9.27.2017

جريمة خيانة الأمانة في القانون الجنائي المغربي الأستاذ محمد بوحيرات

جريمة خيانة الأمانة في القانون الجنائي المغربي   الأستاذ محمد بوحيرات











جريمة خيانة الأمانة في القانون الجنائي المغربي 
 الأستاذ محمد بوحيرات





بقلم الأستاذ محمد بوحيرات وكيل الملك
لدى المحكمة الابتدائية بابن جرير 

مقدمة
يحدث في الحياة العلمية أن تعرض على القضاء بعض القضايا التي تختلط مواضيعها وتدور بين الميدانين الزجري والمدني فلا يتمكن قضاة النيابة العامة من اتخاذ قراراتهم بالسرعة المتطلبة نظرا لدقة وحساسية المادة المعروضة عليهم وما قيل عم القضاة الواقفين يقال عن الجالسين من حيث الإنجاز في المدة المعقولة عندما تعرض عليهم مثل هذه القضايا.

فمثلا يقدم شخص إلى النيابة العامة بتهمة ارتكاب لجنحة خيانة الأمانة لأنه باع شاحنة أو شيئا يملك حصة فيه أضرارا بالمشتكي شريكه ( جنحة 523 ق ج) أو بتهمة اتيانه أخلالا لعقود البيع أو المعارضة أو  الكراء أو العمل أو إجارة الصنع أو عارية الاستهلاك أو الكفالة أو الصرف إلى غير ذلك من العقود التي لا تعتبر من الأمانة وعندها تضطرب المواقف وينشطر الرأي فمن قائل بمساءلة المشتكي به ومن قائل بعدم المساءلة الجنائية لذلك ارتأينا لأن نبسط الموضوع ليكون نقطة بدء بهدف عرضه على نقاش بناء يساعد القضاء على اتخاذ موقف حاسم في الموضوع.

خيانة الأمانة

تحت عنوان - خيانة الأمانة - عاقبت الفصول ابتداء من 547 إلى 555 من القانون الجنائي أربع جنح مختلفة 

الأولى: خيانة الأمانة
الثانية : خيانة ائتمان التوقيع على بياض
الرابعة : الاختلاس أو تبديد ورقة أو سند 
ونظرا لوفرة مواد جنحة خيانة الأمانة فإننا سنقتصر عليها وحدها في هذا البحث دون الباقي وسنتناولها في أربعة فصول

جريمة خيانة الأمانة

تنص المادة 547 من القانون الجنائي على أن "من اختلس أو بدد بسوء نية أضرار بالمالك أو أوراق من أي نوع تتضمن أو تنشيء التزاما أو أبراء كانت سلمت إليه على أن يردها ، أو سلمت إليه لاستعمالها أو استخدامها لغرض معين، يعد خائنا للأمانة ويعاقب بالحبس من ستة إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألفي درهم.

وإذا كان الضرر الناتج عن الجريمة قليل القيمة، كانت عقوبة الحبس من شهر إلى سنتين والغرامة المشددة المقررة في الفصلين 549 و 550".
يتبين من خلال دراسة هذا الفصل أن المشرع جعل من خيانة الأمانة جنحة خاصة سماها وميزها عن جنحة السرقة لكون الشيء يسلمه الضحية إلى الفاعل برضاه واضعا ثقته فيه نتيجة علاقة ما من العلاقات ثم يتضح لهذا الضحية أن ثقته وضعت في غير محلها.
كما ميزها عن جنحة النصب من حيث كون خائن الأمانة لم يستعمل وسائل احتيالية كي يتسلم الشيء الذي اختلسه أو بدده. 

التماثل

ورغم هذه الفوارق الجوهرية فإن خيانة الأمانة كثيرا ما تقرب من السرقة والنصب لأن الفاعل في هذه الجنح يستولي بطريقة غير مشروعة على أشياء الغير لذلك فإنها جميعا تعتبر ذات صبغة واحدة من حيث التماثل المنصوص عليه في الرقم الأول من الفصل 158 من القانون الجنائي من أجل تحديد حالة العود فمن سبق أن ارتكب سرقة أو نصبا أو خيانة توقيع على بياض أو إصدار شيك بدون رصيد أو تزوير أو استعمال الأوراق المزورة أو التفالس بالتدليس أو إخفاء الأشياء المتحصلة من جناية أو جنحة ثم ارتكب جنحة خيانة أمانة لأول مرة بعد ارتكابه لإحدى الجرائم السابقة وحاز الحكم لم تسقط بالتقادم المنصوص عليه من فصيلة تلك الجرائم ويعتمد عليها في تقرير حالة العود:

تعريف جنحة خيانة الأمانة

على ضوء ما أوردناه أعلاه واعتمادا على الفصل 547 من القانون الجنائي يكن أن نعرف جنحة خيانة الأمانة بما يلي :
"هي اختلاس أو تبديد الأمين بسوء نية للمنقول أضرارا بصاحبه الذي سلمه إياه بصفة مؤقتة بمقتضى عقد من عقود الأمانة الستة".
وعلى ضوء هذا التعريف سنتناول الموضوع في الفروع التالية:
الفرع الأول: العناصر التكوينية لخيانة الأمانة
الفرع الثاني : الظروف المشددة
الفرع الثالث : وسائل إثبات جنحة الأمانة
الفرع الرابع : العقوبات 
الفرع الخامس : الدفع بعدم قبول الدعوى

الفرع الأول
العناصر التكوينية لخيانة الأمانة
تنحصر العناصر المكونة لجنحة خيانة الأمانة في ستة عناصر وهي كما يلي:
الاختلاس والتبديد 2) الاختلاس بسوء نية 3) الاختلاس أضرارا بالمالك أو الحائز أو واضع اليد 4) طبيعة الشيء المختلس 5) تسليم الأشياء بصفة مؤقتة 6) تسليم الشيء بمقتضى عقد حدده القانون .

العنصر الأول
الاختلاس أو التجديد

تتطلب هذه الجنحة أحد اثنين أما اختلاسا أو تبديدا، إلا أن أشكالا يثور لأول وهلة حول كلمة اختلاس التي اعتمدها المشرع في معرض تعريفه للسرقة في الفصل 505 من القانون الجنائي هذه الكلمة التي صاغها المشرع في الفصل 547 وهو يعرف جنحة خيانة الأمانة.
فكيف يتابع بارتكابه شخص بارتكابه خيانة الأمانة بالاختلاس ؟ أو العكس؟

الاختلاس يتجلى في عمل تملك ليس من السهولة معاينته وتعتبر هذه المعاينة من الصعوبات القانونية ممكنة الاكتشاف لأن الحائز أو واضع اليد، غير صفة وضع أو حيازته للشيء التي كانت قبل ذلك تملك الشيء استقبالا مع عدم وجود أي وجود مادي يساعد على ترجمة إدارة مرتكب هذا الفعل وهكذا فإنه ينبغي للمحكمة أثناء مناقشتها لبحث عنصر الاختلاس أن تقدر حسب ظروف النازعة وتبحث عن الظروف التي يمكن أن تساعدها على استجلاء نية تملك الشخص للشيء والتحلل من الالتزام برده.

وقد لا تكلف المحكمة نفسها عناء التنقيب على وجود عمل استنكاف الفاعل على الرد إذا مارس المتضرر أجراء مسطريا مدنيا صرفا وهو الإنذار الإستجوابي الذي يحصل فيه طالبه على موقف خصمه في رفض إرجاع الشيء إلى صاحبه، أو غير ذلك من الوسائل التي تثبت عمل الرفض مثل البريد العادي أو حتى مشافهة في حدود خاصة مع التنبيه إلى أن الإنذار الاستجوابي المذكور ليست له صفة التقديري لا المكون للجريمة.

هذا وتجدر الملاحظة إلى أن التبديد الجزئي للشيء المؤتمن عليه لا يعفي الأمين من العقاب.
و أحيانا الاختلاس شكلا أكثر تعقيدا و ذلك في الشركات التجارية إذ يكون من العب اكتشاف وجوده و يتجلى ذلك في رصد الثورة المالية المتعلقة بالشركات وبعض الصفقات الأجنبية عن مصالحها ودون أن تستفيد منها المستفيد فيها هم المديون شخصيا وذلك كما لو تعلق الأمر بتحويل عملية المضاربة في نطاق بورصة القيم أو في فروع الشركة مادام هؤلاء المتصرفون بقبول تسبيقات شخصية على شكل قرض ظاهر من الصناديق الاجتماعية مع عدم الرد الممهور بطابع سوء النية أو كما لو تعلق الأمر بتمويل عملية المضاربة في نطاق القيم أو في فروع الشركات حيث يتمتع المتصرفون بفوائد خاصة وفي بعض الأحيان يقبل المتصرفون سندات لفائدة الاغيار من اجل تأمين أداء ديونهم الشخصية فيتقاعسون عن رد تلك السندات أضرارا بأصحابها.

وتجدر الملاحظة إلى أن مجرد الإهمال والتأخير في رد الشيء المؤتمن عليه لا يشكل جنحة خيانة الأمانة.
هذا فيما يتعلق بالاختلاس أما التبديد فهو كل عمل من أعمال التصرف التي يهدف بها صاحبها إلى إلحاق ضرر ما بصاحب الشيء كما لو أتلف الفاعل الشيء أو بدده بالبيع أو العطاء أو الرهن أو عرضه لأخطار ما كامن ليتعرض لها. 
ويتحقق تغيير الحيازة في مثل هذه الحالات بعمل ظاهر، مادي أو قضائي حيث تسهل معاينته.

العنصر الثاني
الاختلاس أو التبديد بسوء نية

إن جنحة خيانة الأمانة تفترض لدى فاعلها النية الإجرامية واستنادا إلى ذلك فإنه ليس من الضروري أن يتملك الفاعل الشيء، أو يجني من وراء هذا الاختلاس أو التبديد، فائدة شخصية بل بمجرد ما يعلم أنه يجوز الشيء بصفة مؤقتة وأن استحالة الرد متوافرة أو على الأقل عرض الشيء للخطر يكون معرضا للسؤال (وبالتالي للعقاب أما إذا حدث الاتلاف نتيجة لحدث فجائي من الصعب عليه تلافيه أو بفعل قوة قاهرة كالحريق أو السرقة أو الضياع) فعندما تنعدم النية الإجرامية ولا نكون أمام جنحة خيانة الأمانة.

وعندما تثبت الأركان والعناصر المكونة لجنحة خيانة الأمانة لا يلتف لملاءة الفاعل أو عسره أو عوزه وسواء أندر بالرد أم لا.
ولا يؤثر سحب المشتكي على متابعة النيابة العامة إلا في إطار الإعفاء من العقوبة وقيود المتابعة المنصوص عليها في الفصل 548 ق.ج. وفي هذا الصدد أصدر المجلي الأعلى القرار التالي:

1- أن الاتفاق المبرم بين الشخص المرتكب جريمة خيانة الأمانة والشخص الذي ارتكب في حقه الجريمة، بعد اقترافها، لتحويل الكمية التي وقعت فيها الخيانة إلى دين مدني لا ينزع عن الفعل المقترف صفة الخيانة وبالتالي لا يحول دون قيام الدعوى العمومية في حقه إذ لا تسقط الدعوى العمومية إلا في أحوال حددها القانون .
إذا حصل اتفاق بين الجاني و الجني عليه اعترف بموجبه الجاني بأنه مدين للمجني عليه بالقدر المختلس فإن هذا الاتفاق حتى على فرض أنه أحال المبلغ المختلس إلى دين في الذمة لا اثر له على الدعوى العمومية التي نشأت عن الفعل السابق أو التي لا تسقط إلا في الأحوال التي حددها القانون . (المجلس الأعلى -الحكم الجنائي عدد 302 وتاريخ مار 1959). 



محاولة جنحة خيانة الأمانة غير معاقبة
وسواء تعلق الأمر بالاختلاس أو التبديد فإن كلا منهما ينبغي أن يستنفذ حتى يتمكن من وصف الفعل بأنه خيانة أمانة وهذا يعني أن محاولة ارتكاب هذه الجنحة غير معاقبة ولا يمكن تصورها بالمرة. (نفض فرنسي بتاريخ 12/4/1930).
وما دامت النية الإجرامية عنصر من عناصر تكوين جنحة خيانة الأمانة فإنه يتعين على القاضي أن يشير إليها في حكمه وليس من الضروري أن تعان صراحة بل يكفي أن يستنتجها القاضي من الوقائع .

العنصر الثالث
الاختلاس أضرارا بالمالك أو الحائز أو واضع اليد

يجب أن ينتج من هذا الاختلاس أو التبديد ضرر يلحق أما مالك الشيء أو حائزه أو واضع اليد عليه ولا يشترط أن يكون هذا الضرر محققا بل يكفي أن يكون احتماليا.
وتتحقق جنحة الأمانة بمجرد أن يتوقع الفاعل بأن عمله سينجم عنه ضرر من هذه اللحظة تعتبر الجنحة قائمة، لا ينفيها الرد أو الأداء أو إصلاح الضرر.

ولا يهم بعد ذلك كون الفاعل مليئا فالفضيحة يتمتع بإمكانية ممارسة دعوى ضد الفاعل ومن المحقق أنه سيتوصل إلى إصلاح الضرر اللاحق به.
ويكفي أن يكون الضحية متمتعا بحق كيفما كان على الشيء ولو لم يكن له الحيازة المادية تثبت أن الشيء المؤمن عليه يوجد بين شخص أخر غير الفاعل ولا يؤثر في الحية إبرام عقد بين الفاعل والغير وفي هذا الصدد أصدرت محكم النفض الفرنسية قرارا أوضحت فيه بأن المصطلحات (فالكين حائزين أو واضعي اليد) المنصوص عليها في الفصل 408 من القانون الفرنسي والتي هي نفس المصطلحات الواردة في نص الفصل 547 من القانون الجنائي هي مصطلحات واسعة وأن القانون يحمي كل شخص له حق ما على الشيء كصاحب حق الانقطاع أو المودع أو المفترض أو المكتري (راجع النقض المؤرخ في 18/8/1877 دالوز 285. 1. 78 إلا أن هذا الاجتهاد يتناقض مع مبدأ قاعدة التفسير الضيق لفائدة المتهم ولذلك لا يعتد به في نظرنا من باب حماية الدفاع وحتى لا نقع في دائرة القياس غير المعمول بها في الميدان الجنائي .

العنصر الرابع
طبيعة الشيء المختلس

لا تتصور خيانة الأمانة إلا في ميدان المنقولات بصريح الفصل 547 من القانون الجنائي أما العقار فلا تتصور فيها لأن المكتري الذي سيبقى شاغلا المحل المكري له بعد انتهاء عقد الكراء لا يعتبر مرتبكا لجنحة خيانة الأمانة. 

ويستفاد من كلمتي (سندات وبضائع) أن المشرع يعني كل المنقولات التي يمكن أن تدخل في ملاءة الشخص كما يستفاد من أوراق كتابات تتضمن التزاما أو أبراء كل ما يعتبره الضحية ذا قيمة يقدره بالنقد من قيم منقولة أو أوراق بنكية وأوراق تجارية أو غيرها - مواكبة للإطلاق المنصوص عليه في الفصل المشار إليه.

وأما اختلاس مجرد رسالة عادية لا ينتج عنه أي ضرر مادي فإذا لم تكن الرسالة تتضمن التزاما أو أبراء فلا تنتج عنه خيانة الأمانة وكذلك الشأن بالنسبة لتبديد السجلات أو الصكوك أو السندات المحفوظة  في مضابطها أو كتابات الضبط أو غيرها الجنائي الفصول 273 إلى 277 مع إدخال الغاية.

العنصر الخامس
تسليم الأشياء بصفة مؤقتة

من العناصر الأساسية التي تتطلبها خيانة الأمانة تسليم الشيء إلى الفاعل الذي يفترض فيه أن يأتي أم فعل اختلاس أو تبديد الشيء أضرارا بواضع اليد أو الحائز أو المالك فمكتري الضيعة الذي يبيع التبن أو يختلسه لا يعتبر مرتكبا لجنحة خيانة الأمانة لانعدام التسليم بصفة مؤقتة (نقض فرنسي 17/8/1843) ومن الطبيعي أن الوارث أو الموصى له قد حل محل خلفه المتسلم للشيء وبالتالي يعتبر قد سلم هو نقسه الشيء ولا يعتد بالدفع القائل بأن المختلس لم يتسلم بنفسه الشيء بل يكفي أن يتسلمه بصفة مؤقتة من أجل استعمال غير مقيد وكذلك الشأن بالنسبة لوصي الذي يختلس المواد الموصى بها  للقاصر.

ويجب أن يحمل للتسليم على حيازة مؤقتة لا على نية التملك كما ينبغي أن يتم على شرط الرد أو يقدم مرة ثانية أي إظهار ثانية أو يستعمل لغاية معينة أو غير معينة، ولا يهم أن يقوم الغير مقام المالك بنقل الشيء إلى الفاعل أو نقله مباشرة من طرف المالك.

العنصر السادس
تسليم الشيء بمقتضى عقد حدده القانون

بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه يجب أن يتم تسليم الشيء المؤتمن عليه بواسطة أحد العقود المحددة حصرا في الفصل 547 من القانون الجنائي والتي تستقي من العبارة( ... كانت سلمت إليه على أن يردها ..) من الفصل المذكور وعقود الرد هي:

عقود الأمانة، فإذا تعلق الأمر بعقد غير تلك العقود الوارد ذكرها في الفصل المشار إليه فغن خيانة الأمانة تنعدم فالمستخدم الذي احتفظ بلا مسوغ قانوني بضريبة الأجير المقتطعة من راتبه خيانة الأمانة لان هذا الاحتفاظ ليس بمقتضى عقد وكالة نقض فرنسي 4 مارس 1934.
وفي هذه الحالة يبقى القاضي الزجري وحده أن يبحث عن نوع الاتفاق المزعوم لدعم المتابعة.

أما الوصف الذي يعطيه الطرفان للعقد، لا يقيد المحكمة التي لها كامل الصلاحية لإرجاع الأمور إلى نصابها و إعطاء العقد طبيعته القانونية.
فإذا لم يتم التسليم في إطار الفصلين المشار إليهما وحدث أن اختلس أحد الطرفين الشيء فلا يطاله العقاب.
ولا عقاب كذلك إذا تعلق الأمر بعارية الاستهلاك، والشركة والصرف، فعندما يسلم شخص لآخر ورقة مالية من أجل تحويلها إلى نقود، واحتفظ بها الآخر بدون إعطاءه ما يقابلها ففي هذه الحالة لا نكون أمام خيانة الأمانة في حين أنها تتوافر لو سلمت إليه كي يحولها لشخص ثالث (نقض فرنسي 29/ 7/ 1905).

أما عقد البيع فلا يندرج تحت لائحة العقود المحصورة في الفصل 547 من القانون الجنائي إلا أن البائع الذي يحتفظ بالمبيع على أساس تسليمه للمشترى ثم يختلسه أو يبدده يتعرض للمتابعة من أجل خيانة الأمانة وينطبق عليه الجزاء الجنائي.

أما المشتري الذي يصبح مالكا للشيء من يوم إبرام العقد وصادف أن بدده أو فوته فلا عقاب عليه ولو لم يؤدي الثمن، لأن البائع لم يعد مالكا ولا حائزا، ولا واضعا اليد لأنه انطلاقا من تاريخ البيع أصبح مالكا للشيء الذي اكتسبه وله أن يتصرف فيه بكل حرية سواء اشتراه بثمن ناض أو بالتقسيط ولو كان مقيدا بشرط عدم تملك الشيء المبيع إلا بعد تمام الوفاء .

ويحدث أحيانا في البيع مؤجل الثمن أن تقييد المشتري بكونه غير مالك للشيء الذي اشتراه إلا إذا وفى بجميع الأقساط في الآجال المحددة لها وفي حالة عجزه أو توقفه عن الأداء داخل الأجل ويجده الحال قد بدد أو باع الشيء المشتري في مثل هذه الحالات تميل الشركات التجارية إلى اعتبار العقد عقد إيجار أو عارية استعمال وبالتالي تهدف إلى تعريض المشتري إلى عقوبة خيانة الأمانة الذي يكون قد بدد الشيء قبل تسديد آخر قسط من الثمن كما سلف ذكره.

أن موقفا كهذا يحتم على قاضي الموضوع أن يرد على هذه الشركات بنقيض قصدها ويرجع العقد إلى طبيعته القانونية ويصرح بأن العقد عقد بيع ليس إلا.
وبالإضافة إلى ذلك فإن عقد البيع المعلق على شرط يثير بعض الاشكالات بكيفية أخرى فيكون موقف القاضي بالنسبة لها (أي الاشكالات) حاسما وذلك بتقديره من خلال ظروف هذا العقد ما إذا كان الأمر يتعلق بعقد بيع أم أن الشيء قد سلم على سبيل الوديعة أو بمقتضى عقد وكالة .فالتاجر الذي يستأمن زبونه على بضائع من أجل عرضها على شخص ثالث كي يختار منها ما يروقه ، أو كالزبون الذي يأخذ الشيء بمقتضى عقد وكالة (أو وديعة أو عارية استعمال) ففي حالة الاختلاس سكون الزبون في المثال الأول والثاني قد ارتكب جنحة خيانة الأمانة.

مجلة المحامي عدد 4 صفحة 41