2.07.2017

إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان د.فائق محمود الشماع

إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان   د.فائق محمود الشماع







إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان   د.فائق محمود الشماع



إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان   د.فائق محمود الشماع


إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان

د.فائق محمود الشماع

المقدمة

خطاب الضمان تعهد مصرفي خاص واسع الإنتشار نظرا لما يرتبه من مزايا تستجيب بفاعلية مطلقة لضمان حقوق دائن يخشى اخفاق مدينه. ورغم شيوع هذا النشاط المصرفي، فإنه تصرف حديث الظهور كنظام قانوني مقارنة بنظام الكفالة الذي يرتقي تاريخيا إلى عصور قديمة والذي كثيرا ما يتم اللجوء إليه من خلال المصارف كفيلا ضامنا مليئا وفي أغلب الأحيان متضامنا، الآمر الذي صار سببا للخلط بين الكفالة وخطاب الضمان، رغم خصوصية إلتزام المصرف بموجب الضمان من حيث المصدر والماهية والخصائص القانونية كما سيأتي بيانه في أدناه تباعا، وكالآتي:

أولا - مصدر إلتزام بموجب خطاب الضمان.
تجدر الإشارة ابتداء إلى أن الحاجة إلى خطاب الضمان تظهر عندما يجد الشخص نفسه ملزما بتقديم ضمان مصرفي إلى شخص آخر كي يقبل هذا الأخير منحه أجلا أو مزية كالتعاقد معه أو السماح له بالمشاركة في مناقصة ... أو غير ذلك، إذ   يلجأ المطلوب منه الضمان إلى المصرف ليبرم معه عقد اعتماد بالضمان يتفق بموجبه على أن يقوم المصرف بإصدار خطاب ضمان لمصلحة مستفيد معين وفق شروط يحددها العقد المذكور.

وتنفيذا لعقد الإعتماد بالضمان، يبادر المصرف بإصدار خطاب الضمان الذي يعد أهم صور الإعتماد المصرفي لما يرتبه من مزايا فاعلة لأطرافه: فخطاب الضمان، بالنسبة للآمر بإصداره، يعد بديلا عن التأمينات النقدية يوفر ضمانه قطعية صادرة عن مصرف يتمتع بسمعة تجارية وملاءة مالية فضلا عن الطبيعة الخاصة لإلتزام المصرف بموجب هذا الخطاب الذي تضمن الحصول على مبلغه عند الإقتضاء بمجرد الطلب ودون اللجوء إلى إجراءات قضائية، وأما بالنسبة للمصرف المصدر لخطاب الضمان، فإن هذا الأخير يعد مصدرا لأرباح تتمثل بالعمولات والفوائد التي يتقاضاها المصرف من المتعاملين معه، فضلا عن أن هذا الخطاب قد لا يحظى بالتنفيذ أصلا وإن نفذ فإن المصرف سيرجع بما يؤدي على الآمر بإصداره.

وإصدار خطاب الضمان، من الناحية المادية، يتمثل بإصدار وثيقة مكتوبة موجهة إلى مستفيد معين بالإسم تتضمن إعلان المصرف المصدر للخطاب تعهده بتسديد المبلغ في الخطاب بدون قيد أو شرط إذا طلب المستفيد منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب مع الإشارة إلى الغرض الذي صدر من أجله هذا الخطاب.
وبالإصدار يترتب، من الناحية القانونية، إلتزام بذمة المصرف تجاه المستفيد المخاطب بالاسم، وهو إلتزام كرسه التشريع العراقي بنص صريح في قانون التجارة (م/287-293)، كما أنه إلتزام خطي بإقرار من القضاء العراقي قبل تقنين أحكام خطاب الضمان بإعتباره عرفاً مصرفياً إذ   قضت محكمة التمييز في عام 1967 بأنه يقصد بخطاب الضمان أن يتعهد البنك بدفع مبلغ معين إلى شخص معين أو جهة معينة بمجرد حصول طلب من المستفيد بالرغم من معارضة العميل (تمييز 1524/ح/67 في 20/4/1968). وجدير بالإشارة إلى أن الإلتزام المذكور يحظى بإقرار من القضاء المصري والقضاء الفرنسي رغم غياب التنظيم التشريعي له، وذلك بإعتباره عرفاً مصرفياً راسخا. (لاحظ. علي جمال الدين عوض / عمليات البنوك من الوجهة القانونية ط 1989 ص569 وما بعدها).

Gavalda  et  stoullet: Leure de garantie international.Rev.trim.comm.1980.

ويؤسس هذا الإلتزام الناشىء عن خطاب الضمان على أساس من إعتبار خطاب الضمان تصرفا قانونيا صادرا من جانب واحد وهو المصرف المصدر للخطاب، حيث يقوم المصرف، من خلال هذا الخطاب، بالتعبير عن إرادته بالإلتزام تجاه المستفيد. وقد إشارت إلى هذا التحليل محكمة التمييز الأردنية في قرار حديث لها حين قضت بأن تعهد البنك بموجب خطاب الضمان منقطع الصلة بإلتزام العميل الآمر لأن البنك يلتزم بإرادته المنفردة إلتزاما مباشرا غير معلق على شرط ودون تحقيق أية واقعة خارجة عن خطاب الضمان. (تمييز حقوق رقم 1522/1996). وجدير بالإشارة إلى أن هذا التحليل يحظى بدعم من الفقه الذي يؤكد بأن البنك يلتزم بإرادته المنفردة وحده (د. صلاح الدين الناهي: أهم القرارات والاجتهادات القضائية ص200) الذي أنشأ هذا الإلتزام بإرادته المنفردة إستنادا إلى النصوص القانونية التي حددت أحكامه وصفته. (د. سميحة القليوبي: النظام القانوني لخطابات الضمان المصرفية).

ويترتب على هذا التحليل، أن المصرف المصدر لخطاب الضمان يعد ملتزما بموجب هذا الخطاب بمجرد إصداره ووصوله إلى علم المستفيد تطبيقا للقواعد العامة في التعبير الإرادي التي تستلزم علم من وجه إليه الخطاب كشرط لإعتبار هذا الأخير مصدر الإلتزام من صدر عنه هذا الخطاب. وهذا هو الذي قضى به القضاء المصري في قرارات عديدة صدرت عن محكمة النقض التي قررت بأن المصرف يلتزم بمجرد إصداره خطاب الضمان ووصوله إلى علم المستفيد والطعن 648 في 30/3/1981 – كذلك الطعن رقم 1189 في 13/3/1984 – نقلا عن جمال الدين عوض ص612). وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية ذلك إذ   قضت بأن لخطاب الضمان خصائص وشروط لا تتوفر في الكفالة المدنية ... أن يكون المبلغ الثابت به مستحقا فور إصداره لخطاب الضمان ووصوله إلى علم المستفيد (تمييز – حقوق / رقم 1038-1989).

صفوة القول، أنه يلتزم المصرف بموجب خطاب الضمان بناء على إرادته المنفردة، ويلتزم المصرف بهذا الخطاب بمجرد إصداره شريطة اتصال علم المستفيد بهذا الإصدار وفي غياب ذلك، فلا إلتزام على المصرف تجاه المستفيد.

ثانيا - ماهية الإلتزام بموجب خطاب الضمان
يعرف خطاب الضمان بأنه تعهد يصدر من مصرف بناء على طلب أحد المتعاملين (الآمر) بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر (المستفيد) دون قيد أو شرط إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب (م/287 تجارة عراقي). ويتضح من هذا التعريف أن إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان يتميز بكونه إلتزاما ذا مضمون نقدي من جهة وذا مدى زمني من جهة أخرى، وذلك وفقا للتفصيل الآتي:

‌أ-       إلتزام ذو مضمون نقدي:
من الثابت بأن إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان هو تعهد بدفع مبلغ معين من النقود. فهو إلتزام نقدي من حيث الماهية ومعين من حيث الكمية.

1.     فالمصرف بإصداره خطاب الضمان لمصلحة المستفيد يتعهد بدفع مبلغ من النقود عند المطالبة القانونية ومن ثم، فإن المصرف لا يلتزم بتنفيذ المشروع المضمون (غرض خطاب الضمان) لأن المصرف ليس بديلا عن العميل الآمر، كما أنه ليس بمدين متضامن مع العميل الآمر تجاه المستفيد. وإنما جل إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان هو تعهده بدفع قيمة نقدية عند المطالبة القانونية. فهو إلتزام منقطع الصلة بكيفية تنفيذ العميل الآمر لإلتزامه تجاه المستفيد. فلا يعتبر ما تعهد المصرف بدفعه تعويضا للمستفيد عن عدم تنفيذ العميل الآمر إلتزامه المضمون (غرض خطاب الضمان) أو إساءة هذا التنفيذ، بل يعتبر إلتزام المصرف بدفع الخطاب مجردا عن إلتزام هذا العميل الآمر بحيث يلتزم المصدر للخطاب بدفع قيمة هذا الأخير أيا كان مقداره مديونية العميل تجاه المستفيد (د. علي جمال الدين عوض ص571).

ومن ثم إذا اعلن المصرف في وثيقة الخطاب الصادر عنه بأن يضمن حسن تنفيذ إلتزام العميل الآمر أو أنه يضمن دين التعويض الذي يترتب في ذمة العميل الآمر، فإن تعهد المصرف في هذه الحالة سيرتبط بإلتزام العميل الآمر ويتوقف إستحقاق إلتزام المصرف على عوامل خارجة عن ذات الخطاب الصادر عن المصرف بحيث لا يلزم المصرف بدفع قيمة الخطاب المذكور إلا إذا ثبتت مديونية العميل الآمر بالشكل الموصوف، ويكون تعهد المصرف عندئذ كفالة عادة نابعة لإلتزام العميل الآمر وخاضعة لأحكام القواعد العامة في الكفالة. وبالعكس يكون إلتزام المصرف المصدر لخطاب الضمان مستقلا عن إلتزام العميل الآمر متى ورد في الخطاب تعهد المصرف دون شرط بدفع قيمة الخطاب عند أول مطالبة قانونية.

2.      والمصرف بإصداره خطاب الضمان لمصلحة المستفيد يتعهد بدفع مبلغ معين المقدار من حيث الكمية، وتلك هي صفة لكل إلتزام إذ   يجب أن يكون معينا أو قابلا للتعيين مستقبلا لذا أجاز قانون التجارة العراقي بأن يتعهد المصرف بدفع مبلغ معين المقدار أو قابل للتعيين مستقبلا كأن يتعهد المصرف بدفع مبلغ محدد يكون حدا أعلى لما يلتزم بدفعه عند المطالبة القانونية.
 وجدير بالإشارة إلى أن ذلك لايعني جواز إصدار خطاب ضمان بدون تحديد قيمة الإلتزام بموجبه تحديدا كميا من حيث المقدار، كأن يتعهد المصرف بأن يدفع قيمة الإخلال   بتنفيذ المشروع المضمون (غرض خطاب الضمان)، لأن في ذلك إرتباطا بين إلتزام المصرف وبين عنصر خارج عن خطاب الضمان نفسه، ومن ثم لا نكون بشأن خطاب ضمان بالمعنى الفني الدقيق، بل نكون بصدد كفالة تخضع لأحكام القواعد العامة لأن إلتزام المصرف يكون متوقفا على إثبات واقعة خارجية. (موفق علي حسين: آثار خطاب الضمان ص21).

‌ب-   خطاب الضمان إلتزام ذو مدى زمني محدد:
لاحظنا بأن المصرف يلتزم بدفع مبلغ معين من النقود إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب (م/287 تجارة عراقي). لذا فإن إلتزام المصرف يبقى قائما لمدة زمنية معينة، فهو إلتزام لمدة غير محددة، إذ   أن في ذلك تعارضا مع أحكام القانون التي تقضي بعدم جواز الإلتزام إلى ما لانهاية. كما أن ذلك يؤدي إلى اعطاء المصرف الحق بإنهاء إلتزامه في أي وقت يشاء بشرط الإخطار في الوقت المناسب (د. علي جمال الدين عوض ص577). كما أن المدة تعد عنصرا مهما لإحتساب عمولة المصرف والفوائد المترتبة له بهذا الشأن. كل هذا يقتضي ضرورة تحديد المدة في وثيقة خطاب الضمان بحيث تكون مطالبة المستفيد خلال هذه المدة يسقط إلتزام المصرف بموجب هذا الخطاب إذ   تعتبر نهاية المدة المحددة في الخطاب حدا أقصى لنفاذ خطاب الضمان دون حاجة إلى إخطار بهذا الشأن ولا اتخاذ أي اجراء آخر وهذا ما جاء في نص المادة (291/أولا) من قانون التجارة العراقي إذ   ورد النص بأن (تبرأ ذمة المصرف تجاه المستفيد إذا لم يصله خلال مدة سريان خطاب الضمان طلب المستفيد بالدفع ...).

ويترتب على ما سبق، وجوب وصول مطالبة المستفيد إلى المصرف المصدر للخطاب خلال موعد اقصاه تاريخ إنتهاء سريان الخطاب. ومن ثم، فإن المستفيد هو الذي يتحمل نتائج تأخير البريد مثلا في حالة وصول المطالبة بعد انقضاء التاريخ المحدد لإنتهاء الخطاب، وذلك حتى لو كان المستفيد قد ارسل المطالبة قبل انقضاء التاريخ المحدد لإنتهاء الخطاب، وذلك حتى لو كان المستفيد قد أرسل المطالبة قبل انقضاء التاريخ المحدد لنفاذية الخطاب، لأن العبرة هي بوصول المطالبة وليس بتاريخ إرسالها أو إصدارها. لذا، يجب أن يكون المستفيد حريصا على مصالحه بحيث يسعى إلى إيصال المطالبة إلى المصرف المصدر للخطاب قبل تاريخ موعد إنتهاء نفاذية هذا الخطاب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة رأيا فقهيا يذهب إلى إمكانية تحديد مدة الخطاب رغم عدم تعيينه في وثيقة الخطاب وذلك من خلال عرض خطاب الضمان، أي العملية المضمونة بهذا الخطاب، فإذا كانت العملية المضمونة مذكورة في الخطاب امتد الضمان إلى وقت انتهائها وظل قائما ما دامت قائمة متى كان هذا المعنى مفهوما من الخطاب (د. علي جمال الدين عوض ص577). وإلا فإن هذا الرأي لا يستقيم مع أحكام القانون العراقي الذي اشترط أن ترد المطالبة بقيمة خطاب الضمان (خلال المدة المعينة في الخطاب) إذ   يفهم من هذا النص لزوم تعيين مدة الضمان في وثيقة الخطاب نفسها.
صفوة القول أنه، يلتزم المصرف بموجب خطاب الضمان بدفع مبلغ نقدي معين خلال مدة سريان الخطاب إذا طلب منه ذلك المستفيد. وبإنقضاء مدة خطاب الضمان، ينقضي نهائيا إلتزام المصرف المصدر له ما لم يتم الاتفاق على تمديده قبل إنقضائه أو تجديده بعد إنتهاء مدته.

ثالثا - الخصائص القانونية للإلتزام بموجب خطاب الضمان.
إن دراسة الطبيعة القانونية للإلتزام الناشىء عن خطاب الضمان تشير إلى تميز هذا الإلتزام بخصائص قانونية هامة تشدد من طبيعته بحيث تمنح المستفيد ضمانا قويا في إقتضاءحقه وبذلك تمكن من أداء خطاب الضمان وظيفته المرتقبة وهي حلول هذا الضمان مقام التأمينات النقدية، لأن من يطلب خطاب الضمان مصرفيا فإنه يبتغي الحصول على ضمانة مطمئنة وكافية كما لو كانت لديه تأمينات نقدية أو افضل من ذلك. وفي ادناه إشارة واضحة لهذه الضمانة الناشئة عن خصائص الإلتزام بموجب خطاب الضمان المتمثلة بكونه إلتزاما أصلياً ومجرداً وقطعيًا على التفصيل الآتي:

‌أ-       خطاب الضمان يرتب إلتزاما أصلياً في ذمة المصرف المصدر للخطاب.
أن إصدار خطاب الضمان يرتب إنشاء   إلتزام مباشر في ذمة المصرف لهذا الخطاب تجاه المستفيد، بمعنى أن إلتزام المصرف في مواجهة المستفيد هو إلتزام أصلي غير تابع لأية علاقة قانونية أخرى تربط المصرف بالعميل الآمر أو بغيره، وذلك بخلاف ما هو مقرر بشأن الكفالة العادية إذ   يترتب على هذه الأخيرة إلتزام تابع يدور مع إلتزام المدين وجودا وعدما في مقداره وفي إستحقاقه وفي بقائه وفي إنقضائه.

ففي ميدان خطاب الضمان، يلتزم المصرف إلتزاما أصلياً غير تابع لإلتزام العميل الآمر من حيث الوجود في مواجهة المستفيد، فالمصرف يلتزم دائما بالخطاب ايا كان مركز العميل الآمر، وايا كان مصير العقد بين العميل الآمر والمستفيد بحيث لا يكون للمصرف التمسك بحق التجريد من خلال رفض التسديد ما لم يتم التنفيذ اولا على اموال العميل الآمر، كما لا يعد التسديد لقيمة الخطاب تعويضا كي يمكن للمصرف من تخفيض قيمة الإلتزام بمقدار الضرر الناشىء من إخلال   العميل الآمر بتنفيذ إلتزامه.

ومن جانب آخر، وتطبيقا للصفة الأصلية للإلتزام بموجب خطاب الضمان، فإن إلتزام المصرف المصدر للخطاب لا يعد تابعا لإلتزام المصرف في مواجهة العميل الآمر بموجب عقد الإعتماد بالضمان بالرغم من أن هذا العقد الأخير هو الذي يعد أساسا لمبادرة المصرف بإصدار خطاب الضمان، وهذا ما ورد في قرار صادر عن محكمة التمييز في العراق إذ   قضت بأن إلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان هو إلتزام مباشر ينشأ في ذمة المصرف قبل المستفيد فيجبره على دفع القيمة ويسلبه حق التمسك بالدفوع المستمدة من علاقات جانبية كالعلاقة بينه وبين الآمر بإصدار الخطاب أو العلاقة بين الآمر والمستفيد (تمييز رقم الاضبارة/727/موسعة أولى/82-1983). وجدير بالإشارة إلى أن هذا الحكم يستند إلى الصفة الأصليةللإلتزام بموجب خطاب الضمان، كما أن هذا الحكم يعد ترجمة لصفة أخرى لهذا الإلتزام كما يأتي.

‌ب-    خطاب الضمان يرتب إلتزاما مجردا في ذمة المصرف المصدر للخطاب.
تقترن الصفة الأصلية لإلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان بصفة أخرى بالغة الأهمية تتمثل بتجرد هذا الإلتزام عن أي علاقة تربط الأطراف ذات الصلة بخطاب الضمان إذ   لا يخضع الإلتزام بموجب هذا الخطاب لأي عنصر من خارج خطاب الضمان نفسه، بمعنى أن إلتزام المصرف المصدر لخطاب الضمان لا يتوقف مضمونه أو مقداره أو إستحقاقه على عنصر خارج عن الخطاب نفسه. فهذا الأخير وحده يحكم العلاقة القائمة بين المستفيد والمصرف المصدر لخطاب الضمان بعيدا عن علاقة المصرف بالعميل الآمر وبعيدا ايضا عن علاقة المصرف بالمستفيد نفسه. وهذا ما إشارت له محكمة التمييز في العراق في قرار قضت بموجبه أن علاقة البنك بالدائن المستفيد، وهي وزارة الدفاع التي صدر خطاب الضمان لمصلحتها، يحكمها خطاب الضمان وحده فهو الذي يحدد إلتزامات البنك ولا يسأل إلا في حدود خطاب الضمان، فلا علاقة لهذا الخطاب بالعلاقة بين البنك وعميله، فهذه ينظمها عقد الإعتماد بينهما، كما لا علاقة لخطاب الضمان بما بين العميل المتعهد وبين رب العمل، وهو وزارة الدفاع، فهذه العلاقة يحكمها عقد المقاولة (تمييز رقم القرار 203/استئنافية/70 في 3/6/1967).

وتجدر الإشارة إلى أن محكمة النقض المصرية قد أكدت المفهوم نفسه حين قضت بأن الأصل في خطاب الضمان لا يتوقف الوفاء به  على واقعة خارجة عنه ولا على تحقق شرط ولا حلول اجل ولا يغير من ذلك أن يرتبط تنفيذه بواقعة ترجع إلى المستفيد من الخطاب (الطعن رقم 1013 في 30/12/1985). كما اكدت محكمة التمييز الأردنية الفكرة لنفسها في قرار حديث تضمن أن تعهد البنك بموجب خطاب الضمان منقطع الصلة بإلتزام العميل الآمر لأن البنك يلتزم بإرادته المنفردة إلتزاما مباشرا غير معلق على شرط ودون تحقق أي واقعة خارجة عن خطاب الضمان (تمييز 1522-1996).

صفوة القول، أنه يلتزم المصرف المصدر لخطاب الضمان إلتزاما مستقلا بذاته ومجردا عن جميع العلاقات الأخرى القائمة بين المعنيين لهذا الخطاب كما إشارت إلى ذلك محكمة التمييز في العراق إذ   قضت بأن العلاقات القانونية الثلاث التي يكوّن خطاب الضمان بين المصرف وعميله، والعميل والمستفيد، والمصرف والمستفيد، هي علاقات منقطعة عن بعضها، ويعتبر إلتزام كل طرف من هذه الأطراف مجردا عن إلتزام بقية الأطراف الاخرى (تمييز رقم القرار 324/هيئة عامة أولى/76 في 19/3/1977). وإعمالا لهذه الصفة المستقلة والمجردة لإلتزام المصرف المصدر لخطاب الضمان، نصت المادة (290) من قانون التجارة العراقي بأنه (لا يجوز للمصرف أن يرفض الاداء للمستفيد لسبب يرجع إلى علاقة المصرف بالآمر أو بالمستفيد أو إلى علاقة الآمر بالمستفيد). وتطبيقا لذلك، قضت محكمة التمييز العراقية بأن خطاب الضمان هو تعهد من المصرف لمصلحة المستفيد يقضي بدفع المبلغ المعين فيه للمستفيد عند الطلب وخلال المدة المعينة فيه دون قيد أو شرط ولا يحق للمصرف رفض الوفاء عند الطلب لأي سبب من الأسباب (تمييز رقم الاضبارة 103/استئنافية/85/86 في 24/1/1987).

وجدير بالملاحظة أن هذه الصفة المستقلة والمجردة لإلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان عن كل الدفوع التي تكون للمصرف تجاه المستفيد، تضفي على الإلتزام الناشىء عن هذا الخطاب صفة خاصة من شأنها تشديد وتغليظ هذا الإلتزام على المصرف طالما يمتنع على المصرف أن يتمسك بالدفوع التي تكون له تجاه المستفيد، الآمر الذي يجعل من هذا الإلتزام أقوى من الإلتزام المترتب في ذمة المصرف في حالة وديعة النقود إذ   يملك المصرف في هذه الحالة الأخيرة التمسك بالدفوع تجاه المودع ومباشرة المقاصة بين إلتزامه بالرد وحقوق المودع بالإسترداد. (د. فائق الشماع: العمليات المصرفية ص).

ثالثا - خطاب الضمان يرتب إلتزاما قطعيا في ذمة المصرف المصدر للخطاب.
إن إصدار خطاب الضمان يرتب في ذمة المصرف إلتزاما نهائيا قابلا للتنفيذ فور مطالبة المستفيد خلال سريان الخطاب بحيث يمتنع على المصرف مناقشة اسباب المطالبة بقيمة خطاب الضمان، بل يجب عليه أن يدفع قيمة الخطاب فور المطالبة دون قيد أو شرطا إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب أن يدفع قيمة الخطاب فور المطالبة دون قيد أو شرط إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب (م/297 تجارة) وبهذا قضت محكمة التمييز في العراق بأن خطاب الضمان هو تعهد من المصرف لصالح المستفيد يقضي بدفع المبلغ المعين فيه للمستفيد عند الطلب وخلال المدة المعينة فيه دون قيد أو شرط ولا يحق للمصرف رفض الوفاء به  عند الطلب لأي سبب من الأسباب (تميز 103/س/85-1986 في 24/1/1987 وكذلك تميز 727/موسعة أولى 82-1983 في 30/7/1984) كما قضت محكمة التميز بأن مصرف الرشيد ملزم بتسديد مبالغ الضمان المدرجة في خطابات الضمان بدون قيد أو شرط عند المطالبة خلال مدة نفاذ الخطاب (تمييز 757/مدنية أولى/1990 في 4/12/1990).

وجدير بالملاحظة إن هذه الصفة القطعية لإلتزام المصرف بموجب خطاب الضمان لا تتناقض مع لزوم المطالبة بقيمة خطاب الضمان، لأن الأصل في وفاء الإلتزامات النقدية هو المطالبة من قبل الدائن لأن الدين النقدي مطلوب غير محمول، كما أن غياب المطالبة تفيد التسامح مع المدين يضاف إلى هذا، أن المطالبة عنصر مذكور في خطاب الضمان الذي يحكم وحدة العلاقة القانونية الناشئة عن هذاالخطاب، محكمة النقض المصرية بتاريخ 30/12/1985 قررت بأن الأصل في خطاب الضمان ألا يتوقف الوفاء به على واقعة خارجة عنه ولا على تحقق شرط أو حلول اجل ولا يغير من ذلك أن يرتبط تنفيذه بواقعة ترجع إلى المستفيد من الخطاب، إذ أن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن خطاب الضمان وان يصدر تنفيذا للعقد المبرم بين البنك وعميله الاان علاقة البنك بالمستفيد الذي صدر خطاب الضمان لصالحه هي علاقة منفصلة عن علاقة العميل يحكمها خطاب الضمان وحده وعباراته هي التي تجدد الإلتزام البنك والشروط التي يدفع بمقتضاها حتى إذا ما طولب بالوفاء في أثناء سريان اجل الضمان وتحققت الشروط وقدمت اليه المستندات وجب عليه الدفع فورا بحيث لا يلتزم إلا في حدود تلك الشروط أو يعتد بغير هذه الإلتزامات. (نقلا عن علي جمال الدين عوض ص549).
الخلاصة

صفوة القول، أن خطاب الضمان يرتب إلتزاما قطعيا في ذمة المصرف بالدفع لدى أول مطالبة خلال نفاذية الخطاب ودون قيد أو شرط من خارج وثيقة الخطاب التي تعد مصدر تعيين إلتزام المصرف بموجب الخطاب بإعتباره إلتزاما أصلياً ومجرداً وقطعياً في آن واحد.