية المقننة . وبما أن محاولة تفسير شخصية المجرم والوقوف على سلوكه المنحرف لا يتأتى إلا من منظور علاقات الفرد بالجماعة التي تحيط به، فقد تنبه لاكاش إلى أهمية أساليب علم النفس الاجتماعي في هذا الميدان، وربط الدراسة السيكولوجية للسلوك الإجرامي بشرطين أساسيين :

1- تعاون السيكولوجيين على اختلاف تفرع تخصصهم، علم النفس العام وعلم النفس التجريبي، و المقارن، و المرضي ، و الديناميكي و الاجتماعي .
2- لا يمكن للسيكولمهجي أن يعمل مع إغفال الشروط البيولوجية و الاجتماعية موضوع بحثه الذي هو سلوك المجرم وشخصيته (5) .
ويلاحظ أن هذه التعريفات لم تستطع أن تحدد علم النفس الاجتماعي تحديدا دقيقا يسمح بالوقوف على المكونات النفسية التي تشكل قاعدة عدم التوافق الاجتماعي أو الانحراف، مما يساعد على القول بان النظريات الحديثة هي الأولى بالاتباع لأنها تعتمد على منهج جدلي يأخذ بتفاعل السببية الداخلية والسببية الخارجية للإجرام، تهتم بذلك بالعوامل الاجتماعية و العوامل النفسية في دراسة السلوك الإجرامي .
و النظريات التي سنتعرض لها تمشي في هذا الاتجاه لأنها ، بالرغم من الأفكار الاجتماعية التي تعتمد عليها في بعض محاورها، فإنها تبقى نظريات سيكولوجية في الأغراض التي تحققها (6) . ذلك أن دراسة شخصية المجرم وبناء هذه الشخصية من وجهة نظر نفسية تجعل الاعتماد على المعطيات الاجتماعية من صميم هذه الدراسة. وقد لخص هذه الفكرة الأستاذ كريبيني حينما اعتبر أن الجريمة إرادة إجرامية، والإرادة هي خلاصة تفاعل بين عوامل نفسية. فهذه العوامل النفسية هي التي يتعين البحث فيها عن السبب المباشر عن الإرادة الإجرامية على اعتبار أن العوامل الجسمية أو العضوية ليس لها على هذه الإرادة تأثير مباشر. فالجريمة ، بهذه المعنى، مظهر من مظاهر النشاط النفسي . وبديهي أن هذا النشاط إما أن يكون عاديا وإما أن يكون شاذا وإما أن يكون مريضا. و من ثمة فاهم جانب في علم الإجرام هو دراسة التكوين النفساني مع إعطاء العناية الواجبة للتكوين الجثماني أو العضوي (7) ، والجمع بين هذه القوات المختلفة و المؤثرة في سلوك الجاني يظهر بشكل أقوى حينما يتعلق الأمر بدراسة شخصية المجرم والوقوف على مكونات النواة المركزية للشخصية الإجرامية وكذا المراحل و الخطوات النفسية التي يقطعها المجرم للإقدام على الإجرام . بينما تعرف النظريات النفسية المحضة نوعا من الاستقلال وعدم اهتمامها بالعوامل الاجتماعية أو العضوية حينما تتولى دراسة السلوك الاجرامي (8) .

المبحث الأول : سمات الشخصية الإجرامية
حينما يريد علماء النفس أن يقتربوا من الجانح إنما يقومون بدراسة و تحليل السلوك الإجرامي من خلال البعد الذاتي للشخصية الإجرامية ويقع التركيز بالدرجة الأولى على العوامل النفسية التي لها علاقة بهذا السلوك . وحينما تلتقي عوامل اجتماعية أو بيولوجية مع العوامل النفسية فان المحلل النفسي لا يهملها كما انه لا يركز عليها بدرجة أساسية وانما يهتم بها في حدود التأثير أو العلاقة التي تحدثها على نفسية المجرم فتدفعه إلى ارتكاب الجرائم. ومعلوم أن النظريات النفسية التي تهتم بدراسة السلوك الإجرامي تتفاوت فيما بينها لا من حيث دراستها للمجرم ولا من حيث الأسلوب الذي تستعمله، على أن الجوانب التي تستوقفنا في محاولة رصد للمواصفات الأساسية للشخصية الإجرامية هي تلك المكونات الجوهرية التي تشكل الشخصية الإجرامية . وقد تطورت الأعمال والأفكار أساسا لتصل إلى القول بوجود نواة مركزية للشخصية الإجرامية .

المطب الأول : المراحل الأولى  لنظرية الشخصية  الإجرامية
حاول العلماء الذين اهتموا بدراسة الجريمة أن يحصروا الظاهرة الإجرامية في بوثقة من العوامل والأسباب التي تدفع إلى ظهورها، فكان الأخذ بشتى العلوم للإحاطة بطبيعتها التركيبية. إلا أن المجهودات العلمية اتجهت وجهة أخرى وهي التركيز على المجرم ومحاولة استبيان الخطوط و الملامح المميزة لشخصيته الإجرامية وذلك لتسهيل دراسة المجرم ويمكن بالتالي وضع خطة علاجية من خطر البعد الذاتي لهذه الشخصية، على أن مفهوم الشخصية هنا يستوعب جميع السلوكات الاجتماعية والنفسية التي تقوم بتحقيق التوافق النفسي والتوافق الاجتماعي للفرد المجرم بدل السير طويلا في متاهات البحث عن السبب. ويجب الاستعاضة عنه بنظرة واقعية إلى السلوك المنحرف ذي طبيعة متعددة الأبعاد ومتشعبة الجوانب. ومن هنا تظهر أهمية الوقوف على تعريف الشخصية ومعرفة حدودها في تفسير بعض العادات السلوكية وخاصة تلك التي تتسم بالعنف و القهر و الانحراف .

فقد ذهب واطسون Watson  في كتابه " السلوكية" إلى تعريف الشخصية بأنها مجموع أنواع النشاط التي يمكن ملاحظتها في سلوك الفرد بفترة زمنية كافية بحيث يمكن التعرف عليه بدرجة كافية. كما عرفها ألبورت Alport بأنها ذلك التنظيم الدينامي الكامن في الفرد الذي يتضمن مختلف النظم النفسية التي تحدد خصائصه السلوكية وتفكيره. وذهب محمد عماد الدين إسماعيل إلى تعريف الشخصية في كتابه "الشخصية و العلاج النفسي"  بأنها ذلك المفهوم الذي يصف الفرد من حيث هو كل موحد من الأساليب السلوكية والادراكية المعقدة التنظيم التي تميزه عن غيره من الناس وبخاصة في المواقف الاجتماعية (9). هذه التعريفات كلها تشير إلى التعبير بشكل غير سوي يخرجها عن النمط السلوكي للمجتمع، وهذا الجانب هو الذي يهمنا من الدراسة النفسية للسلوك الإجرامي. ولهذا فان الاهتمام بشخصية المجرم ومكوناته النفسية عرف تطورا مهما أفاد علم الإجرام وأغناه بكثير من النظريات النفسية .
- دي  تولوي  DI  TULLIO ونظرية  الاستعداد السابق للإجرام

امتازت المدرسة الإيطالية في علم الإجرام باهتمامها المتواصل بالبحث عن أسباب الجريمة وتلخيصها في معادلة علمية تنهض شرحا علميا للظاهرة الإجرامية .
وقد عرفت هذه المدرسة بعد لومبروزو (10) نهضة علمية قادها أطباء نفسيون وعلى رأسهم دي توليو الذي وصلت مجهوداته إلى القول بنظرية التكوين الإجرامي أو الاستعداد السابق للإجرام (11) . كما أن المجهودات العلمية السابقة قبل دي توليو كانت قد تبلورت حول اعتبار طبع الإنسان عاملا أساسيا في الإجرام. وهكذا قسم الطبيب سيرجي SERGI   طبع الإنسان إلى أساسي ودخيل ، فالطبع الأساسي يجد قاعدته في الوراثة والسمات الشخصية والعضوية للفرد، بينما يكون الطبع الدخيل من الظروف التي مر بها الفرد في حياته وأثرت في حياته وأثرت في طبعه الأساسي من عوامل نفسية واجتماعية وثقافية .

و هكذا اتجهت التجارب وأغنت علم طبائع الإجرام وذلك بالتركيز على الجوانب النفسية في السلوك الإنساني ، فاصبح ينظر إلى الجريمة على أنها نتيجة تفاعل بين نفسية الإنسان كعامل داخلي وبين الظروف التي يعيشها في العالم الخارجي . وأمام هذه الظروف أو العوامل المختلفة هناك من الأفراد من يكون له استعداد أو ميل إلى الجريمة اكثر مما يتوافر لدى الآخرين وبالتالي تعتبر ظروف الاستعداد أو الميل إلى الجريمة بمثابة مؤشر على نزعتهم الإجرامية. إلا أن هذه النزعة ترتبط بتكوين خاص من الناحية النفسية والجسمية مما يميز أصحابها عن الأشخاص العاديين الذين لا يوجد لديهم استعداد أو ميل إلى الجريمة (12) . ويذهب دي توليو في نظريته هذه إلى أن هناك حدا معينا من العوامل و الظروف التي تؤثر في الناس بشكل متفاوت ومختلف، فيظهر تأثيرها في الأشخاص الذين يكون لديهم ميل إلى الجريمة وذلك بتوافر العاهل المثير لنزعتهم الإجرامية .

وانطلاقا من فكرة الاستعداد السابق لجرام قسم دي توليو المجرمين إلى فئات، وميز بينهم بحكم تكوينهم واستعدادهم الداخلي، وبين المجرمين بالصدفة أو بالجنون أو بالمرض العقلي .
و انطلاقا من التكوين الإجرامي لدى الفرد، يجعل دي توليو الاستعداد السابق للإجرام قاعدة لدراسة الشخصية الإجرامية التي يحصرها بعدة عوامل وخصائص .

فمن جهة ، هناك أعضاء الجسم الخارجية التي تتميز عند المجرم بحكم تكوينه بأنها عيوب جسدية ظاهرة، وهي توجد عنده بنسبة أعلى من الأشخاص العاديين . ومن جهة ثانية، هناك وظائف الأعضاء الداخلية التي تعاني من عيوب في الإفرازات ووظائف الغدد الداخلية. وعند دي توليو فان هذه العوامل الداخلية لا تكون هي السبب المباشر لوقوع الجرائم لأنها يمكن أن تكون حتى عند الأشخاص العاديين، وإنما قد يكون لها بعض التأثير على نفسية المجرمين لأنها توجد عندهم بنسبة أعلى فتجعلهم مستعدين للانزلاق في براثين الجريمة . وأخيرا هناك الناحية النفسية التي تدخل في تكوين الشخصية الإجرامية، ويراد بها غرائز النفس وما تصبو إلى تحقيقه من حاجات. ويظهر أن الغريزة كعنصر نفسي هي العامل الأكثر تأثيرا على  وظائف الأعضاء مما يجعل الشخصية تجنح وتتأثر بها في حالة الانتكاص أو الحرمان أو القهر. وتمثل هذه الخصائص النفسية نوعا من الشذوذ في الجانب الغريزي لدى المجرم مما يجعله يعاني نقصا في غرائزه المختلفة ويدفعه هذا النقص إلى تعويضه عن طريق العنف وارتكاب الجرائم . وكلما تكاثر النقص وتعددت مكامنه إلا وكان الدافع إلى ارتكاب الجرائم أوفر و أقوى انطلاقا من الشذوذ الغريزي الذي يعاني منه في غريزة الاقتناء ويدفع إلى السرقة، والشذوذ الجنسي ويدفع إلى ارتكاب الجرائم الخلقية، و الشذوذ في غريزة الدفاع الذي يؤثر في الجهاز العصبي ويزيد من حدته فيدفع إلى ارتكاب جرائم الدم والعنف .

و اعتمادا على هذه الخصائص النفسية التي تعتبر هي المحرك الأساسي للشخصية الإجرامية، يرى دي تولو أن المجرمين يمكن وضعهم في عينات أو فئات بهدف تحديد وتشخيص كل حالة وذلك حتى تسهل عملية العلاج و التقويم. وهكذا، فهناك المجرم الناقص في نموه النفسي، وهناك المجرم  ذو الاتجاه العصبي السيكوباتي ، ثم المجرم ذو الاتجاه السيكوباتي ، وأخيرا يوجد المجرم ذو الاتجاه المختلط (13) 

ويستخلص دي توليو من الخصائص النفسية التي تميز كل فئة من المجرمين أن هؤلاء المجرمين يطبعهم شعور بالارتياح بعد ارتكاب الجريمة كما انهم يعانون من نوع من الفتور تجاه المثل العليا الخلقية مما يجعلهم عديمي المقاومة النفسية للظروف الخارجية ، فيكون لديهم ميل اكثر إلى الجنوح والى ارتكاب الجرائم من غيرهم من الأشخاص العاديين، بمعنى أن الاستعداد السابق للإجرام يجعل قوة الدافع إلى الجريمة اكثر من قوة المانع منها. ومن هنا تعتبر نظرية الاستعداد السابق للإجرام خطوة هامة دفعت بعلم الإجرام إلى أن يتبنى الاتجاه النفسي في شرح السلوك الإجرامي وتحديد سمات شخصية المجرم وذلك بالاعتماد على المراحل النفسية لارتكاب الجريمة .

-  دي كريف DE  CREEFF الخطوات النفسية للإقدام على الإجرام
يمثل العالم البلجيكي إيتيان دي كريف مدرسة خاصة في علم الإجرام التي اهتمت بالمجرم ودراسة مكونات الفرد الشعورية واللاشعورية ومدى تأثرها بالبيئة الاجتماعية. وبالرغم من أن دي كريف لم يهمل التكوين العضوي لدى المجرم إلا انه اهتم في دراساته المخكفة بالمجرم وركز على التوازن النفسي عند المجرم كشخص يعاني من كثير من التمزقات والصراعات الداخلية التي تدفعه إلى الانفجار وإلى التعبير بالعنف. و بتركيزه على شخصية المجرم اعتمادا على الوظائف الطبيعية لغرائزه فان دي كريف يرفض الحتمية السيكولوجية التي يقول بها فرويد في تحديده للفرد، وبذلك ينتمي دي كريف إلى المدرسة النفسية الواقعية . ولقد اتبع دي كريف دراسته لشخصية المجرم منهجا علميا متكاملا يعتمد على نظريته في الغرائز ونظريته في الوظائف النزيهة ، ثم مشاركته العلمية في تطبيق المراحل النفسية للسلوك في علم النفي ونقلها وتطبيقها في ميدان علم الإجرام مما يسمح له أن يوظف آليات البحث لعلم النفس في ميدان علم الإجرام فحقق بذلك تقدما كبيرا في دراسة الجريمة وخاصة الخطوات النفسية التي يقطعها المجرم للإقدام على الإجرام Le passage à l'acte ، مما ساعد على تبلور شخصية المجرم واستحضار كل المشاكل وتفهم المعاناة التي يعيشها قبل اتخاذ القرار الحاسم لارتكاب الجريمة (14) 

- نظرية الغرائز:
لا يهتم دي كريف في نظرية الغرائز بالوظائف العضوية التي لها علاقة بالغدد وإفرازاتها وما يمكن أن تحدثه من نقص و اضطراب في السلوك البشري، وانما نظرية الغرائز عنده تنحصر في الوظيفة السلوكية ، التي تسمح بها هذه الغرائز . ولذلك فهو يقسمها إلى نوعين متقابلين: غرائز الدفاع أو غرائز البقاء Les instincts de defense أو غرائز الاندماج أو غرائز التعايش Les instincts de sympathie . و اعتماده على مفهوم الغريزة يرجع في نظره إلى أن الوظيفة الغريزية وحدها تمثل السلوك الجبلي الطبيعي عند الإنسان، الذي يكشف عن المعاناة الأولية المعبر عنها باندفاع أولي غريزي دون اعتماده على المعرفة الشعورية بالسلوك (15) . و من هنا فان مقارنة غريزة الدفاع بغريزة الاندماج سوف تحدد مركز الفرد وسلوكه داخل المجتمع لان غريزة الدفاع إذا كانت تفرض على صاحبها نوعا من الأنانية والتشبث بالذات من اجل البقاء ولو عن طريق العنف و استعمال القوة، فان غريزة الاندماج جاءت لتكشف عن الفطرة التي فطرنا عليها من حب الألفة و المعاشرة و من ميل فطري إلى الاندماج في المجتمع. بل اكثر من هذا تدل هذه الغريزة على ما في النفس من استعداد خاص لتلقي تعاليمه والاندماج فيه والمشاركة في بنائه (16) . والوظائف المختلفة لهاتين الغريزتين تدخل في تكوين الشخصية ومدى صراعها داخل المجتمع، ويتبين ذلك :

أ- بالنظر إلى موضوعها: يلاحظ انه إذا كانت غريزة الدفاع ترمي و تعزز حب البقاء بالنسبة للفرد، فان غريزة الاندماج و التعايش تصبو إلى المحافظة على النوع بأكمله وليس على الفرد فقط .
ب - بالنظر إلى وظيفتها: ويحظ كذلك انه إذا كانت غريزة الدفاع تقوم بوظيفتها مراعية في ذلك الشعور بالعدالة وبمسؤولية الغير، فان غريزة الاندماج تعمل في اتجاه نكران الذات أو إهمالها والتوجه إلى التعايش مع الغير .
ج- بالنظر إلى طبيعتها: إذا كانت غريزة الدفاع تجنح إلى العدوان و استعمال العنف، فان غريزة الاندماج تعمل في خضوع  وإخلاص لمصالح المجتمع .
د - بالنظر إلى نتائجها: فان غريزة الدفاع تعمل بطريقة تصاعدية على تقليص و اختزال الإنسان إلى وجدة مجردة يخضع فيها إلى قوانين أخلاقية ميكانيكية، في حين تقوم غريزة الاندماج بتحقيق نفع كبير للغير وللمجتمع في عملية تماهي فعلية
للشروط الحقيقية لحياة افضل (17 ) .

 2- الوظائف النزيهة Les Fonctions incorruptibles
يذهب دي كريف إلى تحديد الوظائف النزيهة عند الإنسان بأنها تلك الميكانيزمات و القوات العمياء التي توجد في حياتنا والتي تعمل دون تدخل معرفة أو شعور أو إرادة وذلك كعملية التنفس التي تعتبر وظيفة نزيهة لا يؤثر فيها أي شعور. وعلى المستوى النفسي، توجد عند الإنسان وظائف و قوات من هذا النوع وعلى هذا الجانب من النزاهة كذلك ، وهي الشعور بالمصير والشعور بالمسؤولية و الشعور بالعدالة والشعور بالفشل،  وهي كلها مستويات من السلوك تخامر ولو الإنسان المجرم . لذلك يجب على المجتمع أن يعامل المجرم معاملة خاصة و يوقظ فيه الشعور بهذه المسؤوليات التي سوف لا يتجرد منها لحظة الإجرام (18) .

3- المراحل النفسية للجريمة
وتظهر واقعية دي كريف في شرح الجريمة من وجهة نظر نفسية انه حاول أن يكشف عن الجريمة داخل جسم و عقل المجرم، لان المجرم، في نظره، هو إنسان لا يختلف عن غيره من الأسوياء إلا فيما يعانيه من أمراض عضوية وبالأخص الأمراض النفسية. والإجرام المرتكب من طرفه ما هو إلا تعبير عن كل الأمراض التي يعانون منها والتي تفقدهم قدرتهم على التكيف داخل المجتمع . وقد حاول دي كريف أن يقترب أكثر من المجرم وذلك بالوقوف على المراحل التي يقطعها المشروع الإجرامي عند المجرم الذي يعيش معاناة أو تمزقا داخليا إلى أن يقرر ارتكاب الجريمة ، ولذلك فهو يعتبر أن المجرم يعيش حالة شعورية متدرجة تنتهي بارتكاب الجريمة (19) . فيشعر في المرحلة الأولى بانحصاره في ذاته كما أن تركيزه على ذاته يوحي له نوعا من الاستنكار الاجتماعي وان المجتمع غير محق فيما يفرضه من قيم وانه يعاني من الظلم بسبب المجتمع . ومنتج عن هذا الظلم إقرار غير حاسم للفكرة الإجرامية L'acquiscement métigé وأما المرحلة الثانية في طريق الجريمة و هو العقاب الذي يتوعد به القانون فيتخطاها صاحب الشخصية الإجرامية باستخفافه بفكرة العقاب وما ينتج عنها من حرمان وآلام ووعيد بالزجر، وذلك لاهتزازه وسرعة انسياقه، فينتج بذلك عن هذه الوضعية إقرار حاسم لارتكاب الجريمة :L'aquiescement formulé  إلا انه بعد الإقرار الحاسم للفكرة الإجرامية يشعر المجرم بصعوبات مختلفة لتنفيذ الجريمة، لكنه يتخطى هذه الصعوبات نظرا لوجود النزعة الإجرامية للتعدي التي تخلق لديه أزمة نفسية خطرة Etat de crise يمكن للمجرم الخلاص منها إلا بالإقدام على الجريمة وذلك حينما يعيش تصعيدا نتيجة لهذه الأزمة النفسية التي سرعان ما تجعله قادرا على تنفيذ الجريمة للقضاء على هذه الأزمة النفسية فيرتاح و لا يعبأ بالعقاب الذي ينتظره (20) .

ويلاحظ أن نظرية دي كريف في الشخصية الإجرامية هي اقرب إلى المجهودات أو الأعمال المختلفة منها إلى النظرية. وذلك أن ثقافته المتوسعة والمتخصصة جعلته قادرا على أن يدرس ويحلل شخصية المجرم. ومجهودات دي كريف حول الغرائز وعلاقتها بدفاع الفرد عن نفسه (غريزة الاندماج أو التعايش)، وما تفرضه عليه من تفان وحب الغير للمحافظة على النوع البشري جعل دي كريف يقرر بان غرائز الدفاع حينما تتغلب على غرائز الاندماج ، فان التعبير بالعنف وارتكاب الجرائم يكون هو السائد، في حين إذا تغلبت غرائز الاندماج وحب الغير فان التعاون والمحافظة على النوع البشري يكون هو السائد فتظهر بذلك مشاعر الإيثار وحب الغير. أما المراحل النفسية التي يعيشها المجرم فهي قد ساعدت على معرفة الشخصية الإجرامية بشكل علمي خاصة وان مفاهيم الإقرار غير الحاسم والإقرار الحاسم والأزمة النفسية الخطرة هي مفاهيم استعملها ويستعملها علم النفس ، لكن عبقرية دي كريف هي انه نقلها إلى علم الإجرام وتوفق في استعمالها فساهم بذلك في فهم أحسن للشخصية الإجرامية .

المطب الثاني : النواة المركزية للشخصية الإجرامية
ترمي الدراسات العلمية في علم الإجرام خول الشخصية الإجرامية إلى تحقيق بعض المعايير التي تساعد على التنبؤ باحتمال عودة المجرمين إلى إجرامهم (21). بل هناك بعض الدراسات التي حاولت أن تحصر بعض المعايير والعوامل التي تساعد على  تحديد مدى العودة إلى الإجرام بالنسبة للمجرمين وبالنسبة حتى لغير المجرمين أملا في احتواء الجريمة (22). ودراسة الشخصية الإجرامية لا تخرج عن هذا الهدف بل تسعى إلى تشخيص الملامح والسمات التي إن توفرت كنا أمام شخص مجرم وبالتالي يجب على المجتمع أن يحتاط منه لتقديم المساعدة له وإخضاعه إلى سياسة علاجية تقويمية .

فنظرية الاستعداد السابق للإجرام تشرح كيف يمكن للشخص أن يسقط في الإجرام وان هناك من الناس من يكون لديهم استعداد وميل إلى ارتكاب الجريمة أكثر من غيرهم . بالإضافة إلى ذلك ، فان المراحل النفسية التي تقطعها الجريمة و المعاناة التي يعيشها المجرم كلها جوانب تعكس شخصية الجانح التي تتأثر حسب المواقف المختلفة مما يعطي مفاهيم عديدة للشخصية. فتارة تكون الشخصية كمثير تدخل في علاقات وتؤثر، وتارة تكون الشخصية كاستجابة لعدة مثيرات يتكيف بها الفرد . ولذلك اتجهت الدراسة نحو فكرة التركيب أو التنظيم الداخلي للشخصية . فانبناء الشخصية الإجرامية لا يخضع إلى نظرة الآخرين وإنما يخضع إلى نظرة الباحث أو الدارس الذي يتعامل معها كحقيقة موضوعية. و المجهودات العلمية في دراسة الشخصية الإجرامية كلها تسير في هذا الاتجاه، بحيث كيف يمكننا انطلاقا من مكونات أو سمات معينة أن نحدد الشخصية وان نحسب لها حسابها، بمعنى انه انطلاقا من هذه المكونات هل نستطيع أن نتنبأ بما سيفعله الشخص من سلوك إجرامي (23). .

ولعل نظرية النواة المركزية للشخصية الإجرامية من النظريات التي حاولت   احتواء شخص المجرم و الوقوف على المكونات التي تحدد شخصيته الجانحة . فشخصية المجرم شخصية سيكوباتية تفقد صاحبها الحسر الخلقي والشعور بالذنب أو اللوم اتجاه الآخرين (24) . وصاحبها تسكنه أنانية شديدة وبناء نفسي خاطئ بحيث يقع المجرم نفسه بشرعية عمله والاحتكام إلى ما يعتقده وعدم الاكتراث بحقوق الغير في اندفاع عارم وتحت وطأة حالات نفسية توهم له المظالم التي يعتقد أنها تقع عليه من طرف المجتمع فيندفع ويرتكب الجرائم ليدفع عنه هذه المظالم .

والعالم الفرنسي جان بينتيل J. PINATEL هو الذي حاول أن يلخص سمات الشخصية الإجرامية ويحصرها في بعض العوامل والمكونات لهذه الشخصية وأطلق عليها النواة المركزية للشخصية الإجرامية (25) إشارة إلى الحد الأدنى الذي يجب أن يتوفر عند كل مجرم و الذي يلتقي فيه المجرمون. و تجب الإشارة إلى بعض التحديدات المنهجية في هذه النظرية، وهي أن السمات الأساسية للشخصية الإجرامية عند بينتيل والتي يحصرها في الغطرسة أو الانحصار في الذات وسرعة الانسياق ونزعة التعدي و انعدام الاكتراث العاطفي، كلها مجتمعة تكون النواة المركزية لهذه الشخصية، وان مواصفات وعوامل أخرى يمكن أن تضاف إليها بهدف تحديد افضل للشخصية الإجرامية (26) .

على أن هذه السمات الأساسية تتكون عند الشخص انطلاقا من العقبات التي تعترض طريق الجريمة وتدفع إلى ارتكابها ، ذلك أن العار الاجتماعي اللصيق بالمجرم هو الذي يطارده ويهدده باسم القانون في جسمه وحريته ومعتقداته عن طريق العقاب. كما أن الصعوبات التي يمكن أن تكتنف تنفيذ العقاب عليه وبشاعة الصورة التي يمط فيها هذا التنفيذ، كلها عقبات تجد تبريرها عند المجرم (27) . وهذا التبرير هو الذي يكشف عن شخصيته وكيف أن المجرم يقوم بجهد فكري للتخلص من هذه العقبات ليرتكب جريمته. ويجب التنبيه كذلك إلى أن مكونات الشخصية الإجرامية لا يمكن اعتبارها ولا الأخذ بها إلا مجتمعة لان كل عامل بمفرده وفي معزل عن العوامل الأخرى لا يعطي المدلول الصحيح ولا يعكس أهميته في شرح الشخصية الإجرامية .

وعلى هذا يجب الفهم بان النواة المركزية للشخصية الإجرامية هي بنية حركية وديناميكية . فالتداخل بين العوامل و التأثير المتبادل بينها هو الذي يعطي المعنى الحقيقي لفكرة النواة المركزية للشخصية الإجرامية ، بحيث إذا اعتبرنا هذه العوامل منفردة، كل عامل على حدة ، فإنها لا تكشف على أية خطورة لدى صاحبها، وإنما الخطورة الإجرامية التي تدل عليها إنما تأتي من كونها مجتمعة عند الشخص فتتفاعل فيما بينها وتشكل الشخصية الإجرامية بحكم هذا التفاعل و التداخل و التأثير المتبادل بينها. ولذلك يجب اعتبار فكرة النواة المركزية للشخصية الإجرامية كنتيجة نتوصل إليها من تفاعل هذه المكونات لا مجرد معطى ساكن لا يتحرك (28) . وإلى جانب هذه النواة ، فان العوامل و القوانين النفسية سوف لا تؤثر في الإقدام على الجريمة فحسب ، وإنما ستؤثر على طرق تنفيذها انطلاقا من البناء النفسي والمزاجي لكل مجرم وذلك لوجود عدة أصناف من المجرمين، فهناك المجرم العاطفي وهناك المجرم ذو المزاج الحاد .. . الخ . ونظرية النواة المركزية للشخصية الإجرامية لا تعتبر نظرية قطعية ونهائية، وإنما هي فرضية للعمل يمكن أن تغتني بالتطور العلمي . فكيف إذن عالجت هذه النظرية السمات المكونة للنواة المركزية للشخصية الإجرامية .

1_ الانحصار  في الذات L'égocentrisme 
الانحصار في الذات هو نوع من الغطرسة أو الكبرياء الذي يجعل الشخص يعتد بآرائه ويعتقد في تفكيره الذي وان خالف تفكير المجتمع يبقى هو الصحيح . وبالتالي، فان الجريمة كوسيلة للتعبير تكون في نظره أهون من طرق كثيرة اعتاد الناس على سلوكها. كما أن مفهوم الأمانة أو الاستقامة الذي يتعامل به الناس هو مجرد خرافة ونفاق في نظره. والمنحصر في ذاته يعتقد انه ضحية ظلم من طرف المجتمع الذي يعتدي على حقوقه وان الجريمة كوسيلة لدفع هذا الظلم هو أسلوب تبرره العدالة .

ومن وجهة نظر سيكولوجية، فان الاعتداد بالذات و الإعلاء  بها يجعل الإنسان ذا ميل اجتماعي فيشعر إما بسموه عن الآخرين وإما بنوع من الاستهتار اللامبالاة  والاعتقاد في السمو والتفوق الزائد. فينتج عن ذلك شعور بان القواعد الجنائية لم تخلق إلا للغير وتصوير العدالة على طريقته الخاصة. ويشجع هذا النوع من المجرمين إحساسهم بضعف العقوبات التي يعتقدون أنها سوف لا تطبق إلا على الآخرين. كما يتميز المجرمون بالسمة الكبيرة في الحظ فيتصورون على أن الحظ سيكون بجانبهم في أعمالهم الإجرامية وان فشلوا ولم يساعدهم الحظ كان هذا قضاء وقدر .

و الانحصار في الذات أو الثقة الزائدة في الحكم على الأشياء والتسليم بها لا يمكن أن يأتي كذلك من وضعية الفرد داخل المجتمع الذي يعمد إلى إصدار كثير من النصوص القانونية و التنظيمية المختلفة لدرجة أن المجتمعات العصرية أصبحت تعاني من ظاهرة التضخم التشريعيInflation legislative  . فيصبح الفرد غير قادر على معرفة الأشياء المباحة من الأشياء المحظورة لكثرة النصوص و التحذيرات . ومن هنا فان القاعدة التي تقول لا يعذر أحد بجهله للقانون أصبحت غير واقعية وأنها مجرد حيلة قانونية لدفع الناس إلى الاطلاع على القانون من اجل احترامه. ولذلك ، فان الفرد حينما يجد نفسه أمام تكدس من القواعد القانونية يعتقد بل يجد أن كل شيء ممنوع فلا يستسيغ ذلك و يعتقد أن كل شيء مباح ، فيجد نفسه أمام هذا الخلط ويعيش حالة عدم أنظومة أو حالة فراغ قانوني يفتقد فيه إلى معيار ينضبط فيه. ومن هنا يشعر بنفسه انه حر فوق العادة ، و انه سيد موقفه ، وان نظرته إلى الأمور هي الصائبة، وان المجتمع خاطئ في تصوره ويسلط عليه كثيرا من المظالم التي لا يمكن أن يدفعها إلا بوسائله الخاصة ولو كان ذلك بارتكاب الجريمة .



2- سرعة الانسياق L'alabilité  (29)
تكون سرعة الانسياق أو سهولة الإقبال على الجريمة سمة للشخصية الإجرامية ، ذلك أن وضعية الفرد في المجتمعات العصرية وما تمارسه عليه من ضغوط و تحيط به من قيود جعلته ينساق، بحكم هذه الظروف الضاغطة، إلى استعمال وسائل غير مشروعة في حياته. وسرعة الانسياق تتصف بدورها بغياب الرادع و القوات المانعة من الجريمة وبالتالي عدم التبصر للنتائج الناجمة عن السلوك الإجرامي . ولذلك فالإنسان يجد نفسه مشدودا بكثير من الانشغالات و الالتزامات ومقذوفا به في خضم من القيود التي تنجم عن طبيعة العلاقات داخل المجتمع  وما تفرضه من أتعاب وأثقال تنهك التفكير وتؤثر فيه بل و تفقده الجدية و الاتزان .

ونتيجة لمعطيات العصر التي تتمثل في السرعة و الضغط والآلية، فان الإنسان لم يعد يفكر بتركيز حتى يتبصر ما يفعله أو يفكر فيه ، بل اصبح يساير هذه الجوانب السطحية من الحياة وأصبحت حياته تتلون بهذه العوامل فأضحى ميالا إلى الفرار ومتأثرا بالبواعث والأغراض ومقيدا بالوسائل التي ستوصله بسهولة إلى الهدف . ومن هنا خلقت عند الإنسان الحاجة إلى التغيير والإقبال على الماديات والاهتمام باتفه الأشياء وتعويض ذلك بالنفقات المبالغ فيها. هذه الحاجيات التي فرضتها الحياة العصرية بما تحمله من تحولات سلبية في النظرة إلى الأشياء أصبحت بمثابة عوامل ومثيرات تدفع الإنسان إلى أن يستجيب إليها مضطربا و غير قار و لا قادر ، فتدفعه هذه المثيرات بدورها إلى الإهمال و الرعونة في تناول الأشياء و عدم إعطاء الوزن للمواقف فيخلق هذا كله ميلا  إلى الاندماج في نوع من الفوضى و عدم الاكتراث مما يجعله سهل الانسياق ولا يبالي حتى ولو خالف القوانين .

وسرعة الانسياق، كحالة نفسية، يمكن تحديدها اعتمادا على كثير من المفاهيم في علم الإجرام والتي توفر لنا المعيار الذي يشير إلى وجود سرعة الانسياق عند الفرد ، فمن جهة ، يمكن تحديد سرعة الانسياق حينما يعاني الشخص من عدم الاستقرار النفسي L'instabilité وخاصة الفتور أو الاضطراب العاطفي الذي يدفعه إلى أن يتأثر بمختلف المواقف التي تتطلب الحزم أو اليقظة، فلا يساعده عدم استقراره النفسي على ذلك فينساق إلى ارتكاب الجريمة بسهولة وبدون تبصر ولا مقاومة، ثم يأتي دور الضعف  La débilité الذي يفقد الشخص قوته الداخلية ليواجه بها مختلف المواقف التي تتطلب منه قدرا معينا من الانضباط والتكيف الاجتماعي . بالإضافة إلى ذلك ، هناك نوع من المجرمين الذين يعانون من عدم النضر النفسي  L'immaturité  و هو اضطراب مستمر يفقد صاحبه الصواب وإدراك المواقف وما تتطلبه من استجابة موفقة (30) ، أو انضباط اجتماعي .

ومن جهة أخرى، فان سرعة الانسياق لها مكونات يسهل بها معرفة الشخص الذي يعاني منها كغياب القوات المانعة من السقوط في الإجرام، و عدم وجود الصرامة اللازمة أمام المواقف، مما يجعل الشخص يتأثر بالظروف التي يوجد فيها دون أدنى مقاومة، فينساق بسهولة، ولا يستجيب للمثيرات بشكل يجعله متكيفا مع المجتمع. ثم هناك سهولة الاقتناع التي تجعل الشخص متقلبا في مواقفه وغير مستقر، بل ويكتسب سهولة في الرجوع عن الغضب بحيث يفقد الصرامة والاستقرار والاتزان في مواجهة المواقف المختلفة. وأخيرا، فان سرعة الانسياق سمة توجد عند جميع أصناف المجرمين، لا فرق في ذلك بين المجرمين الخطيرين أو المجرمين المبتدئين أو المجرمين المجنونين أو حتى المجرمين بالصدفة، لان المجرم ينقصه التبصر والقدرة على تنظيم الوقت. و لهذا السبب، نجد أن سرعة الانسياق تساعد بل تجيب عن التساؤل الكبير: لماذا لا يخشى المجرمون هول العقاب الجنائي ؟

3- نزعة التعدي L'agressivité
تثار عادة النقاشات الفلسفية حول معنى نزعة التعدي أو العدوانية عند الإنسان (31) التي تنتج مختلف أنواع الجرائم المتسمة بالعنف، سواء كانت هذه الجرائم جرائم مادية كالضرب والجرح و القتل و التخريب ، أو جرائم تعتمد على الدهاء و المكر ونزعة التعدي تتوفر حينما يتخطى صاحب الشخصية الإجرامية العقبة الأولى لارتكاب الجريمة وهو إلصاق العار الاجتماعي الذي يلحق به بوصفه مجرما، فينتج عن ذلك إقرار غير حاسم للفكرة الإجرامية (32)، وبعدها يدخل المجرم في صراع مع فكرة الجريمة. و بفعل أنانيته وغطرسته واعتداده المفرط بنفسه، فان المجرم لا يعبأ بما يفرضه القانون من عقاب، فينساق بسرعة، ويحصل عنده الإقرار الحاسم للفكرة الإجرامية مما يجعله يعيش أزمة نفسية خطيرة لا تجد حلها إلا في الأقدام على ارتكاب الجريمة متخطيا في ذلك كل العقبات التي يمكن أن تمنعه من الوصول إلى هدفه .

ونزعة التعدي تفقد صاحبها الحس الخلقي والإحساس بالذنب أو اللوم على ما يرتكب من جرائم . كما أنها تكشف عن شخصية أنانية تجعل صاحبها لا يتحكم في قوته ودوافعه التي ترمي إلى إشباع رغباته بأي ثمن ولو على حساب الآخرين . هذه العدوانية تزداد خطورتها وجسامة الجرائم التي تنتج عنها إذا كان صاحب الشخصية الإجرامية مدمنا للخمر أو بعض المخدرات نظرا لان هذه المنشطات من شأنها أن توقظ الغرائز الأساسية الكامنة في النفس وتزيل العوائق التي تمنعها من الظهور فتصبح نزعة التعدي عند متعاطي الخمر أو المخدر اكثر عنفا و اكثر خطرا (33) .

وسواء كان الدافع إلى ارتكاب الجريمة عوامل فيزيولوجية أو عوامل سيكولوجية أو اجتماعية، فان صاحب الشخصية الإجرامية تكون لديه نزعة عدوانية تحجب عنه كل شعور بالأسف أو الرأفة أو ما يلقاه ضحاياه من عذاب أو آلام . كما انه لا يهتم بالمسؤولية و لا يخشى العقاب ، بل أن ضميره على حد تفسير فرويد لم ينم النمو الكافي الذي يجعله يحاسبه على ذنوبه وخطاياه التي يرتكبها ضد الآخرين . فتكوين شخصيته وتركيبها لا يسمح له بان يقيم وزنا للشرور والاعتداءات التي يلحقها بغيره حينما يريد أن يعتدي على أشخاصهم أو على حقوقهم (34) .

4 انعدام الاكتراث العاطفي L 'indifférence affective
يعتبر غياب الإحساس بالآخرين عند المجرمين سمة أساسية للشخصية الإجرامية ، ذلك أن المجرم الذي سوف يستحضر الآلام ويتحسس العذاب الذي سيلحقه بضحيته سوف يستشعرها ويمكنه أن تمنعه من إتمام مشروعه الإجرامي. ولذلك يرى العلماء أن انعدام الإحساس العاطفي لدى المجرم هو آخر حلقة من الإقرار الحاسم للفكرة الإجرامية وشرط نهائي للانتقال أو المرور إلى الجريمة (35) .

و انعدام الاكتراث العاطفي يرجع إلى أسباب مختلفة، فيرجع تارة إلى نقص في التكوين فيتم باللذة التي تحصل من تعذيب الغير وإنزال الآلام به. كما يمكن أن يرجع إلى غياب أو ضعف غريزة الاندماج التي تكشف على ما في الإنسان من حب الألفة و المعاشرة و من ميل فطري إلى الاندماج في وسط المجتمع و العمل فيه . كما ذهب البعض إلى شرح انعدام الاكتراث العاطفي بنوع من العجز أو النقص في التربية على روح التكيف في المجتمع (36) . فعدم قدرة الشخص على الانضباط و التكيف مع الجماعة يجعل منه فردا منزويا لا يشعر بما يشعر به الآخرون ولا يتربى على معاني التآزر والتضامن التي تمده بأسباب التكيف الاجتماعي، بل أن انعدام الاكتراث العاطفي يأتي من أن الشخص تكون لديه قوات مانعة لأي شعور أو إحساس بالآخرين، أو على الأقل يعيش فتورا وعدم اهتمام عاطفي مما يجعله لا يفكر إلا في نفسه فيقع عنده تضخم للانا وتنكر للغير .

فانعدام الاكتراث العاطفي، كعلامة للشخصية الإجرامية، تجعل المجرم ذا شخصية أنانية جامحة ومندفعة، لا تقيم وزنا لمشاعر الناس أو لحقوقهم و لا تتأثر بالمدح أو الذنب أو لوم الناس. كما أن المجرم من هذا الصنف سوف لا يتبصر ما ينتظره من عقاب ولا ما يتهدده من أخطار على المستوى الاجتماعي، وإنما يندفع لإشباع رغباته الجنسية أو المادية مثلا دون أن يتحكم أو يؤجل إشباعها، بحيث يكون عاجزا عن التمييز بين الخطأ و الصواب ويقف دون إدراك عواقب عمله أو حتى يقيم وزنا لمشاعر ونوايا الآخرين. كما يمتاز بأنه صاحب شخصية أنانية مندفعة وثائرة لا تعرف الاستقرار الانفعالي ولا تراقب غضبها فتكون بهذا التركيب الشخصية المضادة للمجتمع والتي تتسم بأنها لا تستجيب انفعاليا بعد ارتكاب الجريمة، أي لا تشعر بنوع من الخجل و العار والذنب أو تحسب لعقاب القانون. بل نجد أن انعدام الاكتراث العاطفي يجعل صاحبه يقرر سلوكه العدواني ويرتكب الجرائم حتى بعد أن يتأكد له عدم نجاحها. ويرجع هذا إلى العجز الذي يعانيه في الاستفادة و التعلم من الخبرات التي يعيشها (37) .

خلاصة  المبحث الأول:
يمكن القول بان نظرية النواة المركزية للشخصية الإجرامية تعتبر امتداد للأعمال العلمية السابقة. فمن جهة، استفادت من نظرية دي توليو حول الاستعداد السابق لجرام التي تقول هي بدورها بالتكوين الإجرامي، حيث أن السلوك الإجرامي يتأثر بعوامل جسدية وعوامل نفسية وأخرى اجتماعية مع ملاحظة إن كلتا النظريتين حاولت شرح القوة الدافعة إلى الإجرام وربطها بالقوة المانعة له وذلك بتركيزها على تكوين الشخص المجرم ومدى قوة الانفعالات النفسية وتدخل الإرادة في ارتكاب الجريمة. ومن جهة أخرى، حاولت أن تستفيد من أفكار ذي كريف ، وخاصة المراحل النفسية للجريمة التي تجعل المجرم مترددا في بدايته فيكون إقراره غير حاسم لارتكاب الجريمة وبعدها ينتقل إلى مرحلة الإقرار الحاسم التي تسمح له بالمرور إلى التنفيذ. ويمكننا أن نضيف إلى هذه المحاولات العلمية أفكارا وطرقا أخرى حاول أصحابها التساؤل عن كيفية ارتكاب الجرائم وبالتالي إضافة سمات أخرى للشخصية الإجرامية غير تلك التي وجدناها عند جان بنتيل .
فمن جهة، تساءل العالم النمساوي سيليغ  SEELIG(38) عن كيف ترتكب الجريمة، فوجد أن الإجابة على هذا السؤال تفرض الإجابة على سبعة استفهامات أخرى  وهي :

من ، وماذا ، وأين ، وبماذا ، ولماذا ، وكيف ، ومتى؟
Qui, quoi, où, avec quoi, comment et quand?
 ومعنى هذه الأسئلة على التوالي هي : المجنى عليه، والموضوع والمكان، والوسيلة والبواعث، وملابسات التنفيذ، ووقت ارتكاب الجريمة. ويلاحظ أن سيليغ حاول أن يأتي بشرح عام لأسباب الجريمة ومكوناتها المتعددة كموقف الضحية والدور الذي يلعبه في ارتكاب الجريمة، وموضوع الجريمة وأهميته بالنسبة للمجرم، ومكان الجريمة وتأثيره على نوع الجرائم المرتكبة ووسيلة الجريمة وكيفية الحصول عليها مع طريقة استعمالها، وبواعث الجريمة، وهل الدافع إليها كان هو الغريزة أم شيء آخر، و ملابسات تنفيذ الجريمة وعلاقتها بسهولة أو صعوبة الجريمة. وبصفة عامة فان الشيء المهم عند سيليغ أن دراسة هذه الجوانب أو السمات أو المكونات و الوقوف على تأثير كل منها من ارتكاب الجريمة يساعد على معرفة وتحديد الشخصية الإجرامية بشكل دقيق (39) .
ومن جهة أخرى، هناك من علماء الشخصية من ذهبوا إلى حصر سمات الشخصية الإجرامية في اكثر من أربعة مكونات لها، ونذكر منهم كليكلي CLECKLEY  الذي رأى أن الشخصية المضادة للمجتمع تتصف بالسمات الآتية (40):

1-  ذكاء متوسط أو مرتفع مع جاذبية مرتفعة .
2 - عدم وجود اللامعقولية وغيرها من الأعراض الذهانية، كذلك لا يوجد قلق
عصابي ، ويشعر صاحبها بالراحة في المواقف التي تقلق الشخص العادي .
3 - عدم الإحساس بالمسؤولية في المسائل الصغيرة  والكبيرة .
4 - عدم وجود الإحساس بالحياة .
5 - اتجاه جريء نحو قول الكذب، بحيث لا يهتم المريض عما كانت أكاذيبه
تكتشف أم لا .
6- سلوك مضاد للمجتمع مع عدم الشعور بالأسف أو الندم .
7 - قدرة ضعيفة على الحكم و يفشل غالبا من التعلم من الخبرة .
8 -  يفتقد الاستبصار الحقيقي الصادق .
9 - قسوة وعدم الإخلاص والعجز عن الحب وإقامة العلاقات .
10- استجابة ضعيفة للعطف والاحترام والاعتبار .
11-  ليس له تاريخ في محاولات الانتحار الجادة .
12- حياة جنسية غير تقليدية وغير مضبوطة أو محكومة .
13- يفشل في وضع خطة لحياته مع الفشل في الحياة المنظمة فيما عدا انه
يتبع نمطا مستمرا من انهزام الذات .
14- لا تظهر السمات المضادة للمجتمع لأول مرة بعد تجاوز سن العشرين .

الهوامش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جان بنتيل، علم الإجرام ، ص 576 وما بعدها (بالفرنسية) . رمسيس بهنام، الإجرام والعقاب، ص, 10.
محمد فتحي ، علم النفس الجنائي، ج. I.  ص11
3-بالنظر إلى  ما لعلم النفس التجريبي من ميادين وأغراض مختلفة و متشعبة فانه يشمل كل الأبحاث النفسية ذات الطابع العلمي، كعلم النفس البيداغوجي وعلم النفس الصناعي وعلم النفس السياسي وفن العلاج النفسي .
4- محمد فتحي،  المرجع السابق ص 24  .
5- أخذنا هنا التعريف بشروطه عن الأستاذ رزق سند ابراهيم ليلة، سيكولوجية النصاب ، ص 29.
6- مصطفى حجازي ، الأحداث الجانحون، ص 15.
7-  آخذنا هذا التفريق عن رمسيس بهنام،  الإجرام  والعقاب ،  ص .47
8- سوف لا نتطرق هنا إلى كل النظريات التي تشملها السببية الداخلية من بيولوجية و عقلية و وظيفة الأعضاء أو الجينات وأثرها على السلوك الإجرامي وإنما سنقتصر  على بعض النظريات  النفسية وطريقة شرحها للسلوك الإجرامي انطلاقا من الشخصية الجانحة.
9- أنور محمد الشرقاوي، التعليم والشخصية، مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني، سنة 1982، ص. 364.
10- مجهودات هذه المدرسة في المعطيات العضوية لتحديد النموذج الإجرامي،و إنما ستعرف مساهمات علمية جادة على أيدي أطباء نفسيين يتولون شرح الظاهرة الإجرامية اعتمادا على تحليل شخصية المجرم .
11- انظر تكوين هذه النظرية بتفصيل عند بنتيل، علم الإجرام ، ص 296 وما بعدها. 
12- رمسيس بهنام، الإجرام  والعقاب ، ص . 48
13- انظر بعض سمات الشخصية السيكوباتية في مبحث العوامل النفسية والإجرام  بعده .
14- يمكننا أن نقول بان المراحل النفسية للجريمة هي الفكرة الرئيسية في أعمال ذي كريف و التي نجدها في كتاباته في علم الإجرام مثل كتاب غرائز الدفاع والتعايش ،  و كتاب قدرنا وغرائزنا، و قد عبر عنها بما يلي : 
La criminogénèse, c'est le processus, en durée en devenir, du cheminement de l'idée criminelle.
15- ذي كيف،  قدرنا وغرائزنا، ص. 206، بالفرنسية). محمد عماد الدين إسماعيل، المنهج العلمي و تفسير السلوك، ص.106.
16- محمد  فتحي،  علم النفس الجنائي ،ج . I ، ص ص . 109-110 .
17- للإطلاع على نظرية نقد الغرائز ودورها في تفسير السلوك، انظر محمد عماد الدين إسماعيل، المنهج العلمي وتفسير السلوك . 
18- ذي كيف، الإنسان و القاضي ، ص . 27 و ما بعدها (بالفرنسية ) .
19- ذي كريف ، إنسانية الإنسان المجرم (بالفرنسية ) .
20- ذي كريف ، مدخل إلى علم الإجرام ، ص . 126 (بالفرنسية ) .
21-  محمد عماد الدين إسماعيل ، المنهج العلمي و تفسير السلوك ، ص . 114 و يشير هنا إلى أنه من أهداف العلم أن يسمح بالتفسير والتنبؤ والتحكم،  وهي أهداف تخدم علم الإجرام ك كعلم جديد يسعى إلى حصر الظاهرة الإجرامية ودراستها دراسة  علمية.
22- نخص بالذكر هنا الدراسة التي قام بها كل من شيلدون كلويك وقرينته الأستاذة ايليونور Scheldon  Clueck & Eléonor  حيث درسا عينة من الشباب الجانحين ( 500 شاب ) و أخرى من غير الجانحين وحاولا وضع معايير بالنسبة لكل فئة لتحديد احتمال عودتهم إلى الإجرام أو إلى ارتكابهم لجرائم لأول مرة إذا ما توفرت فيهم هذه المعايير. حول هذه  الدراسة، انظر جان بنتيل، علم الإجرام ، ص .607 وما بعدها .
23- من المعلوم أن عملية التنبؤ هذه لا يمكن أن نصل إليها إلا انطلاقا من الخطورة الإجرامية التي يتخذها علم الإجرام كموضوع ومؤشر على ارتكاب الجرائم . لكن الخطورة الإجرامية لا يمكن اعتمادها بهذا المعنى في القانون الجنائي نظرا لان هذا الآخر يكون مقيدا بمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص سابق.
24- عبد الرحمن عيسى ، سيكولوجية الجنوح ،  1984، ص.18
25-  بسط  بنتيل هذه النظرية بكل تفصيل في القسم الأخير  من كتابه علم الإجرام السابق الذكر، ص. 653 وما بعدها.
26- أنظر  زكي  أبو عامر، دراسات في علم الإجرام والعقاب، ص 112 وما بعدها حيث يضيف عوامل أخرى في دراسته الشخصية الإجرامية.
27-رمسيس بهنام، الإجرام والعقاب، ص. 48.
28- بنتيل، المرجع السابق، ص.666
29- يجب التنبيه إلى أن كلمة  La labilité   غير فرنسية الأصل لأنها لا توجد بهذه  الصياغة في اللغة الفرنسية وإنما أقحمت هكذا في القاموس الفرنسي لحفاظ على قوتها الدلالية التي توجد في اللغة الإيطالية أصلا  وهي La labita
وتعني السهولة وكدم مقارمة فكرة الجريمة.
30-  بنتيل،  المرجع السابق، ص .685.
31- يمكن إعطاء فكرة عن هذه المناقشات العلمية حول طبيعة نزعة التعدي وذلك عند كل من فرويدFREUD  بالنسبة لفرريد ، يقول بوجود غريزة عدوانية خفية  لكنها بديهية عند الإنسان. و يمكن أن تعمل عند هذه النزعة كغريزة جنسية يتحكم فيها مفهوم اللذة أو غريزة الموت أو الدمار، وهي تظهر منذ الطفولة على شكل عدوان موجه إلى الأب. لكن فرويد يشرح عدوانية المجرم بربطها مع عدوانية الطفولة التي سبق لها أن كبتت و لم يقع التعبير عنها بشكل كاف. أما ماك دوكال فيخالفه في ذلك و يعتبر أن الغرائز هي المحرك الأساسي للنشاط الإنساني ، ويصفها بأنها المعطى الجبلي السليقي الذي يحمل الجسم على الاستجابة إلى كل ما يحيط به حسب اختلاف المثيرات. و من هنا ، فان تعريف العدوانية من وجهة نظر وظيفية تحملها على تمكين الإنسان من أن يتغب على كل العقبات التي تتعرض طريقه. لذلك نرى أن كلا من تعريف فرويد وتعريف ماك دوكال للنزعة العدوانية يصبح تحديدا عميا ويكمل الواحد الآخر وذلك بالرغم من الانتقادات التي وجهت إلى فرويد  حينما ربط نزعة التعدي بمرحلة الطفولة وجعلها أساس العدوان بالنسبة للكبار .
32-  يلاحظ هنا كما في التحليلات القادمة أن كثيرا من الأفكار السابقة على ظهور نظرية الشخصية الإجرامية ستكون حاضرة في بناه هذه النظرية التي تعتبر تلخيصا لكل المحاولات العلمية حول تحديد النواة المركزية للشخصية الإجرامية .
33- محمد زكي أبو عامر، دراسة في علم الإجرام والعقاب ، ص . 217.
34-  عبد الرحمن عيسوي ،  سيكولوجية الجنوح،  ص .20.
35- انعدام الإحساس العاطفي أو قساوة المجرم هي من العلاقات التي نجدها عند المجرم وذلك منذ بداية علم الإجرام على يد لومبروزو واتباعه في المدرسة الإيطالية والذي كان أول من تنبه إلى أن المجرم يخطف عن بقية الناس بقساوة قلبه و جمود إحساسه تجاه ضحايا لدرجة تشبيهه بالحيوان .
36- بنتيل، المرجع السابق،  ص . 713
37- عبد الرحمن عيسوي، المرجع السابق ، ص . 36
38-  سيليغ، المطول في علم الإجرام ، 1956، ص. 244 .
39- نشير إلى أن هناك محاولات علمية أخرى حاولت أن تعطي شرحا عاما  وموسعا للجريمة  أملا للوصول إلى تحديد الشخصية الإجرامية تحديدا كليا. انظر على سبيل المثال سوزيرلاند وكريسي. مبادئ علم الإجرام، ترجمة محمود السباعي و حسن صادق المرصفاوي ، مكتبة الأنجلو المصرية، 1968.
40- أخذنا هذه السمات لأهميتها عن عبد الرحمن عيسوي،  المرجع السابق، ص.35

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة المحامي عدد 19 صفحة 31