كتب قانونية

3.02.2017

دور التأميــــــــــــن في تطور نظـــــام المسؤوليــــة المدنـــــية محمد الموساوي: باحث في قانون العقود والأعمال

دور التأميــــــــــــن في تطور نظـــــام المسؤوليــــة المدنـــــية   محمد الموساوي: باحث في قانون العقود والأعمال
بسم الله الرحمن الرحيم مرحبا بك في موقعنا، إذا أعجبك الموضوع لا تنسى دعمنا بمشاركته مع أصدقائك لتعم الفائدة، شكرا لك.






دور التأميــــــــــــن في تطور نظـــــام المسؤوليــــة المدنـــــية   محمد الموساوي: باحث في قانون العقود والأعمال











محمد الموساوي: باحث في قانون العقود والأعمال




التصمــيــــــــــــم
المحور الأول: دور التأمين في تطور أساس المسؤولية المدنية
أولا: تأثير التأمين على أساس المسؤولية عن فعل الغير
ثانيا: تأثير التأمين على أساس مسؤولية حارس الشيء
المحور الثاني: دور التأمين في تطور وظائف المسؤولية المدنية
أولا: تأثير التأمين على الوظيفة التهذيبية للمسؤولية المدنية
       I.            دور التأمين في الوقاية من حوادث الشغل
    II.            دور التأمين في الوقاية من حوادث السير
ثانيا: تأثير التأمين على الوظيفة التعويضية للمسؤولية المدنية
       I.            دور التأمين في التوجه نحو جماعية المسؤولية
    II.            صناديق الضمان

  لقد أدت الثورة  الصناعية والتكنولوجية التي عاشها العالم منذ أواخر القرن الثامن عشر، وما ترتب عن ذلك من اختراع الآلة وتطور استعمالها...  إلى تدخل المشرع من أجل إيجاد نصوص قانونية تضمن التوازن بين وجود هذه الآلة بمفهومها العام كعامل مهم من عوامل التنمية، وبين الإنسان كهدف لهذه التنمية وموضوعاً لها. ونتيجة لهذا التطور ظهر نظام التأمين كمُعطى جديد على الساحة القانونية، فشكل بحق ثورة على القواعد الكلاسيكية للمسؤولية المدنية، وقد مسّ هذا التأثير كل من أساس هذه المسؤولية، لدرجة اختفى على إثره الخطأ تاركاً مكانه للضرر كأساس جديد، ومسّ كذلك وظائف هذه المسؤولية، سواء التهذيبية أم التعويضية. ونتيجة لهذا التأثير ظهر ما سماه الفقه[1] " أزمة المسؤولية المدنية"، وإن أمكن لنا اختصار هذه الأزمة  في عبارة واحدة فما هي إلا خطوة الانتقال من المسؤولية المبنية على الخطأ الشخصي إلى المسؤولية الموضوعية القائمة على عنصر الضرر.
وإن كان ليس بمقدورنا طبعاً التعرض للأزمة التي تخبطت فيها المسؤولية المدنية من بدايتها إلى يومنا هذا، غير أننا سنحاول التركيز على دور نظام التأمين في ذلك باعتباره شأنه شأن قواعد هذه المسؤولية لا يقل مرونة عنها ولا يتوقف تطوره مثلها.
فكيف إذن أثر نظام التأمين على قواعد المسؤولية المدنية؟ أو بالأحرى ما دور هذا التأمين في تطور قواعد هذه المسؤولية؟
تقتضي محاولة الإجابة عن التساؤل المطروح ، أن نلامس مكمن هذا التأثير، والذي لا يمكن في اعتقادنا أن يزيغ عن موضعين وهما؛ أساس المسؤولية المدنية (المحور الأول)، ووظائف هذه المسؤولية (المحور الثاني).

المحور الأول

 دور التأمين في تطور أساس المسؤولية المدنية


    إذا كانت المسؤولية بوجه عام تتأسس على الخطأ، فإن ظهور نظام التأمين وإن لم يكن وراء اختفاء عنصر الخطأ كليا، فإنه ساهم في تحريفه و التلطيف منه إلى حد كبير، مما جعل النظرية الشخصية القائمة على الخطأ لم تعد تتفق لا مع المنطق ولا مع التطور الاقتصادي، فمنذ أن انفصلت المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجنائية وأصبح التعويض المدني لا دخل للعقوبة فيه، لم يعد هناك معنى لاستبقاء الخطأ أساساً للمسؤولية المدنية، وإنما ينبغي أن يكون أساس هذه المسؤولية الضرر الذي يستوجب التعويض، لا الخطأ الذي يقتضي العقوبة[2].
  ومن المعلوم أن المسؤولية المدنية ذات الطبيعة الشخصية-تقليديا- قامت على ثلاثة عناصر وهي: الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين هذا وذاك، وبالنسبة لعنصر الضرر فإن التطور الذي خضع له تمثل بصفة رئيسية في التوسيع من نطاق وجوده وتقديره. أما التطور الحقيقي فقد انصب على عنصري الخطأ وعلاقة السببية، حيث تعرضا لتحولات مهمة، مست في بعض الأحيان وجودهما ذاته، وكان العامل الجوهري وراء هذه التحولات هو ما تحقق من توسع كبير في التأمين من هذه المسؤولية[3].
  والحقيقة، أن انتشار التأمين من المسؤولية وتعميمه في بعض القطاعات، يُحوِّر دور المسؤول من المدين بالتعويض بالمعنى الفني للكلمة إلى مجرد مورد للتأمين، ومن هنا، قد يبدو طبيعيا أن تحديد المسؤول، يتم باستخدام مقدرته على التأمين، أكثر من الاعتبارات المستمدة من دوره الفعلي في إحداث الضرر. ولعل هذا ما يفسر اتجاه الأركان التقليدية للمسؤولية المدنية-خاصة الخطأ وعلاقة السببية- نحو التلاشي تاركة المجال للنظم التي تنقل المسؤولية إلى عاتق أشخاص يوجدون- بحكم ما يمارسونه من أنشطة، قد تترتب عليها أضرار- في ظروف تسمح لهم بتوقع حدوث الأضرار، فيلجئون إلى التأمين من أجل تغطيتها[4].
  من هنا، أمكن القول أن تأمين المسؤولية قد تطور بشكل ملحوظ في عصرنا الحاضر،وقد صاحب ذلك تطور قانوني وقضائي للمسؤولية المدنية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمسؤولية عن فعل الغير (أولا)، ومسؤولية حارس الشيء (ثانيا).

أولا: تأثير التأمين على أساس المسؤولية عن فعل الغير


   الأصل أن الإنسان لا يسأل إلا عن عمله الشخصي، ولكن يمكن على وجه الاستثناء أن يرتب القانون على شخص مسؤولية عمل قام به غيره، وفي هذه الحالة لا تقوم المسؤولية إلا بالنسبة للأشخاص الذين عدَّدهم القانون حصراً[5]. ذلك لأن هذا الصنف من المسؤولية يقع بوجه عام على أشخاص يتولون توجيه أنشطة الغير، ولهذا السبب فإنه باستطاعتهم توقع الأضرار التي يمكن أن تنشأ في المستقبل خلال ممارسة هاته الأنشطة، ولعل هذا ما يفسِّر بدوره لجوئهم لنظام التأمين.
  وقد كان لنظام التأمين الأثر البالغ في تطور هذا النوع من المسؤولية، ويبدو ذلك بوضوح من خلال نظام تأمين المسؤولية المفروض على رؤساء المشروعات، والتوسع والتحرر المستمر لنظام مسؤولية المتبوع عن فعل التابع، وكذلك التوسع في تقدير خطأ التابع الذي لم يعد يستلزمه القضاء لقيام مسؤولية المتبوع[6]. كما توسع القضاء في تعريف رابطة التبعية، والرابطة التي يتعين أن توجد بين التصرف المرتكب من قِبل التابع والوظائف التي تمارس لحساب المتبوع[7].
   وإن ركزنا الرؤية في مجال الشغل سنجد أن ارتباطه بمركزين أحدهما اقتصادي وآخر اجتماعي، قد ساهم في تطور نظام المسؤولية، فمن جهة يعد بروز الآلات والتقنيات الحديثة من العوامل المساعدة على التقدم والازدهار في المجال الاقتصادي، ومقابل ذلك فإن المجال الاجتماعي قد عرف تدهوراً كبيراً بسبب كثرة حوادث الشغل التي وجد العمال أنفسهم معرضين لها في كل وقت وحين، مما أدى إلى بروز مفهوم اجتماعية المسؤولية، التي لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق ضمان حصول المضرور على التعويض، خاصة وأننا أمام مسؤولية عن فعل الغير التي تقع بوجه عام على عاتق أشخاص يقومون بتوجيه أنشطتهم، ومادام أن رب العمل يستفيد من نشاط العامل فيكون ملزماً بأداء التعويض عن الأضرار التي يصاب بها طبقاً لما تقضي به نظرية تحمل التبعة[8]، وطبقاً كذلك للقاعدة الأصولية "الغُنم بالغُرم".
  هذا التطور التدريجي للمسؤولية عن فعل الغير خاصة في المادة الاجتماعية والذي صاحبه ظهور نظام التأمين، تم عن طريق الانقلاب على عنصر الخطأ. وذلك بإسهام من  القضاء ومباركة من الفقه الفرنسي[9]، مما دفع المشرع الفرنسي إلى سن قانون خاص[10]، اقتبس عنه المشرع المغربي ظهير 25 يونيو 1927[11]، والذي أسس للمسؤولية الموضوعية بدون خطأ[12]، حيث لم يبقَ معها الأجير ملزماً بإثبات الخطأ، كما أنه لم يعد باستطاعة المشغل أن يدفع مسؤوليته بالسبب الأجنبي أو إثبات عدم ارتكابه لأي خطأ، وإنما يكفي لتقرير مسؤولية هذا الأخير إصابة الأجير بضرر وأن يكون لهذا الضرر علاقة بالشغل، الشيء الذي جعل الضرر أساس المسؤولية المدنية، وقد ساهم ذلك في إشاعة الأمان بين الأجراء أمام تزايد الأخطار المهنية، كما ساهم هذا "الأمن" بدوره في تشجيع المبادرة والعمل[13].

ثانيا: تأثير التأمين على أساس مسؤولية حارس الشيء


   إن أية محاولة لدراسة تأثير التأمين في مجال التنظيم القانوني للمسؤولية المدنية عن حراسة الأشياء لا يمكن أن تتم في معزل عن التشريع الفرنسي المصدر التاريخي لتشريعنا المغربي[14].
    فالمسؤولية عن حراسة الشيء في التشريع المدني الفرنسي أضحت بفعل القضاء مسؤولية موضوعية لا تنتفي إلا بانتفاء السببية المباشرة بين الشيء محل الحراسة والضرر الحاصل للمضرور، وكان للتأمين الدور البارز في ذلك، استنادا إلى الفصل 1384 من القانون المدني الفرنسي[15].
  ولا شك أن هذا التطور لنظام المسؤولية المدنية عن فعل الأشياء نتج أساسا عن كثرة الحوادث بسبب استعمال الآلات-بما في ذلك السيارات- والأدوات الميكانيكية، التي أصبح التأمين بالنسبة لها أمراً عاديا منذ وقت طويل. وبعبارة أوضح، فانتشار وتطور نظام تأمين المسؤولية في مجال استعمال هذه الأشياء، قد أدى إلى التقليل من شأن أهم عنصر من عناصر المسؤولية المدنية، ألا وهو عنصر الخطأ، إما بالإعفاء من عبء إثباته،وافتراضه بما لا يقبل العكس، إلا إذا وُجد سبباً أجنبيا، وإما بالدعوة إلى الاستغناء عنه تماماً وإقامة مسؤولية دون خطأ، أي مسؤولية موضوعية وهذا بالضبط ما يدعى نظام الضمان.
  ومن السهل قبول هذا الأمر في ظل نظام يضمن للمضرور الحصول على التعويض المناسب من جهة مليئة الذمة وهي شركة التأمين، خاصة بعد أن أصبح معظم النشاط الإنساني يُمارس من خلال مشروعات عملاقة وليس بواسطة مجرد مقاولات صغيرة تعود لأفراد عاديين، بالإضافة إلى أن هذا النشاط أضحى يجلب الكثير من المخاطر الجديدة التي لم تكن معروفة وقت وضع التقنين المدني[16].
   وبناءً على ذلك، فإن تأمين المسؤولية أصبح إجباريا بالنسبة لمن يستعمل سيارة، باعتبارها من الأدوات والآلات الخطرة التي تحتاج في حراستها إلى عناية خاصة، وبسبب الأضرار الجسيمة الناجمة عن حوادثها، فضلاً عن كثرة هذه الحوادث، لدرجة أنه قد لا يمر يوم دون وقوع العديد منها.[17]
  وبرجوعنا للتشريع المغربي نجد الفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود[18] ينص على أن:" كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت:
1-     أنه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر؛
2-     وأن الضرر يرجع إما لحدث فجائي، أو لقوة قاهرة، أو لخطأ المتضرر".                                         
  فمن خلال التأمل في هذا الفصل، يتضح أن المسؤولية المترتبة عن الأشياء هي مسؤولية ناتجة عن خطأ مفترض في حراسة الشيء الذي تسبب في حدوث الضرر[19]. وهذا التوجه هو الذي سار عليه المجلس الأعلى- محكمة النقض حالياً- في عدة قرارات[20]، بل أبعد من ذلك نجده متشدِّدا فيما يخص مسؤولية حارس[21] السيارة، حيث من النادر جدا التحلل من هذه المسؤولية، وأبرز مثال على ذلك حين اعتبر المجلس الأعلى بناء على مقتضيات الفصل 88 من ق.ل.ع. أن حارس السيارة مسؤول عن الضرر ولو كان تصرفه غير خاطئ، في قراره الصادر بتاريخ 13/5/1970، حيث جاء فيه:" تكون المحكمة قد طبقت الفصل 88 المذكور تطبيقاً خاطئا بقولها إن الحكم بالبراءة يثبت أن السائق عمل كل ما في استطاعته لتجنب الضرر، إذ ليس يكفي أن يطلب من الحارس عدم ارتكاب أي خطأ، بل المطلوب منه القيام بعمل إيجابي أو اتخاذ الاحتياطات الخاصة التي تفرضها الظروف لتجنب الحادث"[22].
  ويرى أحد الباحثين[23] أن ما ذهب إليه المجلس الأعلى يعكس رغبة القضاء في التشدد مع الحارس، وضمان حماية أوسع للمضرور في ظل وجود مؤمن مليء الذمة.
  وذهب نفس الباحث إلى أن المادة 17 من مدونة التأمينات التي تنص على أن المؤمن يتحمل الخسائر والأضرار الناتجة عن الحادث الفجائي أو الناتجة عن الخطأ غير العمدي للمؤمن له، ما عدا استثناء صريح ومحدد في العقد. تعكس-أي هذه المادة- تحيينا وتعديلا لقواعد المسؤولية من طرف قانون التأمين، إذ أصبح السبب الأجنبي لا يعفي من المسؤولية المبنية على خطأ مفترض، إلا أن هذا التطور لم يظهر رغبة حقيقية في إحداث انقلاب على المسؤولية الشخصية، ما دام أن الاستثناء الذي وضعه المشرع يتحفظ نسبيا على هذه المسؤولية، إذ كان على المشرع المغربي أن يكون أكثر جرأة ليقتدي بنظيره الفرنسي، ذلك أن قانون 05/07/1985 المتعلق بتيسير التعويض في مجال حوادث السير تجاوز فكرة السببية، ولم يعد يشترط الدور الايجابي للسيارة في الحادث، بل يكفي وجود ارتباط بينها وبين الحادث أو أي دور لها فيه، ولم يعد من الممكن التخلص من المسؤولية تجاه المضرور بإثبات القوة القاهرة أو فعل الغير، بل إن خطأ المضرور نفسه لم يعد يُعتد به إلا في حالات نادرة، وذلك يؤدي في حقيقة الأمر إلى إخراجنا من نطاق المسؤولية إلى نطاق الضمان[24]، أي المسؤولية الموضوعية التي تتأسس على رؤية إنسانية للمجتمع، فإذا كان السبب الأجنبي يُعفي من المسؤولية مما يعني أن المضرور من يتحمل مخاطره، فقد آن الأوان ليتحمله المسؤول الذي يتحصن خلف المؤمن، وهذا ما تقتضيه قواعد العدالة ومقتضيات التضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع[25].






المحور الثاني

دور التأمين في تطور وظائف المسؤولية المدنية


    بدهيٌّ أن أهمية المسؤولية المدنية، لا تظهر بجلاء إلاّ بعد تسليط الضوء على وظائفها[26]، وإن كانت هذه الوظائف قد عرفت تغيراً مهمّاً بفعل تأثرها بعوامل متعدِّدة[27]، أولها؛ التوصل بعد البحث والنظر إلى أن الإنسان ليس بمقدوره أن يقيِّم ويحكم على إنسان آخر مثله[28]، ومنه لم يعد يحتفظ قانون المسؤولية المدنية بأكثر من وظيفتين أساسيتين وهما: تعويض الضرر، والوقاية من السلوك غير الاجتماعي عن طريق الردع، وثانيها؛ يتمثل في رغبة الإنسان في الحصول على الأمان، تلك الرغبة التي نالت اهتماماً متزايداً مع مرور الوقت، ولعل ذلك راجع إلى تزايد الشعور الاجتماعي بقيمة الإنسان، كما قد يرجع إلى أن الإنسان قد أصبح مهدّدا أكثر من أي وقت مضى بسبب الأنشطة الخطرة التي يمارسها الغير[29]، وثالث هذه العوامل وهو الأهم بالنسبة لنا، فيتمثل في تزايد الأضرار الناجمة عن الحوادث، وظهور تأمين المسؤولية من أجل تغطيتها.
   انطلاقا ممّا سبق سنحاول إلقاء الضوء على كيفية تأثُّر وظائف المسؤولية المدنية، سواءٌ التهذيبية (أولا)، أم التعويضية (ثانيا)، بنظام التأمين.

أولا: تأثير التأمين على الوظيفة التهذيبية للمسؤولية المدنية


    يُقصد بالوظيفة التهذيبية تلك الوظيفة التي تؤثر في السلوك الفردي بهدف تحسينه ودفعه إلى الطريق السوي، في ضوء الاعتبارات الاجتماعية السائدة، الأمر الذي يؤدي إلى خفض نسبة ما يمكن أن يترتب عليه من أضرار للغير إلى أدنى حد ممكن، ويساهم بالتالي في توفير الأمن الاجتماعي[30]. وإن كان أحد الفقه[31] قد تناول هذه الوظيفة في ظل تأثرها بنظام التأمين، من زاوية تقليدية بواسطة التركيز على كل من ردع السلوك غير الاجتماعي بالإضافة إلى تهدئة المضرور وإشباع الحاجة للشعور بالعدالة، فإننا لا نجد أفضل من أن نجسِّد لهذه الوظيفة بأبرز صورة لهذا الصنف من المسؤولية المدنية، ويتعلق الأمر بالمسؤولية الناجمة عن الحوادث سواءٌ المرتبطة بالشغل أم بالسير.

      I.            دور التأمين في الوقاية من حوادث الشغل

    يعدُّ التعويض عن حوادث الشغل[32]من بين أكثر المجالات التي عرفت نقاشاً حادّاً، وهو نقاش نشأ اجتماعيا قبل أن يكون قانونياً محضاً. ففي فرنسا على سبيل المثال بلغ فيها عدد الحوادث الجسمانية في فترة معينة ما يقارب مليونين ونصف سنويا، ترتب عنها تعويض يُقدّر بحوالي 4 مليار فرنك[33]، الأمر الذي عجّل بصدور أول تشريع ينظم تعويض حوادث الشغل في فرنسا وذلك في 9 أبريل 1898، ويقضي بمسؤولية رب العمل عن حوادث الشغل، وتفصيل ذلك؛إذا أصيب الأجير أثناء قيامه بالعمل أو بسببه استحق تعويضاً جزافياً يقدَّر على أساس أجرهِ، وذلك بغض النظر عن خطأ المشغل أو تابعيه، بل إن التعويض يُمنح للأجير ولو كان الحادث قد نشأ عن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي ولا يُعفى رب العمل من الالتزام بالتعويض إلاّ إذا أثبت الخطأ العمد من جانب الأجير المصاب، وفي مقابل ذلك لا يجوز للأجير أن يترك هذا التعويض الجزافي من أجل المطالبة بالتعويض الكامل على أساس القواعد العامة للمسؤولية المدنية إلاّ إذا أثبت وجود خطأ عمدي من جانب المشغل، أمّا إذا بلغ خطأ المشغل أو من يمثله درجة الخطأ الذي لا يُغتفر faute inexcusable فإن ذلك يمنح الحق للأجير المصاب في المطالبة بتعويض إضافي علاوة على التعويض الجزافي المنصوص عليه قانوناً[34].
   هذه المعطيات كلها أدّت بأرباب العمل إلى التوجه نحو تأمين مسؤوليتهم المنجرة عن حوادث الشغل قبل أن يضحى هذا التأمين إجبارياً[35]، وإن كناَّ –بالنسبة للتشريع المغربي- سنغض الطرف عن تفاصيل هذا التأمين، على اعتبار أن ما يشغلنا في هذا الحيز هو دور هذا التأمين في الوقاية من هاته الحوادث، فإن هذا الأخير ملامحه ليست واضحة لا في مدونة الشغل[36] ولا في القانون رقم 18.12، ولكن رغم ذلك فإنه من المنطق عملياً أن يدرج أرباب العمل بعض البنود داخل الأنظمة الأساسية للمقاولات يلزمون من خلالها الأجراء باتخاذ الاحتياطات الوقائية اللازمة، كالوقاية من أخطار التيار الكهربائي والوقاية من أخطار الحرائق، والوقاية من أخطار السقوط، ومخاطر الآلات... ويبدو أن هذه الخطوة يتخذها أرباب العمل من أجل تفادي تحمل المسؤولية شخصيا أو على الأقل تفادي الرجوع عليهم بالضمان من قِبل مقاولات التأمين[37].

  II.            دور التأمين في الوقاية من حوادث السير

    حوادث السير[38] بدورها لا تقل خطورةً وضرراً عن حوادث الشغل[39]، لذلك كان بدهياً أن تخضع هي الأخرى لتطور هائل، وأن تكتسي حيزاً مهمًّا من الأهمية والنقاش.
   ففي فرنسا تم اللجوء إلى التأمين من هذه المسؤولية الناتجة عن هذا الصنف من الحوادث تلقائيا، نظراً للمخاطر الجسيمة المترتبة عنها[40]، قبل أن يتولى المشرع الفرنسي إصدار عدة مراسيم[41] نصت على إجبارية التأمين من المسؤولية المدنية المترتبة عن عمليات النقل العام للمسافرين بواسطة السيارات وذلك بالنسبة للحوادث الجسمانية التي تصيبهم، ثم جاء بعد ذلك قانون التأمين الإجباري الصادر في 27 فبراير 1958، ليُفرض على كل شخص سواء كان طبيعياً أم اعتباريا استخدم عربة ذات محرك تسير على الأرض[42].
   أما بالنسبة لواقع الحال بالمغرب[43] فقد أقرّ المشرع إلزامية التأمين على العربات ذات المحرك بمقتضى ظهير 20 أكتوبر 1969[44]،قبل أن يُنسخ بمقتضى مدونة التأمينات[45] (المواد من 120 إلى 132)، إضافة إلى القرار المتعلق بالشروط النموذجية العامة لعقود التأمين من المسؤولية المدنية الناتجة عن الحوادث التي تتسبب فيها العربات ذات محرك[46].
   وفي خِضم هذا التنظيم التشريعي حُقّ لنا أن نتساءل عن أي دور يمكن أن يضطلع به نظام التأمين من المسؤولية المدنية للوقاية من حوادث السير؟
   ولكن قبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل المحوري، لابد وأن نتعرض له من زاوية أخرى، متمثلة في وضع التأمين موضع عامل في علاقته بحوادث السير، ومن ثم الوقوف على طبيعة ودور هذا العامل نسبة إلى هذه الحوادث. من هذا المنطلق قد يبدو للبعض أن التأمين من المسؤولية المدنية يساهم بنسبة مهمة في مضاعفة حوادث السير لأنه يشجع على التقصير والإهمال، ما دام أن المسؤول كما رأينا سابقاً يختفي خلف المؤمن[47]. ولكن من وجهتنا ليس بالضرورة أن يكون هذا الطرح صائباً، فكما ذهب إلى ذلك أحد الفقه[48]يظل القول بأن تأمين المسؤولية يدمِّر فاعلية المسؤولية المدنية قولا بغير أساس، لأنه من ناحية لا يوجد ما يدعو للظن بأن المسؤولية-ولو كانت موضوعية- بفرض عدم وجود تأمين المسؤولية، سوف تحسن شيئا من طريقة وأسلوب قيادة العربة، ومن ناحية أخرى فقد لوحظ بحق أن الحادثة في الغالب الأعم تنشأُ بغيرِ إرادة المسؤول، وبطريقة مفاجئة.
   وبالنسبة للإجابة عن التساؤل السابق فيمكن إجمالها في نقطتين، فأما الأولى فتتعلق بالتزام الوقاية من الحوادث المُلقى على عاتق أي مؤمَّن له، وهو التزام عام وشامل يُقصد منه اتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة خطر داهم، ويطلق عليه كذلك الالتزام بتلافي الأضرار أو على الأقل العمل على الحد من هذه الأضرار[49]، وأما الثانية فتتمثل في نظام الأفضلية الذي يحظى به السائق المنضبط، ويُطلق عليه كذلك نظام التخفيض من قسط التأمين (System Bonus)، حيث كلما تأكّد خلو السجلات العدلية والقضائية للسائق من أخطاء ومخالفات قانون السير[50] لعدد معين من السنوات إلاّ واستفاد من هذا التخفيض[51]، وذلك عن طريق ضرب القسط المحتسب في معامل التخفيض[52]، وهذا يعدُّ تفضيلا للسائق المنضبط عن غيره من السائقين المتهورين، ومقابل ذلك فإن السائق الذي تتكرر مخالفاته لقواعد السلامة الطرقية عادة ما يُدرج ضمن قائمة السائقين سيئي السمعة(System Malus)، الذين تُحملهم شركات التأمين أداء أقساط إضافية تتناسب مع حجم المخالفات الصادرة عنهم[53].

ثانيا: تأثير التأمين على الوظيفة التعويضية للمسؤولية المدنية


    رغم أن المسؤولية المدنية انبثقت من رحم المسؤولية الجنائية، الأمر الذي جعل فكرة العقوبة الجنائية تتخلل لفترة طويلة فكرة التعويض المدني[54]، إلاَّ أن المسؤولية المدنية منذ تفرعها واستقلالها عن نظيرتها الجنائية، أضحت تلعب دوراً آخر وتؤدي وظيفة مغايرة، والتي تتمثل في تعويض المضرور وليس عقاب المسؤول، وهذا الهاجس –أي ضمان التعويض للمضرور- كان له دور كبير في تطور قواعد المسؤولية، ومن بين تمظهرات هذا التطور، التوجه نحو إجبارية التأمين وتعميمه، والإقرار بجماعية التعويض.
   من هذا المنطلق نرى أنه من المناسب التطرق- ولو بإيجاز- للسياق الذي تم فيه الانتقال بالمسؤولية عن تعويض الأضرار من الفردية إلى الجماعية مركزين على دور التأمين في ذلك، قبل الانتقال للحديث عن صناديق الضمان كنتاج وثمرة لهذا التوجه.

      I.            دور التأمين في التوجه نحو جماعية المسؤولية

    إن هاجس ضمان توفير ذمة مالية للمضرور تلتزم بالتعويض تجاهه لعب دوراً مهما في الانتقال بالمسؤولية عن تعويض الأضرار من الفردية إلى الجماعية، بحيث يجد المضرور دائماً ذمة جماعية تلتزم بمنحه التعويض إلى جانب المسؤول أو بدلا منه[55]، ومن تمظهرات التوجه نحو جماعية التعويض إلى جانب الإقرار بمسؤولية الدولة[56]، التأمين من المسؤولية المدنية، ولا شك أن هذا التأمين لن يؤتي ثمرته المرجوة في حماية المضرور إلاّ إذا اتجهنا حثيثا إلى تعميم نظام التأمين الإجباري ليشمل مرافق الحياة كافة-وهو ما اتجه إليه العالم في وقتنا الحاضر-، ذلك أنه في كل مرة يتسع فيها نطاق التأمين يتجه القضاء تلقائيا إلى التوسع في المسؤولية اللاخطئية، فليس بمقدور هذه المسؤولية الاستمرار أو حتى الصمود دون أن يقف بجوارها التأمين، ومنه فازدهار التأمين وقيام الضمان الاجتماعي كان له أثر فعال في اتساع المسؤولية المدنية[57].
  والملاحظ حسب أحد الفقه[58] أن ظهور التأمين قد عاصر في نفس الوقت تطور المسؤولية المدنية، ففي سنة 1870م بدأ نظام التأمين من المسؤولية يقتحم شيئاً فشيئا الواقع الفرنسي، وانطلاقاً من نفس السنة بدأت المفاهيم الخاصة بالمسؤولية التقليدية تتغير، ولعل الحكم الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 18 يونيو 1896 الذي قرّر المسؤولية عن فعل الأشياء لأول مرة في فرنسا وأقامها دون خطأ، ما كان ليصدر إلا بسبب ازدهار التأمين.
  ويُعزي أحد الفقهاء الفرنسيين[59] الاتساع والتطور المستمر الذي يعيشه نطاق المسؤولية المدنية بشكل شبه كلي للتأمين، إذ يرى أن العبء النهائي للتعويض-بوجود التأمين- يقع على عاتق الجماعة وليس على عاتق الفرد، لأن دعوى التعويض لا تُمارس عادة ضد المسؤول النظري، وإنما ضد شركة التأمين التي تغطيه "المسؤول الفعلي"، ومن هنا فإن القاضي الذي يتردد في أن يدين الشخص العادي خشية أن يصيبه ذلك "بالخراب" لن يتردد في ذلك بالنسبة لشركة التأمين، فالدعوى المباشرة المقرَّرة للمضرور تجاه المؤمن ليست في الواقع سوى مظهر للفكرة بأن يصبح المؤمن المدين الحقيقي للمضرور، ومنه فإن الشخص الذي يؤمن اليوم على مسؤوليته يكون قد اشترط بفعل ذلك للمضرورين أكثر ممّا اشترط لنفسه، وهكذا فإن تقدم المسؤولية وكذا التأمين مرتبطان بطريقة وثيقة غير قابلة للانفصام.
  فالعلاقة إذن أصبحت وطيدة بين نظام التأمين و المسؤولية، وتتمثل هذه العلاقة في سباق بينهما، حيث كلما اتسعت دائرة المسؤولية، يرافقها بالضرورة اتساع لنطاق التأمين، إذ يتحصن المسؤول خلف المؤمن ليؤمن عنده مسؤوليته الواسعة ويدرأ عنه خطر التزامه بدفع التعويض، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فكلما اتسع نطاق التأمين إلاَّ ووجد القضاء في ذلك خير دافع إلى التوسع في المسؤولية ومحو أهمية الخطأ فيها، ولا شك أن الغاية من ذلك في النهاية هي حماية المضرور[60].

  II.            صناديق الضمان

    إن بروز أنظمة معينة للتعويض[61] ما هو إلاّ نتاج لتطور أحكام المسؤولية المدنية و الشعور بالحاجة الملحة لضمان تعويض المضرور[62]، وفضلاً عن هذه الأنظمة فإنّنا نلحظ وجود عدة آليات متمثلة أساساً في صناديق ما وُجدت إلاّ لتضمن تعويض المضرورين مكرِّسة بذلك توجه الدولة نحو الإقرار بجماعية التعويض، ومن أبرز هذه الصناديق نجد، صندوق الضمان الخاص بضحايا حوادث الشغل[63]، الذي يتولى تسييره الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين[64]، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (1)[65] وكذا صندوق الضمان الخاص بضحايا حوادث السير (2).
1 – الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: إن قراءة واحدة للجزء الخامس من ظهير 27 يوليوز 1972 كما تم تعديله وتتميمه، المعنون ب" التعويضات"(الفصول من 32 إلى 70) ولاسيما الباب الأول منه المتعلق بالتعويضات اليومية عن الأمراض أو الحوادث[66]، وكذلك الفرع الثاني من الباب الثالث من القرار الوزاري ل 20 مايو 2013 المصادق بموجبه على القانون الداخلي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى المواد من 163 إلى 166 من القانون رقم 18.12، كفيلة للوقوف على مدى حرص المشرع المغربي على ضمان التعويضات عن الحوادث التي تلحق الضرر بشريحة هي في حاجة إلى الحماية أكثر من غيرها ألا وهي فئة الأجراء.
  ولكن ما يمكن أن يؤاخذ على المشرع بخصوص هذه المسألة هو التشتت غير المبرَّر للنصوص القانونية المنظمة لها، حيث سيكون من المستحسن لو تدخل لتجميعها في مدونة واحدة.
2 – صندوق ضمان حوادث السير[67]: المنظمة أحكامه بمقتضى القسم الثالث من الكتاب الثاني من مدونة التأمينات (المواد من 133 إلى 157). وإذا استدعينا المادة 134 من هذه المدونة سنجدها تنص في الفقرة الأولى منها على ما يلي:" يتحمل صندوق ضمان حوادث السير التعويض الكلي أو الجزئي للأضرار البدنية التي تسببت فيها عربة ذات محرك غير مرتبطة بسكة حديدية أو بواسطة مقطوراتها أو شبه مقطوراتها وذلك في الحالة التي يكون فيها الأشخاص المسؤولون عن هذه الحوادث مجهولين أو غير مؤمَّنين وغير قادرين على تعويض الضحايا بسبب عسرهم".
    ويذهب أحد الفقهاء الفرنسيين[68] إلى أن صندوق الضمان لا يضمن الضحية إلا بشكل احتياطي، وفي ذلك يختلف عن مؤسسة الضمان الاجتماعي، التي تتحمل على عاتقها جميع الأضرار المادية التي تلحق الشخص غير المعوَّض، كما أن هذا الصندوق ليس بمثابة مؤمن، حيث لو تعدّد المتسببين في الحادثة مثلا وكان أحدهم معسر والآخر موسر، فإن عبء التعويض لا يقع على عاتق صندوق الضمان، وإنما على كل شخص موسر من هؤلاء المسؤولين[69].







تم بحمد الله وتوفيقه





[1] Geneveive Viney, Droit civil (Introduction a la responsabilite), 2eme edition, L.G.D.J. 1996.
[2] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مصادر الالتزام، المجلد الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، ص: 768.
-          [3] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، حقيقة أزمة المسؤولية المدنية ودور تأمين المسؤولية، مكتبة الجلاء الجديدة، المنصورة، 1993، ص:29.
[4] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور، ص: 29.
[5] مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول، مصادر الالتزامات، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص:434. وقد عدّد المشرع المغربي مختلف فئات الأشخاص الذين يمكن مساءلتهم عن فعل الغير في الفصل 85 ق.ل.ع.
[6] Civ: 4 oct>1973, D. 1974, somm. P.6.j.c.p.1973, 395.
-أورده، محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور، ص: 83.
[7] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، نفس المرجع والموضع.
[8] محمد الهيني، تأثير نظام التأمين على قواعد المسؤولية المدنية، مجلة المناهج القانونية، عدد مزدوج 13-14، 2009، ص:90.
[9] وخاصة الفقيه تانك Tunc، أنظر مشروعه لدى: حسن الفكهاني، موسوعة القضاء والفقه للدول العربية، الجزء التسعون، 1400ه-1980م، ص: 636 وما بعدها.
[10]  وهو قانون 19/04/1898 الذي ينظم حوادث الشغل التي تصيب العمال في المجال الصناعي، وقد عرف هذا القانون فيما بعد توسعا سواء من حيث الوقائع أو من حيث الأشخاص الخاضعين لأحكامه، وقد أُسس هذا القانون على نظرية المخاطر.
-          Voir: Philippe le Tourneau, Droit de la responsabilite, DALLOZ action, 1996, p : 42
-          أورده محمد الهيني، نفس المرجع والموضع.
[11] الظهير الصادر في 25 ذي الحجة 1345 الموافق 25 يونيو 1927 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، المغير بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.60.223 الصادر بتاريخ 06/02/1963 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 2629 الصفحة 530. والذي تم نسخه بمقتضى القانون رقم 18.12 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ 2015-01-22.
[12] أمال جلال، مسؤولية المؤاجر عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، كلية الحقوق بالرباط، سنة 1975، ص: 8.
[13] محمد الهيني، نفس المرجع، ص: 91.
[14] وفي هذا الصدد يقول المرحوم السنهوري: لقد تطورت المسؤولية عن الأشياء غير الحية (chose inanimees)، تطوراً سريعاً منذ بداية القرن العشرين. فقد كانت بادئ الأمر قائمة على أساس وجوب إثبات خطأ في جانب المسؤول. ولم يفكر واضعوا التقنين المدني الفرنسي في تخصيص قاعدة لهذا النوع من المسؤولية، بل إن المشرع الفرنسي عندما قرر المسؤولية عن فعل الأشياء،فإنه لم يقصد بذلك إلا الحالتين اللتين نص عليهما، وهما المسؤولية عن الحيوان والمسؤولية عن البناء، أما سائر الأشياء غير الحيوان والبناء، فمما لا ريب فيه أن المشرع الفرنسي لم يرد أن يستثنيها من القاعدة العامة المقررة لمسؤولية الانسان عن فعله الشخصي. وكان لتقدم المخترعات الحديثة وقيام الصناعات الكبيرة ووسائل النقل السريعة، وتسخير الإنسان للقوى الطبيعية لخدمته ورفاهته الأثر البالغ في تطور المسؤولية عن الأشياء، ومن ثم تحول أساس هذه المسؤولية من الخطأ الواجب الإثبات إلى الخطأ المفترض في جانب الحارس، وهذا الأساس الجديد بدوره خضع لتطور مستمر منذ= = مستهل القرن العشرين، فقد كان افتراض الخطأ بادئ الأمر قابلا لإثبات العكس، ثم أصبح غير قابل لذلك، وكان الخطأ المفترض مقصوراً على الأشياء المنقولة، ثم جاوزها إلى العقار، وكان يُستثنى من دائرة الخطأ المفترض الأشياء التي يحركها الانسان كالسيارات ونحوها، ثم عُممت القاعدة فشملت جميع الأشياء، وكان هناك تفريق بين الشيء الخطر، يكون الخطأ فيه مفترضاً، والشيء غير الخطر، يُطلب فيه إثبات الخطأ، ثم زالت هذه التفرقة... ولا يُعرف بين النظريات القانونية نظرية تطورت بالسرعة والخطورة التي تطورت بها نظرية المسؤولية عن الأشياء، فقد انقلبت في بضع عشرات من السنين إلى النقيض مما قصده المشرع. ولا شك أن المحاكم الفرنسية كان قضاؤها قضاء اجتهاد لا قضاء تفسير، وهي قد تمشت في ذلك مع النصوص القانونية كما قصد إليه المشرع وقت وضع التشريع، بل مع ما جدّ من الحاجات الاقتصادية. وأيد الفقه القضاء في ذلك، وتضافر كلاهما على وضع أسس لنظرية جديدة تكون أكثر انطباقاً على مقتضيات المدنية بعد تطور الصناعة وتقدم المخترعات.
-          أنظر: عبد الرزاق السنهوري، الوسيط، مصادر الالتزام،  مرجع مذكور، ص: 1220 وما بعدها.
-          أنظر كذلك: مأمون الكزبري، مرجع مذكور، ص: 475 وما بعدها.
[15] محمد الهيني، مرجع مذكور، ص: 87.
[16] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور، ص: 81.
[17] نفس المرجع، ص: 82.
[18] ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913).
[19] أنظر قرار المجلس الأعلى رقم 600 صادر بتاريخ 31/12/1975، رابطة القضاة، العددان 6و7، ص: 85. أشار إليه محمد الهيني، مرجع مذكور، ص: 87.
[20] مثلا: - قرار المجلس الأعلى رقم 207 صادر بتاريخ 23/06/1971، مجموعة قرارات المجلس الأعلى في المادة المدنية، جزء أول، ص: 648.                                                                                                                                                     
-           قرار المجلس الأعلى صادر بتاريخ 23/04/1969، مجموعة قرارات المجلس الأعلى في المادة المدنية، جزء أول، ص: 545.
-           قرار المجلس الأعلى صادر بتاريخ 07/06/1978، مجلة المحاماة، عدد 14، ص: 183.


[21] يُذكر أن التأمين قد أثر حتى على مفهوم حراسة الشيء، وساهم بشكل كبير في الانتقال من نظرية الحراسة القانونية إلى نظرية الحراسة الفعلية، للمزيد من التفاصيل أنظر، محمد الهيني، مرجع مذكور، ص: 96.
[22] منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 20، ص: 10. أورده محمد الهيني، نفس المرجع، ص: 88.
[23] محمد الهيني، نفس المرجع والموضع.
[24] محمد حسين منصور، المسؤولية عن حوادث السير والتأمين الإجباري منها، دار الجامعة الجديدة للنشر، 2003، ص: 14.
[25] محمد الهيني، مرجع مذكور، ص: 90.
[26] جدير بالذكر أن هذه الوظائف لم تعد كما نشأت تأصيلا، حيث كانت تؤدي المسؤولية المدنية-تنظيراً- وظائفاً خمس وهي: معاقبة المذنب وانتقام المضرور، وتعويضه، وإعادة ترتيب النظام الإجتماعي، والوقاية من السلوك غير الاجتماعي. أنظر في تفصيل ذلك: محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور،ص: 100 وما بعدها.
[27] نفس المرجع،ص: 101
[28] أنظر في مشروع الأستاذ تانك Tunc الذي أورده حسن الفكهاني، مرجع مذكور،ص: 636 وما بعدها.
[29] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، نفس المرجع،ص: 102
[30] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، نفس المرجع،ص:103.
[31] نفس المرجع والموضع
[32] يذكر أن أحكام التعويض عن حوادث الشغل كانت منظمة بمقتضى ظهير 1963-06-28 والآن تم نسخه بمقتضى القانون رقم 18.12 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ 2015-01-22.
[33] حسن الفكهاني،مرجع مذكور،ص: 601.
[34] حسن الفكهاني،مرجع مذكور،ص: 601.
[35] بالنسبة للتشريع المغربي، أنظر المادة 29 من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل.
[36] القانون رقم 65.99 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 13 شوال 1424 (8 ديسمبر 2003)، ص 3969. وإن كان جدير بالتسجيل أن المدونة قد ألمحت إلى هذا الجانب الوقائي حين اعتبرت في المادة 39 منها أن:" عدم مراعاة التعليمات اللازم اتباعها لحفظ السلامة في الشغل وسلامة المؤسسة ترتبت عنها خسارة جسيمة"، خطأً جسيما موجباً للفصل.
[37] أنظر أحكام هذا الرجوع في المادة 34 من القانون رقم 18.12.
[38] ستظل ذاكرة العالم محتفظة بأول حادثة للسير وقعت في التاريخ بعد اكتشاف العربات البخارية حين سقطت أول ضحية من حوادث السير بمدينة لندن البريطانية بتاريخ 17/08/1896، ويتعلق الأمر بسيدة تُدعى "بريدجيت دريسكول" البالغة من العمر 44 سنة وهي أم لطفلين عندما دهستها سيارة كانت تسير بسرعة ثمانية أميال في الساعة (حوالي 8,12 كلم)، إثر ذلك أعلنت صحيفة لندنية بأن ما حدث يجب ألاّ يتكرر مرة أخرى، إلا أن تلك السيدة لم تكن في الواقع سوى الضحية الأولى التي ستعقبها ملايين من الضحايا الأخرى في الفترة الزمنية الممتدة ما بين تاريخ وقوع هذه الحادثة والحاضر المُعاش حاليا. أنظر بتفصيل: عبد القادر العرعاري، ظاهرة تنامي حوادث السير بالمغرب بين الواقع والقانون، دراسة على ضوء مدونة السير الجديدة. وجهة نظر خاصة في مادة القانون المدني المعمق بين الفقه والقضاء، الطبعة الأولى، منشورات دار الأمان، مطبعة الأمنية- الرباط، 2010، ص: 77 وما بعدها.
[39] ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا تسببت حوادث السير عام 1970 في خمسين ألف قتيل ومائتي ألف جريح، أنظر مقال Jean Ripoll بعنوان "حول مشروعات أمريكية بالتعديل في موضوع حوادث السيارات"، أورده حسن الفكهاني،مرجع مذكور، ص: 616.
[40] حسن الفكهاني،مرجع مذكور ، ص: 617.
[41] وهي: دكريتو 25 فبراير 1935، دكريتو 25 فبراير 1938، ودكريتو 12 يناير 1939.
[42] حسن الفكهاني، نفس المرجع والموضع.
[43] يعتبر المغرب من البلدان التي تعاني بشدة من ظاهرة تنامي حوادث السير، وللإطلاع بتفصيل على إحصائيات تنامي هذه الظاهرة، يُراجع:  عبد القادر العرعاري، المسؤولية المدنية، الطبعة الثالثة، منشورات دار الأمان، مطبعة الأمنية- الرباط، 2014، ص: 244 وما بعدها.
[44] الظهير الشريف رقم 1.69.100 الصادر في 8 شعبان 1389 (20 أكتوبر 1969) المتعلق بالتأمين الإجباري للسيارات عبر الطرق. وقبل هذا التاريخ كان التأمين على حوادث العربات البرية في عهد الحماية منظماً بمقتضى القرار الوزيري المؤرخ في 13 شعبان 1360  (06/08/1941) المتعلق بمراقبة الدولة لمقاولات التأمين وإعادة التأمين والرسملة.
[45] تنص المادة 120 من مدونة التأمينات على ما يلي:"يجب على كل شخص طبيعي أو معنوي يمكن أن تثار مسؤوليته المدنية بسبب الأضرار البدنية أو المادية اللاحقة بالأغيار التي تسببت فيها عربة برية ذات محرك غير مرتبطة بسكة حديدية أو بواسطة مقطوراتها أو شبه مقطوراتها أن يغطي هذه المسؤولية بعقد تأمين مبرم مع مقاولة للتأمين وإعادة التأمين".
[46] قرار رقم 857.05 صادر بالجريدة الرسمية عدد 5352، بتاريخ 10 شعبان 1426 (6 سبتمبر 2005). ويُذكر أن هذا القرار قد نسخ قرار 25 يناير 1965 المتعلق بتحديد الشروط النموذجية العامة لعقود التأمين على السيارات.
[47] وبسبب ذلك لاقى هذا الصنف من التأمين في بدايته إعتراضات شديدة أكثر من أي صنف آخر. أنظر عبد الرزاق السنهوري، الوسيط، عقود الغرر وعقد التأمين، مرجع مذكور، ص: 1643.
[48] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور، ص: 109.
[49] الحاجي بناصر، دور قانون التأمين في الوقاية من الحوادث، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد 1988.18، ص: 135.
[50] المنظمة أحكامه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.10.07 صادر في 26 من صفر 1431 (11 فبراير 2010 )، بتنفيذ القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5824- 8 ربيع الآخر 1431 ( 25 مارس 2010).
[51] أنظر المادة 19 من القرار المتعلق بالشروط النموذجية العامة للعقود المتعلقة بتأمين المسؤولية المدنية عن العربات ذات المحرك.
[52] ومعامل التخفيض يختلف باختلاف نوعية التأمين والمدة التي حافظ فيها السائق على سجله نقيا من المخالفات.
[53] عبد القادر العرعاري، المسؤولية المدنية، مرجع مذكور، ص: 272.
[54] محسن عبد الحميد إبراهيم البنة، مرجع مذكور، ص: 10.
[55] حسن الفكهاني، مرجع مذكور، ص: 567.
[56] سواء فيما يتعلق بمسؤوليتها عن الخطأ المرفقي وهو ما يقع على عاتقها وحدها، أم ما هو مرتبط بمسؤوليتها عن الخطأ الشخصي لتابعيها وهو ما تسأل عنه على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، بل إن الدولة تسأل عن الأضرار التي تسببها للأفراد في بعض الحالات دون أن ينسب إليها أي خطأ. أنظر حسن الفكهاني، نفس المرجع والموضع.
[57]   حسن الفكهاني، مرجع مذكور، ص: 568.
[58] نفس المرجع، ص: 572.
[59] سافاتييه، مقال بعنوان:" نحو اجتماعية المسؤولية والتبعات الفردية"، أورده حسن الفكهاني، نفس المرجع ، ص: 586.
[60] طه عبد المولى إبراهيم، مشكلات تعويض الأضرار الجسدية في القانون المدني في ضوء الفقه والقضاء، الطبعة الأولى، 2000، دار الفكر والقانون، ص: 330.
[61] ومن بين هذه الأنظمة في التشريع المغربي، القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، وظهير 02 أكتوبر 1984 المتعلق بالتعويض عن حوادث السير.
[62] دون إغفال اعتبارات اقتصادية أخرى عجَّلت بصدور هذه الأنظمة (خاصة في مجال النقل)، ودون الخوض كذلك في كيفية الانتقال من التعويض الكامل إلى التعويض العادل، وما إذا كان هذا التعويض "العادل" بالفعل عادلا.
[63] المُحدث بمقتضى الظهير الشريف الصادر في 25 يونيو 1927.
[64] أنظر المادة 47 من القانون رقم 18.12
[65] المُحدث بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.72.184 جمادى الثانية 1392 (27 يوليوز 1972) المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3121  بمثابة قانون يتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، كما تم تغييره وتتميمه بمجوعة من القرارات آخرها قرار وزير التشغيل والتكوين المهني رقم 1148 صادر بتاريخ 20 مايو 2013 المُصادق بموجبه على القانون الداخلي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
[66] حيث ينص الفصل 32 من هذا الظهير على:" أن المؤمن له الذي يوجد في حالة عجز بدني يمنعه من استناف العمل ويثبته بصفة قانونية طبيب معين أو مقبول من لدن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يستفيد من تعويضات يومية..."
[67] يُذكر أن المشرع المغربي قد أحدث بداية صندوق مال الضمان بمقتضى ظهير 22 فبراير 1955 والذي كان يقتصر تطبيقه المكاني على المنطقة الجنوبية فقط، قبل أن يتم تعميمه ليشمل المنطقة الشمالية وباقي مناطق المملكة، وذلك بموجب ثلاث نصوص قانونية وهي؛ الظهير الشريف المؤرخ في 15 ماي 1958، والظهير المؤرخ في 19 يناير 1990، والقرار المشترك لوزير المالية ونائب الدولة في الفلاحة بتاريخ 4 نونبر 1958.
  هذا وقد نص الفصل الأول من هذا الظهير على أنه:" ينشأ صندوق ضمان لفائدة ضحايا حوادث ناتجة عن سيارات من أجل القيام بتعويض كليا أو جزئيا الأضرار الجسمانية الناتجة عن السيارات، بما فيها الدراجات ذات محرك، أو الناتجة عن مقطوراتها والتي تسير على الأرض باستثناء العربات التي تنتقل على السكة، وذلك في حالة ما إذا كان الأشخاص المسؤولين عن هذه الحوادث مجهولين أو عاجزين عن تعويض الضحايا بسبب عسرهم، واحتمالا بسبب عسر شركات التأمين أو المؤمن الذي أبرم معها ومعه أولئك عقدة التأمين". وهذا ما سارت عليه مدونة التأمينات حين نصت في الفقرة الأولى من المادة 133 منها على أنه :"يُقصد بصندوق ضمان حوادث السير المؤسسة التي أُحدثت بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 28 جمادى الآخرة 1374 (22 فبراير 1955) والتي تنظم بمقتضى الأحكام الواردة في هذا القانون..".
[68] Malaurie Ph. Et Aynes Laurent et Philippe STOFFEL-MUNCK: Droit civil, les obligations, Op.cit ; p: 149.
[69]أنظر: محمد العلمي، المسؤولية والتعويض عن حوادث السير بين حماية المضرور والمصالح الاقتصادية لمقاولات التأمين، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- وجدة، 2011/2012.