5.09.2017

إعمال قواعد الترجيح في دعاوى استحقاق العقار وفق قرارات المجلس الأعلى ذ. عبد الإله عزمي

إعمال قواعد الترجيح في دعاوى استحقاق العقار وفق قرارات المجلس الأعلى ذ. عبد الإله عزمي








إعمال قواعد الترجيح في دعاوى استحقاق العقار وفق قرارات المجلس الأعلى ذ. عبد الإله عزمي 




إعمال قواعد الترجيح في دعاوى استحقاق العقار وفق قرارات المجلس الأعلى
ذ. عبد الإله عزمي محام بهيئة المحامين بسطات


مقدمة:

لاشك  أن تعيين الخصم الذي يكلف بالإثبات أمر بالغ الخطر في سير الدعوى وفي نتيجتها لأنه يلقى على هذا الخصم عبئا ثقيلا يجعله في مركز دون مركز خصمه، إذ يكلفه أمرا إيجابيا تتوقف عليه نتيجة الدعوى، بينما يكتفي من خصمه بأن يقف من الدعوىموقفا سلبيا وفي هذا وحده بإدارة رجحان كفة الثاني على كفة الأول اقتضاء بالمبدأ العام في الشريعة الإسلامية الذي يقضي (بأن البينة على من ادعى واليمن على من أنكر).
والمراد بمن ادعى ليس من رفع الدعوى، بل كل خصم في الدعوى يدعي على خصمه أمرا لا يصدقه المدعى عليه فيه. بمعنى أنه قد يتقدم رافع الدعوى. بمقال من أجل استحقاق عقار ويدلي بحجته لإثبات ما يدعيه فيما يرد خصمه الدعوى بادعاء مضاد بان العقار يعود له ولا يعود للمدعي الأصلي ثم يدلي إثبات لا دعائه بحجته. وهنا تتعارض بينات المدعيان الأصلي ثم يدلي إثبات لا دعائه بحجته وهنا تتعارض بينات المدعيان الأصلي ثم يدلي إثبات لا دعائه بحجته وهنا تتعارض بينات المدعيان الأصلي والمضاد ولا يكون للقاضي أن يفصل بينهما إلا بإعمال قواعد وأسباب الترجيح قصد تغليب حجة أحدهما على الآخر وبالتالي القضاء له وفقا لحجته المستجمعة لأسباب الترجيح المحددة.
وعلى هذا فإن أسباب الترجيح هي القواعد الفقهية المعمول به من طرف القضاء قصد التمييز والمحيص لحجج المقدمة من طرف الخصوم حال تعارضها.
وأهميتها تأتي من أن مراكز الخصوم في الدعوى تبقى دائما قابلة للتغيير والتحول فالمدعي الأصلي قد يصبح مدعى عليه وكذلك الشأن بالمدعى عليه الذي قد ينقلب مدعيا بكل الحق المدعى فيه أو بجزء منه وتكون لأسباب الترجيح كلمة الفصل عند الاعتماد عليها في الفصل بين الحجج.
على أن موضوع بحثنا هذا سوف لن يغوص في التأصيل لقواعد الترجيح أو سيركز على دراستها وتتبع موقف القضاء القضاء في التعامل معها لأن هذا أمر جلل لا يقوى عودنا على قضائه، يقدر ما سنحاول بمعونة الله أن نضع اليد على أسباب الترجيح من حيث تعدادها ومعانيها وبعض تطبيقاتها أملا في أن يكون موضوعنا هذا أرضية لإغناء النقاش حول مدى تعامل القضاء على قواعد الترجيح الفقهية.
وقد جاء في لامية الزقاق:
بأسباب ملك رجحن أن تعاوض           بدا من شهود وانتفى الجمع أولا.
كنسج لنفس أو نتاج ورجحن              على الملك إلا من مقاسم اقبلا.
ويعني ذلك أنه عند تعرض بينتان ولم يمكن الجمع بينهما أصير إلى ترجيح إحداهما على الأخرى بأحد المرجحات المذكورة في البيتين والثلاثة بعدهما وهي عشرة: سبب الملك والملك على الحضور، وزيادة العدالة، والنقل على الاستصحاب والإثبات على النفي والأصالة على خلافها، وتعدد الشاهدين على الواحد والمؤرخة على غيرها، وقدم التاريخ والتفصيل على الإجمال.
ومفهوم قوله: (وانتفى الجمع أولا) انه إذا لم ينتف بل أمكن فإنه يعار إليه كما قال خليل (وإن أمكن جمع البيتين جمع).
وكتوضيح لذلك: قال التسولي هنا: إذا شهدت بينة أنه نطق بطلاق زوجته فلانة في وقت كذا أو في مجلس، وشهدت الأخرى أنه إنما تلفظ في ذلك بعتق عبده أو بطلاق فلانة، لزوجه أخرى فذلك تكاذب.
وقال المكناس في مجالسه في الشهادات: فإن شهد على شخص بإسقاط حق وكانت الشهادة عليه بتعريف معرف ثم شهدت الأخرى أن المشهود عليه لم يكن في البلد في ذلك الوقت، فقال ابن رشد فيمن شهد عليه بالقتل وشهد آخرون أنه لم يكن يوم القتل في ذلك البلد فالشهادة بالقتل أعمل.
قال المكناسي: ولست أعرف لهذا معنى والذي أرى عن كان الشهود الذين شهدوا أنه لم يكن بالبلد أعدل سقط الحق والقتل.
وقال ابن رحال: هو الصحيح عندي ولا نطيق أن نقول بغيره ولا سيما في الدم إذ لا يقدم عليه بيقين.
فالمرجح الأول: سبب الملك، فإذا شهدت بينتان بملكية شيء وبينت إحداهما السبب ولو تبينه الأخرى، قدمت ذات السبب وقد مثل له الناظم بمثالين: أحدهما النسج للنفس، وثانيهما النتاج.
فإذا شهدت بينة بان هذا الثوب ملك لزيد، وشهدت أخرى بأنه ملك لعمرو، وزادت إحداهما أنها نتجت أي ولدت عنده كانت بينة النتاج أعمل.
وقوله (ورجحن على الملك خ) معناه: أنه إذا تعارض النسج أو النتاج مع الملك قدم النسج أو النتاج على الملك، إلا أن يكون الملك من المقاسم. فتحصل: أنه متى عارض سبب الملك الملك سواء كان السبب مشهودا به وحده أو مع الملك أيضا، يقدم السبب على الملك.
والمرجح الثاني: الملك على الحوز، فإذا شهدت إحدى البينتين بالملك والأخرى بالحوز قدمت الشاهدة بالملك، ولو كان تاريخ الحوز سابقا، لأن الحوز أعم من الملك، لأنه يكون بالملك وبالإكراء وبالوديعة وبالعارية وبغير ذلك، والأعم لا يعارض الأخص لأنه ل إشعار له بأخص معين.
والمرجح الثالث: زيادة العدالة فإذا شهدت بينتان كل واحدة منهما بخلاف الأخرى، رجحت الزائدة في العدالة وإن شهدت الأخرى للحائز لقول خليل (وباليد إن لم ترجح بينة مقابله).
تنبيه: زيادة العدالة يحلف معها على المشهور ومذهب المدونة.
والمراد زيادتها في ذات البينة، لا في المزكين للبينة فإنه غير معتبر على مذهب ابن القاسم الذي هو المشهور.
ولا عبرة بزيادة العدد في مقابلة زيادة العدالة، كما قال خليل (وبمزيد عدالة لا عدد) قال ابن عاشر: ما لم يبلغ التواتر.
وقول ابن القاسم في المدونة: لو شهد لهذا شاهدان ولهذا مائة، وتكافؤا في العدالة، لا يرجح بالكثرة محمول على المبالغة، كما للخفي والمازري حاشية الشيخ الهواري.
قال التسولي: فإن كانت إحداهما أعدل، وأرخت الأخرى، رجحت المؤخرة، على الراجح من أقوال ثلاثة.
المرجح الرابع: النقل على الاستصحاب، فمن مات عن دار وأثبت ولده انها لم تخرج عن ملك والده إلى أن مات، وأثبتت زوجته أنه أعطاها إياها في صداقها مثلا، قدمت بينتها لأنها ناقلة، وكذا لو شهدت بينة أنه كان يغتل جميع أملاكه إلى أن مات وشهدت أخرى بأنه كان صيرها لزوجته وحازتها فالتصيير صحيح.
تنبيه: قال الزرقاني: الظاهر عدم التعارض بين هاتين البينتين فليس هذا من باب التجيح كما قاله الشارح بهرام لأن قول إحداهما لا يعلمونها خرجت عن ملكه لا يقتضي عدم الخروج لأنه يفيد نفي العلم البخروج لا نفي الخروج.
المرجع الخامس: الإثبات على النفي، ومثل له التاودي بما في نوازل ابن سهل عن أبي مروان ابن مالك في هبة اختلف الشهود فيها، فبعضهم شهد بالحوز، وبعضهم شهد بأنها لم تحز، قال ابن مالك: الشهادة بصحة الحوز أعمل، لوجوه من النظر مع موافقة الروايات في مثل ذلك.
قال ابن سهل: يريد لأن الشهادة بالحيازة أثبتت الهبة لصحتها فكانت أول من التي شهدت ببطلانها، قال: وأشار بقوله (مع موافقة الروايات إلى ما في الموازية في شهيدين شهدا بحوز الرهن وشهد آخران بعدم الحيازة، قال: شهود الحيازة أعمل ومثله في المجموعة والعتيبة.
المرجع السادس: الأصالة على ضدها كالحرية على الرقية، والجرح على التعديل، والصغر على البلوغ، والصحة على المرض، وصحة العقل على خلله والصحة على الفساد، إلا أن يغلب الفساد والسفه على الرشد والإكراه على الطوع، والعسر على اليسر والكفاءة على ضدها كذا في الحواشي هنا.
وفي بناني على الزرقاني أن اليسر مقدم على العسر، وأن هذه الأمور ليست كلها من قبيل تقديم الأصل على غيره فأنظره.
المرجع السابع: اثنان على شاهد ويمين، وكذا على شاهد وامرأتين، خ (وبمزيد عدالة لا عدد).
المرجع الثامن: التأريخ فإذا أرخت إحدى البينتين، ولم تؤرخ الأخرى قدمت المؤرخة.
المرجع التاسع: قدم التاريخ على حدوثه، فإذا قالت إحداهما يملكه عامين، والأخرى عاما، قدمت ذات العامين، لن الملك ثبت الأقدم والأصل الاستصحاب وبقاء ما كان على ما كان، وما أثبتته البينة الأخرى محتمل، لمعارضة هذه البينة له، فتساقطتا فيما تعارضت ويبقى استصحاب الأصل خاليا عن المعارض.
وسواء كانت الأخرى أعدل أم لا، كان بيد أحدهما، أو تحت يديهما، أو تحت يد ثالث، أولا يد عليه، كما قاله اللخمي، رحمه الله...
ولا يقال: إن الحادثة ناقلة، وهي مقدمة كما مر، لأن شرط الترجيح بالنقلان تكون شهادته مشتملة على ذكر سبب النقل، وهنا غنما شهدتا بالملك واختلفتا في قدر التاريخ، كما قاله بناني رحمه الله.
المرجع العاشر: التفصيل على الإجمال، فلو ادعى نكاح امرأة رجلان فأنكرتهما او أحدهما، وأقام كل البينة، وأرخت إحداهما برمضان، والأخرى بيوم منه، قدمت المفصلة، كما في بهرام على خليل في باب النكاح، ولو شهدت بقتل وقالت إحداهما عمدا وأطلقت الأخرى، قدمت ذات العمد، كما في ميارة.

وعلى ما يبدو فإن لقواعد الترجيح وأسبابه دور فعال في التمييز بين الحجج والبينات عند تعارضها فيكون العمل بالبينة التي توافرت فيها أسباب الترجيح في ما تستبعد البينة التي لم تتوافر فيها الأسباب والقواعد المذكورة ورغم أن هذه القواعد يبقى العمل بها محصورا في حالة تعارض البينات في الدعوى الواحدة فإن من وجهة نظر جد متواضعة تبقى قواعد الترجيح أسباب داعمة لوسائل الإثبات بشكل خاص.