9.17.2017

الحماية القانونية لحرمة المساكن في التشريع المغربي بقلم: ذ. حسن هاروش

الحماية القانونية لحرمة المساكن في التشريع المغربي  بقلم: ذ. حسن هاروش













الحماية القانونية لحرمة المساكن في التشريع المغربي

بقلم: ذ. حسن هاروش






مقدمة:
   يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (النور: 27-28).
   ويقول سبحانه: (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) (الحجرات: 12).
   يكتسي المسكن أهمية خاصة نظرا لتعلقه بالحريات الشخصية للأفراد، كونه يمثل مستودع أسرار الإنسان وموطن حياته الشخصية، لذلك أحاطته المعاهدات الدولية والتشريعات المقارنة بعناية خاصة تكريما لحرمته ومنعا لكل ما من شأنه المساس به.

   فما هي الحماية التي أضفاها المشرع المغربي على حرمة المساكن؟ وما هي حدود هذه الحماية؟
وهل يمكن تفتيش المساكن التي تعقد بها مجالس الجماعة؟
المحور الأول: حرمة المساكن والاستثناءات التي ترد عليها:
   أحاط المشرع المغربي، أسوة بغيره من التشريعات المقارنة، مسكن الإنسان بمجموعة من الضمانات حفاظا على حرمته، بل إنه رفع القواعد المتعلقة بحرمة المسكن إلى مصاف القواعد الدستورية كما ورد في المادة العاشرة من الدستور: "المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون".
   لذلك فالمسكن كقاعدة عامة له حرمته التي لا يجب أن تنتهك، إلا أنه في حالة ارتكاب جريمة فإن إجراءات البحث والتحري قد تستدعي القيام بعملية البحث والتفتيش والمعاينة والحجز، لكن لا ينبغي اقتحام المساكن إلا وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
   وهكذا نص قانون المسطرة الجنائية على قواعد خاصة فيما يتعلق بتفتيش المساكن يتسع نطاقها أو يضيق بحسب ما إذا كانت الجريمة متلبسا بها أم لا.
   ففي حالة التلبس بالجريمة يتخذ التفتيش طابعا قسريا يستبعد شرط رضا الأشخاص على خلاف الحالة العادية.
   ولكن ورغم ذلك وحتى في حالة التلبس قيد إجراء التفتيش في المواد 59 و60 و62 بالشروط التالية:
      1- لا يقوم بالتفتيش إلا ضابط الشرطة القضائية أو قاضي التحقيق أو الوكيل العام للملك أو وكيل الملك.
      2- ينبغي أن يتم التفتيش بحضور صاحب المنزل أو من يمثله، وإذا كان غائبا أو فارا فإن التفتيش يتم بحضور شاهدين من الأشخاص الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية.
      3- ينبغي أن يتم التفتيش بين الساعة السادسة صباحا والتاسعة ليلا.
      4- ينبغي تفتيش النساء في الأماكن التي يوجدن بها من طرف امرأة ينتدبها ضابط الشرطة القضائية.
      5- يجب على ضابط الشرطة القضائية أن يتخذ كل الإجراءات قصد المحافظة على السر المهني، وفي حالة تفتيش أماكن معدة للاستعمال المهني كعيادات الأطباء مثلا يتعين على ضابط الشرطة القضائية إشعار النيابة العامة.
   وبالنسبة لتفتيش مكاتب المحامين فلا يقوم بذلك إلا قاض من النيابة العامة بمحضر نقيب هيئة المحامين أو من ينوب عنه أو بعد إشعاره بأي وسيلة من الوسائل.

   أما إذا كانت الجريمة غير متلبس بها فإن المشرع قد أضاف إلى الشروط السابقة شرطا آخر وهو حصول ضابط الشرطة القضائية على موافقة صريحة من الشخص الذي يجري التفتيش في منزله، وتكون هذه الموافقة بتصريح مكتوب بخط يد المعني بالأمر، وإذا كان لا يعرف الكتابة يشار إلى ذلك في المحضر كما يشار إلى قبوله، ويستثنى من ذلك الجريمة الإرهابية التي يحق معها لضابط الشرطة القضائية القيام بالتفتيش رغم امتناع الشخص الذي يجري التفتيش في منزله، أو تعذر الحصول على موافقته وذلك بعد الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة، ويتم التفتيش بحضور المعني بالأمر أو بحضور شخصين من غير الأشخاص الخاضعين لسلطة ضابط الشرطة القضائية الإدارية إذا امتنع صاحب المنزل وتعذر حضوره.
   وقد نص المشرع في المادة 631 من قانون المسطرة الجنائية على بطلان إجراءات التفتيش التي تتم خرقا للشروط السابقة..

   وختاما فإن المسكن له حرمته التي لا ينبغي أن تنتهك ولذلك فهو محصن من كل تفتيش أو أي إجراء آخر يمس بهذه الحرمة إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون وطبق الشروط والإجراءات التي كرسها مشرع المسطرة الجنائية.
   وعليه فإن كل تفتيش تم خرقا للإجراءات والشروط المنصوص عليها أعلاه يعتبر باطلا ويعرض القائم به للمتابعة بجريمة انتهاك حرمة مسكن المنصوص عليها في الفصل 230 من القانون الجنائي الذي ينص على أن:
   "كل قاضي أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة العامة أو القوة العمومية يدخل بهذه الصفة مسكن أحد الأفراد، رغم عدم رضاه، في غير الأحوال التي قررها القانون، يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم".

   وإذا كان المسكن كقاعدة عامة له حرمته التي تجعله محصنا من كل تفتيش إلا في حالة ارتكاب جرائم، فما هو الشأن بالنسبة للقاءات التي تعقدها جماعة العدل والإحسان؟ هل تعتبر اجتماعات عمومية يتعين التصريح بها لدى السلطة المحلية قبل انعقادها؟ وفي حالة عقدها دون تصريح هل يمكن متابعة المشاركين فيها بجنحة عقد اجتماعات عمومية غير مرخص بها؟ وهل يمكن للشرطة القضائية تفتيش المساكن التي تعقد بها هذه المجالس؟
المحور الثاني: التكييف القانوني لمجالس جماعة العدل والإحسان:
   عرف المشرع المغربي الاجتماع العمومي في الفصل الأول من ظهير 15 نونبر 1958 المعدل بموجب ظهير 10 أكتوبر 2002 كما يلي:
   "يعتبر اجتماعا عموميا كل جمع مؤقت مدبر مباح للعموم تدرس خلاله مسائل مدرجة في جدول أعمال محدد من قبل".
   يستشف من هذا الفصل أن الاجتماع العمومي يقتضي توفر أربعة عناصر:
      1- أن يكون الجمع مدبرا.
   أي أن يكون اتفاق مسبق بين المشاركين فيه على عقده وإلا اعتبر تجمهرا خاضعا لمقتضيات ظهير 15 نونبر 1958 المتعلق بالتجمهر.
      2- أن يكون الجمع مؤقتا.
      أي أنه ينتهي بمجرد الانتهاء من جدول الأعمال.
   3- أن يكون الاجتماع معدا لدرس مسائل مدرجة في جدول أعمال محدد من قبل.
   4- أن يكون الجمع مباحا للعموم.
      وهذا العنصر الذي يميز الاجتماع العمومي عن الاجتماع الخصوصي، رغم صعوبة التمييز بينهما نظرا لعدم وجود نص قانوني يعرض الاجتماع الخاص على اعتبار أن حرية الاجتماع الخاص ما هي إلا امتداد لحرمة المنزل خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاجتماعات الخاصة عادة ما تعقد في منزل أو في قاعة خاصة.
   غير أنه بمفهوم المخالفة يمكن الاستناد إلى ثلاثة معايير تعين الاجتماع الخصوصي وتميزه عن الاجتماع العمومي وهي:
   - أن الاجتماع الخاص يعقد في مكان مغلق.
   - ولوج الاجتماع يبقى حكرا على أشخاص معروفين بأسمائهم.
   - مراقبة هوية الأشخاص الذين يحضرون الاجتماع الخاص.

   بعد عرضنا لعناصر الاجتماع العمومي والمعايير التي تميزه عن الاجتماع الخصوصي تثار إشكالية بخصوص المجالس التي تعقدها جماعة العدل والإحسان. هل تعتبر اجتماعا عموميا ينبغي التصريح به لدى السلطة المحلية؟ وفي حالة عدم التصريح هل يمكن تفتيش المساكن التي تعقد بها ومتابعة الأشخاص الذين يشاركون فيها بعقد اجتماعات عمومية غير مرخص بها؟ أم أنها تدخل في زمرة الاجتماعات الخصوصية المعفاة من التصريح بها لدى السلطة المحلية؟
   بإعمال المعايير المذكورة أعلاه يثبت أن مجالس العدل والإحسان اجتماعات خصوصية لا تخضع لسابق تصريح لدى السلطة المحلية وأن هذه المجالس تعقد في أماكن مغلقة أي مساكن وبيوت، فهي ليست مباحة للعموم وإنما هي حكر على أشخاص معروفين بأسمائهم، هذا فضلا على أنه تتم مراقبة هوية الأشخاص الذين يلجون الاجتماع. وعليه فإنه لا يحق للضابطة القضائية اقتحام المساكن التي تعقد بها هذه المجالس وتفتيشها نظرا لعدم وجود جريمة تبرر هذا الإجراء.
والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.