9.19.2017

الرقابة القضائية على قرارات الإبعاد الصادرة في حق الأجانب . - مقاربة من خلال الاجتهاد المغربي والمقارن مع قراءة في القانون رقم 03.02-

الرقابة القضائية  على قرارات الإبعاد الصادرة في حق الأجانب . - مقاربة من خلال الاجتهاد المغربي والمقارن مع قراءة في القانون رقم 03.02-











الرقابة القضائية  على قرارات الإبعاد الصادرة في حق الأجانب .
- مقاربة من خلال الاجتهاد المغربي والمقارن مع قراءة في القانون رقم 03.02-




(1)  إعداد ذ : عبد العزيز يعكوبي مستشار بالمجلس الأعلى.










التصميم 

مقـدمــة:
المبحث الأول : المقتضيات التشريعية المنظمة لدخول وإقامة الأجانب بالمغرب.
الفرع الأول : ضوابط إقامة الأجانب بالمغرب من خلال مدونة الشغل والقانون 03.02..
الفرع الثاني: مبررات إبعاد الأجانب والضمانات التشريعية.
المبحث الثاني: رقابة القضاء على قرارات الضبط الخاصة بالأجانب.
الفرع الأول: قضاء مجلس الدولة الفرنسي .
الفرع الثاني : قضاء الغرفة الإدارية والمحاكم الإدارية على قرارات الإبعاد الصادرة في حق الأجانب.

خلاصة 

المقدمة :

 تنظيم  مسألة الهجرة، وضبط محددات إقامة الأجنبي فوق التراب الوطني، تشكل إحدى الهواجس الأساسية التي أصبحت تحتل موقعا متميزا ضمن اهتمامات مختلف التشريعات الوطنية. فإذا كانت ظاهرة الهجرة والتنقل بين الأوطان من الظواهر القديمة الملازمة لحركة المجتمع الإنساني، إما طلبا للعلم، أو انتجاعا للرزق، أو بحثا عن ظروف أفضل للعيش، إلا أن هذه الظاهرة عرفت في الوقت الحاضر نوعا من الحدة ارتبط جانب منها بالهاجس الأمني وما لحقه من اهتزاز وعدم الاستقرار، والجانب الآخر ارتبط بالعامل الاقتصادي بفعل الهوة السحيقة المتجهة في الاتساع بين الشمال والجنوب، والتي تعتبر مبعثا قويا للهجرة بأشكالها السرية المختلفة.
      واعتبارا لذلك، كان طبيعيا أن تحظى هذه الظاهرة باهتمام مختلف التشريعات الوطنية، بهدف احتوائها وبالتالي تفادي تداعياتها السلبية المختلفة، في إطار مقاربة توفيقية بين متطلبات الأمن القومي وما يستوجبه من اعتبار وبين حق الأفراد في التنقل بين الأوطان وفقا للضوابط القانونية المعمول بها في كل دولة.
ونظرا لكون القوانين المنظمة لدخول وإقامة الأجانب بالمغرب ترجع إلى فترة الحماية، ومن جملتها الظهير الشريف الصادر بتاريخ 7 شعبان 1353 موافق 15 نونبر 1934 بشأن سن ضابط الهجرة واشتغال الأجانب بالمغرب، ونظرا لتنامي ظاهرة الهجرة السرية إلى المغرب من طرف مواطني دول الساحل والصحراء، باعتباره يشكل محطة عبور إلى أروبا، لذلك كان لزاما على المشرع المغربي مراجعة المنظومة القانونية المحددة للضوابط التي تحكم دخول وإقامة الأجانب بالمغرب ومقاومة الهجرة السرية ، وذلك بهدف تحيين وتجميع التشريع المتعلق بهذا الخصوص والذي كان مشتتا بين ظهائر مختلفة، وملاءمته بالاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب .
ونتيجة لذلك تمت صياغة القانون رقم 02-03، كإطار تشريعي خاص بتنظيم مسألة دخول وإقامة الأجانب بالمغرب كما تم إفراد نصوص خاصة بشأن ضوابط اشتغال الأجراء الأجانب بالمغرب في مدونة الشغل الحديثة.
وللإحاطة بالمقتضيات التشريعية الواردة بمقتضى هذا القانون، سأحاول بداية القيام بقراءة تحليلية للضوابط المتعلقة بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة من خلال القانون رقم 02-03 ومدونة الشغل نظرا لتداخل مقتضيات هذين القانونين فيما يتعلق بتنظيم مسطرة إقامة الأجنبي الأجير بالمغرب(المبحث الأول)، على أن أحاول بعد ذلك ملامسة الجانب المتعلق بحدود رقابة القاضي الإداري على قرارات الضبط المتعلقة بإقامة الأجانب من خلال الاجتهاد القضائي المغربي والفرنسي (المبحث الثاني).

المبحث الأول : المقتضيات التشريعية المنظمة لدخول وإقامة الأجانب بالمغرب.
إن دخول الأجانب إلى المغرب وإقامتهم به، سواء بصفتهم أجراء أو بغير هذه الصفة،  تخضع للضوابط التشريعية الواردة في القانون رقم 02-03، والذي تم بمقتضاه إلغاء القوانين السابقة المتعلقة بهذا المجال1. وقد حاول المشرع، من خلال هذا القانون، تنظيم مسألة إقامة الأجانب بالتراب المغربي انطلاقا من مقاربة تجمع بين الاعتبارات ذات البعد الأمني، والتي تبيح للإدارة منع الأجانب غير المستوفين للشروط اللازمة من الدخول إلى التراب المغربي، وإبعاد من يشكل منهم تهديدا للنظام العام وأمن البلاد، وبين إقرار أحقيتهم في الطعن في القرارات الإدارية التي يعتبرونها غير مشروعة. وللإحاطة بهذه الضوابط سأحاول بداية رصد القواعد القانونية المنظمة لإقامة الأجانب بالمغرب من خلال مدونة الشغل والقانون رقم 03.02   (الفرع الأول) وذلك قبل مناقشة المحددات التشريعية المبررة لاتخاذ قرار الإبعاد في حق من يوجد منهم في وضعية غير قانونية أو يشكل تهديدا للنظام العام (الفرع الثاني).   
الفرع الأول :ضوابط دخول وإقامة الأجانب بالتراب المغربي من خلال مدونة الشغل والقانون رقم 03.02 
إن دخول الأجانب واقامتهم بالمغرب،سواء بصفة أجراء أو بغير هذه الصفة،يخضع لضوابط خاصة كانت منظمة من قبل ظهائر مختلفة صدرت في عهد الحماية ومن جملتها ظهير  15 نونبر1934 المنظم للهجرة،والذي تم نسخ جميع  أحكامه بمقتضى المادة 58 من القانون رقم 03.02 الصادر بتاريخ 11/11/2003 المتعلق بدخول واقامة الأجانب بالمملكة المغربية و بالهجرة غير المشروعة. كما تم إعادة صياغة بعد مقتضياته بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.03.194 الصادر في 14 رجب 1424 موافق 11 شتنبر 2003 بتنفيذ القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل.
  وقد نصت هذه المدونة في المواد من 516 إلى 521 على الضوابط التي يجب احترامها بخصوص تشغيل الأجراء الأجانب بالمغرب، ومن جملة هذه الضوابط وجوب حصول كل مشغل يرغب في تشغيل أجير أجنبي على رخصة من قبل السلطة الحكومية المكلفة تسلم على شكل تأشيرة توضع على عقد الشغل.
    وكل تغيير يحدث في العقد يستوجب الخضوع للتأشيرة المذكورة.ويمكن للسلطة المكلفة بالشغل أن تسحب الرخصة في كل وقت. وأوجبت المادة 518 من المدونة المذكورة تضمين العقد في حالة رفض منح الرخصة المذكورة في الفقرة الأولى من المادة 516 أعلاه، التزام المشغل بتحمل مصاريف عودة الأجير الأجنبي إلى بلده ، أو البلد الذي كان يقيم به.
    وقد اعتبرت الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى في قرارها عدد 875 الصادر بتاريخ 29/10/2002 في الملف عدد 834/5/2001 ، بهذا الخصوص،أن المسطرة القانونية الإجبارية التي تحتم على طرفي هذه العقود الحصول  على موافقة المصالح المختصة بوزارة الشغل طبقا لمقتضيات ظهير 15/11/1934 ) إن هذا الظهير حلت محله في الجانب المتعلق بتشغيل الأجراء الأجانب المقتضيات الواردة في مدونة الشغل الجديدة المشار إلى مراجعها أعلاه) تعطي لهذه العلاقة الشغلية طابع التحديد لمدة العمل، وصلاحية السلطات المختصة لوضع حد لها متى شاءت رغم رضى الطرفين بتحديد العقد، وان إجبارية وضع تأشيرة مصالح اليد العاملة بوزارة الشغل على عقد العمل المتعلقة بالأجانب وتحديد مدتها في سنة أو سنتين لتضفي على هذه العقود طابع التحديد ومن تم لا مجال للقول بكونها عقود غير محددة المدة.
  وأضافت بان تحديد عقود العمل مع الأجيرة وقبولها الإمضاء على عقود محددة وبتواريخ مختلفة يجعلها أي- الأجيرة- على علم بطبيعة علاقة الشغل التي تربطها بالمشغلة، وان اشتغالها مدة اثني عشر سنة لا يؤثر على طبيعة العلاقة الشغلية ما دامت هذه العلاقة منظمة بواسطة عقود محددة المدة بمقتضى قواعد آمرة لا يمكن مخالفتها.
    وتطبيقا لمقتضيات المادة الأولى من ظهير 15 نونبر 1934، المشار إليه أعلاه،والذي تم إلغاؤه بمقتضى القانون 03.02، أوضحت الغرفة الإدارية في  قرارها الصادر بتاريخ 11 ماي1984 تحت عدد 371 بان كل شخص أجنبي هاجر إلى المغرب وغادره لفترة تفوق مدة ستة اشهر ثم عاد إليه بعد ذلك يفقد حقه في مزاولة أي نشاط في المغرب،بغض النظر عن ظروف غيبته وملابساتها، ويخضع من جديد لطلب الترخيص له بالعودة لمزاولة هذا النشاط أو غيره من الأنشطة الأخرى. والطاعنة لم تنف أنها غابت عن المغرب المدة التي أسقطت حقها بقوة القانون  في الرخصة لذلك فان الإدارة لم تسحب منها هذه الرخصة للأسباب التي تنتقدها ولا مجال لمناقشة توفر حالة من حالات سحب هذه الرخصة ولا مناقشة مدى ملاءمة الخطأ للعقوبة.
وإلى جانب الضوابط الخاصة المتعلقة بتشغيل الأجراء و الأجانب بالمغرب فإن الضوابط العامة التي تحكم ضوابط دخول وإقامة الأجانب بالمغرب وردت بمقتضى القانون رقم 03.02 الصادر بتاريخ 11/11/2003 الذي نسخ جميع القوانين السابقة.
و إن نطاق تطبيق القانون رقم 02-03 ينحصر بالنسبة للأجانب فقط. والمراد بالأجنبي، في مدلول هذا القانون، الأشخاص الذين لا يتوفرون على الجنسية المغربية، أو الذين ليست لهم جنسية معروفة، أو الذين تعذر تحديد جنسيتهم.
 ويجب على كل أجنبي يريد الدخول إلى التراب المغربي أن يكون حاملا لجواز السفر المسلم له من قبل الدولة التي يعتبر من رعاياها، أو لأية وثيقة سفر أخرى معترف بها من لدن الدولة المغربية، وتكون مصحوبة عند الاقتضاء بالتأشيرة.
   وتجذر الملاحظة بهذا الصدد، أن حصول الأجنبي على التأشيرة من قبل القنصليات والسفارات التي تمثل المغرب في الخارج، لا تعني بالضرورة أحقيته في الدخول إلى التراب المغربي،  بل يمكن للسلطة المختصة المكلفة بالمراقبة في المراكز الحدودية أن ترفض دخوله إلى التراب المغربي إذا كان لا يتوفر على المبررات المنصوص عليها في هـذا القانون، أو الـواردة في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالهجرة(2).كما يمكن رفض دخوله إذا كان ذلك يشكل تهديدا  للنظام العام، أو كان ممنوعا من الدخول، أو مطرودا . غير أنه في المقابل يمكن للأجنبي الذي رفض دخوله إشعار الشخص الذي صرح باعتزامه الذهاب إليه، أو إشعار قنصلية بلده أو إشعار محام من اختياره، بذلك. كما يخبر في الحال بحقوقه، بمساعدة  ترجمان عند الاقتضاء، ويتم إخبار وكيل الملك فورا. ويحق له اللجوء إلى الجهة القضائية المختصة للمنازعة في مشروعية قرار الرفض.
وإذا كان الأجنبي الذي رفض طلب دخوله إلى المغرب، غير قادر على الامتثال فورا لقرار رفض الترخيص له بدخول التراب المغربي، يمكن الاحتفاظ به في أماكن غير تابعة لإدارة السجون خلال المدة اللازمة لمغادرته، إذا كانت الضرورة الملحة تدعو إلى ذلك، بموجب قرار إداري كتابي ومعلل3. واشتراط الكتابة والتعليل في قرار الاحتفاظ بالأجنبي في الأماكن المذكورة يشكل ضمانة  هامة لفائدته تجعله على بينة من الأسباب المعتمدة في اتخاذ قرار الاحتفاظ، وبالتالي يستطيع المنازعة في مشروعية هذه الأسباب، متى بدا له عدم مطابقتها للواقع أو عدم كفايتها لتبرير قرار الاحتفاظ.
وإذا كان الاحتفاظ بالأجنبي في الأماكن المذكورة يقتضيه واقع الأمر، ويعتبر إجراء لا مناص منه في انتظار إرجاعه إلى موطنه، فإنه في نفس الوقت ينبغي التذكير أن الاحتفاظ يشكل مساسا بحرية الأجنبي، واعتبارا لهذا المساس فإن المشرع حرص على التنصيص صراحة على الاحتفاظ بالأجنبي في أماكن غير تابعة لإدارة السجون، وذلك رفعا لكل لبس بين الاحتفاظ كإجراء إداري مصاحب لعملية رفض الدخول وبين الاعتقال تنفيذا لعقوبة حبسية أو على ذمة التحقيق، كما أسند صلاحية الأمر بأي إجراء من إجراءات الحراسة والمراقبة الضرورية لمغادرة المعنى بالأمر للتراب المغربي لرئيس المحكمة الابتدائية أو من ينيبه عنه، سواء تعلقت هذه الإجراءات بتمديد مدة الاحتفاظ، أو تحديد مكان الإقامة بعد تسليم جواز السفر وكل الوثائق المثبتة للهوية إلى مصالح الشرطة أو الدرك الملكي4 .
ويمكن الاحتفاظ داخل منطقة الانتظار، في الميناء أو المطار، بالأجنبي الذي يصل إلى التراب المغرب بحرا أو جوا والذي لم يرخص له بالدخول، أو الذي يطلب قبوله بصفة لاجئ، وذلك خلال المدة الضرورية لمغادرته أو لدراسة طلبه. وتحدد منطقة الانتظار من لدن الإدارة، وتمتد من نقط الوصول والمغادرة إلى نقط مراقبة الأشخاص. ويمكن أن تضم في، نطاق الميناء أو المطار، مكانا أو أكثر  للإيواء يضمن للأجانب المعنيين بالأمر الخدمات الضرورية. ويشترط في قرار الاحتفاظ بمنطقة الانتظار أن يكون معللا ومكتوبا، ويمتد لفترة ثمان وأربعين ساعة (48 ساعة)، ويقيد في سجل يشير إلى الحالة المدنية للأجنبي والتاريخ والساعة اللذين تم فيهما تبليغه بقرار الاحتفاظ. ويرفع هذا القرار على الفور إلى علم وكيل الملك. ويمكن تجديده ضمن نفس الشروط ولنفس المدة. وللأجنبي كامل الحرية في مغادرة منطقة الانتظار باتجاه أي مكان يوجد خارج التراب المغربي.
ويتعين على الأجنبي الراغب في الإقامة بالتراب المغربي أن يطلب من الإدارة، حسب الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، تسليمه بطاقة التسجيل قابلة للتجديد ويجب عليه حملها مع إمكانية الإدلاء بها للإدارة داخل أجل 48 ساعة.5.
ويمكن للأجنبي، الذي يثبت أنه أقام بالتراب المغربي طوال مدة متواصلة لا تقل عن أربع سنوات، وفقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، الحصول على بطاقة تسمى: " بطاقة الإقامة"، ويراعى في منحها أو رفضها وسائل العيش التي يتوفر عليها الأجنبي، ومن بينها ظروف مزاولة نشاطه المهني وكل الوقائع التي يحتج بها ليبرر رغبته في الإقامة بصفة دائمة بالتراب المغربي. ويرفض منح بطاقة الإقامة إلى كل أجنبي يشكل وجوده بالتراب المغربي تهديدا للنظام العام6. ويحق للأجنبي الذي رفض طلبه الرامي إلى الحصول على سند الإقامة، أو تجديده، أو تم سحبه منه، الطعن داخل أجل 15 يوما من تاريخ تبليغه قرار الرفض أو السحب أمام رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات . ولا يحول الطعن المذكور دون إبعاد الأجنبي عن التراب المغربي سواء باتخاذ قرار بالاقتياد إلى الحدود أو بالطرد وفقا لأحكام الأبواب الثالث والرابع والخامس من القسم الأول من هذا القانون7.فما هي إذن المحددات التشريعية المبررة لإبعاد الأجانب وفقا للأحكام الواردة في هذه الأبواب؟.
الفرع الثاني : مبررات  إبعاد الأجانب والضمانات التشريعية.
من خلال ما تقدم، يتبين أن دخول الأجنبي إلى التراب المغربي وإقامته به يتوقف على استيفاء الشروط المحددة قانونا، والتي يترتب على عدم توافرها اتخاذ قرار الإبعاد في حقه، سواء في إطار أحكام الاقتياد إلى الحدود المنصوص عليها في المواد 21-22-23-و24 من قانون 02.03. (البند الأول)أو في إطار أحكام الطرد المنصوص عليها في المواد 25-26و27 من نفس القانون( البند الثاني).
البند الأول : الضوابط التشريعية المتعلقة بالاقتياد إلى الحدود
إذا كان بإمكان الأجنبي، في حالة توافر الشروط الموجبة لذلك، الدخول إلى التراب المغربي والإقامة به، إلا انه يمكن للإدارة في حالة ثبوت إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة 21 من القانون رقم 02.03 إبعاده عن طريق اقتياده إلى الحدود، وذلك إذا لم يستطع الأجنبي تبرير دخوله إلى التراب المغربي بصفة قانونية، أو ظل لمدة تفوق مدة صلاحية تأشير ته، أو تم رفض تسليمه سند إقامة أو تجديده أو سحبه منه وظل مقيما فوق التراب المغربي لمدة تفوق 15 يوما ابتداء من تاريخ تبليغه الرفض أو السحب، وكذا إذا لم يطلب تجديد سند الإقامة، أو صدر في حقه حكم نهائي بسبب تزييف أو تزوير أو إقامة تحت اسم آخر غير اسمه، أو عدم التوفر على سند الإقامة، أو إذا سحبت منه بطاقة تسجيله أو إقامته أو تم رفض تسليمهما أو طلب تجديدهما تطبيقا للأحكام التشريعية أو التنظيمية الجاري بها العمل، بسبب تهديد النظام العام.
ويشترط في قرار الاقتياد إلى الحدود أن يكون معللا، أي أن يتضمن إفراغ أسباب اتخاذه في صلبه، وفي حالة مخالفة هذا المقتضى يكون القرار مشوبا بعيب في شكله يجعله معرضا للإلغاء في حالة الطعن فيه. واشتراط المشرع لإلزامية التعليل في هذه الحالة يعكس الرغبة في تقوية الوضع الحقوقي للأجنبي المتخذ في شأنه قرار الإبعاد، وذلك بجعله على بينة من الأسباب المعتمدة في هذا القرار، وبالتالي تمكينه من المنازعة بشفافية في الأسباب المذكورة متى بدا له  عدم مطابقتها للواقع أو عدم انسجامها مع الضوابط التشريعية الواجبة التطبيق.
ويمكن، طبقا للمادة 22 من نفس القانون المشار إليه أعلاه، اقتران قرار الاقتياد إلى الحدود، بقرار المنع من الدخول إلى التراب المغربي لمدة أقصاها سنة واحدة ابتداء من تاريخ تنفيذ الاقتياد، وذلك تبعا لخطورة  السلوك الدافع للاقتياد، مع مراعاة الحالة الشخصية للمعني. ويعتبر القرار الصادر بالمنع من دخول التراب المغربي منفصلا عن قرار الاقتياد إلى الحدود، ويشترط فيه أن يكون هو الآخر معللا، ولا يمكن اتخاذه  إلا بعد تمكين المعنى بالأمر من تقديم ملاحظاته. واشتراط الاستماع إلى ملاحظات هذا الأخير قبل اتخاذ قرار المنع من الدخول في حقه، فيه تكريس لمبدأ حق الدفاع، الذي يعتبر من المبادئ العامة في القانون، والذي يقتضي استفسار المعني بالأمر بخصوص المخالفات المنسوبة إليه، قبل اتخاذ الجزاء الضبطي في حقه. وهذا المقتضى يندرج أيضا ضمن توجه المشرع في تقوية الوضع الحقوقي للأجنبي وعدم تعريضه لجزاء المنع من الدخول إلا بعد تشكيل القناعة اللازمة بعد الاستماع إليه.
ويحق للأجنبي الطعن في قرار الاقتياد إلى الحدود أمام رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات، داخل أجل 48 ساعة من تاريخ تبليغه. ويتعين على الرئيس أو من ينوب عنه البت في الطعن داخل أجل أربعة أيام كاملة ابتداء من رفع الأمر إليه. ولا يمكن تنفيذ قرار الاقتياد إلى الحدود قبل انصرام أجل ثمان وأربعين ساعة الموالية لتبليغه أو قبل البت في الموضوع في حالة رفع الأمر إلى رئيس المحكمة الإدارية. 
وإسناد الاختصاص، بهذا الشأن، لرئيس المحكمة الإدارية، بصفته قاضيا للمستعجلات، عوضا عن محكمة الموضوع، يعتبر أمرا منتقدا من طرف البعض على أساس أن إسناد الاختصاص بهذا الشان لمحكمة الموضوع يشكل ضمانة أكبر بالنسبة للطاعن، على اعتبار أن الطعن يفحص من طرف هيئة مشكلة من أكثر من قاضي، وهو ما يسمح بمناقشته الطعن واتخاذ القرار القضائي بعد مداولة جماعية يتقاسمها أكثر من رأي .
غير أن إسناد الاختصاص لرئيس المحكمة بهذا الخصوص، والذي تتبناه بعض التشريعات المقارنة، يجد مبرره في السرعة التي تطبع المنازعة المتعلقة بقرارات الإبعاد المتخذة في حق الأجانب، والتي تستوجب إقرار هذا النوع من الاختصاص تحقيقا للسرعة المطلوبة، سيما وأن المادة 23 من القانون 02.03 تنص على إمكانية انتقال رئيس المحكمة إلى مقر الهيئة القضائية الأكثر قربا من المكان الذي يوجد به الأجنبي إذا كان هذا الأخير محتفظا به تطبيقا للمادة 34 من نفس القانون، وهو ما يقتضي تفعيلا للسرعة المتطلبة إسناد الاختصاص له .
ومن الاشكالات التي تطرحها مسطرة المنازعة بهذا الخصوص مدى إمكانية إعمال آثار مسطرة التظلم، في حالة سلوكها من طرف الأجنبي المبعد؟ ذلك أنه طبقا للقاعدة العامة الواردة بمقتضى المادة 23 من قانون 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية، فإن أجل الطعن في حالة سلوك مسطرة التظلم يمتد إلى الستين يوما التالية لتاريخ التوصل بالجواب عن التظلم، وفي حالة سكوت الإدارة عن الجواب، فإن الأجل يمتد حتى انصرام الستين يوما التالية للستين يوما على تاريخ توجيه التظلم. غير انه يلاحظ بخصوص المنازعة في قرار الاقتياد إلى الحدود أن المشرع نص على أجل ضيق لممارسة حق الطعن، وحدده في 48 ساعة ابتداء من تاريخ التبليغ بالقرار. والتساؤل المطروح بهذا الخصوص يتعلق بمدى إنتاج التظلم لآثاره المسطرية على مستوى الأجل في حـالة تقديمه إلى الجهة الإدارية المتخذة للقرار ؟ بمعنى هل أجل الطعن يبقى ساريا، وفقا لنفس المدد المنصوص عليها في المادة 23 من قانون 90.41، أم أن الطعن في هذه الحالة مقيد بالآجال الخاصة الواردة في قانون 02.03؟.
 أعتقد أن تنصيص المشرع على أجل ضيق لممارسة الطعن في هذه الحالة ينم عن رغبته في فض هذا النوع من النزاعات في أقصر  أجل ممكن، سـواء من حيث اجل الطعن (48 ساعة)، أو أجل البت (أربعة أيام كاملة )، وبالتالي فإن ذلك يحمل في ثناياه عدم إمكانية ممارسة التظلم في هذه الحالة، على اعتبار أن المشرع نص على آجال خاصة بهذا الشأن، خرج فيها عن القواعد العامة المحددة في القانون 41/90، وهو ما يستتبع  عدم الاعتداد بهذه القواعد والقواعد المتصلة بها المتعلقة بقطع الآجال، والتي لها ارتباط بأحكام التظلم، طالما أن إعمال هذه الأحكام ينحصر في سياق القواعد العامة الواردة في القانون 41/90 والتي يصعب إسقاطها على الحالة موضوع المناقشة.
 ومن الملاحظات التي يمكن إثارتها، في إطار استقراء مواد القانون 02.03 المتعلقة بأثر الطعن في قرار الاقتياد إلى الحدود، أن المشرع نص في المادة 24 على أن تنفيذ قرار الاقتياد إلى الحدود لا يمكن أن يتم قبل انصرام أجل ثمان وأربعين ساعة الموالية لتبليغه، أو قبل البت في الموضوع في حالة رفع الأمر إلى رئيس المحكمة الإدارية، ومعنى ذلك أن وقف تنفيذ قرار الاقتياد منصوص عليه بقوة القانون، وبالتالي فإن تنصيص المشرع في المادة 33 على أحقية الأجنبي الخاضع للاقتياد إلى الحدود في إرفاق طعنه المقدم أمام رئيس المحكمة الإدارية بطلب لوقف تنفيذه، يعتبر غير ذي موضوع، طالما أن وقف التنفيذ في الحالات المذكورة يعتبر قائما بقوة القانون، وبالتالي لا يحتاج إلى تقديم طلب بهذا الخصوص. مما يجعل من المادة 33 المذكورة مادة زائدة إضافة إلى كونها تعطي بمفهوم المخالفة، معنى غير منسجم مع ما تم تقريره في المادة 24 المذكورة.
البند II  : الضوابط التشريعية المتعلقة بالطرد.
إن الضوابط التشريعية المتعلقة بإبعاد الأجنبي، في إطار مسطرة الطرد، تناولت مقتضياتها المواد 25 وما يليها من القانون رقم 03.02.
ويشترك قرار الطرد وقرار الاقتياد إلى الحدود في وحدة المسطرة النزاعية المطبقة  بشأنهما، سواء فيما يتعلق بأجل الطعن، وأثره، والجهة المختصة للبت فيه، والمدة المحددة لها للقيام بذلك. وباستقراء مضمون المادة 25، من هذا القانون، يلاحظ أن قرار الطرد يمكن اتخاذه في حق كل أجنبي يشكل وجوده فوق التراب المغربي تهديدا خطيرا للنظام العام، مع مراعاة مقتضيات المادة 26 من نفس القانون.وبالرجوع إلى مقتضيات هذه المادة فإنها تنص على عدم إمكانية اتخاذ قرار الطرد في حق الأجنبي الذي يثبت بكل الوسائل إقامته فوق التراب المغربي بصفة اعتيادية منذ أن بلغ على الأكثر سن السادسة من عمره، أو يثبت إقامته بصفة اعتيادية منذ أزيد من 15 سنة، أو كان متزوجا من مواطنة مغربية منذ سنة واحدة على الأقل، أو يعتبر أبا أو أما لطفل مقيم فوق التراب المغربي ومكتسب للجنسية المغربية بحكم القانون، شريطة أن تكون له النيابة الشرعية عن الطفل ويكون متكفلا بنفقته بصورة فعلية. كما تطبق نفس المقتضيات أيضا بالنسبة للأجنبي المقيم بصفة قانونية فوق التراب المغربي بموجب سند من سندات الإقامة، المنصوص عليها في هذا القانون أو في الاتفاقيات الدولية، والذي لم يسبق أن صدر في حقه حكم نهائي بعقوبة حبسية لا تقل عن سنة واحدة نافذة، وكذا بالنسبة للمرأة الأجنبية الحامل والأجنبي القاصر . وفي جميع الأحوال فإن الطرد لا يقيد بأي أجل إذا كان موضوع الإدانة جريمة تتعلق بفعل له علاقة بالإرهاب أو بالمس بالآداب العامة أو بالمخدرات ()1.
غير أنه طبقا للمادة 27 من نفس القانون، وخلافا للاستثناء الوارد بمقتضى المادة 26 المذكورة، فإن قرار الطرد يمكن اتخاذه إذا كان يشكل ضرورة ملحة لحفظ أمن الدولة أو الأمن العام.
ويلاحظ بهذا الخصوص، بعد قراءة المواد 25-26و 27 مجتمعة، أن المشرع حدد في المادة 25 الأساس المبدئي المبرر لاتخاذ قرار الطرد، والمتمثل في واقعة تشكيل تواجد الأجنبي بالتراب المغربي تهديدا خطيرا للنظام العام، ونص في نفس الوقت على مراعاة الأحكام الواردة في المادة 26، والتي أوردت الحالات المستثناة من قرار الطرد، غير أنه في المادة 27 عاد لتقرير الأساس المبدئي المنصوص عليه في المادة 26، وبالتالي هدم الاستثناء الوارد بمقتضى المادة 26.
ذلك أن مفهوم التهديد الخطير للنظام العام المشار إليه في المادة 25 لا يختلف في مضمونه عن مفهوم " الضرورة الملحة لحفظ أمن الدولة والأمن العام" الواردة بمقتضى المادة27. واعتبارا لذلك، وتسليما بواقعة التماثل بين المفهومين، فإن الاستثناء الوارد بمقتضى المادة 26 يصبح غير قائم الذات، طالما أنه في جميع الأحوال يحق للإدارة اتخاذ قرار الطرد ، خلافا لأحكام هذه المادة الأخيرة، إذا كان ذلك يشكل ضرورة ملحة لحفظ أمن الدولة أو الأمن العام. والقول بخلاف ذلك لا يتحقق إلا في حالة التسليم بوجود مفارقة نسبية في مضمون كلا المفهومين، وهذا رهين بالتحديد الذي سيعطيه الاجتهاد القضائي لكلا المفهومين.
ولا بد من الإشارة بهذا الخصوص، أن الأجنبي الذي يتخذ في حقه قرار الطرد أو الاقتياد إلى الحدود يبعد نحو البلد الذي يحمل جنسيته، إلا إذا اعترف له بوضع لاجئ، أو إذا لم يتم بعد البت في طلب اللجوء الذي تقدم به، أو نحو البلد الذي سلمه وثيقة سفر سارية المفعول، أو أي بلد آخر يمكن أن يسمح له بالدخول بصفة قانونية. غير أنه لا يمكن إبعاد أية امرأة أجنبية حامل وأي أجنبي قاصر، كما لا يمكن إبعاد أي أجنبي آخر نحو بلد إذا أثبت أن حياته أو حريته معرضتان فيه للتهديد أو انه معرض فيه لمعاملات غير إنسانية()2 .
ويعتبر القرار الذي يحدد البلد الذي سيعاد إليه الأجنبي قرار مستقلا عن الإجراء القاضي بالإبعاد. غير أن المشرع في هذه الحالة، خلافا لما نص عليه بالنسبة لقرار الاقتياد إلى الحدود وقرار الطرد، لم يشترط إلزامية تعليل القرار المحدد للبلد الذي يتعين نقل الأجنبي باتجاهه . وهنا يتعين في غياب هذا التنصيص الخاص، التساؤل عن مدى لزوم التقيد بشكلية التعليل بالنسبة لهذه الحالة في إطار القواعد العامة بشان إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها، الواردة بمقتضى القانون رقم 01.03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 202.02.01 بتاريخ 23 يوليو 2002؟.
وبالرجوع إلى مقتضيات هذا القانون نجده ينص في مادته الأولى على أن إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية والمصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام، ملزمة بتعليل قراراتها الفردية السلبية الصادرة لغير فائدة المعني، المشار إليها في المادة الثانية من نفس القانون تحت طائلة عدم الشرعية، وذلك بالإفصاح كتابة في صلب هذه القرارات عن الأسباب القانونية والواقعية الداعية إلى اتخاذها.
ويخضع وجوبا للتعليل، حسب المادة 2 المذكورة، مع مراعاة أحكام المادتين 3 و4 من هذا القانون، القرارات المرتبطة بمجال ممارسة الحريات العامة أو التي تكتسي طابع إجراء ضبطي، القرارات القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية، القرارات التي تقيد تسليم رخصة أو شهادة أو أية وثيقة إدارية أخرى بشروط أو تفرض أعباء  غير منصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، القرارات القاضية بسحب أو إلغاء قرار منشئ لحقوق القرارات التي تستند على تقادم أو فوات أجل أو سقوط حق، وكذا القرارات التي ترفض منح امتياز يعتبر حقا للأشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية.
 وتستثنى من إلزامية التعليل القرارات التي يقتضي الأمن الداخلي والخارجي للدولة عدم تعليلها1.
وبالنظر لهذه المقتضيات  يمكن القول، جوابا على التساؤل المطروح، بأن قرار تحديد البلد الذي يبعد الأجنبي باتجاهه يمكن إدراجه ضمن خانة القرارات التي تكتسي طابع إجراء ضبطي، وبالتالي يعتبر خاضعا مبدئيا لإلزامية التعليل، حسب محددات المادة الثانية المذكورة. غير أن طابع الإلزام يرتفع إذا كان الأمن الداخلي والخارجي للدولة يقتضي عدم إلزامية التعليل، وفقا لمقتضيات المادة الثالثة من نفس القانون.
هذه، باختصار، إطلالة في الجوانب التشريعية المتعلقة بتنظيم دخول الأجانب وإقامتهم بالتراب المغربي، والضوابط المنظمة لإبعادهم. يبقى أن نتساءل، استكمالا لجوانب البحث في هذا الموضوع، عن دور القاضي الإداري في رقابته على القرارات الضبطية المتعلقة بهذا الخصوص.

المبحث الثاني: رقابة القضاء الإداري على قرارات الضبط المتعلقة بالأجانب.
من خلال ما تقدم، يتبين  أن دخول وإقامة الأجانب بالتراب المغربي تخضع لضوابط خاصة، حاول المشرع من خلالها التوفيق بين حق الأجنبي في التنقل عبر التراب المغربي، وبين حق الدولة في حماية أمنها ومصالحها، بشكل عام، من كل خطر أو تهديد محتمل قد يصدر عن هذا الأجنبي. واعتبارا لذلك فإن السماح بدخوله واقامة الأجنبي بالتراب المغربي يقابله حق الإدارة في منعه من الدخول أو طرده أو اقتياده إلى الحدود كلما كان لذلك موجب. 
 والملاحظ أن الضوابط التشريعية المتعلقة بهذا الخصوص تتخذ أحيانا شكل مفاهيم مرنة غير محددة المعنى بشكل منضبط وقار، وهو ما يعطي للإدارة المختصة في اتخاذ قرار الترخيص بالإقامة أو الإبعاد سلطة تقديرية في تحديد هذه المفاهيم، بالنظر للحالات الواقعية المختلفة التي تعترضها من الناحية العملية. ومن جملة هذه المفاهيم : مفهوم " تهديد النظام العام "، الذي جعله المشرع سببا مبررا لإبعاد الأجنبي من التراب الوطني. ولا شك أن " النظام العام" يعتبر مفهوما مرنا يتسع ويضيق بحسب التقدير الذي تعتمده الإدارة لتبرير القرارات التي تتخذها بهذا الشأن. لذلك فإن التساؤل المطروح بهذا الخصوص، يكمن في معرفة الحدود التي يتوقف عندها القاضي الإداري في الرقابة التي يمارسها على هذا النوع من القرارات؟ والى أي حد استطاع التوفيق من خلال القواعد القضائية المصاغة بين حق الأفراد في التنقل، وبين أحقية الدولة في حماية مصالحها وأمنها؟ 
ولملامسة الجوانب المتعلقة بالرقابة القضائية على قرارات الضبط الصادرة في حق الأجانب، سأحاول بداية، في إطار تحليل مقارن، رصد تطور قضاء مجلس الدولة الفرنسي بهذا الخصوص، نظرا للحالات النـزاعية الكثيرة التي عرضت عليه.بهذا الشأن (الفرع الأول) وذلك قبل رصد تطور القضاء الإداري المغربي في نفس المجال (الفرع الثاني ). 
الفرع الأول: قضاء مجلس الدولة الفرنسي . 
لقد عرف قضاء مجلس الدولة الفرنسي تطورا تدريجيا في مجال الرقابة على قرارات الضبط بخصوص إقامة الأجانب فوق التراب الفرنسي. فكان في البداية يرفض تقدير ما إذا كان تواجد الأجنبي أو نشاطاته تشكل تهديدا للنظام العام، ويعتبر الأمر هنا يتعلق بتقدير معـطى واقعي لا يمكن مناقشته أمام قاضي الإلغاء(9). وفي نفس السياق كان يصرح بعدم إمكانية الأمر بإيقاف تنفيذ القرارات المتعلقة بالطرد، تأسيسا على كون هذه القرارات لا تستهدف بالأساس الشخص المعني بالأمر وإنما تروم حماية النظام العام من أي إخلال، وبالتالي لا يمكن للمحاكم الإدارية الأمر بإيقاف تنفيذ هذه القرارات(10) . ولا شك أن هذا المسلك التقليدي لقضاء مجلس الدولة الفرنسي لا يحقق الحماية اللازمة للأجانب بخصوص قرارات الضبط الصادرة في حقهم، فإذا كان هاجس حماية المصلحة العليا للبلاد يقتضي الاعتراف للجهات الإدارية المختصة بالسلطة التقديرية الكاملة لإتخاذ التدابير الضرورية لحماية هذه المصلحة، فإنه في المقابل يتعين عدم إهدار حق الأجنبي في التمتع بالحماية القضائية الفاعلة درءا للتداعيات السلبية التي يمكن أن تترتب عن بعض القرارات التعسفية. 
واستجابة لدواعي تحقيق نقطة التوازن بين الحفاظ على مصلحة الدولة المضيفة وأحقية الأجنبي في الحصول على الحماية اللازمة، ولو في حدودها الدنيا، تراجع مجلس الدولة الفرنسي عن مسلكه التقليدي بهذا الخصوص، وأصبح يراقب الوجود المادي للأسباب المعتمدة من قبل الإدارة، ومدى قيام غلط بين في تقدير التكييف l'Erreur manifeste de qualification   ،كما تراجع أيضا عن موقفه السابق بخصوص عدم قابلية قرارات الطرد لإيقاف التنفيذ. وأقر في قضائه اللاحق إمكانية إيقاف تنفيذ هـذه القرارات بحسب تقدير الحالات الواقعية المختلفة (11) .
والجدير بالملاحظة، أن التدابير المتعلقة بطرد الأجانب تعتبر تدابير ضبطية، واعتبارا لذلك فإن كل تشريع جديد يتعلق بالطرد يطبق بأثر فوري(12). وقد اعتبرت المحكمة الإدارية بفرساي أن قرار الطرد لا يمكن أن يخفي في حقيقته تسليما مقنعا لمجرم، (13)وفي نفس السياق اعتبرت المحكمة الإدارية بباريز أنه لا يمكن التصريح بوجود انحراف في مسطرة إبعاد الأجنبي، إلا إذا تبين أن الابعاد كان يستجيب في حقيقته لمبادرة الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي موضوع الطرد وليس تنفيذا لقرار الطرد المتخذ بشكل قانوني(14).
وبخصوص إلزامية تعليل قرارات الطرد اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن قرار الطرد، باعتباره تدبيرا ضبطيا مقيدا لحرية عامة،  يجب أن يتضمن الاعتبارات القانونية والواقعية المبررة لإتخاذه من غير أن تكون السلطة الإدارية المعنية ملزمة بإيرادها بشكل مفصل (15)كما اعتبر في قضية "رزوق" أن مجرد إيراد النص القانوني حرفيا في القرار يعتبر تعليلا ناقصا. في حين ان التعليل عن طريق الإحالة على محضر تحقيق يخص المعني بالأمر متهم فيه بالقتل الإرادي يعتبر تعليلا كافيا (16).
واعتبر أيضا أن التعليـل يعتبر لازما حتى في حالـة الاستعجـال القصــوى (17) Urgence absolue . 
أما فيما يتعلق بتقدير خطورة التهديد للنظام العام، التي قد يستند إليها قرار الطرد، أوضح مجلس الدولة الفرنسي في قضية "هلادجة"  Halladja" " أن تقدير هذه الخطورة تكون بالنظر إلى شبه اليقين (La quasi certitude)، في احتمال وجود مساس بالنظام العام، وفي جميع الأحوال فإن القاضي يمارس رقابة ضيقة تقتصر على ملاحظة مدى إتسام قرار الطرد بغلط بين في تقدير التهديد الذي يمس النظام العام(18). وأوضح أن حجية الأمر المقضي به، المتعلق بحكم محكمة إدارية القاضي بإلغاء قرار الرفض بمنح سند الإقامة بعلة عدم وجود أي تهديد للنظام العام، لا يمكن الاحتجاج بها بخصوص النزاع المتعلق بقرار الطرد والذي يختلف موضوعه عن الحكم الأول (19) 
وتجذر الملاحظة بهذا الخصوص، أن الإدانات الجنائية التي تكتسي خطورة خاصة، تعتبر في نظر الإدارة والقضاء مبررة لقرار الطرد. وهكذا اعتبر القضاء الفرنسي أن الإدانـات: من أجل القتل (20)محاولة القتل(21) الوساطة في شؤون البغاءProxénétisme (22)الضرب والجرح الإرادي23تهريب المخدرات(24) احتلال مـحلات وحجز أشخـاص (25)نقل السلاح (26)سرقة مع استعمال العنف (27)تعتبر حالات مبررة للطرد. 
وتقدير حالة الخطورة تتحدد بالنظر إلى تاريخ إتخاذ قرار الطرد، وتأسيسا على ذلك اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن انصرام مدة طويلة بين تاريخ قرار الطرد وتاريخ الإفراج عن المعني بالأمر لا يجعل من تواجده فوق التراب الفرنسي ذي خطر على النظام العام(28).
أما الجرائم البسيطة فـلا تعتبر في نظر قضاء مجلس الدولة الفرنسي ذات خطر على النظام العام، وبالتالي ليس من شأنها تبرير قرار الطرد، ومن قبيل ذلك : الدخول والإقامة بشكل غير مشروع فوق التراب الفرنسي (29)الحصول واستعمال وثائق مزورة من أجل الدخول إلى فرنسا(30)الإدانة بالغرامة فقط من أجل جنحتين بسيطتين (31)لا تشكل سببا للقول بوجود تهديد خطير على النظام العام. غير أنه في حالة العود فإن حالة التهديد الخطير تعتبر متوافرة، ذلك أن تكرار ارتكاب الجرم يعطي الإنطباع على أن عدم طرد المعني بالأمر سيجعله يستمر في ارتكاب جرمه، وهذا ما انتهى إليه مجلس الدولة الفرنسي في قضية طهراوي(32)   
وبناء على مقتضيات المادتين 3 و 8 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان اعتبرت المحكمة الإدارية بمونبوليي Montpellier أن قرار اقتياد امرأة الى الحدود بعد رفض طلب اللجوء الذي تقدمت به، والتي تعيش في حالة زواج مع مواطن من بلدها حصل على وضع لاجئ (Statut de réfugier  )، ولهما إبن والآخر في طريق الولادة، يعتبر قرارا مخالفا لمقتضيات المادة الثامنة من الاتفاقية المذكورة لأن من شأن اقتيادها إلى الحدود، فصلها عن إبنها والذي يمكن أن يتعرض إلى أخطار في حالة أخذه معها إلى بلدها زايير "ZAIRE" (33).
والجذير بالملاحظة أن البلد الذي يتعين إبعاد الأجنبي إليه هو البلد الذي يحمل جنسيته، ما لم يثبت المعني بالأمر أن من شأن إرجاعه إلى بلده التعرض لمعاملات غير إنسانية. وقد قضى مجلس الدولة الفرنسي بأن الأجنبي لا ينبغي أن يبعد بإتجاه البلد الذي يحمل جنسيته إذا أثبت أن له إقامة مشروعة ببلد معين أو كان مقبولا ببلد آخر. وفي جميع الأحوال يتعين على الإدارة كلما كان ذلك ممكنا احترام اختيار الأجنبي الذي تقرر إبعاده.  وهكذا اعتبر أن إبعاد سنغالي إلى بلده الأصلي، والحال أنه كان يقيم لعدة سنوات بإيطاليا ويحمل سندا للإقامة صالحا بهذا البلد، يعتبر قرارا مشوبا بغلط بين في التقدير وقضى بإلغائه(34).
الفرع الثاني : قضاء الغرفة الإدارية والمحاكم الإدارية
   إذا كانت الحالات النزاعية المتعلقة بقرارات الضبط الخاصة بالأجانب المعروضة على القضاء الفرنسي تعتبر على درجة من الوفرة، فإن الحالات التي عرضت على القضاء المغربي ليست بنفس الحجم. وعموما فإن القاضي المغربي لا يختلف في منهجية مراقبته لمشروعية هذه القرارات عن نفس النهج الذي يسير عليه القضاء الفرنسي. وهكذا فإن القاضي الإداري المغربي كان في البداية يجري رقابة محدودة على هذه القرارات. وفي هذا السياق اعتبرت الغرفة الإدارية في قضية أحمد فتحي صديق أن " ظهير 16 ماي 1941 المنظم للإقامة في المغرب يعطي للسيد المدير العام للأمن الوطني صلاحيات واسعة للبث في ملفات طالبي الإقامة قصد إلغاء أو منح رخصة الإقامة لمدة معينة أو دائمة كما يخوله صلاحية سحب كل رخصة للإقامة في أي وقت وحين. وأن صلاحية سحب الرخصة تخضع لسلطته التقديرية حسب الظروف والأسباب التي يقدرها من خلال وضعية المعني بالأمر وسلوكه. ويستنتج من ذلك أن المقرر المطعون فيه والذي وضع حدا لرخصة إقامة الطاعن بالمغرب صدر في نطاق ظهير 16 ماي 1941 وبذلك فإنه لم يكن متسما بأي شطط في استعمال السلطة مادام المدير العام للأمن الوطني قد استعمل الصلاحيات المخولة له قانونا(35).
وفي قضية أخرى اعتبرت الغرفة الإدارية أن عدم ثبوت توافر الطاعن على الجنسية المغربية وارتكابه لاعمال تمس بالنظام العام تبرر قرار طرده من المغرب(36). والملاحظ أن الغرفة الإدارية في هذا القرار والذي جاء لاحقا للقرار الأول ناقشت الأسباب المعتمدة في قرار الطرد، وقامت بفحصها قبل أن تخلص إلى إقرار مشروعية القرار. ولا شك أن رقابة الأسباب المتمسك بها من قبل الإدارة لتبرير موقفها، وتقدير قيامها من عدمه، هو الذي يحقق الحماية اللازمة بالنسبة للمعني بالأمر. وبهذا الاتجاه الجديد تكون الغرفة الإدارية قد فتحت مسلكا جديدا في مجال الرقابة على قرارات الضبط الخاصة بالأجانب وهو ما يسهم في تفعيل هذه الرقابة على نحو يوازن بين الحفاظ على المصلحة العليا للبلاد وفي نفس الوقت لا ينكر أحقية الأجنبي في الحصول على الحماية اللازمة بخصوص القرارات الإدارية غير المشروعة التي قد تمس وضعيته .
وفي سياق هذا الاتجاه خلصت المحكمة الإدارية بالرباط إلى إلغاء قرار مدير الأمن الوطني بطرد أجنبية بعلة تعاطيها للفساد وتجارة المخدرات بعدما عجزت الإدارة عن تبرير القيام المادي للأسباب المعتمدة في قرار الطرد، واعتبرت أن " أي قرار إداري يجب أن يقوم على سبب يبرره، وهذا السبب هو الحالة القانونية أو الواقعية التي تصوغ تدخل الإدارة لتوقيع الجزاء وأن المراقبة القضائية تمتد إلى صحة الوقائع التي تكون ركن السبب وإلى التكييف القانوني لتلك الوقائع"(37)كما أنها قضت في نفس الواقعة بإيقاف تنفيذ القرار المطعون فيه، تأسيسا على كون قرار الابعاد من شأنه الإضرار بالمدعية بخصوص مشروعها التجاري الذي تستثمره داخل المغرب والذي لا يمكن تداركه مستقبلا ،في حالة إلغاء القرار في الموضوع(38) .
وهكذا يلاحظ أن القضاء المغربي يسير باتجاه تعميق آليات الرقابة على قرارات الأبعاد الصادرة في حق الأجانب، وذلك بهدف تحقيق حماية أكبر لوضعية الأجنبي بالمغرب. وهذا التوجه ينسجم والمقاربة الجديدة التي ينبغي أن تطبع محاكمة هذا النوع من لقرارات.
ذلك أن ارتفاع وتيرة تنقل رؤوس الأموال وحركة الأشخاص بين الأوطان التي تطبع العالم المعاصر في ظل العولمة ،  يجب أن يصاحبه تكريس الضمانات اللازمة لتحقيق التفاعل الإيجابي مع هذه الظاهرة ، وهذا يستوجب صياغة قواعد قضائية تتماشى والحماية الواجبة لوضعية الأجنبي. 

الخلاصة:
 يتضح مما تقدم أن الهاجس، في مختلف الأنظمة، الذي يحكم مسلك التشريع والاجتهاد القضائي في مجال الضبط الإداري، المتعلق بإقامة الأجانب وإبعادهم، يتمثل في العمل على المزاوجة بين مطلبين أساسيين ،يتجلى أولاهما في وجوب حماية النظام العام الوطني من كل تهديد قد يشكله تواجد الأجنبي فوق التراب الوطني وضمان امتثاله للضوابط المعمول بها داخله، وهذا يقتضي وضع شروط خاصة تنظم كيفية دخول الأجنبي وإقامته وإبعاده كلما كان لذلك موجب، ويتجلى ثانيهما في وجوب احترام الحق الطبيعي للأفراد في التنقل بين الأوطان تحقيقا للتواصل بين الأجناس.
والمزاوجة بين هذين المطلبين تتسع وتضيق بحسب المعطيات والظواهر الخاصة التي تطبع حركة الأفراد وما يترتب عليها أحيانا من تداعيات سلبية على الأمن القومي والسلم الاجتماعي. واعتبارا لذلك نلاحظ بأن مسلك القضاء الإداري بخصوص الرقابة التي يمارسها على الطعون المقدمة في هذا الإطار تسير باتجاه الاعتراف للإدارة بسلطة موسعة في تقدير الوقائع المبررة لإبعاد الأجانب. غير أن هذا النوع من الرقابة لا يحقق الحماية اللازمة للأجنبي، ويتميز بالمحدودية في رقابة مشروعية القرارات موضوع المنازعة. وتحقيقا للمزيد من الفاعلية القضائية بهذا الخصوص، حاول القاضي الإداري الرفع من آليات هذه الرقابة وتعميقها على نحو يضمن تحقيق الحماية اللازمة للأجنبي في حدودها المعقولة.
والـجذير بالـمـلاحظة بـهذا الخصـوص أن معيار " شبـه اليقين" (quasi certitude)  المعتمد من قبل القضاء في مقاربة مدى قيام وخطورة الأسباب الواقعية المبررة لابعا د الأجنبي إذا كان يعكس الرغبة في عدم المخاطرة بما من شانه الانعكاس بشكل سلبي على المصلحة الوطنية، وهذا مطلب ضروري، إلا أن هذا المعيار يجب إعماله في الحدود التي لا تؤدي إلى إهدار حق الأجنبي في الحصول على الحماية القضائية اللازمة.