كتب قانونية

12.19.2016

أوّل حكم في تاريخ القضاء التونسي يحرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويحرّم التعامل معه.

أوّل حكم في تاريخ القضاء التونسي يحرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويحرّم التعامل معه.
بسم الله الرحمن الرحيم مرحبا بك في موقعنا، إذا أعجبك الموضوع لا تنسى دعمنا بمشاركته مع أصدقائك لتعم الفائدة، شكرا لك.










حكم صادر بتاريخ 13 مارس 2015 عن دائرة وكيل رئيس المحكمة الابتدائية بسوسة 1 القاضي شكري الفواري، تحت عدد 49646، والقضيّة رفعتها «الجمعية العربية التونسية لمقاومة الامبريالية والصهيونية» ضدّ وكالة وليد للأسفار وهي وكالة خاصة بسوسة.
جاء في الدعوى انّه تمّ نشر اعلان تعتزم من خلاله وكالة الاسفار المعنية تنظيم رحلتين الى القدس ومكة للعمرة بتاريخ 16 مارس 2015، وحسب الدعوى فلقد تبيّن بانّ برنامج الرحلتين سيكون بالدخول الى فلسطين المحتلّة عبر جسر الملك حسين وبالتالي سيكون المرور عبر السلطات الاسرائيلية بالاضافة الى وجوب حصولها على التراخيص الادارية لزيارة المسجد الأقصى، واعتبرت الدعوى أنّ ذلك مخالف للدستور الذي ينص في توطئته على مناصرة حركات التحرّر العادلة وفي مقدمتها حركة التحرر الفلسطينية.
المحكمة بعد أن استمعت الى جميع اطراف القضيّة رأت أن الدعوى أقيمت وفقا للاجراءات القانونية المنصوص عليها بالفصل 201 ومابعده من مجلة المرافعات المدنية والتجارية وممن توفرت فيه الصفة والمصلحة والأهلية، 
ومن جهة الأصل 
رأت انّ مدينة القدس موضوع الرحلة واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ سنة 1967 وهو أمر مثبت في أدبيات وقرارات منظمة الأمم المتحدة بمجلس أمنها وجمعيتها العامة ومجلس حقوق الانسان، وبالتالي فهي تخضع للسلطة السياسية والعسكرية والادارية لاسرائيل، ولا يمكن دخولها الا بعد الحصول على التأشيرات والتراخيص الصادرة من سلطات تلك الدولة، وهو أمر يفترض وجود علاقة رسمية بينها وبين دولة المواطنين الراغبين في دخول القدس الشريف.
كما رأت المحكمة أنّ «الجمهورية التونسية لا تربطها أي علاقة رسمية مع دولة اسرائيل ولا توجد بين الدولتين قنوات اتصال مباشرة» 
كما أن الدولة التونسية لم يسبق لها، الاعتراف بدولة اسرائيل لا من حيث وجودها ولا من حيث شرعيتها، وبالتالي فان تنظيم الرحلتين المطلوب الغاؤهما سيفرض على المواطنين التونسيين المشاركين فيهما التعامل مباشرة مع دولة غير معترف بها من قبل دولتهم بشكل مخالف للقواعد الديبلوماسية والقنصلية وقواعد المعاملة بالمثل.
كما أنّ توطئة الدستور التونسي نصت على مبدأ التزام تونس بالانتصار لحركات التحرر العالمية وفي مقدمتها حركة التحرر الفلسطينية وبمناهضة كل أشكال الاحتلال والعنصرية، وفي الفصل 145 منه على أنّ التوطئة هي جزء لا يتجزّأ من الدستور، وبالتالي فانها تعتبر نصا دستوريا خالصا، ويعتبر الخروج عنها جنوحا عن الدستور.
كما اعتبرت المحكمة أن دولة اسرائيل تمارس الاحتلال على فلسطين ومنها القدس الشريف وتمارس شتى أنواع العنف والقتل ضدّ الفلسطينيين عبر تاريخ حافل بالحروب والاعتداءات التي تسببت في قتل وتشريد الالاف منهم، كما تمارس شتى أشكال التمييز العنصري والاثني عبر العديد من الاجراءات المخالفة للقانون ومنها خاصة اقامة الجدار العازل على طول الضفة الغربية مما أدّى الى تقطيع أوصالها وهي كلها حقائق وممارسات تم توثيقها وادانتها بالعديد من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الانسان والجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي أيضا ممارسات وحقائق تثبت انّ اسرائيل هي دولة احتلال تمارس العنصرية، وبالتالي فان قيام الوكالة، بالنسبة الى المحكمة، بتنظيم رحلتين الى القدس الشريف بوصفها مدينة واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي، رغم أنّ الدولة التونسية لا تعترف بدولة اسرائيل ولا تقيم معها أي علاقة رسمية، ورغم أنّ الفلسطينيين يتعرضون لشتى أنواع القتل والعنف والعنصرية من قبل سلطات تلك الدولة، فان تنظيمها يعتبر خروجا عن نص الدستور وروحه لتعارضها مع مبدأ دعم حركة التحرر الفلسطينية ومناهضة كل أشكال الاحتلال والعنصرية.
حماية الدولة التونسية لمواطنيها
وزيادة على ذلك فان الاعلان في الرحلتين لم يتضمن التفاصيل المتعلقة بأماكن الاقامة والجهات المسؤولة عن تنظيم التنقل والزيارات للمدن والمواقع الخاضعة لدولة اسرائيل، ولم يبيّن الجهة التي سيقع الاتصال بها للحصول على التأشيرات والتراخيص الادارية المستوجبة للدخول الى المدن الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي، كما لم يفصح عن هوية الادلاء السياحيين الذين سيرافقون المشاركين في الرحلتين ان كانوا اسرائيليين أم غيرهم مع ما يترتب عن ذلك من خطر وقوع مواطنين تونسيين بين أيدي الاستخبارات الاسرائيلية، وكان ذلك الاعلان قاصرا عن توفير الشفافية اللازمة للحد من المخاطر المحتملة للمواطنين التونسيين المشاركين في الرحلة والذين يتمتعون بحماية الدولة التونسية أينما كانوا، واعتبرت بذلك المحكمة أنه بناء على ذلك فان الرحلتين المعنيتين بالالغاء مصدرا لخطر محتمل على مواطنين تونسيين.
وأضافت المحكمة في حيثياتها أنّ الطيران الاسرائيلي شن بتاريخ الأوّل من جانفي من سنة 1985 ما يعرف بعملية «الساق الخشبية» على ضاحية حمام الشط بتونس العاصمة وهي غارة جوية تسببت في مقتل 60 شخصا وجرح مائة آخرين من التونسيين والفلسطينيين بالاضافة الى أضرار مادية فادحة، وهي الغارة التي تمت ادانتها بموجب القرار عدد 573 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 4 أكتوبر 1985، كما قامت قوات خاصة من الجيش الاسرائيلي بالتسلل عبر المياه الاقليمية التونسية بتاريخ 16 أفريل 1986 وقامت باغتيال القيادي الفلسطيني خليل الوزير المعروف باسم «أبو جهاد» الذي يتمتع بحماية الدولة التونسية باعتباره مقيما على أرضها.
وجاء في الحكم القضائي كذلك انّ الوقائع المذكورة تنزّل دولة اسرائيل منزلة العدو للدولة التونسية، خاصة وأنّه لم يقع ابرام أي اتفاق أو صلح في شأنها، مما يكون معه التعامل مع تلك الدولة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبيل الاعتداء على أمن الدولة الخارجي وهي الجريمة المنصوص عليها وعلى عقاب مرتكبها بالفصلين 61 و 62 من المجلّة الجزائية.
ورأت المحكمة بناء على ذلك أنّه بصرف النظر عن توفير أركان تلك الجريمة من عدمه فانّ تنظيم الرحلتين المذكورتين في ظلّ الوقائع سالفة الذكر يعتبر عملا محفوفا بالمخاطر على سلامة المشاركين فيهما، وهو الى ذلك عمل فيه خروج عن نص وروح الدستور التونسي باعتباره يؤدّي الى التطبيع مع دولة تمارس الاحتلال والعنصرية، والى الخروج عن قرارات جامعة الدول العربية المتعلّقة بمقاطعة اسرائيل، وبالتالي يتجه بناء على ذلك الغاء الرحلتين المبرمجتين من قبل الوكالة المطلوبة الى القدس الشريف بداية من 16 مارس 2015 كما يتجه الاذن للسلطات المختصّة بايقاف اجراءات سفر المشاركين.
وعليه قرّرت المحكمة الحكم ابتدائيا استعجاليا بالزام المطلوبة في شخص ممثلها القانوني بالغاء الرحلتين المبرمجتين ليوم 16 مارس 2015 الى 23 مارس من نفس السنة الأولى الى القدس الشريف والثانية الى القدس والعمرة الى تاريخ 31 مارس 2015 والاذن الى السلطات المختصّة بايقاف اجراءات سفر المشاركين فيهما.
ويعتبر هذا الحكم نصا قضائيا تاريخيا، اذ يعتبر أوّل حكم في تاريخ القضاء التونسي يحرّم التطبيع مع العدو الصهيوني ويحرّم بالتالي التعامل معه.
المصدر: http://www.legal-agenda.com/