9.30.2017

وسائل الإثبات في التشريع الجنائي المغربي الأستاذ توفيق عبد العزيز

وسائل الإثبات في التشريع الجنائي المغربي الأستاذ توفيق عبد العزيز










وسائل الإثبات في التشريع الجنائي المغربي
الأستاذ توفيق عبد العزيز






للأستاذ توفيق عبد العزيز نائب الوكيل العام للملك
بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء

الكتابة من وسائل الاثبات في الميدان الجنائي الا انها - كما تقدم - تختلف عن الكتابة في الميدان المدني: ذلك ان الكتابة في الميدان المدني تهيأ من طرف اطراف التصرف القانوني قبل اقدامهم عليه بينما في الحقل الجنائي تهيأ من طرف الغير. وقد تهيأ مصادفة من طرف المتهم نفسه من غير أن يقصد بها اثبات الجريمة ضده، كرسائل التهديد او السب التي توجه الى الضحية او المذكرات الخاصة التي يكتبها المتهم لنفسه وتحجز عنده او عند الغير:

والبيانات الكتابية او الاوراق تنقسم الى قسمين:
1- قسم يمثل جسم الجريمة أي انه يدل على وقوع الجريمة او بمعنى ادق هو الجريمة نفسها. مثل الورقة المزورة ورسائل التهديد او السب او القذف الموجهة الى شخص ما، فهذه الاوراق تدل على وقوع الجريمة، وبانتفائها تنتفي الجريمة نفسها، اذ لا يمكن ان تقوم جريمة الزور اذا لم يوجد محرر مزور - كما  لا يمكن ان تقوم جريمة التهديد او القذف الكتابيين اذا لم توجد الورقة التي كتب فيها التهديد او القذف. والاثبات طبعا على من يدعي وقوع الجريمة او التضرر منها :
2- وقسم يكون الدليل على وقوع الجريمة أي انه لا يدل على الجريمة نفسها ولكنه يدل على من ارتكبها، وهذا القسم ينقسم بدوره الى قسمين اوراق خاصة ومحاضر.

الاوراق الخاصة:
هي التي يكتبها المجرم كرسائل التهديد او القذف او رسائل موجهة الى شخص ما تتضمن الاخبار بارتكاب جريمة من طرف المرسل او من طرف اشخاص يعملون تحت إمرته او متواطئين معه مساهمين او مشاركين او مجد مذكرات يكتبها الشخص لنفسه دون نية ارسالها للغير، وتتضمن ارتكاب جريمة معينة او التهيئ لها شرط ان تكون هذه الاخيرة ضد سلامة الدولة واقترنت ببعض الاعمال الاعدادية كجمع السلاح او الادوات التي تستعمل في الجريمة ولو قبل الشروع فيها.

وهذه الاوراق تعرض على المحكمة وتطرح للمناقشة من طرف الخصوم اذا توصل اليها بطريقة مشروعة، كانت حجزت عند المتهم او في منزله الا انه لا يمكن ان تتخذ من مراسلة المتهم الى محاميه دليلا على ارتكاب المتهم الجريمة المتابع من اجلها والتي يؤازر المحامي المتهم في نطاقها ( الفصل 295 من قانون المسطرة الجنائية) فاذا كان المتهم متابعا مثلا بارتكابه جريمة قتل ضد شخص معين، ونصب عنه محاميا ووقع ان راسل المتهم محاميه واعترف له بانه فعلا ارتكب هذه الجريمة، ووقعت هذه الرسالة في يد التحقيق واضيفت الى الملف فانه لا يعتد بهذا الاعتراف لمخالفة للفصل المذكور اعلاه والذي ينص على ان ( الحجة الكتابية لا تنجم عن المراسلة المتبادلة بين الشخص ووكيله).

المحاضر:
هي الصكوك التي يحررها الموظفون المختصون للتثبت من الجرائم وهي تنقسم الى ثلاثة اقسام:
1- محاضر يوثق بمضمونها الى ان يثبت تزويرها.
2- محاضر يوثق بمضمونها الى ان يثبت ما يخالفه.
3- محاضر تعد مجرد بيانات وتاخذ بها المحكمة على سبيل الاستئناس

1- المحاضر التي يوثق بمضمونها الى ان يثبت تزويرها:
ينص الفصل 394 من قانون المسطرة الجنائية، على انه " لا يسمح لاي شخص بان يستدل بشهود لاقامة حجة لها صفة زائدة او معارضة بشأن محتويات المحاضر او التقارير التي وضعها موظفون او اعوان يوثق بتحرياتهم حسب منطوق القانون ولا يطعن فيها الا بادعاء الزور، ويترتب البطلان عن الاخلال بذلك" هذا النوع من المحاضر هو اقوى انواع المحاضر من حيث الاثبات وهو ملزم للمحكمة ما دام صحيحا في شكله. وقوته الاثباتية هذه لم تأته من كونه يحرر من طرف ضباط سامين للشرطة القضائية ولكن أتته من كونه ينظم في جرائم لا تثير الانتباه العام، ولا يشعر بها الناس في الغالب لانها تهم اشخاصا قليلين ويحررها في الغالب موظفون من صغار ضباط الشرطة القضائية وأعوانها أعطاهم المشرع هذه الصلاحية وهذه المحاضر تنظمها قوانين خاصة كالمحاضر التي يحررها مهندسو ومأمورو المياه والغابات الفصل 26 من قانون المسطرة الجنائية في شأن التثبت من الحجج والمخالفات المنصوص عليها في التشريع المطبق في ميدان الغابات والصيد البري والصيد في المياه الاقليمية وكذلك المحاضر التي يحررها مفتشو ومراقبو السكك الحديدية في الجنح والمخالفات التي ترتكب في القطارات ومحطاتها، واماكن السكك الحديدية ( الفصل 30 من قانون المسطرة الجنائية) وكذلك المحاضر التي يحررها موظفو الجمارك (21) الذين لهم ضابط وعون الشرطة القضائية والمحاضر التي يحررها الضباط قادة الميناء ونوابهم داخل الميناء ومرافقه الفصل 31 من قانون المسطرة الجنائية وقوة الاثبات هذه لا تكون الا لما شاهده محرر المحضر بعينه او سمعه من ذوي الشأن باذنه وكان يدخل تحت اختصاصه اما استنتاجاته او الاشياء التي تخرج عن اختصاصه فلا تتمتع بهذه القوة الاثباتية. فهكذا مثلا لو ان حارسا من حراس الغابات سجل في محضر بانه وجد اشجارا مقطوعة وتتبع اثر الاقدام حتى وصل الى دار شخص ادعى ان هذا الشخص المجاور للغابة هو الذي قطع هذه الاشجار دون ان يراه وهو يقطع الاشجار او يحمل الأغصان المقطوعة، وانكر الشخص ما ينسب اليه فانه لا يعتد بما جاء في هذا المحضر لان قوة الاثبات تكون لما رآه الموظف او ما تلقاه من ذوي الشأن، اما ما استنتجه من ملاحظاته فانه ليست له قوة الاثبات وكذلك اذا ورد في محضر رجال الجمارك (22) ان شخصا ضبطت عنده مواد مهربة وانه تبادل الضرب والجرح مع شخص اخر فان هذا المحضر ملزم للمحكمة فيما ورد فيه من وجود المواد المهربة وغير ملزم لها فيما ورد فيه من تبادل الضرب والجرح لان اثبات جنح الضرب والجرح وغيرهما من اعمال العنف خارجة عن اختصاص موظفي الجمارك.

ويضاف الى هذا المحضر. محاضر الجلسات (23) والاحكام فكل ما ورد فيها يعد صادرا من صاحبه ومطابقا للواقع. فلو ان متهما اعترف في المرحلة الابتدائية بانه ارتبك الفعل المنسوب اليه وادين واستانف هذا الحكم فانه لا يقبل منه في المرحلة الاستئنافية ان يتراجع عن اعترافه في المرحلة الابتدائية بدعوى ان هذا الاعتراف لم يصدر عنه ولا يقبل منه هذا التراجع الا اذا اثبت تزوير المحضر كما لا يمكن ان يقبل من شخص في المرحلة الاستئنافية ادعاءه بانه لم يكن حاضرا وقت مناقشة القضية في المرحلة الابتدائية في حين انه ورد الحكم انه كان حاضرا الا اذا اثبت تزوير الحكم وهذه المحاضر لا يمكن اثبات ما يخالف ما جاء فيها الا بادعاء الزور وثبوته عملا بالفصل 294 المذكور اعلاه.

الا انه تجب ملاحظة، ان الاعتراف الوارد في هذه المحاضر يعد صادرا عن قائله، اما صحته في حد ذاته او عدم صحته وجديته وهل صدر عن الشخص المعترف مختارا او تحت الضغط، فانه يدخل في سلطة المحكمة التقديرية التي لها كامل الصلاحية في تقدير هذا الاعتراف.

2- المحاضر التي يوثق بمضمونها الى ان يتثبت ما يخالفه
هذا النوع من المحاضر هو الذي يحرره ضباط الشرطة القضائية من شرطة ودرك في شأن التثبت من الجنح والمخالفات وهي المنصوص عليها في الفصل 291 من قانون المسطرة الجنائية بقوله "ان المحاضر والتقارير التي يحررها في شأن التثبت عن الجنح والمخالفات ضباط الشرطة القضائية وجنود الدرك يوثق بمضمونها ما لم يثبت ما يخالف ذلك"

وهذه المحاضر كما تقدم يحررها ضباط الشرطة القضائية في المهام التي كلفوا بها بشرط ان تكون صحيحة في شكلها وتعتبر من نفس نوع المحاضر التي يحررها موظفو ادارة شركة حصر التبغ في شأن المخالفات التي ترتكب خارقة لهذا القانون وقد نص على ذلك الفصل 76 من ظهير 32-11-12 المتعلق بنظام التبغ بقوله "المحاضر تحرر من طرف اعوان ادارة صاكة الدخان الموكلين قانونا والمحلفين، وكذلك بواسطة ضباط البوليس العدلي.


وان هذه المحاضر يعمل بها ما لم يقم دليل مخالف لها" 
وتعتبر المعلومات الواردة في هذه المحاضر صحيحة الى ان يثبت عكس ما ورد فيها وهي اقل قيمة من حيث الاثبات من محاضر النوع الاول اذ يكفي المتهم ان يثبت عكس ما ورد فيها لينزع عنها قوة الاثبات.

وتصبح مجرد بيانات للمحكمة ان تاخذ بها اذا ما وجدت قرائن اخرى تقويها اولا تأخذ بها فاذا ما ورد مثلا في محضر من هذه المحاضر ان شخصا اعترف بانه سرق او ضرب او قام باية جريمة في يوم 3 يناير1976 ثم اثبت هذا المتهم امام المحكمة انه لم يكن حاضرا ذلك اليوم في المكان الذي ارتكب فيه الفعل وذلك اما لكونه كان مسافرا خارج المغرب وادلى بجواز سفره الذي تبين منه وجوده في ذلك الوقت خارج المغرب، او ادلى بشهادة من مستشفى تثبث انه كان نزيل المستشفى في ذلك الوقت وانه لم يغادره او ادلى بها يثبت انه كان في ذلك الوقت سجينا من اجل قضية اخرى وهكذا. او اذا اثبت المتهم ان الفعل المنسوب اليه كما ورد في المحضر ارتكبه شخص اخر فاذا اثبت المتهم عكس ما ورد في المحضر فانه يزيل عنه قوة الاثبات التي منحه اياها القانون. واثبات عكس ما ورد في هذه المحاضر لا يكون بنفي المتهم له فقط، بل عليه ان يثبت ذلك اما بحجة كتابية كما ورد اعلاه واما بشهادة شهود تستمع اليهم المحكمة واثبات ما يخالف ما ورد في المحضر لا يقتصر على المتهم وحده بل للقاضي الجنائي ان يثبت ذلك بمقارنة الواقع مع ما ورد في المحضر فلو ورد في محضر من هذه المحاضر ان شخصا تعدى على اخر بالضرب والجرح بموسى ثم تبين للمحكمة ان هذا المتهم مشلولا بكيفية يستحيل عليه معها ان يحمل سلاحا فان القاضي ومن تلقاء نفسه يطرح ما ورد في هذا المحضر لكون الواقع يكذب ما جاء فيه.

3- المحاضر التي تعد مجرد بيانات
هذه المحاضر هي التي يحررها اشخاص ليست لهم الصلاحية في ذلك وكذلك المحاضر التي تكون معيبة في شكلها كأن تحرر من طرف شخص واحد في حين ان القانون يفرض شخصين، او لان المتهم المستنطق مكث تحت الحراسة المنظورة اكثر من الوقت القانوني دون اذن كتابي من وكيل الملك بتمديد فترة الوضع تحت الحراسة الفصلان 82.68 من قانون المسطرة الجنائية او لان محضر التفتيش وقع خارج الاوقات المسموح بها قانونا ( الفصل 61 و62 و64 و65) من قانون المسطرة الجنائية وكذلك المحاضر التي تحرر في الجنايات فانها تعد مجرد بيانات فقط وان هذا النوع من المحاضر لا يلزم المحكمة وانما لها كامل الصلاحية في الاخذ بها بشرط ان تكون هناك قرائن تؤكد ما جاء فيها.

قيمة الاوراق الاثباتية:
ان الاوراق التي تكون جسم الجريمة تكون لها قوة اثبات مطلقة متى اعترف بها محررها او اثبت الفحص الذي اجري عليها انها له ولو انكرها هذا الاخير، وكذلك الاوراق التي ثبتت الجريمة كالمذكرات التي يكتبها المتهم او الرسائل التي يبعثها المجرمون الى بعضهم، او اعضاء عصابة، او المتآمرون فهذه الرسائل تعد حجة كاملة على اصحابها الذين ارسلوها او المرسلة اليهم متى تبين منها ان هؤلاء الاخرين مساهمين في الجريمة او مشاركين فيها، كأن يخبر شخص آخر برسالة مفادها ان الاشياء المسروقة قد بيعت او ان الشخص الذي اعتدوا عليه قد توفي او خرج من المستشفى، وهكذا. الا ان هذه الاوراق يجب ان تعرض في الجلسة على الاطراف وتناقش، فاذا ما حكمت المحكمة على المتهم لارتكابه جنحة الزور دون ان تفحص الورقة المدعى فيها الزور وتعرضها على المتهم ليقول كلمته فيها واكتفت بما ورد في محضر الشرطة ولم تفض الغلاف المشمع الذي يحتوي على الوثيقة موضوع الدعوى فان حكمها يكون معرضا للنقض لاعتمادها في الاثبات على وثيقة لم ترها ولم تعرضها على الخصوم للمناقشة (24) " الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية".

اما المحاضر الرسمية فقد تقدم تقسيمها الى ثلاثة اقسام: قسم يؤخذ به ويفرض نفسه على المحكمة ويعد عنوان الحقيقة الى ان يثبت تزويره ولا يكفي ادعاء الزور في هذه المحاضر بل حتى يثبت الزور بحكم نهائي غير قابل لاي طعن وادعاء الزور يثار من طرف من ادعاه وهو عادة المتهم لانه هو الذي يدعي خلاف الاصل اذ ان الاصل هو اعتبار هذه المحاضر عنوان الحقيقة واذا ما ثبت تزوير هذه المحاضر فان المحكمة تتحرر منها وتبحث عن وسائل اثبات اخرى.

اما المحاضر ذات القوة الاثباتية المحدودة وهي التي يوثق بمضمونها الى ان يثبت خلاف ما ورد فيها فان المتهم او حتى المحكمة تستطيع ان تثبت هذا العكس وان هذه المحاضر تكون حجة حسبما تتضمنه من تصريحات على انها صادرة من اصحابها لا بفحواها وقد اصدر المجلس الاعلى عدة قرارات في هذا الشأن نورد على سبيل المثال القرار الصادر في القضية عدد 26 س 14 بتاريخ 12/11/70 والمنشور في مجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 19 السنة 3 بتاريخ نونبر1970 ص 76 والذي ورد في قواعده " محضر رجال الدرك حجة ما تضمنه من تصريحات يوثق بحقيقة صدورها عن اصحابها لا بفحواها".

" انه بالنسبة للتنصيصات الواردة في كل محضر يحرره رجال الدرك والذي يتضمن تصريحات ما فانه يوثق بحقيقة صدور تلك التصريحات من اصحابها لا بفحوى تلك التصريحات وعليه فان قضاة الزجر لما تطرق اليهم الشك في صحة فحوى التصريحات التي افضت بها الضحية وتلقاها منها المحققون من رجال الدرك وآثروا عليها الانكار الصريح الذي تمسك به الظنين يكونون قد استعملوا في مادة لا تقيد فيها الحجة بقيد سلطتهم التقديرية".
من هذه الحيثية تبين ان هذه المحاضر تقتصر حجتها على صدور هذه التصريحات من اصحابها اما التصريحات نفسها ومدى جديتها فان الصلاحية الكاملة للمحكمة التي تقدرها حسب سلطتها التقديرية اما المحاضر التي تعد مجرد بيانات فانها لا تعد الا قرائن ليست لها في حد ذاتها أية قوة اثبات.

القرائـــــن
تنقسم وسائل الاثبات الى وسائل مباشرة (25) وغير مباشرة، فوسائل الاثبات المباشرة هي التي تنصب مباشرة على الواقعة المراد اثباتها كالاعتراف وشهادة الشهود الخ ….

اما الوسائل غير المباشرة فهي التي لا تنصب على هذه الواقعة وانما تحتاج الى استعمال الاستدلال العقلي والفحص العميق للوصول الى الحقيقة وهي القرائن.

لم يعرف القانون الجنائي القرائن ويمكن ان نعتمد في تعريفها على قانون العقود والالتزامات الذي عرفها في الفصل 449 منه بانها " دلائل يستخلص منها القانون او القاضي وجود وقائع مجهولة". من هذا التعريف يتبين ان القرائن هي استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة، وهي نوعان : قرائن قانونية وقرائن قضائية.

فالقرائن القانونية هي التي وضعها القانون والزم بهذا القاضي، وهي نوعان قرائن قانونية قاطعة وقرائن قانونية بسيطة، فالقرائن القانونية القاطعة هي التي لا تقبل اثبات العكس مثل ما نص عليه الفصل 138 من القانون الجنائي من ان الصغير الذي لم يبلغ اثني عشر سنة يعتبر غير مسؤول جنائيا لانعدام تمييزه وهذه قرينة قاطعة على عدم مساءلته جنائيا ولا يستطيع المتضرر ولا النيابة العامة اثبات العكس فلو اثبت المتضرر مثلا ان هذا الطفل الذي يبلغ 11 سنة كاملة ذكي جدا وانه الاول في فصله الدراسي ويتمتع بقوة ادراك خارقة للعادة في مستوى البالغين  الممتازين، لما استمع الى ادعائه لان عدم بلوغ الطفل 12 سنة كاملة قرينة قانونية قاطعة على عدم تمييزه وكذلك نشر قانون في الجريدة الرسمية يفترض جميع الناس علموا به، فهكذا لو ان قانونا جديدا صدر يجرم فعلا كان مباحا، وصدف ان قام شخص بارتكاب هذا الفعل الذي اصبح جريمة فانه، لا يمكن ان يثبت انه لم يطلع على هذا القانون كأن يكون خارج المغرب، او كان معتقلا، لانه لا يعذر احد بالجهل بالقانون ف 2 من القانون الجنائي وان نشر القانون بالجريدة الرسمية يعد قرينة قانونية قاطعة على علم الكافة به. وقد اعتبر القضاء المصري الزيادة غير المبررة  في مال الموظف، وكون نوع وظيفته تتيح له فرصة ذلك الاستغلال حتى يصبح اعتبار عجزه عن اثبات مصدر الزيادة في ماله قرينة قانونية عامة على ان هذه الزيادة تمثل كسبا غير مشروع (26)، " نقص 27 ديسمبر 1965 مجموعة الاحكام من 16 رقم 183 ص 957 وكذلك عدم بلوغ القاصر 15 سنة يعد عديم الرضى ولذلك يعاقب الفصل 484 من القانون الجنائي من يهتك عرضه ولو كان ذلك برضاه لان عدم بلوغ القاصر 15 سنة قرينة قانونية قاطعة على عدم رضاه وكذلك من يقدم مسكنا للمجرمين او سلاحا او مساعدة لمعاونتهم لارتكاب الجريمة وهو يعلم ذلك تعد قرينة قانونية قاطعة على جريمته الفصل 129 من القانون الجنائي 

القرائن البسيطة: هي التي يقررها القانون، الا انه اباح للمتضرر منها ان يثبت عكسها لينجو من العقاب فالفصل 543 من القانون الجنائي ينص في فقرته الاولى على انه " يعد مصدرا لشيك بدون رصيد من يرتكب بسوء نية احد الافعال الاتية:
اصدار شيك بدون رصيد قائم قابل للصرف او له رصيد يقل عن قيمته وكذلك سحب الرصيد كله او جزء منه يعد مصدرا للشيك بدون رصيد".

وهكذا يستطيع المتابع ان يثبت حسن نيته وقت اصدار الشيك بانه كان يتوفر على المبلغ الكافي ولكن البنك سحب مبلغا كالضريبة السنوية مثلا، او استطاع ان يثبت الغلط الحسابي الذي وقع فيه. او استطاع ان يثبت بان متسلم الشيك لم يدفعه في الوقت الذي تسلمه، بل امسكه مدة طويلة الشيء الذي جعل المصدر يعتقد ان المبلغ سحب.

القرائن القضائية: هي القرائن التي يترك امر تقديرها واستنتاجها الى القاضي بطريقة اللزوم العقلي، ويعتمد في ذلك على عملية ذهنية يربط فيها بحكم الضرورة المنطقية بين واقعة معينة والواقعة المراد اثباتها، فضبط شخص حامل سكينا ملطخا بالدم قرب جثة قرينة على انه هو القاتل، والشخص الذي يضبط في حالة رعب حاملا مواد ملتهبة وهو فار قرب مكان اضرمت فيه النار يعتبر هو مضرمها وضبط شخص يحمل ملابس مبللة وهو يخرج من دار قرينة على انه السارق، وكذلك الضرب الذي  يرتكبه الجاني ضد المجني عليه بسكين في مقتل، كأن يسدد ضربته نحو قلب الضحية او عنقه او بطنه، فانها تعد قرينة قضائية على ان اراد القتل، وانه فعلا ارتكب جناية القتل العمد لا الضرب والجرح العمديين المؤديين الى الموت دون نية احداثه، واذا لم يمت الضحية من جراء الضرب لسبب خارج عن ارادة الجاني فان هذا الاخير يعد مرتكبا لجريمة محاولة القتل العمد كما نص عليها الفصل 114 من القانون الجنائي لا جنحة الضرب والجرح العمديين، وذلك لان في طعن المتهم بموسى حادة قاتلة في العادة في مقتل للضحية تعد قرينة على انه اراد القتل.

وقد اعتبر القضاء المصري وجود اثار المخدر في جيب جلباب المتهم يكفي للدلالة على الاحراز وان اتصال المتهم بعميد عائلة المجني عليه المخطوف، والمفاوضة في اعادته مقابل جعل معين، ومساومته في الجعل دون الرجوع الى غيره، ثم قبض الجعل واعادة المخطوف من مكان اخفائه كل ذلك يصلح دليلا كافيا على ثبوت تهمة الخطف في حقه (27). وان وجود بصمة المتهم او اثر قدميه في مكان الجريمة قرينة على وجوده فيها. والقاضي ياخذ بالقرائن القضائية الا اذا بين المتهم سببا معقولا ومقبولا لها. ففي المثال الاول اذا ما استطاع المفاوض ان يثبت ان المختطفين كلفوه، لما عرف به من استقامة ومروءة في التفاوض مع عائلة المخطوف وانه لم يفاوض الا خوفا على حياة المخطوف الذي هدد المختطفون بقتله اذ لم يتوسط هو والقرائن القضائية يجب ان تؤخذ بحزم وان يتعمق القاضي في دراستها ومقارنتها ومدى مطابقتها للواقع وان تكون المقدمات التي انطلق منها سليمة وصحيحة لان اغلب الاخطاء التي يقع فيها القضاء تكون بسبب القرائن القضائية.

قيمة القرائن من حيث الاثبات:
قلنا ان القرائن القانونية القاطعة ملزمة للقاضي وبالتالي فان لها قوة اثبات كاملة اما القرائن القانونية البسيطة والقرائن القضائية فانه ليست لها نفس القوة الاثباتية، وللمتضرر ان يثبت عكسها الا ان اثبات هذا العكس يجب ان يكون منطقيا ومعقولا، فاذا ما اثبت المتهم المتابع بارتكاب جريمة محاولة القتل باستعمال السلاح، وبين للمحكمة ان السكين المستعمل في الطعن والمحجوز من طرف الشرطة، لا يصلح للقتل ولا يمكن ان يقتل كأن يكون لسانه قصيرا، او غير حاد تماما، فان قرينة محاولة القتل العمد، تسقط، وتصبح الجريمة على انها ضرب عمدي بسلاح.

رقابة المجلس الاعلى على القرائن:
القرائن من جملة وسائل الاثبات، مسألة موضوع لا قانون وبالتالي لا رقابة للمجلس الاعلى عليها، الا بقدر ما يباشر من اشراف على سلامة الاستدلال ( الاستخلاص) واستخلاص النتائج من المقدمات في موضوع الدعوى وقانونيتها معا، وما يتطلبه فيه من ان يكون سويا متفقا مع العقل السليم والمنطق السليم، وبقدر ما يلزم في الادانة من ان تكون مبنية على الجزم واليقين لا مجرد الشك او الترجيح (28).

المراجــــــع

(21)    ورد في قرار صادر عن المجلس الاعلى تحت عدد ( 8 س 15 بتاريخ 11/11/1971 المنشور في مجلة 
          قضاء المجلس الاعلى العدد 23 السنة 4 ص 67 ان المحاضر التي تحرر من طرف شخصين على الاقل 
          من رجال الجمارك في المسائل المالية يوثق بها الى ان يدعي فيها الزور ولهذا يتعرض للنقض الحكم 
          الذي اعتبر محضرا من هذا النوع باطلا استنادا الى اثبات ما يخالفه عن طريق شهادة الشهود وعن 
          طريق القرائن.
(22) اصول الاجراءات الجنائية ص 416 للدكتور حومد.
(23) ورد في قرار محكمة النقض بمصر انه متى بان من محضر الجلسة والحكم ان تقرير التلخيص قد قام بتلاوته احد اعضاء الهياة التي نظرت الدعوى وان الحكم قد نطق به في جلسة علنية، فلا يقبل من المتهم  اثبات عكس ذلك الا باتباع اجراءات الطعن بالتزوير نقض اول مايو1956 مجموعة احكام النقض عن كتاب شرح  قانون الاجراءات الجنائية للدكتور محمود مصطفى ص 10 ص 446 هامش 2.
(24) يعد عيبا جوهريا مبطلا للحكم ان تقض المحكمة بالادانة في جريمة تزوير دون ان تفض الغلاف المغلق الذي احتوى المحرر المزور" نقض 28 اكتوبر69 المرجع السابق.
(25) اصول قانون الاجراءات الجنائية للدكتور احمد فتحي مسرور ص 331.
(26) عن المرجع السابق ص 332 هامش 2.
(27) عن المرجع السابق ص 333.
(28) المشكلات الهامة في الاجراءات الجنائية ج 2 ص 494 للدكتور رؤوف عبيد.

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 13، ص 31.