9.30.2017

مستجدات طرق الطعن التي جاء بها مشروع قانون المسطرة الجنائية النقيب عبد اللـه درميش

مستجدات طرق الطعن التي جاء بها مشروع قانون المسطرة الجنائية النقيب عبد اللـه درميش












مستجدات طرق الطعن التي جاء بها مشروع قانون المسطرة الجنائية
النقيب عبد اللـه درميش





باقتفائنا لمقتضيات طرق الطعن  في مشروع قانون مدونة المسطرة الجنائية الحالي، نلاحظ ان هذه المقتضيات منها المستحدث لاول مرة، ومنها ما اقره  المشروع بعد ان كرسه القضاء،  ومنها مقتضيات وضعت لحل بعض الصعوبات التي كانت تثار امام القضاء  وأزالت  لبسا  وغموضا يكتنف المقتضيات القانونية لقانون المسطرة الجنائية.
وهكذا فإننا سوف لا نتوقف عند كل مقتضى، بل سنقتصر على ما هو  اكثر أهمية.

ان المشروع الحالي - كما يلاحظ ذلك من عدة  مقتضيات - قد خول النيابة العامة عدة صلاحيات جديدة في إطار التخفيف على  كاهل  المحاكم  من بعض القضايا البسيطة أو في سياق إقرار بعض العقوبات السالبة للحرية، كالتسديد بين المشتكي به  والمتضرر قبل  تحريك  المتابعة  في  بعض  الجرائم،  إذ بإمكان النيابة العامة اتخاذ بعض التدابير بموافقة الطرفين، ومنها، إلى جانب تعويض المتضرر، اداء  الغرامة  في  حدود  نصف  ما هو مقرر قانونا، أو الأمر بتقسيطها مع التماس وكيل الملك المصادقة على ذلك من طرف رئيس المحكمة أو من ينوب عنه في غرفة المشورة بأمر قضائي لا يقبل  أي  طعن  ( المادة41).

ومن المقتضيات التي أضيفت إلى المشروع لرفع اللبس الذي كان يثار بخصوص قرارات الإفراج المؤقت الصادرة عن الغرفة الجنائية  أو غرفة الجنح الاستئنافية، بحيث نص المشروع ان هذه القرارات لا تقبل أي طعن، كما هو الشان أيضا في حالة صدور  قرار  بعدم  الاختصاص،  أو الحالة  التي  يقع الطعن فيها بالنقض ولم يقع البث فيه بعد، فان آخر محكمة التي نظرت في القضية هي ذات الاختصاص للبت في  الإفراج  المؤقت  بقرار  غير  قابل لأي طعن (م171).

ومن الإضافات التي جاء بها المشروع مقتضيات ( المادة172) التي نظمت البت في استئناف قرارات الإفراج المؤقت الصادر عن المحاكم الابتدائية ميزت بين حالتين اثنتين، احداهما اجل الاستئناف (24 ساعة)، بحيث يستمر الاعتقال خلال هذا الأجل سواء استعمل الطعن أو لم يستعمل في قضايا الجنح الماسة بمقدسات البلاد، أو بالنظام العام، أو بالاتجار غير المشروع في المخدرات، ما لم يوافق وكيل الملك على خلاف ذلك.

أما الحالة الثانية فهي التي يعمل فيها هذا الطعن، فان المتهم يبقى رهن الاعتقال إلى ان يبت في الاستئناف.
ومما يجدر التنويه به هو ان المشرع حدد آجالا قصيرة لرفع الاستئناف الى محكمة الدرجة الثانية والبث من لدن هذه الاخيرة في اجال وجيزة (15 يوما).
وفي سياق اتخاذ بعض التدابير الاحترازية من سلطة التحقيق او هيئة الحكم، كاتخاذهما قرارا باغلاق الحدود وسحب جواز السفر- سواء بالنسبة  للوطني او للاجنبي - او تعيين محل اقامة  يحظر الابتعاد عنه، فان هاتين الجهتين بامكانهما تعديل هذه التدابير او مراجعتها في أي وقت  بمقتضى قرار لا يقبل الطعن بالنقض (173م).

يلاحظ على هذه المادة انها تتحدث فقط عن الطعن بالنقض مما يبقى معه التساؤل بخصوص اعمال الطعن بالاستئناف بالنسبة للقرار المتخذ من سلطة التحقيق سواء التابع للمحكمة الابتدائية او لمحكمة الاستئناف  - بناء على ازدواجية التحقيق - او بالنسبة للقرار المتخذ من هيئة الحكم اذا تعلق الامر بالمحكمة الابتدائية، وهو ما يتعين معه ايضاح  هذه المقتضيات.

اما بالنسبة للاوامر القضائية الصادرة عن قاضي التحقيق، فان المشرع قد رتب اثر بالافراج حالا على المتهمين المعتقلين، اذا اصدر قاضي التحقيق  امرا بعدم المتابعة رغم استئناف النيابة العامة لهذا الامر (م207)، اما اذا اصدر امرا بالاحالة على غرفة الجنايات، فانه يامر علاوة على ذلك، بضبط المتهم مع بيان هويته، وهذا الامر الاخير لا يمكن الطعن فيه الا عن طريق النقض مع الحكم  في الجوهر(م209 وم524).
-------------
ملاحظة هامة: حررت هذه الملاحظة استنادا على المشروع  في صياغته الاولى. وللتذكير فان المشروع عرف عدة صياغات.



ان المشروع قد احدث غرفة جديدة لدى محكمة الاستئناف هي غرفة الجنح الاستئنافية الى جانب الغرفة الجنحية الاستئنافية، بحيث جعل الاولى تنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد الاحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية ( م 244) اما الغرفة الثانية فتبقى مختصة في الحالات الواردة في ( م222) فضلا عن اختصاصها للبت في استئناف الاوامر القابلة للاستئناف الصادرة من قاضي التحقيق.

وان كنا نتفق على ازدواجية الغرفتين لتخفيف العبء على الغرفة الجنحية الاستئنافية، ولجعل هذه الاخيرة تنزل منزلة غرفة الاتهام السابقة وتختص في اغلب ما كان مسندا الى هذه الغرفة، فان الامر لا يعدو ان يكون الا مسالة تنظيمية لعدم الاختلاف في تشكيل الغرفتين.
ويلاحظ ان المشروع قد خول الغرفة الجنحية اجراء بحث تكميلي تراه مفيدا اما بواسطة احد اعضائها  او بواسطة احد قضاة التحقيق ينتدب من الغرفة لهذه الغاية، ويمكن للقاضي المكلف بالبحث ان يصدر جميع الاوامر، غير ان الغرفة تبقى  مختصة للبت في الافراج المؤقت (م 229).

ومن المبتكرات الجديدة ان المشروع- في اطار البت في بعض الحالات ذات الامتياز القضائي، اقر قاعدة الدفاع الطعن بالاستئناف في قرار الغرفة الجنائية بالمجلس الاعلى التي تقوم بالتحقيق والحكم داخل اجل ثمانية ايام وتبت غرف المجلس الاعلى كدرجة ثانية مجتمعة فيما بينها ( م 256) .
ويلاحظ ان هذه المادة قد اضافت بعض الضمانات التي تدخل ضمن ضمانات حقوق الدفاع بفتح باب الطعن بالاستئناف، الا ان البت من طرف المجلس بغرفه كلها مجتمعة فيه بعض العناء للمجلس الاعلى اذ يكفي ان يتم البت من طرفه بواسطة غرفتين او اكثر.

ومن المستجدات التي اتى بها المشروع في وسائل الاثبات انه خول السلطة القضائية المكلفة بالبحث والتحقيق اذا اقتضت ذلك، ضرورة البحث، الحق في اصدار مقرر كتابي بالتقاط المكالمات وكافة المراسلات المرسلة بواسطة وسائل الاتصال المختلفة وتسجيلها، وان هذا المقرر لا يقبل أي طعن ( م 288).
ونلاحظ ان هذا الاجراء خطير لمساسه بقاعدة دستورية وتبقى خطورته قائمة على الرغم من انه يصدر من النيابة العامة او من قضاة التحقيق والبحث دون الضابطة القضائية، وحبذا لو فتح امام هذا المقرر باب الطعن تنظر فيه الهيئة القضائية التي تتوفر امامها- اكثر من غيرها- الضمانات المكفولة دستوريا.

ومن بين المستجدات ايضا، ان المشروع انزل الحكم بالبراءة والحكم بالاعفاء منزلة واحدة وعلى قدم المساواة، بخصوص طرق الطعن، حيث اصبح ممكنا الطعن بالاستئناف او بالنقض في الحكم القاضي بالاعفاء (م 352) شانه في ذلك شان الحكم  بالبراءة.
ان المشروع في (المادة 358) عاد واعطى صلاحيات اخرى للنيابة العامة اذ اصبح بامكان النيابة العامة  في سائر الاحوال التي ترتكب فيها مخالفة يعاقب عليها القانون بغرامة مالية فقط، ويكون ارتكابها مثبتا في محضر او تقرير ولا يظهر فيها مطالب بالحق المدني، ان تقترح على المخالف، بمقتضى سند قابل للتنفيذ، اداء غرامة تبلغ نصف الحد الاقصى للغرامة المنصوص عليها قانونا.

وفي حالة تعبير المعني بالامر عن عدم رغبته في الاداء داخل عشرة ايام فان وكيل الملك يحيل القضية على القاضي الذي يبت في كافة الاحوال بالحد الاقصى للغرامة ويكون الامر القضائي هذا، غير قابل للتعرض او الاستئناف الا ان هذا الامر يكون قابلا للطعن بالنقض شريطة ان ينفذ الطاعن مبلغ الغرامة عند التصريح بالنقض ( م 365 وم394).
اننا نلاحظ على (المادة 365) انها ابقت على مقتضى قاس بحيث اعتبرت الامر القضائي بعد ان يصبح نهائيا بمثابة حكم العقوبة ويندرج ضمن حالات العود  الى الجريمة، وهو ما نرى معه حذف المقتضى الاخير الذي جاء في هذه المادة وعدم اعتبار ذلك عودا الى الجريمة للاثار الخطيرة التي تترتب عن حالات العود.

اما الاوامر القضائية في الجنح فقد اسندها المشروع لقاضي الحكم وفق (المادة 366) حينما يعاقب القانون المخالف بغرامة مالية لا يتجاوز حدها الاقصى 5000 درهم ويكون ارتكابها مثبتا بمحضر او تقرير، ولا يظهر فيها مطالب بالحق المدني، ويتم البت في مسطرة تواجهية ويقدم ملتمس كتابي الى القاضي من النيابة العام، فيمكن للقاضي ان يصدر امرا بغرامة لا تتجاوز نصف الحد الاقصى المقرر قانونا وذلك في حالة عدم الحضور ويكون هذا الامر قابلا للتعرض امام نفس المحكمة ويكون الحكم الصادر بعد التعرض قابلا للاستئناف.

نعتقد ان هذه المقتضيات عادية الا ان المقتضى الوارد في الفقرة الاخيرة من نفس المادة هو الذي يبدو انه يخرج عن قاعدة متأصلة في فقه الإجراءات وهي :"لا يضار الطاعن بطعنه" فكيف يسمح للمتهم باستعمال التعرض والاستئناف ضد امر او قرار قضائي قضى بغرامة تقل عن الحد الاقصى ثم يفاجا عند البت بالتعرض او الاستئناف ان الهيئة القضائية تصدر حكمها بالحد الاقصى للغرامة المقررة للجنحة.
ان مثل هذا المقتضى قد يكون حائلا دون ان يمارس المحكوم عليه حقه في الطعن اذ قد لا يستطيع ان يجازف باعمال هذا الطعن وهكذا نكون  قد افرغنا الطعنين معا من مضامينهما.

اما بخصوص التعرض على الاحكام الغيابية فان المشروع قد اضاف شرطا اخر لقبول التعرض شكلا  وهو ان اجل الطعن بالتعرض لا يمكن ان ينطق ويبتدئ الا  ابتداء من تاريخ التبليغ، وعند حدوث منازعة بين المحكوم عليه وكاتب الضبط يرفع الامر الى رئيس المحكمة في اطار صلاحيته الولائية للفصل في المنازعة (م 375 وم391).
ونرى ان هذا القيد الذي وضعه المشروع فرضته الممارسة العملية، اذ احيانا يتلقى كاتب الضبط تصريحا  بالتعرض ببعض البيانات الغير الكافية، مما يخلق صعوبة في اضافة صك التعرض الى ملف القضية وادراجه   بالجلسة.

ولا يمكننا ان نسبق الاحداث ونتسرع في الحكم على هذا القيد الا بعد تطبيقه على الواقع المعيش، فقد يخلق هو نفسه بعض الصعوبات كان يرفض كاتب الضبط تلقي التصريح بالتعرض ويرى رئيس المحكمة بامر ولائي عدم امر الكاتب بتلقي التصريح ويحرم المحكوم عليه من مناقشة تعرضه شكلا امام قضاء الحكم الذي قد يكون محقا فيه.
ويلاحظ  ان المشروع قد رتب عن التعرض اثارا تختلف من الدعوى العمومية الى الدعوى المدنية التابعة بحيث ان قاعدة الغاء الحكم الغيابي بمجرد التعرض لا تسري الا على الدعوى العمومية دون الدعوى المدنية التابعة التي لا تتاثر بالتعرض المقبول شكلا اذا تم التبليغ والتنفيذ وفق المسطرة  المدنية (م 375).

اما الطعن بالاستئناف في المخالفات فقد قلصه المشروع بحيث الغى امكانية الطعن بالاستئناف ضد الاحكام الحضورية والقاضية بالغرامة وحدها دون ان تكون مقرونة بالعقوبة السالبة للحرية، فمثل هذه الاحكام لا تقبل الا الطعن بالنقض (م 386) وتحت شرط اداء الغرامة من طرف المحكوم عليه اثناء  تقديمه التصريح بالنقض.
ونحن لا نتفق مع الغاء  هذه الدرجة - رغم  الابقاء على النقض- لان السياسة الجنائية الحالية  تتجه نحو اقرار العقوبات المالية الرادعة بدلا من العقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم وخصوصا منها الجرائم الاقتصادية كما ان المشروع قد احدث امام محكمة الاستئناف غرفة مستقلة للبت في الاستئنافات وهي غرفة الجنح الاستئنافية بحيث  لا خوف من ارهاق الغرفة الجنحية لمحكمة الاستئناف، بالاضافة الى ان التنظيمات القضائية الديمقراطية هي التي تتوسع في درجات التقاضي ولا تقلصها. 

اما الطعن بالنقض في القرار القضائي الصادر عن القاضي في اطار (م 365) فلا تترتب عنه اثار ايقاف تنفيذ العقوبة اذ يتعين على المحكوم عليه الذي يطلب النقض ان يثبت اداء الغرامة المقضي بها وقت تقديم الطلب (م 394).
وفي مادة الجنايات فان المشروع قد احدث مقتضى هاما هو ان غرفة الجنايات تصدر قراراتها ابتدائيا، بمعنى  ان هذه القرارات تقبل الطعن بالاستئناف وهو اهم مقتضى  اتى به المشروع( م457).
اما عن الجهة التي يرفع اليها الطعن بالاستئناف فهي محاكم استئناف تعين بقرار لوزير العدل وبامكان هذه المحاكم ان تعقد جلسات استئنافية تنقلية بمقار المحاكم المصدرة للقرارات المطعون فيه بالاستئناف.
وان غرفة الجنايات كدرجة استئنافية تبت في  الطعن بالاستئناف بقرار نهائي، وهي مشكلة من خمس قضاة مستشارين من بينهم الرئيس، ووفق الاجراءات المسطرية المطبقة امام محاكن الاستئناف العادية سواء من حيث الاجل او الاجراءات ويستثنى من الطعن بالاستئناف القرارات القضائية القاضية برفض السراح المؤقت وهو الطعن الذي لا يتم الا مع الحكم في الجوهر ( م 457) وايضا بالنسبة للاحداث ( م491).

ووجهة نظرنا ان ترفع القرارات الصادرة عن غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف استئنافيا الى غرفة من طبيعة خاصة لدى نفس محكمة الاستئناف وتتشكل هذه الغرفة من الرئيس الاول ورؤساء غرف محكمة الاستئناف او من قدامى المستشارين بها، بينما غرفة الجنايات التي تبت  كدرجة اولى فنرى ان تتكون من ثلاث  قضاة مستشارين من بينهم  الرئيس.
ونرى ان اقرار مبدا التقاضي على درجتين في مادة الجنايات فيه ضمانات كبيرة للمتهم  اذ ليس منطقيا ان تكون الجنح خاضعة لهذا المبدا ولا تخضع له الجنايات التي هي - فرضا- اكثر خطورة وجسامة على الرغم من ان عدد قضاة غرفة الجنايات يفوق عدد قضاة الغرفة الجنحية، لكن يبقى التفكير قائما في تحديد طبيعة هذه الهيئة وتشكيلها.


ان الملفت للانتباه ان مشروع المدونة قد اهتم بالاحداث وساير بذلك الاتفاقيات الدولية والتوجهات المعاصرة التي تصب في حماية الحدث بكل الوسائل.
وهكذا، فيحق للقاضي في قضايا الجنح، اصدار امر يخضع بمقتضاه الحدث لواحد او اكثر من تدابير نظام الحرية المحروسة المؤقتة، ويكون امر القاضي قابلا للاستئناف من طرف ذوي العلاقة بمن فيهم المؤسسة المكلفة برعاية الحدث (م 469).
كما ان الاحكام الصادرة عن الغرفة الجنحية لدى المحكمة الابتدائية، تقبل هي الاخرى، الطعن بالتعرض والاستئناف طبقا للقواعد العامة.
هذا، فان المشروع قد احدث مؤسسة المستشار المكلف بالاحداث على صعيد محكمة الاستئناف الذي يقوم باجراء بحث في القضية ويقوم بنفس الدور الذي يقوم به قاضي التحقيق وطبقا لنفس الاجراءات المسطرية، وتكون القرارات الصادرة عنه قابلة للاستئناف امام الغرفة الجنحية للاحداث تماما كما تستانف قرارات قاضي  التحقيق (م 484).

ومن جهة اخرى، فان المشروع قد خول، كذلك، قاضي الاحداث ( لدى المحاكم الابتدائية) الصلاحية بعد انصرام اجل ثلاث سنوات ابتداء من يوم انتهاء مدة تدبير الحماية والتهذيب ان يامر بالغاء البطاقة رقم 1 ويكون مقرر الرفض قابلا للطعن بالاستئناف امام الغرفة الجنحية للاحداث لدى محكمة الاستئناف (م 507).
ومن مظاهر حماية الاحداث ان المشروع قد وضع مقتضيات قانونية لفائدة الاطفال ضحايا جنايات او جنح او لاطفال يوجدون في وضعية صعبة، بحيث يمكن للنيابة العامة في حالة صدور حكم من اجل جناية او جنحة ارتكبت ضد الحدث ان ترفع القضية الى قاضي الاحداث او المستشار المكلف بالاحداث المختص، يمكن للقاضي المذكور ان يتخذ ما يراه مناسبا من تدابير الحماية بمقتضى قرار قابل للاستئناف امام الغرفة الجنحية  للاحداث بمحكمة الاستئناف ( م511) و(514).

اما طرق الطعن الغير العادية، فالمشروع قد ازال ذلك الغموض بخصوص شروط قبول الطعن بالنقض بالنسبة للقرارات والاوامر التي تكون فيها المسطرة شاملة عدة اطراف ويتغيب  بعضهم، ففي هذه الحالة يمكن للاطراف الصادر في حقهم حكم نهائي ان يطعنوا بالنقض بعد ان يصبح المقرر نهائيا في حقهم (م 521) وهو ما لم يكن القضاء يعمل به في غياب النص اذ كان لا يقبل النقض الا بعد ان يصبح الحكم  برمته نهائيا سواء  بالنسبة للحاضرين او حتى للمتغيبين وهو ما كان يضع عقبة امام الحاضرين  ومشقة في معرفتهم متى اصبح  الحكم نهائيا بالنسبة للمتغيبين .
اما الطعن بالنقض ضد الاحكام  والقرارات والاوامر القضائية بالغرامة فقط  فلا يكون مقبولا الا اذا تجاوز مبلغها 5000 درهم (م 523)، اما اذا كان المبلغ اقل، فيتعين ليكون النقض مقبولا  ان يؤدي الطاعن الغرامة المحكوم بها.

ومن القواعد الملفتة للانتباه ان القرارات الصادرة في المادة الجنائية والقاضية بالبراءة او الاعفاء تقبل الطعن بالنقض من طرف النيابة العامة، بمعنى  ان المشروع لم يعد يفرق بين القرار بالبراءة او القرار بالاعفاء بخصوص الطعن فيهما بالنقض من طرف النيابة العامة.
اما بالنسبة للطرف المدني فليست لديه الامكانية للطعن بالنقض في هذين القرارين مع وجوب استدعائه امام محكمة الاحالة عند النقض من طرف المجلس الاعلى بناء على الطعن  المقدم من النيابة العامة.
اما في باقي حالات الادانة الاخرى فان الطرف المدني بامكانه الطعن بالنقض تحت شرط اساسي هو ان يكون موضوع طلبه المدني يتجاوز 20.000 درهم.

وفي تقديرنا ان هذا القيد الذي وضعه المشروع على حق الطرف المدني في الطعن بالنقض سوف لا تكون له جدوى، فاذا كان المشروع يهدف الى عدم اغراق المجلس الاعلى بالطعون المتعلقة بالدعاوى المدنية التابعة التي  تدور حول مبالغ زهيدة القيمة، فان الطرف المدني سيدرك ذلك ويحدد طلبه القضائي في مبلغ يتجاوز هذا  القدر، ونقترح ان لا يبقى  معيار اعمال النقض بيد الطرف المدني.
ومن المحاولات التى اتى بها المشروع  للتغلب على حالات السقوط التي عرفها المجلس الاعلى بسبب سوء تطبيق مقتضيات الفصل 576 م.ج الذي يحيل على الفصل 353 م.ج فان المشروع قد حذف الاجراء المتعلق بتبليغ الاشعار بان نسخة القرار رهن اشارة الطاعن.
وهكذا يبقى على كاتب الضبط ان يسلم نسخة من القرار المطعون فيه الى المصرح خلال اجل عشرة ايام من التصريح، وان تعذر عليه ذلك يعطيه شهادة بعدم التسليم، وفي جميع الحالات يحال الملف على كاتبة الضبط بالمجلس الاعلى داخل ستين يوما ابتداء من تاريخ التصريح واذا تبين للمستشار المقرر ان نسخة الحكم لم تسلم للمعني بالامر انذره  بالاطلاع على الملف وبتقديم مذكرة بوسائل الطعن خلال ثلاثين  يوما  من تاريخ التوصل بالانذار ( م528).

وفي اعتقادنا ان هذه التعديلات من الاهمية بمكان اذ تساهم على احالة الملفات على المجلس الاعلى بسرعة دون ان تتدخل بعض العوامل الاخرى لعرقلة ذلك  كما انه سيقع تفادي صدور قرارات  بالسقوط وهي حالات كثيرة من عمل المجلس الاعلى .
كما نلاحظ ان المشروع قد رفع الوجيبة القضائية بقبول التصريح بالنقض الى مبلغ 3000 درهم  وهو ما يتنافى مع مبدا المجانية ويتعارض ايضا مع مبدا حق اللجوء الى القضاء دون قيود وهما مبدان اساسيان في التنظيم القضائي يجب مراعاتهما بقدر الامكان.
واضاف المشروع في المادة 532 بعض المقتضيات الهامة التي كانت تعترض تفسير الفصل 384 م.ج فاضحت الصورة واضحة ولم تعد تترك المجال للتاويل او التفسير، وذلك بخصوص اثار الطعن بالنقض بالنسبة للدعوى العمومية او للدعوى المدنية التابعة.
كما ان المشروع قد ازال ذلك الغموض  المتعلق باثار النقض عند الاحالة بحيث يبقى المتهم الذي يتعين حضوره امام غرفة الجنايات، في حالة اعتقال، الى ان تبت محكمة الاحالة، ويطلق سراح الشخص المتابع اذا ابطل القرار بدون احالة (م 551).

وفي اتجاه التقاضي بحسن نية طبقا للفصل (5 ق.م.م) ومواجهة  الطعون التعسفية والكيدية، اعطيت للمجلس الاعلى امكانية الحكم على خسائر الطعن- الى جانب تحمله المصاريف - بغرامة  مدنية لا تتجاوز مبلغ عشرة الاف درهم، كما خول المطلوب في النقض الحق في طلب التعويض امام المجلس الاعلى الذي ينظر في طلب النقض عن الضرر الذي لحقه بسبب الطعن المذكور(م 459).
ويلاحظ ان المشروع قد استعار هذه المادة من الفصل (376) من قانون المسطرة المدنية متناسيا ان هذا الفصل قد لقي انتقادات شديدة مما جعل المشرع يتدخل في قانون المالية لسنة 1988/1999 بمقتضى الفصل 19 مكرر منه والغى الفقرة الثانية من الفصل 376 م.م والمتعلقة بتغريم طالب النقض.
وهكذا، اذن في الوقت الذي الغى فيه المشرع مقتضى  قانونيا اقتنع بعدم جدواه، ياتي المشروع الحالي بنفس المقتضى وهو ما يتعارض  مع السياسة التشريعية للمملكة.
وعليه، فانه يجب التفكير في بدائل اخرى للحد من الاكتظاظ  الذي يعرفه المجلس الاعلى بسبب الطعون الكيدية، هذا فضلا، على ان طلب التعويض مخول للمتضرر في اطار المسؤولية  التقصيرية، وفي اطار القواعد العامة للقانون المدني.

من بين الانتقادات التي توجه عموما الى المشرع المغربي هي عدم وضع مقتضيات قانونية كفيلة لحل معضلة تنازع الاختصاص. وقد انتبه المشروع الى ذلك واحدث مقتضيات جديدة جديرة بالتنويه وخصص لها (م 552) بحيث اذا بت المجلس الاعلى وقضى برفض طلب النقض واصبح القرار المطعون فيه غير قابل لاي طعن ونشا عن ذلك تنازع سلبي بين المحاكم من شانه ان يحول دون  ان تاخذ العدالة مجراها، فانه يتعين على المجلس الاعلى ان يعتبر طلب النقض بمثابة طلب الفصل  في تنازع الاختصاص وان يبت  بتعيين المحكمة المختصة.
ويعتبر هذا المقتضى الحديث مقتضى هاما لانه يعيد للعدالة  اعتبارها ولا تبقى القضية معلقة تدور في فلك سابح من التنازع السلبي بين هذه المحكمة وتلك مما يجعل المتقاضي يتصور نفسه امام ما يسمى  بانكار العدالة وهي مسالة مشينة فيها مساس بحرمة العدالة.
ومن المستجدات الخاصة بالنقض فان المشروع في المادة (557) قد تناول مساءلة الطعن بالنقض بعد مرحلة النقض والاحالة، واقر ان مثل هذا الطلب يحال على المجلس الاعلى بكل غرفه مجتمعة .
ونرى ان هذه القاعدة فيها ارهاق للمجلس الاعلى، اذ قد لا تكون  هناك ضرورة  لاحالة مثل هذا النزاع على كل الغرف ونرى  ان يحال طلب النقض للمرة الثانية على المجلس الاعلى  وهو ينعقد في غرفتين او اكثر حسب الاحوال.
ومن بين الملامح الاساسية للمشروع انه احدث نظاما خاصا باعادة النظر وتصحيح القرارات تحت الباب الاول من القسم الثاني في نطاق مساطر استثنائية .

وهكذا فان المشروع  قد اضاف المادتين 563 و564 ويتجلى منهما ان الطعن في القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى، بوصفه  جهة النقض، غير ممكن الا في حالتين اثنتين أولهما الطعن باعادة  النظر وثانيهما تصحيح القرارات التي  يتسرب اليها خطا مادي.
وهكذا، فالبنسبة لحالة اعادة النظر، فان المشروع سمح بفتح هذا الباب بصورة ضيقة  وجعلها جائزة فقط في حالتين  اثنتين عند صدور قرار استنادا على وثائق صرح او اعترف بزوريتها دون باقي الحالات الاخرى التي كان المجلس الاعلى قد اصدر بعض القرارات القليلة بشانها(1).
والحالة الثانية لاعادة النظر اذا اغفل المجلس الاعلى البت في احد الطلبات المعروضة بمقتضى وسائل استدل بها.

ويلاحظ على المشروع انه نقل حرفيا الفقرة الخاصة باعادة النظر من الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية.
اما من حيث الاجراءات المسطرية لتقديم هذا الطعن فجاء ت مفصلة  في المادة564 فيجب ان يكون ذلك مسبوقا بمذكرة يمضيها مدعي الزور او من ينوب عنه بتوكيل خاص وذلك تحت طائلة البطلان  مع ايداع كفالة  محددة في مبلغ 20.000 درهم.
ويلاحط من هذا الاجراء انه اذا قدم بواسطة محام  فيجب على هذا الاخير ان يحصل من موكله على توكيل خاص لانه يندرج ضمن الحالات التي تتقيد فيها وكالة المحامي.
وفي نظرنا ان المشروع بفتحه لهذا الطعن الجديد فانه لم يستجب للساحة القضائية وللسجال الذي عرفته هذه المسالة بين الفقهاء.

وفي تقديرنا اننا لا ندري العلة التي جعلت المشروع لا يضيف تلك الحالة الثانية التي جاءت في الفصل 379/2 
من قانون المسطرة المدنية وهي الحالة التي اقرها لمجلس الاعلى في حكمه  الصادر بتاريخ 23/07/1987 المشار اليه اعلاه، والقرار 989 س 21 الصادر بتاريخ 16/02/1978 في الملف الجنحي عدد 54.645، مجلة المحاماة العدد 13، اكتوبر1978 ص101، كما ان المشروع باقراره لاعادة النظر امام المجلس الاعلى وسكوته عن ذلك امام المحاكم الاخرى يجعل حدا للاضطراب الذي عرفه بعض القضاء بخصوص اجازة اعادة النظر من عدم اجازتها ضد القرارات والاحكام الجنائية(2) واصبح الان من الثابت وجوب غلق باب هذا الاحتدام بحيث انه لا يمكن اجازة ذلك الا امام المجلس الاعلى وفي الحالتين المذكورتين دون باقي المحاكم الاخرى.
اما المسألة الثانية المتعلقة بتصحيح الاخطاء المادية التي تخللت القرارات فليست - في نظرنا- في حاجة الى تدخل المشرع الجنائي لان المسالة من قبيل تحصيل الحاصل واعادة للمبادئ العامة المنصوص عليها في الفصل (26) من قانون المسطرة المدنية المتعلقة بالصعوبات الموضوعية، فهذه القواعد الواردة في هذا الفصل تسري على كل الاحكام القضائية، مدنية كانت ام جنحية، وهو ما اكده العمل القضائي على صعيد اغلب محاكم المملكة.

ومن بين المستجدات ان المشروع في المادة(596) احدث على صعيد المحكمة الابتدائية قاضي تطبيق العقوبات تماما كما هو الشان بالنسبة للقاضي  المكلف بالتنفيذ امام المحاكم التجارية، بحيث ان المادة التي تناولت مهامه لم تسند اليه مهام قضائية كاصدار الاحكام في حالة وجود منازعة، وتركت ذلك للمحكمة التي اصدرت الحكم المراد تنفيذه لتفصل في النزعات العارض الغرفة المشورة كان تامر بتوقيف التنفيذ المتنازع فيه بمقرر لا يقبل أي طعن ما عدا الطعن  بالنقض (م 600).
حبذا لو ان المشروع استجاب للامال التي لازالت  معقودة على مؤسسة قاضي التنفيذ.
                                                 النقيب عبد الله درميش
                                                                                                                                                     هيئة المحامين بالدار البيضاء

------------------
(1) منها مثلا القرار عدد 3783 الصادر بتاريخ 23/07/1987 في الملف الجنحي عدد 12.343/87 جاء فيه:
" طلب اعادة النظر امام المجلس الاعلى يكون مقبولا متى ثبت ان الطاعن سبق له ان ادلى بالمذكرة المنصوص عليها في الفصل ( 576 من ق.م.ج) بعد صدور قرار يقضي بسقوط الطلب لعدم الادلاء بهذه المذكرة". مجلة المحامي العدد 19/20 ص 155، انظر ايضا الغرفة الجنائية قرار عدد 1556 بتاريخ 02/02/1982 في الملف الجنحي رقم 15.237/87 مجلة المحاكم المغربية عدد 58 ص 60.
(2) مثلا القرار الصادر في الملف الجنائي عدد 5466/93 بتاريخ 27/12/1994 مجلة الاشعاع عدد 21 ص126، وايضا القرار عدد 20.647 بتاريخ 19/03/1996 النشرة الاخبارية للمجلس الاعلى عدد 1-1997.
----------------
* مجلة المحاكم المغربية، عدد 89، ص15.